219 219 و(يدبر الأمر) في يونس والرعد، و(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) في السجدة. وفي سورة هود أعقبه بقوله ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّ ةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )، فالله يدبر الأمر وفي تدبيره بلاء للناس أيهم يحسن عمله وأيهم يسيء، فاللام في قوله (ليبلوكم) للتعليل، والمعنى: أنه استوى على العرش يدبر الأمر؛ ليبلوكم. ووازن مع آية سور ة الملك: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )، فخلق الموت والحياة من تدبيره أمر الخلق، وفي هذا التدبير يبلو الناس، وفي سورة الكهف: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْ سَنُ عَمَلًا )، فجعل ما على الأرض زينة لها هو من تدبير الله لخلقه، فعلل ذلك بأنه يبلو الناس أيهم أحسن عملا. كما جاء الحديث عن بعض مظاهر التدبير، كإيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، وتسخير الشمس والقمر والنجوم، وجريانها إلى أجل مسمى. كما جاء الحديث عن علمه بذات الصدور، وبما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وملكه ومعيته. كما تحدث عن خضوع كل خلقه له، فتحدث مرتين عن أنه ما من
عدد الصفحات ٢٠٩201 201 شفيع إلا بعد إذنه، ومالكم من دونه من ولي ولا شفيعفهذه كلها مظاهر التدبير. 3. في أغلب الآيات جاء اديث في سياق ربوبية الله تعالى: (إن ربكم..) (فتبارك الله رب العالمين)، فهو يقول: إن ربكم هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، فهو خلق ولم يترك ما خلق، فكمال ربوبيته على خلقه أن يدبر الخلق (ألا له الخلق والأمر). 2. في أربعة مواطن جاء عقب الحديث عن ذلك توجيه الناس إلى عبادته، فهو ربهم، وإلى دعائه تضرعا وخفية، وإلى السجود له، وإلى ولايته، وبين في الموطن الخامس أنه معهم أينما كانوا، وأنه عليم بذات صدوره. فتبين بذلك أن قيامه على خلقه، وهدايته لهم، هو من أمره الذي يدبر به الخلق، فهو يفصل الآيات لهم. فقوله (ثم استوى على العرش)، لفظ (استوى) يحمل دلالة مرحلتين متباينتين، يكون الانتقال من المرحلة السابقة إلى اللاحقة. فالآيات تبين هذا الانتقال، باستخدام حرف العطف (ثم)، وسياقها كما تقدم يبين أن ذلك مرتبط اً بحالة سابقة (وهي حالة خلق السماوات والأرض في ستة أيام)، وحالة لاحقة هي غير حالة الخلق، وهي حالة (تدبير الأمر)، كما جاء ذلك في سياق أغلب الآيات التي ذكرت (استوى على العرش)، فيعقبها: يدبر الأمر، أو: له الخلق والأمر. فهي مرحلة الأمر
عدد الصفحات ٢١٠200 200 وتدبيره، ويؤكد ذلك ارتباطها بالاسمين العظيمين: الله والرحمن، وهما الاسمان الواردان في سياق الخلق والتدبير. والملاحظ أن قوله (ثم استوى على العرش) ورد ست مرات في القرآن الكريم، والمرة السابعة قوله ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )، فاختلفت الصيغة، وهذا يبين ارتباط الدلالة بخلق السماوات والأرض في ستة أيام. ومن ثم يمكن ال قول أن (استوى على العرش) هي المرحلة الثالثة الفاصلة في مسيرة السماوات والأرض وما فيهن. واللفظ في مختلف سياقاته يركز على الفعل لا على الذات، فالفعل هو: تدبير الأمر، وأن هذا التدبير بعد الخلق والتسوية، وبذلك نفهم قوله (ألا له الخلق والأمر). ونحن نهتم بما يهتم به القرآن الكريم، ولا نبحث عن أشياء لا تعنينا كبشر، وليس مرادا منا أن ندركها، فما الذي يعنينا الحديث عن ذاته سبحانه وتعالى والقول بأنه على العرش، والقرآن لم يقل ذلك بل: قال (استوى على العرش)، وجاء ذلك كله في سياقات واضحة ومكررة. وجاء في تفسير القرطبي عن د تفسير آية السجدة (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض). قال القرطبي: ( وقد قيل: إن العرش موضع التدبير، كما أن ما دون العرش موضع التفصيل، قال الله تعالى: "ثم استوى على
عدد الصفحات ٢١١202 202 العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات". وما دون السماوات موضع التصريف، قال الله تعالى: "ولقد صرفناه بينهم ليذكروا" ). فجعل العرش موضع التدبير، وما دون العرش موضع التفصيل، وما دون السماوات موضع التصريف. ونحن نقول إن قوله (ثم استوى على العرش)، يعني أنه سبحانه وتعالى بعد أن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وسوى، فإنه استوى على العرش، أي: قصد إلى تدبير خلقه. فهو يدبر الأمر سبحانه وتعالى.
عدد الصفحات ٢١٢203 203 المطلب الثانييدبر الأمر من السماء إلى الأرض: جاء في سورة الطلاق: ( اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ )، فالآية تتحدث أن الأمر يتنزل بين السماوات السبع، فينزل من سماء إلى السماء التي تليها، فهو يتنزل بين السماوات. أي: ينزل من واحدة إلى الأخرى. وفي السجدة (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )، فالأمر الإلهي (الذي يخص الأرض وأهل الأرض) يدبره الله من السماء إلى الأرض، فينزل إلى الأرض، ثم يعرج إليه، أي: إلى المحل الذي بدأ منه، وهو السماء. والآية تصف سرعة تدبير الأمر، فيكون سرعته في يوم واحد، كألف سنة مما يعد البشر. وتبين الآية أيضاً أن الأمر الإلهي يصل إلى الأرض، ثم يعود إلى السماء، ثم يصل إلى الأرض... فهناك أمر نازل وهناك أمر عارج، على الدوام، كما قال: (وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا )، فالأمر ينزل من السماء إلى الأرض والأمر هو القدر الذي يقدر الله به سير كل شيء، ويقدر به كل أمر، فما من حركة ولا سكنة ولا شيء إلا والله يدبره بأمره. فهي التعليمات الإلهية التي تنزل لكل مخلوق فتشغله أو تسكنه.
عدد الصفحات ٢١٣204 204 ويمكن تشبيه ذلك بجهاز الكمبيوتر، والبرمجة المشغلة له، فكل مخلوق مثل جهاز الكمبيوتر، والأمر الإلهي هو البرامج المش غلة لهذا الجهاز. الإنسان مثلا جهاز، وكل جهاز داخله، وكل عضو، وكل خلية فيه... لا يعمل إلا بالأمر الإلهي. والأمر الإلهي يتواصل مع القدر في المخلوقات. فالله سبحانه وتعالى حين خلق المخلوق قدر فيه كل شيء، قدر زمن وجوده وزمن انتهائه، وقدر حركته وقدر عمله، كل شي ء فيه مقدر... وهذا التقدير يحتاج إلى (الأمر)، فحين يأتي الأمر يستجيب هذا التقدير ويعمل. فالطير الذي تراه، حين خلقه الله قدر فيه كل شيء، ولكنه يظل في عالم الغيب، وحين يأذن الله فيجليه بنوره لوقته، فإنه يبرز إلى عالم الشهادة، ويظل في عالم الشهادة حتى يعود إلى عالم الغيب. فالأمر الإلهي هو الذي ينزل إلى هذا المخلوق فيجليه بنور الله لوقته، ويخرجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، حتى يعود إلى عالم الغيب. وهكذا كل مخلوق، يخلقه الله ويودع فيه أقداره. وحين يجليه الله لنوره فإنه يأتيه الأمر الإلهي فيدبر الله امره.
عدد الصفحات ٢١٤205 205 وبذلك فكل مخلوق يدبر الله أمره تدبيرا تاما، بأمره سبحانه وتعالى. وبينت في كتابي: الظلمات والنور في القرآن الكريم، أن كل شيء قد خلقه الله وأودع فيه أقداره وسننه، ويظل في عالم الغيب، حتى يجليه الله لوقته. والله يجليه بنوره، فهو نور السماوات والأرض. فـ"أمر" الله هو نوره الذي يجلي به الخلق ويدبر أمر كل مخلوق به. ويدل على هذا قوله تعالى: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (35 )وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ )، فبينت الآيات أن الله خلق كل شيء بقدَ ره، أي خلقه فأودع فيه أقداره، وحين يأتي أمر الله فإنه يتجلى بأمر ربه، وهذا الأمر إنما هو واحدة كلمح بالبصر. وقوله (واحدة)، أي: أن كل شيء له أمر يخصه، ومن ثم فالشيء يقضيه الله بـ (أَمْرَة واحدة)، أمرة واحدة لا ثاني لها، يرسلها الله إلى الشيء فتقضيه بإذن ربها. فالأمرة الواحدة تحمل توجيها واحد ا، وكل أمرة تحمل توجيها واحدا. فالآية تبين دقة الأمر الإلهي، فكل شيء له أمره، يأتيه أمر محدد، بتوجيه محدد، فآية القمر تبين أن أمر الله ليس كلاما عاما، بل مفصل، كما قال ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ). كل شيء له أمرة واحدة، تأتيه فتقضيه بإذن الله.
عدد الصفحات ٢١٥206 206 فيسمى الأمر أمرا، بالنظر في التدبير، فالله يدبر شأن خلقه بأمره، فيقضي ما شاء. ويسمى نورا، بالنظر في تجليته من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. فحين يجلي الله شيئا يرسل إليه أمرة واحدة، فيتجلى بإذن ربه. وبذلك ففي كل لحظة ينزل من (الأمر) ما لا يعلمه إلا الله. كل شيء يدبره الله بأمرة واحدة. وقال تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ )، وقال: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ )، أي: الأمر الذي يرسله الله إلى الساعة فيجليها، حيث يرسل إليها أمره فيجليها بنوره، فتنتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. وتبين الآية أن هذا الأمر (النور الإلهي المشغل والمحرك للمخلوقات، والذي يدبر الله به أمر الخلق فينقلها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة). تبين الآية أن هذا الأمر إنما هو كلمح البصر أو أقرب، كما قال: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ). ** وعودة إلى قوله تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَ ةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )... تحدثت عن أن الأمر ينزل
عدد الصفحات ٢١٦207 207 من السماء إلى الأرض، ثم يعرج الأمر إلى السماء، أي: إلى المحل الذي صدر منه. فالأمر النازل: هو أمر الله الذي يقضي به الشيء، بعد أن لم يكن مقضياً. والأمر العارج: هو الأمر نفسه الذي أرسله الله يعرج مرة أخرى إلى السماء حاملا تقرير التنفيذ. وبهذا نفهم أن الأمر الإلهي (شفرة برمجة) يرسلها الله إلى الشيء، حاملة التوجيه (أو التعليم) المحدد، فيتم التنفيذ، ثم يعود الأمر إلى السماء، بتقرير التنفيذ، الذي تم. فالأمر هو شيء، ولكننا لا نفهم طبيعة هذا الشيء، إنما نفهم أنه شيء يدبر الله به الخلق، خلق الله كل شيء وقدره، ثم هو يدبر أمره. فلله الخلق والأمر. ** (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) هذه الملائكة، الموكلة بأمر الله سبحانه وتعالى. ولا ندري طبيعة حملها للأمر الإلهي، وهل تحف به حتى يتم، أو تحفظه حتى يأتي وقته فترسله بأمر الله سبحانه وتعالى.
عدد الصفحات ٢١٧208 208 قال تعاإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (4 )فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (3 )أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ )، ففي ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، يفرق كل أمر حكيم، من عن د الله سبحانه وتعالى، وتقوم الملائكة بتقسيم هذا الأمر وفرقه، كما قال تعالى: ( فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ). وتبين الآيات أن الله يرسل أمره إرسالا (إنا كنا مرسلين)، أي: مرسلين للأمر بعد فرقه وتقسيمه، يرسل الله كل أمر إلى ما أعد له، فينقضي بإذن الله.
عدد الصفحات ٢١٨209 209 المبحثالتاسع: نهاية الخلق ومراحله كلما ورد في القرآن الكريم من حديث عن نهاية السماء من انشقاق وانفطار وتشقق... فقد ورد مع (السماء)، وهي السماء الأولية التي تحدث عنها في أول المرحلة الثانية. أولاً: سياق الآيات وردت النهاية مع الأفعال التالية: (الانشقاق): قال تعالى : ( فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ )، وقال تعالى: (وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ( 61) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ( 62))، وقال تعا (إِذَا ا لسَّمَاءُ انْشَقَّتْ ( 6) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ 5) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ 4) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ( 3) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ 2)) (الانفطار): قال تعا إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ( 6) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ 4) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ )، وقال تعالى: ( يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ( 62) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ). (الانفراج): قال تعالى (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ( 2) وَإِذَا السَّمَاءُ فُ رِجَتْ (5) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ).
عدد الصفحات ٢١٩221 221 (فتح الأبواب): قال تعايَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ( 62 ) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا 65) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ). (حالة السيلان)، قال تعالى: (يَوْمَ تَمُ ورُ السَّمَاءُ مَوْرًا . وتسير الجبال سيرا)، وقال تعالى: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ( 2) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ). (حالة الدخان): (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (61 )يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (66)). (الطييَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ). كما ذكر الطي مع (السماوات)، وسأبين لماذا، قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ). **
عدد الصفحات ٢٢٠220 220 ثانياً: مراحل نهاية الخلق ستكون عملية نهاية الخلق عكس عملية الخلق الأول، وهذا مفهوم المثلية في قوله تعالى (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّ لَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ). راجع (مصطلح: بدأ الخلق في كتابي (أفعال الخلق في القرآن الكريم). ففي الخلق الأول (كما دللت على ذلك): خلق الله السماء والأرض، ثم خلق ما في الأرض، ثم سوى السماء إلى سبع سماوات. وفي نهاية الخلق، ستطوى السماوات السبع أولا حتى تعود سماء واحدة، ثم ينتهي ما خلق في الأرض، ثم تنتهي السماء والأرض. وبذلك فنهاية الخلق تمر بالمراحل التالية: المرحلة الأولى: طي السماوات طي السماوات، وهو أجلها المسمى، حيث تطوى وتعود إلى سماء واحدة، وهذا هو الأجل المسمى لها قال تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى )، وقال تعالى: ( مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ )، فهو أجل مسمى للسماوات كلها. وهذه المرحلة المذكورة في قوله: ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا
عدد الصفحات ٢٢١222 222 قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ). وبذلك تطوى السماوات فتعود سماء واحدة، كما بدأها الله أول مرة. المرحلة الثانية: تصدع السماء ما تتعرض له (السماء الواحدة) من ظواهر تغير نظامها وتصدع بنيتها، وتخلخل أنسجتها، حتى تصير بنيتها واهية (انشقاق، انفطار، انفراج). وقد سبق ت الأدلة. وتأمل قوله ( وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ). وهذه المرحلة داخلها مراحل، ففي هذه المرحلة تلقي الأرض ما فيها وتنعدم الحياة عليها (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ( 4) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ )، وتصبح جبالها هباء منبثا، وبحارها تتفجر. (وهذه تقابل مرحلة الخلق الثانية حين خلق الله لنا ما في الأرض ودحاها ومدها وأرسى جبالها...الخ) ، وفيها تنطمس النجوم، وتتناثر الكواكب...الخ. والمتدبر في الآيات يجد أن الظواهر التي تعرض للسماء عند نهايتها في هذه المرحلة هي: الانشقاق، والانفطار، والفروج. وهذه الظواهر نفاها الله عن السماء والسماوات (الحالية)؛ ذلك أنها مبنية لا شقوق فيها ولا صدوع ولا فروج، فقال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ
عدد الصفحات ٢٢٢223 223 الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ )، وقا ل تعالى: ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ). المرحلة الثالثة: مرحلة السيلان ما تصير إليه السماء بعد ذلك من ذوبان وتحول إلى حالة سيلان وتغير في الألوان، (المور)، تشبه الزيت (كالمهل)، أو الدهن (وردة كالدهان)، ولهذا تأمل آية سورة الرحمن (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَان ) فصيرورتها وردة كالدهان لاحقة لمرحلة انشقاقها. قال تعالى: ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا . وتسير الجبال سيرا )، وقال تعالى: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ( 2) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ). المرحلة الرابعة: مرحلة الدخان مرحلة الدخان، فبعد ذوبان السماء وتحولها إلى مادة مذابة، فإنها تتحول إلى مادة دخانية، (وهذه تقابل مرحلة الدخان في بداية الخلق)، قال تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْ تِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (61 )يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (66 )رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (65 )أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى ). والله أعلم بمراده.
عدد الصفحات ٢٢٣224 224 ملحوظة: بعض المفسرين يرى أن هذا الدخان من علامات الساعة الكبرى، وهو الوارد في الحديث النبوي. وهذا محتمل، غير أني أرى حمله على نهاية مراحل الخلق. وقوله: يغشى الناس.. فهو وصف لحالة الناس في ذلك اليوم المهول، وما يعانونه وما يتمنونه، كما قال تعالى: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (54 )يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ]) ولا تنفعهم الذكرى (أنى لهم الذكرى)!! فقد فات زمنها في الحياة الدنيا وقد تحدثت سورة الدخان عن مصير الناس في يوم القيامة، وسياقها العام يرسم المشهد في ذلك اليوم، وختمت بالقول: (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ )، أي: فارتقب ذلك اليوم الذي يحقق الله فيه بطشته الكبرى وانتقامه بالظالمين الجبارين. المرحلة الخامسة: طي السماء وهذه المرحلة تختلف عن الطي الأول، فالطي الأول هو طي السماوات إلى سماء واحدة، وهذه المرحلة هو طي السماء الواحدة، قال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ). وهذه المرحلة الأخيرة، وهي تقابل مرحلة الفتق، ولهذا ذكر معها قوله (كما بدأنا أول خلق نعيده)، إيذانا بأن
عدد الصفحات ٢٢٤