المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السماء والسماوات في القرآن الكريم

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ١٢ من ١٦

077 077 آيات الزينة 6- {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ 61 ) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ 62) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ( 62)} [ 5- {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (1 )وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ } [ 4- { فَقَضَاهُن سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [ 3- { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ } [ وأما آية سورة ق { أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ } [ الأولية بتدبر هذه الآيات نجد ما يلي: أولا: اقتران جعل السماء زينة بحفظها من الشياطين. ثانياً: تبين الآيات أن الله جعل السماء الدنيا زينة، فالحديث خاص بالسماء الدنيا، وآية سورة فصلت صريحة في ذلك.

عدد الصفحات ١٧٧

078 078 ثالثاً: تبين الآيات أن الله جعل زينة السماء الدنيا بـ: الكواكب، وبالمصابيح. (الكواكب: سورة الصافات. والمصابيح: سورتا فصلت والملك)، وفي سورة الحجر بين الله أنه جعل السماء زينة للناظرين. أي لمن ينظر إليها. ولم يرد في آية أن الله زين السماء بغير الكواكب والمصابيح. أما حين يتحدث عن الشمس والقمر والبروج، فإنه يبين أنه جعل هذه الأشياء في السماء، ولا يتحدث أنه زين السماء بهن. وقد تحدثت آنفا عن زينة السماء الدنيا وحفظها فأكتفي بما قدمته هناك.

عدد الصفحات ١٧٨

079 079 المبحث السادس: السماء: الغلاف الجوي للأرض، وما علا الإنسان من الأرض في القرآن الكريم أكثر من ست وستين آية جاء فيها الحديث عن السماء، بوصفها ما علا الإنسان من الأرض، ويشمل ذلك الغلاف الجوي للأرض. والنظر في هذه الآيات يمنحنا الحقائق التالية عن السماء: الأولى: التفريق بين دلالات السماء تفرق الآيات الكريمة بين الدلالات المختلفة للسماء، فهي ليست ذات دلالة واحدة، ومن ذلك: قوله تعالى: ( وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) مع قوله (فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ )، ففي الأولى بين أن السحاب بين السماء والأرض، وفي الثانية بين أن السحاب في السماء. وهذا يبين أن ثمة سماءين، ففي الأولى يتحدث عن السماء التي هي فوق الغلاف الجوي للأرض، أما في الثانية فيتحدث عن السماء التي هي الغلاف الجوي للأرض، والتي ينشأ فيها السحاب.

عدد الصفحات ١٧٩

081 081 قوله تعاالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ )، فذكر السماء مرتين، فهل هنا تكرار؟ قد يقول قائل لم لم يعد الضمير، فيقو ل: جعل الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل منها ماء. ولكنه قال: (وأنزل من السماء ماء). فأعاد اللفظ لاختلاف الدلالة بين السماء الأولى والثانية، فالأولى هي السماء الأولية المبنية، وهي التي يبين الله سبحانه وتعالى أنه بناها (وقد تحدثت عنها). أما الثانية فهي الغلاف الجوي للأرض، وهي المجال الجوي الذي تنشأ فيه السحب فينزل منها الماء. فكرر اللفظ لاختلاف الدلالتين. *** الثانية: السماء بناء، وليس فراغا تبين الآيات أن السماء شيء مبني، هذا الشيء مجال يمكن لمسه، وله أبواب تفتح وتغلق، وهو مدى يصعد فيه الإنسان، ومن تلك الآيات: أبواب السماء: ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ )، وقوله: ( لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ )، وقوله: ( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ). وأبواب السماء تفتح لثلاثة أمور: الأول: نزول الخير والبركات على أهل الأرض، من ماء ورزق وغيره. والثاني: لإمكانية عروج أهل الأرض في السماء، لو توفرت لهم السبل. والثالث: ستفتح يوم القيامة

عدد الصفحات ١٨٠

080 080 فيعرج المؤمنون من أبواب السماء وتظل تفتح لهم حتى يدخلوا الجنة، والجنة خارج مدى السماوات والأرض ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّ بُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) خر من السماء: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ )، والإنسان لا يخر إلا من شيء يمكنه أن يقف عليه. الصعود في السماء: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ )، وقوله: ( أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَا ءِ)، وقوله: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ )، وقوله: ( فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ). وكل الآيات التي ذكر فيها الصعود إلى السماء جاءت في مقام بيان الضيق والحرج، سواء الضيق من الإسلام، أم الضيق من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. وتبين الآيات أن السماء ليس فراغا، بل مجال له سننه وخواصه التي تختلف عن سنن الأرض، فمثلاً، السحب تتكون جبالاً في السماء (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ ).

عدد الصفحات ١٨١

082 082 الثالثةالسماء بمعنى الغلاف الجوي للأرض وهي المجال الذي تنشأ فيه ا لسحب، وينزل منه الماء، وتطير فيه الطيور. وقد تحدثت آيات كثيرة عن هذا المجال، ومن ذلك: السماء هي المدى الذي تنشأ فيه السحب: (اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ )، وكذلك المدى الذي يرسل الله فيه الرياح فتحمل السحب وتلقحها: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ) وهي المدى الذي ينزل منه الماء إلى الأرض، حيث تتكون السحب: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) وهو المدى الذي تطير فيه الطيور: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ ). الرابعة: السماء نفسها رزق: تبين الآيات أن السماء نفسها رزق، فالله جعلها رزقا للبشر، وجعل فيها رزقا لهم أيضاً، فهما شيئان مختلفان. فمن الأول قوله: ( يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا )، أي: دارّ ة بالأرزاق المختلفة، الماء وغير الماء من أرزاق نعلمها أو نجهلها، فالسماء مليئة

عدد الصفحات ١٨٢

083 083 بالأرزاق... الضياء رزق من أرزاق الله الذي يأتي من السماء، فلولا السنن التي أودعها الله في سمائنا لما انتفعنا بضياء الشمس، لا بضوئها و لا بحرارتها، وهو رزق عظيم ينتفع به أهل الأرض... الليل نفسه رزق، مفهوم الرزق واسع لا حدود له. وبين الحق سبحانه وتعالى أن السماء والأرض مليئة بالبركات والنفع للناس، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّ مَاءِ وَالْأَرْضِ ). وقد سأل الحواريون ربهم أن ينزل عليهم مائدة من السماء، فنزلت المائدة منها: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ). فالسماء التي نزلت منها المائدة هي مخزن أرزاق الناس، وهي هذه السماء التي فوقهم، التي تمتد من الغلاف الجوي الأرضي فما فوقه. ومن الثاني قوله: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً )، وقوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا )، وقوله: (وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْ قٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ). وتحدثت عنه سابقاً. الخامسة: السماء مجال سيصل إليه الإنسان تبين الآيات أن السماء مجال يمكن أن يبلغه الإنسان، متى امتلك أدوات العلم، قال تعالى: ( وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ )،

عدد الصفحات ١٨٣

084 084 فالمعنى: أيها البشر لن تعجزوا الله في الأرض التي أنتم عليها، وحين تصلون إلى السماء فلن تعجزوه أيضاً. السادسة: السماء مخزن الرزق، ومخزن العذاب للبشر أيضاً: تبين الآيات أن قدر البشر أن السماء جعل الله فيها أرزاقهم، وجعل فيها عذابهم أيضاً، فكثير من العذاب ي أتي الناس من السماء، كما قال: (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ )، وقوله: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ )، وقوله: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ )، وقوله: (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَ وْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ). ويبين الحق سبحانه وتعالى أن السماء مسكن لجنود الله الذين لا نعلمهم، ويستجيبون لأمره، وعلى البشر أن يعوا هذه الحقيقة، فلا يغضبوا ربهم؛ وكيف يغضبونه وهم لا يعلمون جنوده، قال تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّ مَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (61 )أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ). فـ(من في السماء) هم جنود الله الذين ( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ). فلو شاء الله لأمرهم فخسفوا الأرض باهلها، أو أرسلوا عليهم حاصبا. وقد تقدم الحديث عن الشهب، وكيف انها تعمل بنظام تلقائي ذاتي، كما تفيده الآيات. فنحن لا نعلم من في السماء فكيف نأمنهم؟! حين يحارب الإنسان عدوا لا

عدد الصفحات ١٨٤

085 085 يعلمه، أو لا يعلم إمكاناته وقدرا ته فإنه خاسر لا محالة. فكيف يناصب الإنسان ربه العداوة وهو لا يعلم جنوده الذين في السماء والأرض؟ وكيف يأمن الإنسان وهو جاهل!! كلما قلت معلومات الإنسان عن الشيء زاد خوفه منه،؛ لأنه لا يستطيع التحكم أو التنبؤ بما يمكن فعله. وكلما زادت معلومات الإنسان عن الشيء زاد أمنه وأنسه وألفته به؛ لمعرفته كيف يتعامل معه، وقدرته على التنبؤ بتصرفه وسلوكه. فالإنسان كيف له أن يعيش على هذه الأرض آمنا، وهو يجهل من في السماء إذن!! أليس الأولى أن يعيش بمخاوفه على الأرض، فتدفعه مخاوفه إلى إحسان العمل، والحذر من الوقوع في الشر، وبذلك يصل إلى الأمان!! فالأرزاق إذن التي في السماء لا ينتفع بها الناس إلا بما جعل الله في الغلاف الجوي للأرض من سنن، تمكنهم من الانتفاع بها، ومن ثم فالسماء التي هي مخزن الرزق، هي مخزن العذاب، ومخزن الحماية والأمن أيضاً للبشر ولأهل الأرض. والقرآن الكريم يتحدث عن هذه السماء حين يتحدث عن أمور الرزق والعذاب والحماية والحفظ.

عدد الصفحات ١٨٥

086 086 السابعةالسماء منزل التدبير ومعرجه قال تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )، وقال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ). وسبق أن بينت أن السماء المقصودة في الآيات هي السماء الدنيا، وليست السماوات السبع، وإلا لقالت الآية ذلك كما في سورة الطلاق. وسأتناول التدبير في مبحث قادم من هذا الكتاب. الثامنة: الحركة في السماء عروج: العروج في اللغة: صعود مع ميل، فهو ليس صعودا مستقيما، بل صعودا متعرجا، ولذلك سمي الأعرج بهذا الاسم ؛ لأنه يمشي في غير استقامة، ويقال للطريق المائل المتعرج: انعرج، ويقال: انعرج الوادي. وتبين الآيات في القرآن الكريم أن حركة الصعود في السماء هي العروج، أي: الصعود المائل المنحني. والمعارج: خطوط منحنية مائلة. فعروج الناس قال تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِ مْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ )، فبينت الآية أن حركتهم الصاعدة هي عروج.

عدد الصفحات ١٨٦

087 087 وكذلك الأمر يعرج إلى ايُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّ ونَ ). وكذلك الملائكة والروح: ( مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ (4 )تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ). وكل شيء يصعد إلى السماء فإنه يعرج فيها (وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ). وتبين الآيات أن في السماء معارج تعرج فيها الملائكة، فحركة الملائكة في السماء ليست عشوائية، وإنما في معارج محددة لهم، وكذلك الأمر الإلهي فله معارج محددة. وفي السنة وصف النبي صلى الله عليه وسلم صعوده في السماء بأنه: عروج، ففي البخاري: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ ي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ... حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، ... ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْ مَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلاَمِ ). ولذلك سميت الحادثة بـ(الإسراء والمعراج)، لم يقولوا: الإسراء والصعود، بل: المعراج. فهو بأبي وأمي ونفسي: ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

عدد الصفحات ١٨٧

088 088 المبحثالسابع: السماوات في القرآن: أشرت سابقا إلى أن (السماوات) ترد في القرآن الكريم في السياقات التالية: أولاً : الحديث عن خلق (السماوات والأرض) وقد جاءت في تسعة وثلاثين موضعا، وبينت سابقا أن القرآن الكريم حين يتحدث عن الخلق، فلا يرد (خلق السماء)، بل: (خلق السماوات والأرض)، سوى في موضعين، وبينت دلالة ذلك. وأشرت إلى أن خلق السماوات والأرض كله تم في مرحلة الرتق، تم خلق كل شيء. ولذلك ذكرت السماوات والأرض في قوله: ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ). وبالنظر في سياق الآيات التي تحدثت عن خلق السماوات والأرض نجد أنها جاءت في أحد عشر سياقاً ، كما يلي: 6) آيات تحدثت عن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى الرحمن على العرش. وما مسه من تعب ولا إعياء. وهي سبع آيات. كقوله: ( الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ). 5) بيان أنه خلق السماوات (ورفعها) بغير عمد مرئية لنا، وذلك في موضعين.

عدد الصفحات ١٨٨

089 089 4) العدد: بيان أنه خلق سبع اوات طباقاً (في ثلاث آيات)، وفي آيتين بين أنه سواهن/قضاهن سبع سماوات: ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا )، وقوله: (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ). وقد تحدثت عن هذه الآيات سابقاً. 3) بيان أن خلق السماوات والأرض من الآيات الدالة عل ى الخالق، كقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ). 2) الاستدلال بخلق السماوات والأرض على قدرة الله في إعادة الخلق، وهي أربع آيات كقوله: ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُ وَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ )، وقوله: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ). 1) الاستدلال على الكافرين، حيث يعترفون بأن الله خلق السماوات والأرض، فلم لا يعبدو نه؟!، وهي أربع آيات، كقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ). 2) الاستدلال بصدق القرآن الكريم وأنه حق، بأنه نزل من خالق السماوات والأرض: ( تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ). 2) الامتنان والتعريف، ببيان أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي أنزل الماء، ... كقوله: ( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ).

عدد الصفحات ١٨٩

091 091 5) الحكمة: بيان أن الله خلق السماوات والأرض بالحق، وذلك في عشر آيات (مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ). وقد تحدثت عن دلالتها في كتابي: الغيب والشهادة في القرآن الكريم، وبينت مفهوم الخلق بالحق. 61) التعجيز، وذلك بيان أن البشر ما شهدوا خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، وكذلك ما خلقوها، وما خلقوا أنفسهم، في سورتي الكهف والطور: ( مَا أَ شْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ )، ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ( 42) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ ). 66) بيان أن عدة الشهور اثنا عشر شهرا منذ أن خلق ا السماوات والأرض: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ). ومن مجمل هذه الآيات يتقرر لنا أن الله خلق السماوات السبع وخلق الأرض، فكانتا رتقا، ثم فتقهما، وبعد أن سوى السماء الأولية سوى السماوات السبع، ورفعهن بغير عمد (ترونها)، وأنه جعلهن سبعا طباقا، بعضهن طبق فوق بعض. وكل ذلك تم في ستة أيام. وقد بينت مرارا أننا لا

عدد الصفحات ١٩٠

090 090 نستطيع إدراك حقيقة هذه الأيام، وكذلك لا نستطيع إدراك السماوات السبع وتحديدها. وأنه خلقهن بالحق؛ أي: ل يكن بينات شاهدات بوحدانيته سبحانه وتعالى، فهو الحق وكل ما دونه الباطل. وقد جعل الله اعتراف الكافرين بأن الله خلق السماوات والأرض حجة عليهم، حجة تدلهم على أحقية الله بالعبادة، وتدلهم على أن البعث حق، وتدلهم على أن القرآن نزل من عنده. فاستدل بهن على ثلاثة أم ور كبرى: وحدانيته، واستحقاقه وحده للعبادة، وقدرته على البعث، وشهادته بصدق القرآن الكريم. **

عدد الصفحات ١٩١

092 092 ثانياً : مع أفعال الله وصفاته: وردت (646) آية، ذكرت فيها (السماوات)، أو (السماوات والأرض)، سياق الحديث عن أفعال الله وصفاته . و جاءت في خمسة سياقات، على النحو التالي: السياق الأول: الوحدانية يأتي الحديث عن السماوات والأرض لبيان وحدانيته سبحانه وتعالى، وقد أخذ ذلك ثلاثة أنحاء: النحو الأول: بيان أنه ما من إله في السماوات والأرض إلا هو الإله الواحد سبحانه وتعالى: ( وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ). وجاء مرة بلفظ (السماء)، في قوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ )، فهو رد على البشر بحسب اعتقادهم أن ثمة آلهة في السماء، فهم لا يعلمون أن هناك سماوات، إنما يعلم البشر أن هناك سماء، فيقولون: هنالك آلهة في السماء. فالله يرد عليهم بلفظهم، ويقول: ليس في السماء آلهة، بل إله واحد، فهو الإله الذي في السماء وهو أيضاً الإله الذي في الأرض. النحو الثاني: بيان أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، أي لتكون شاهدة بينة على الإله الحق. وقد أشرت إلى هذا.

عدد الصفحات ١٩٢