07 07 وكذلك لا يصح إطلاق لفظ (الكون) للتعبير عن السماء الدنيا وما فيها، فهو لا يشمل إلا الأشياء المحسوسة للإنسان من مادة وطاقة، ولا يشمل ما عدا ذلك. فنسمي السماء: السماء، ونسمي الأرض: الأرض. والسماء تشمل كل النجوم والكواكب والمجرات، وما بينهما من خلق نعلمه، وخلق لا نعلمه. كما أننا نسمي المدارات والمجالات التي تتحرك فيها النجوم والكواكب والشمس والقمر... نسميها: الفَلَك، قال تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )، وقال: ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ). ونسمي الدارسين للنجوم والكواكب وما في السماء: علماء الفلك (أو: الفلكيين). ولا نقول: علماء الكون. ونقول: (الفيزياء الفلكية) بدلا من: (الفيزياء الكونية). إن مصطلح (الكون)، مصطلح لا يمت بصلة إلى القرآن الكريم، والمفاهيم التي يؤسسها، ويبنيها، فهو مصطلح يشهد بمفهوم مختزل للمدرك البشري، ويريد أن يدخل اللهَ في "شرنقة" الإدراك البشري للخلق. الإنسان لم يدرك بعد نفسه إدراكا جيدا، وما يجهله من نفسه أ عظم وأكثر مما يعلمه، فكيف نحد الله بإدراكاتنا. لنسمي الأشياء كما سماها الله سبحانه وتعالى، ولا نقوم نيابة عن الله بوضع الألف اظ للدلالة على
عدد الصفحات ١٧08 08 مفاهيم ودلالات ومعانٍ إلهية، فستظل ألفاظنا قاصرة، ومفاهيمنا بشرية، ولا يصح اختزال المعطى الإلهي في الإدراك البشري. فهذه دعوة لتنقية ألفاظنا، وتنقية النظام المفاهيمي لنا – المسلمين – وتطهيره بنور القرآن الكريم، وهدايته، وعدم تلويثه بمفاهيم غريبة عنه. وفي جهلة منا نظن أننا ننصف الحقائق كما يخبرنا القرآن الكريم، ونحن بعيدون بعدا شاسعا عن ذلك. 4 /لفظالفضاء): ومن تلك الألفاظ التي نستخدمها فنسيء لكتاب ربنا (دون أن نعلم)، لفظ: الفضاء ( space). ويطلقونه على "الكون المادي خار ج الغلاف الجوي الأرضي". ولفظ الفضاء يعني: الفراغ. جاء في الموسوعة العربية العالمية: (الفضاء هو الفراغ القريب الذي تتحرك فيه جميع الأجسام الموجودة في الكون. فالكواكب، والنجوم وحتى المجرات التي تتكون من بلايين النجوم، نقاط صغيرة مقارنة بالاتساع الهائل للفضاء).. ( يحيط الهواء بالأرض ويكون غلافها الجوي. وكلما بعدت المسافة عن الأرض يصبح الهواء أكثر رقة. ورغم عدم وجود حدود واضحة بين الغلاف الجوي والأرض، فإن أغلب الخبراء يعتقدون أن الفضاء يبدأ
عدد الصفحات ١٨09 09 من ارتفاع52كم من سطح الأرض. والفضاء الخارجي الذي يعلو الغلاف الجوي مباشرة ليس فارغًا تمامًا، ولكنه يحتوي على جسيمات هوائية وغبار فضائي وقطع معدنية وحجرية غير منتظمة الأشكال تسمى النيازك .كما تنتقل خلاله أنواع كثيرة من الإشعاعات)... الفضاء إذن هو الفراغ. وحين نقلب صفحات القرآن الكريم لا نجد شيئا اسمه الفراغ، بل يذكر القرآن الكريم دائما لفظين: الأول: أن السماء بناء، وليس فضاء. فالسماء مبنية، والمبني ليس فيه فراغات، فهو مملوء بالمادة والطاقة، وبما لا نعلمه من الأشياء. الثاني (ما بينهما)، فالقرآن الكريم يتحدث باستمرار عن: (السماوات والأرض وما بينهما)، إذن فهنا أشياء بينهما، وهذا (الما بين) لا يصح أن يسمى فضاء، بل يسمى: ما بين السماء والأرض، ونقول: البناء السماوي، ولا نقول: الفضاء. وتسمية (الفضاء) دالة على قصور إدراك الإنسان، فهو يرى فراغا، فسمى ذلك: فضاء، ولكن الحقيقة مختلفة، فهذا ليس فراغا، بل هو عجز للإدراك البشري عن تبين حقيق ة الأمر، والله سبحانه وتعالى يقول: ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (42 )وَمَا لَا تُبْصِرُونَ )، فهناك أشياء نبصرها وأشياء لا نبصرها. ولا يوجد في خلق الله فراغ، بل كل شيء مبني ومملوء، أبصرنا
عدد الصفحات ١٩21 21 بعضا من ذلك، وعجزنا عن إبصار بعض آخر. ومن القصور أن نسمي الأشياء ببعض ما فيها متناسين - أو متجاهلين أو عاجزين عن إدراك _ خواص أخرى لها ولهذا الكلام بقية.
عدد الصفحات ٢٠20 20 المبحث الأولالمراحل الفاصلة في السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن بالتدبر في آي الكتاب الكريم، والحديث عن السماء والسماوات والأرض، تبين أن ثمة ثلاث مراحل فاصلة في السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن، وهي كالتالي: المرحلة الأولى: مرحلة الخلق (خلق السماوات والأرض)، وفيها خلق الله السموات والأرض وما فيهن، فكانت السماوات والأرض رتقا ، حتى فتقهما الله. [ المرحلة الثانية : مرحلة التسوية، وهي إتمام الخلق ، فرفع السماء وسواها، ودحا الأرض وفرشها، ثم سوى السماوات السبع. وهذه المرحلة بدأت حين (استوى إلى السماء)، فاستوى إلى السماء وهي دخان، ثم سوى السماء، ودحا الأرض، ثم سوى السماوات السبع. [ في يومين، وبذلك تمت ستة أيام المرحلة الثالثة : مرحلة التدبير : فبعد خلق السماوات والأرض استوى على العرش، يدبر الأمر.
عدد الصفحات ٢١22 22 والمرحلتان الثانية والثالثة، بدأهما بالحديث عن الاستواء، فأول المرحلة الثانية قال: (ثم استوى إلى السماء)، وأول المرحلة الثالثة قال: (ثم استوى على العرش). ولم ينسب فعل (استوى) إليه إلا في هذين الموضعين. راجع دلالة الفعل في بحثي عن (سوى في القرآن الكريم). وفي هذا البحث (السماء والسماوات في القرآن الكريم) سأبسط الأدلة على ما ذكرته هنا من هذه المراحل. والمتتبع لآي القرآن الكريم يجد أن أفعال الله المستخدمة في كل مرحلة ذات طابع خاص تختلف عن المراحل الأخرى. ففي المرحلة الأولى، يستخدم فعل الخلق واقعا على السماوات والأرض، وفي المرحلة الثانية يستخدم أفعالا أخرى، مثل: جعل، أنشأ... الخ، وتقع على المخلوقات التي في السماوات والأرض. وفي المرحلة الثالثة تستخدم أفعال التدبير، والتسخير... الخ. وسأوضح هذا لاحقا. وبعد ذلك يأتي الحديث عن السماء والسماوات والأرض في نهاية الخلق.
عدد الصفحات ٢٢23 23 المبحث الثاني: ما قبل خلق السماوات والأرض ما الذي كان قبل خلق السماوات والأرض؟ قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَ كُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ ) العرش كان على الماء من قبل خلق السماوات والأرض، فالعرش والماء كانا قبل السماوات والأرض. وحديث عمران بن حصين في صحيح البخاري أن أهل اليمن سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نسألك عن أول هذا الأمر، فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء". وفي رواية له: " كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض". قال ابن حجر في فتح الباري: ( وفيه دلالة على أنه لم يكن شيء غيره، لا الماء ولا العرش ولا غيرهما؛ لأن كل ذلك غير الله تعالى). وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء".
عدد الصفحات ٢٣24 24 روى أحمد والترمذي من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: "أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب فجرى بما هو كائن إلى الأبد"، وصححه الألباني وغيره. قال ابن حجر: ( أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي أنه قيل له، اكتب أول ما خلق). فهذه الأحاديث أفادت أن خلق السماوات والأرض لم يكن أول المخلوقات، بل خلق الله قبلها الماء والعرش، وهذا تفيده آية هود أيضاً (وكان عرشه على الماء). وأفادت الأحاديث أيضا أن الله خلق القلم وكتب المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض، ومما كتبه خلق السماوات والأرض وما فيهما وما هو كائن فيهما إلى الأبد. وسأتحدث هنا عن: الماء، والعرش، والكرسي. وأما القلم فسأتحدث عنه في بحثي: (يدبر الأمر) في القرآن الكريم.
عدد الصفحات ٢٤25 25 المطلب الأولالماء: تحدثت عن الماء والتراب في بحثي: (من أفعال الخلق – دراسة معجمية وموضوعية). وخلاصة ما توصلت إليه ما يلي: 6) الماء مخلوق من قبل خلق السماوات والأرض. 5) (التراب مع الماء) أصلٌ، منه خلق الله كل شيء حي. 4) الماء سبب لحياة كل شيء 3) التراب، في الأشياء غير الحية، ويشترك معه الماء في الأشياء الحية. 2) التراب مادة الأصل، والنطفة مادة النسل. وأكتفي بما بسطته هناك.
عدد الصفحات ٢٥26 26 المطلب الثاني: العرش 6 /العرش في القرآن الكريم في القرآن الكريم إحدى وعشرون آية تتحدث عن "العرش"، وهي كالتالي: آية بينت أن العرش كان قبل خلق السماوات والأرض، وأنه كان على الماء، قال تعالى في سورة هود: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ). ست آيات تحدثت أن الله خلق السماوات والأرض (وما بينهما) في ستة أيام، ثم استوى على العرش. (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَ لَى الْعَرْشِ ) (س ورة الأعراف، ويونس، والرعد، والفرقان، والسجدة، والحديد). ويل حظ في خمسة من هذه المواضع الستة أنها تذكر مدة الخلق (ستة أيام)، ثم الاستواء على العرش. والآية السابعة تحدثت عن استواء الرحمن على العرش دون ذكر الترتيب السابق، في سورة طه: ( تَنْزِي لًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ( 3) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ). وسأتحدث عن دلالة قوله: (ثم استوى على العرش) في المرحلة الثالثة: التدبير.
عدد الصفحات ٢٦27 27 ست آيات تحدثت عن (رب العرش)، وكلها جاءت في سياق عظمته العظمة المطلقة، وتعاليه، وتنزيهه عما يصفه المشركون من نسبة الولد والشريك إليه، أو نسبة العبث، قال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )، وقال تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْ عَرْشِ الْعَظِيمِ )، وقوله تعالى: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ( 52) اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )، وقوله تعالى: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّ مَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (662 )فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ )، وقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (26 )سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ )، وقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ). وفي هذه المواضع وصف العرش بصفتين: العظيم، والكريم ، ويدل الوصف على عظم قدره وجلالته عند ربه. ووصفه بالكريم يدل على صلة ما بينه وبين المخلوقات الأخرى، كما سيتبين لنا عند الحديث عن (استوى على العرش). وفي الآية الأولى بيان لعظمة العرش العظيم، فهو يسأل المشركين: من رب السماوات السبع، وهو سؤال عظيم، فالسماوات السبع عظيمة جدا، ثم جاء السؤال عما هو أعظم: ورب العرش العظيم، فهو أعظم من السماوات السبع. وتدل الآيات على أن العرش مربوب كسائر المخلوقات.
عدد الصفحات ٢٧28 28 وأربع آيات جاءت بصيغة (ذي العرش)، وهو الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ( قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِ لَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا )، وقال: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ )، وقال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 65) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ )، وقال: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( 63) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ). وهذه الآيات يفهم منها علو العرش، فالآية الأولى تأتي في سياق تعظيم الله، ويفهم منها أن العرش أعلى المخلوقات، فلو كان ثمة آلهة لابتغوا إلى ذي العرش، ولا شيء فوق العرش وإلا ذكر ابتغاءهم السبي ل إليه. وفي الآية الثانية وصف لربنا بأنه رفيع الدرجات، ثم قال: ذو العرش، فيفهم منها أن درجة العرش هي أعلى الدرجات، والله سبحانه وتعالى رفيع الدرجات. والآية الثالثة تتحدث عن جبريل الرسول الكريم (ولاحظ وصفه بالكريم، ووصف العرش بالكريم)، فهو مكين عند ذي العرش، ولعل الآية والله أعلم تشير إلى مقام جبريل، الذي يتلقى الأمر من ربه، فيصل إلى مقام عال في العرش. وثلاث آيات تتحدث عن الملائكة وحملهم للعرش، قال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَ سْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ )، وقال: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَ وَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( 23) وَتَرَى
عدد الصفحات ٢٨29 29 الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَق وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )، وقال: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ). فالآية الأولى والثانية تفيد أن هناك من الملائكة من يحمل العرش، وأن هناك من يحف به، ولهذا قال في الآية الأولى (ومن حوله)، وهو ما صرحت به الآية الثانية (حافين من حول العرش)، وأن هؤلاء جميعا يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للمؤمنين. كما أن الآية الثانية تفيد أن المؤمن سيرى هؤلاء الذي يحفون بالعرش حين يدخل الجنة، فالآية جاءت في سياق الحديث عن اليوم الآخر (في آخر سورة الزمر). وتفيدنا الآية بأن أعظم الأفعال هي التسبيح بحمد الله والإيمان به وطلب مغفرته، فهي أعمال أرفع الملائكة، وهي الأعمال التي يقولونها وهم يحملون عرشه ويحفون به، ولله المثل الأعلى (فالناس في الدنيا إذا كانوا بحضرة الملوك تخيروا أفضل ما يرضي الملوك ليقولوه بين أيديهم). وأما الآية الأخيرة فتتحدث عن مجيء الرب يوم القيامة للفصل بين خلقه، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية. فالآيات الكريمة تبين لنا ما يلي: 6) وجودهالعرش كان على الماء، من قبل السماوات والأرض. 5) وظيفتهاستوى الرحمن على العرش بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولهذا صلة بتدبير الأمر.
عدد الصفحات ٢٩31 31 ولم تنص آي ة منها أنه استوى على العرش قبل خلق السماوات والأرض، بل بعد خلقها، كما يفيده لفظ (ثم). 4) مكانته بين المخلوقاتالعرش أعظم من السماوات والأرض، وهو عظيم كريم، والله سبحانه وتعالى ربه. والعرش أعلى المخلوقات، ودرجته أعلى الدرجات. 3) حملتهللعرش حملة من الملائكة، وب عضهم يحف به، وهم يسبحون بحمد ربهم، والمؤمن سيراهم في الجنة. ويوم الفصل سيحمل عرش ربك فوقهم ثمانية. 5 /العرش في السنة وقد جاء ذكر العرش في أحاديث كثيرة، وهي تبين مجموعة من الحقائق: الأولى: وجود العرش: العرش كان على الماء، من قبل السماوات والأرض. وقد بينت ه ذا الآيات أيضاً. ففي حديث عمران بن حصين في صحيح البخاري أن أهل اليمن سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نسألك عن أول هذا الأمر، فقال: " كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء".
عدد الصفحات ٣٠30 30 الثانية: مكانته بين المخلوقات: فهو أعظم من الكرسي، والكرسي أعظم من السماوات. كما في الحديث الذي أخرجه ابن جرير وغيره، وصححه الألباني: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة » .وسأتحدث عن الحديث لاحقا (انظر: الكرسي). كما أن العرش أثقل مخلوق، ففي حديث جويرية مرفوعا في مسلم: «لقد قلتُ بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وُ زنتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنَ تْهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه ورضا نفسه وزِ نَةَ عرشه ومداد كلماته». فقال (وزنة عرشه)،فعدّ وزنه، كما عدّ (عدد الخلق). وهو أعلى المخلوقات، ففي البخاري عن أبي هريرة يرفعه: «إن الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة». الثالثة: وظيفته، ولها صلة بالتدبير، كماحديث أبي هريرة في البخاري مرفوعا: «إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن
عدد الصفحات ٣١32 32 رحمتي سبقت غض». وفي مسلم عن جابر مرفوعا«اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ». وهذا لأن له صلة بتدبير أمر المخلوقات وهناك أحادي ث أخرى، إلا أن مجملها يبين – كما تبين الآيات: وجوده، ومكانته بين المخلوقات، ووظيفته.
عدد الصفحات ٣٢