المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السماء والسماوات في القرآن الكريم

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ١٣ من ١٦

093 093 النحو الث الث: الاستدلال بانتظام الأمر وال تدبير في السماوات والأرض على أنه ما من إله إلا هو، ولو تعددت الآلهة لفسدت السماوات والأرض، واختل نظامها، فواحدية النظام دال على واحدية الخالق: ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ). السياق الثاني: أفعال الخلق. (تقدم الحديث عن: خلق)، وورد مع (فاطر، بديع). (فاطر): كقوله: ( فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )، وقوله: ( فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ). وقد ورد في سبعة مواضع. وقد تحدثت عنها سابقا في أول الكتاب. (بديع): في موض عين ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ). وتكلمت عنها في كتاب (أفعال الخلق في القرآن الكريم). *** السياق الثالث: الربوبية

عدد الصفحات ١٩٣

094 094 جاء في أحد عشر موضعا: رب السماوات والأرض، وتأتي للاستدلال على وحدانية الله، وأحقيته بالعبادة وحده ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَ ا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ )، (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا )، (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( 12) رَبُّ الس مَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ). ولا سيما أن المشركين يقرون بربوبية الله للسماوات والأرض، فلم لا يوحدونه في العبادة؟! (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ). وكذلك جاء الحديث عن (رب السماوات السبع)، مقترنا بالحديث عن العرش العظيم: ( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )، (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَ مَّا يَصِفُونَ )... كما يتصل بالحديث عن ربوبية الله للسماوات والأرض وما فيهن، أي قيامه بالأمر كله فيهن، وتدبيره لهن. يتصل بذلك بيان أنه نور السماوات والأرض: (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )، أي: منورهما، ونوره تدبير وتجلية لهن ولما فيهن ومن فيهن، يجليها بإذنه فتخرج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. وقد بينت هذا سابقاً. **

عدد الصفحات ١٩٤

095 095 السياقالرابع: صفات العلم والإحاطة: وجاء في ذلك تسع عشرة آية. وقد أتت للدلالات التالية: - إحاطة علم الله بما في السماوات وما في الأرض. كقوله: (وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ). -وتبين الآيات أن ما لا يعلمه الله في السماوات والأرض فليس بعلم، وليس بحق، فكيف يدعي المشركون أن لله شريكا، والله لا يعلم أن له شريكا: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَ ا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ). -وتبين الآيات أن الله يعلم الغيب الذي في السماوات والأرض، (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ). وأن لله غيب السماوات والأرض كتابي: الغيب والشهادة في القرآن الكريم -وتبين الآيات أن الله يعلم السر الذي في السماوات والأرض، وهو الذي يخرج الخبء فيهما: ( أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )، ( قُلْ أَ نْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )،

عدد الصفحات ١٩٥

096 096 فالذي يعلم ال سر فيهما هو الذي أنزل القرآن الكريم، فضمنه علمه سبحانه وتعالى. وأنه لا يغيب عنه مثقال ذرة فيهما إلا وهو يعلمه، وسيأتي به الله حين يشاء. -وأن الله يعلم (من) في السماوات والأرض: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ). ** وجاء لفظ العلم مع (السماء) في ست آيات: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ )، وقوله (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ )، وقوله: (إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ )، وقوله: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ )، وقوله: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ )، وقوله: (وَمَا يَعْزُ بُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ). ويلحظ أن السياق يطرد في استخدام النفي مع (السماء)، كنفي خفاء شيء على الله في السماء، ونفي أن ثمة غائبة لا يعلمها، ونفي أن تكون مثقال ذرة عازبة عنه... كالآيات السابقة في أربعة مواضع. **

عدد الصفحات ١٩٦

097 097 السياقالخامس: الملك: وردت في إحدى وخمسين آية، وهي تبين أن لله ملك السماوات والأرض وما بينهما (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا )، وأنه وحده من يملكها وليس له شريك في ملكه (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ ). وأن كل ما في السماوات والأرض، وكل من في السماوات والأرض ملكه، قد خضعوا لسيدهم ( بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ )، ( أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ). وأن له جنود السماوات والأرض: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ). وتبين الآيات أن ميراث السماوات والأرض يؤول إلى الله وحده: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ). وقد دعا الناس إلى أن ينظروا في ملكوت السماوات والأرض، وهو الملكوت الذي يملكه الله وحده: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ). وتبين الآيات أيضاً أن الله سبحانه وتعالى له خزائن السماوات والأرض (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ). أما ألفاظ الرزق فقد جاءت مقترنة مع (السماء) غا لباً، فالناس رزقهم يأتيهم من السماء، والسماء مخزن الرزق، كما بينته سابقاً. باستثناء آيتين اقترن فيهما (الرزق) مع (السماوات)، وهما قوله: ( قُلْ مَنْ

عدد الصفحات ١٩٧

098 098 يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ )، (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُ مْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ). فهاتان الآيتان تبينان أنه وحده الذي يملك الرزق فيهن، وسواه ممن يدعونه لا يملكون شيئا. فليس المراد من هاتين الآيتين بيان أن رزق الناس في السماء، وإنما بيان أن الله وحده الذي يملك الرزق في ملكوته، وملكوته يشمل السماوات والأرض. وجاءت ثلاث آيات بصيغة السؤال للناس: من يرزقكم من السماء والأرض؟ قوله: ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ )، وقوله: (أَ مَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ )، وقوله: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ). فجيء بلفظ (السماء)؛ لأن الناس يأتيهم رزقهم من السماء، فالآيات هنا للامتنان، وبيان ألا أحد يرزق الناس غير ربهم فلم لا يعبدونه. أما الآيات السابقة (التي فيها لفظ السماوات) فجاءت لبيان أن الله وحده الذي يملك الرزق في ملكوته، ولا أحد يشاركه في ذلك. ** السياق السادس: القهر والقدرة

عدد الصفحات ١٩٨

099 099 فتبين الآيات أن كل من في السماوات والأرض وما فيهما خاضع له سبحانه، فما من شيء إلا وهو يسجد له ويسبح بحمده، وأن له مقاليد السماوات والأرض، وله الكبرياء فيهما... (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )، ( وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ).. (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا )، (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا )، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ )، (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ).... وتبين الآيات أن لله كمال القهر وا لقدرة على خلقه، ولا شيء في السماوات ولا في الأرض يعجزه، فهو العليم بكل شيء القدير على كل شيء: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ). ومن جهل فرعون أنه قال: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ( 41) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ). ففرعون لا يعرف ما السماوات، ولكنه لما سمع موسى عليه السلام يقول: ( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَ اتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا )، فلجهل فرعون وكبره قال: لعلي أبلغ أسباب السماوات التي يدعي موسى أن ربه يملكها!!

عدد الصفحات ١٩٩

211 211 وتبين الآيات أنه ما من ملك في السماوات إلا وهو خاضع لربه، و يقدمون بين يديه، ولا يشفعون إلا بإذنه: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ). ** السياق السابع: الامتنان فالله سبحانه وتعالى يمتن على الناس بان سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وأمكنهم من الانت فاع بها، ولولا تسخيره لما انتفعوا بشيء، فأولى بهم أن يتفكروا في هذه الآيات ويشكروا المنعم: ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ). *** السياق الثامن: الكمال والاستحقاق حيث تبين الآيات أن لله المثل الأعلى في السماوات والأرض، فله الكمال في كل صفة، وما من مثل إلا ولله المثل الأعلى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )... وله الحمد، فكل خلقه يحمدونه سبحانه وتعالى، فلا أحد يستحق الحمد إلا هو: (وَلَهُ الْ حَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ).

عدد الصفحات ٢٠٠

210 210 ثالثاً : موقع السماوات والأرض بالنسبة لغيرهن لدينا مجموعة من الآيات تبين موقع السماوات والأرض، وهي: الأولى: آية الكرسي: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) فهذه الآية تبين أن الكرسي يحيط بالسماوات والأرض، وأنه وسعهما. وقد تحدثت عن الكرسي في أول هذا الكتاب، وبينت أن الله أودع فيه من السنن ما يحفظ به السماوات والأرض، كما قال في الآية الأخرى: (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [ ) وجاء الحديث عن سنة الحفظ والإمساك في ثلاثة مواضع، موضعين بلفظ (السماوات)، وهما المذكوران آنفا. والثالث بلفظ (السماء)، وهو قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [ ) في الأرض من أجلهم، وتسخيره لما في البحر من أجلهم (وهو الفلك)، فأتبع ذلك بذكر تسخيره للجو وما في السماء لأجلهم، وذلك ببيان أنه أودع في السماء سننه فلا تقع على الأرض، وبذلك بقيت الأرض آمنة لهم، وهذا رحمة ورأفة منه بالناس. فناسب المجيء بلفظ (السماء)؛ فالناس لا يرون فوقهم إلا سماء واحدة، ولا يرون سبع سماوات.

عدد الصفحات ٢٠١

212 212 وأيضاً فلو وقع شيء على الأرض، فإن الذي يقع هو السماء لا السماوات كلها. ومن ثم ناسب المجيء بلفظ (السماء). أما آية فاطر، فجاء بلفظ (السماوات)؛ لأن الحديث كان موجها إلى القوم الظالمين الذين ادعوا أن لله شركاء في السماوات، فقال الله لهم: أين هؤلاء الشركاء الذين زعمت م أنهم في السماوات؟! ثم استطرد: ألا تعلمون أن هذه السماوات إنما يمسكها ربكم بحلمه ومغفرته، ولو شاء لأزالها هي والأرض أيضاً؛ فذنوبكم تستحق ذلك، ولذلك قال في آخر السورة (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ). فبينت الآيات أن الله يمسك السماوات والأرض فلا تزولان. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (31 )إِن اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) ** الثانية: الساعة فوق السماوات والأرض قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً )، وقال: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ).

عدد الصفحات ٢٠٢

213 213 بينت في كتابي: (الظلمات والنور في القرآن الكريم) أن الساعة تقع فوق السماوات والأرض، وهذا يفسر قوله (ثقلت في السموات والأرض)، فناءت السماوات والأرض بحمل الساعة، وتكاد تتفطر بهذا الحمل الثقيل، وسوف يحدث ذلك حين يجلي الله ا لساعة لوقتها، فتتفطر السماء والأرض. للمزيد راجع الكتاب المذكور. **

عدد الصفحات ٢٠٣

214 214 رابعاً : مصير السماوات قال تعالى: ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَ مَّا يُشْرِكُونَ ). فالآية تبين أن الله سيطوي السماوات يوم القيامة بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون. وهي مرحلة قبل طي السماء. وسأتحدث عن هذا في (نهاية الخلق). ويبين الحق سبحانه وتعالى أن السماوات والأرض في ذلك اليوم ستبدل بأرض وسماوات أخرى ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ). **

عدد الصفحات ٢٠٤

215 215 خامساً : عرض الأمانة على السماوات والأرض قال تعالى: ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَ قْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ). تحدثت في كتابي (أفعال الخلق في القرآن الكريم)، عن الأمانة والمقصود بها، وكيفية عرض الله لها على السماوات والأرض والجبال. ** سادساً: النظر والتفكر: ذكرت سابقا أن الله بين أن خلق السماو ات والأرض من الآيات الدالة على الخالق، كقوله: ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )، ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ). وقد جاءت آيات أخرى تتحدث عن هذا دون اقترانها بلفظ (الخلق)، كقوله: ( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآ يَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ )، وتبين الآيات أن السماوات والأرض مليئة بآيات الله (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ )، وأن على الناس النظر في هذه الآيات والتفكر فيها والإيمان بما تدل عليه: (قُ لِ انْ ظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ).

عدد الصفحات ٢٠٥

216 216 والآيات التي تدعو الناس إلى النظر والتفكر، وتبين أن الله جعل السماوات والأرض آيات، جاءت بلفظ (السماوات) جمعا، ولم يأت شيء من ذلك مع لفظ (السماء)، باستثناء قوله: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ). وقد تحدثت عن دلالتها سابقاً. *** وبهذا نعرف أن ثمة سياقات انفردت بها (السماء)، وسياقات انفردت بها (السماوات)، وسياقات مشتركة بينهما. وسأوجزها في مبحث قادم. ** والخلاصة كما قدمتها أن السماوات جزء من الملكوت الإلهي، وهو الجزء الذي ينفذ فيه تدبير الأمر، وفيه خلقه الذين يخضعون له. وهو الجزء الذي يخبرنا كثيرا عنه، فنحن ننتمي إلى هذا الجزء. فالسماوات هي مكان الإقامة لخلق الله في الحياة الدنيا. وأما في الدار الآخرة فالجنة والنار خارج هذا المدى، وتكون السماوات والأرض (بعد تبديلهما) باقيتين: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ).

عدد الصفحات ٢٠٦

217 217 المبحثالثامن: المرحلة الثالثة: مرحلة التدبير هذه المرحلة الثالثة، وهي بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وما مس ربنا من إعياء أو تعب، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ). وبعد ذلك كما تبين الآيات (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ). فهي مرحلة التدبير. المطلب الأول: استوى على العرش: وردت في ستة مواضع (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )، وفي الموضع السابع: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ). وبتدبر هذه المواضع السبعة يتبين ما يلي: 6. أغلبها جاء بعد بيان (خلق السماوات والأرض في ستة أيام)، ثم ي عطف عليها حرف (ثم): (ثم استوى على العرش، فـ(استوى على العرش) بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهي الأيام التي خلق الله فيها الخلق وسواه. وفي سورة الرعد (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَ رْشِ )، فدل على أن مرحلة رفع السماوات وتسويتها هي آخر المراحل في الخلق والتسوية، ثم استوى على العرش. 5. ذكر اسمين من أسماء الله الحسنى مع قوله (ثم استوى على العرش)، وهما: ا والسجدة

عدد الصفحات ٢٠٧

218 218 اللذان استخدمها مع الخلق، ولم يستخدم سواهما، ( هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )، و( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ). كما أنهما الاسمان اللذان اقترن بهما الأمر بالسجود في القرآن الكريم ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا )، و( وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ )... وهما الاسمان اللذان أضيفت إليهما الآيات (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا )، و( يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ )... وهما الاسمان اللذان خير الله عباده في الدعاء بأحدهما: ( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ). وهناك خصائص أخرى تجمعهما دون سائر الأسماء الحسنى، سأتناولها في بحث آخر. فالرحمن هو أصل الأشياء الذي تعود إليه كلها، واشتقاقه متصل بالرحم لا بالرحمة، ففي الحديث القدسي الصحيح الذي رواه الترمذي: (قال الله عز وجل: أنا الرحمنُ ، وأنا خلقتُ الرَّحِمَ، واشتققتُ لها من اسمي، فمن وصلها وَصَلْتُهُ، ومن قطعها بتَتّه )، واستخدامه في سائر الآي ليس في مقام الرحمة والعطف، بل في مقام الخلق والتدبير والألوهية والربوبية (كالله). 4. في أغلب الآيات جاء بعد قوله (ثم استوى على العرش)، الحديث عن تدبير الأمر، (ألا له الخلق والأمر) في الأعراف،

عدد الصفحات ٢٠٨