المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السماء والسماوات في القرآن الكريم

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ١١ من ١٦

060 060 دُرِّي )، فثمة تفريق واضح بين المصباح والكوكب... (راجع بحثي: الظلمات والنور في القرآن الكريم). 4 /الكواكب الكوكب، ذكر في القرآن الكريم في مواطن عدة: أولها: في آية النور ( الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ). وقد تحدثت عنه في كتاب (الظلمات والنور في القرآن الكريم)، وخلاصة ما ذكرته: (كوكب دري)، أي: متلألئ كتلألؤ الدرة، ويحتمل معنى الاستدارة أيضا، كالزيتونة أو البيضة، وأيضا شفافية غلافه الجوي، كشفافية الزجاج، فيسمح بنفاذ الضوء. كما أن الدري من الحركة أيضا، فهو الذي يدور بش دة فيظن الناظر إليه أنه واقف من شدة دورانه. وتشبيه الزجاجة به يعني أنه ليس مضيئا بذاته، فالزجاجة لا تضيء ولكنها تقوي ضوء المصباح، وتعكسه، وتسمح بنفاذه، وكذلك الكوكب الدري لا يضيء بذاته، ولكنه يعكس الضوء من مصابيح السماء، ويسمح بنفاذ الضوء، كما أن غلافه الشفاف يجعل من الإضاءة داخله قوية جدا، كما تجعل الزجاجة الإضاءة داخلها شديدة.

عدد الصفحات ١٦١

062 062 ثانيها: في سورة الأنعام: قول إبراهيم فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ). فالآية تدل على أن الكوكب لا يرى إلا في الليل، (حين يجن الليل)، ثم يختفي عن مدى الإدراك البصري مع طلوع النهار. كما تدل الآية على أن الكوكب جرم يختلف عن الشمس (التي ترى في النهار)، وعن القمر (الذي يرى في الليل). وذكرت الكواكب في آية الصافات ( إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ )، وتحدثت عنها آنفا. ورابع المواطن في سورة الانفطار ( وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ). فالآية تتحدث عن الكواكب بصفتها أجراما، وليس بصفتها مصابيح مضيئة، فهي تنتثر في السماء كما تنتثر الأجرام. أما حين تحدث عن النجوم فقال: (فَإِذَا النُّ جُومُ طُمِسَتْ )، أي: طمس ضوءها، وقال: (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ )، أي: انكدرت الألوان المشرقة المتلألئة التي كانت تنبعث منها. فالنجوم كتل ضوئية، أما الكواكب فهي أجرام غير ضوئية. وفي آية النور يبين أن الكوكب جرم دري، تشبهه الزجاجة، فهو يعكس الضوء، ولا يضيء.

عدد الصفحات ١٦٢

063 063 وعليه فالكوكب جرم سماوي ذو غلاف شفاف يسمح بنفاذ الضوء، بيضاوي الشكل أو دائري. يعكس ضوء غيره من المصابيح فيكون زينة للسماء الدنيا. 3 /السراج: تحدثت عن الفرق بين دلالات: الضياء، والسراج، والوهاج في كتابي (الظلمات والنور في القرآن الكريم)، فليرجع غليه ، وخلاصة ما ذكرته هناك: الضوء: شيء ينبعث من مصدر محسوس مضيء، فيحدث النور، وتُمْكِن الرؤية . و(الضياء)، هو المصدر المحسوس الذي ينبعث منه الضوء والحرارة، فالشمس ضياء، والنار ضياء، فالضياء مصدر يضيء. فهي مصادر تحرق الوقود، فتشتعل، فينتج عنها الضوء والحرارة أيض اً. وهو لا يحدث النور فقط، بل يحدثه ويحدث الحرارة. فالضياء = سراج + وهاج، قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا )، فالسراج هو المصدر المضيء فقط، والوهاج هو مصدر الحرارة فقط، قال الخليل: ( الوَ هَج: حر النار والشمس من بعيد )، وقال صاحب الصحاح: (توهجت النار: توقدت).

عدد الصفحات ١٦٣

064 064 ولذلك لم يسم الله نبيه بالضياء، بل سماه بالسراج المنوَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا )، فهو سراج ينشأ عنه النور (سراج منير). وعليه فمصباح الإضاءة الذي ينتج الضوء فقط دون حرارة يسمى: سراج، أما الذي ينتج الضوء والحرارة فيسمى: ضياء. ولذلك نجد أن القرآن الكريم حين يجمع الشمس والقمر يسمي الشمس سراجا، والقمر نورا، فلم يقل (سراجا وهاجا)؛ لأن الحديث عن الضوء فحسب، ومن ثم فرق بينهما، فالشمس سراج: (مصدر ذاتي للضوء)، والقمر نور: (مصدر عاكس للضوء)، قال تعالى: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِي هِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا )، وقال: (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا )، وحين أفرد الشمس بالذكر قال: (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ). ** وعليه فإن القرآن الكريم يطلق لفظ (الشمس)، ويريد بها الجرم المعروف، دون نظر في ما يتصف به من صفات: الإضاءة والحرارة. فإذا أراد الحديث عن صفة الإضاءة فقط، فإنه يسميه السراج، وإذا أراد الإشارة إلى صفة الحرارة، فيسميه: الوهاج. وإذا أراد الإشارة إلى الإضاءة والحرارة، سماه: الضياء.

عدد الصفحات ١٦٤

065 065 ومما يدل على هذا أن لفظ (الشمس) ذكر في القرآن الكريم 44 مرة، على النحو التالي: - الحديث عن أن الشمس مخلوق من مخلوقات الله، وأنها مطيعة ساجدة لربها. - الحديث عن حركة الشمس من المشرق إلى المغرب، بالنسبة إلى سكان أهل الأرض. - الحديث عن تسخير الشمس والقمر وغيرها من المخلوقات. - الحديث عن جعله الشمس والقمر حسبانا للناس، وكذلك جعلها ميقاتا للصلوات، وكذلك جعلها دليلا للظل. - الحديث عن حركة الشمس، وجريانها، وسبحها في الفلك، في توازن مع السابحات الأخرى. - الحديث عن نهاية الشمس مع الأجرام السماوية الأخرى. - الحديث عن أن الشمس هي من النظام الدنيوي، وأما أهل الجنة فلا يرون شمسا ولا زمهريرا، بل يكونون في (ظل ممدود). *** واقترن الحديث عن الشمس مع الإضاءة في قوله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا )، وقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ).. فهاتان الآيتان تبينان أن الله سبحانه وتعالى جعل الجرم الشمسي ذا صفات خاصة من الإضاءة والحرارة، فجعل

عدد الصفحات ١٦٥

066 066 لها من قوة الحرارة والإضاءة ما ينتفع بها الناس، وتنتفع بها كل الكائنات التي على الأرض. وليس هنالك جرم في السماء الدنيا يمنح الناس الضوء والحرارة كالشمس. ربما تكون هناك أجرام أخرى ذات حرارة وإضاءة أشد، ولكنها لم تسخر لأهل الأرض كما سخرت لهم الشمس. ومن ثم فلا يطلق لقب (السراج الوهاج)، أو (الضياء) في القرآن الكريم إلا على الشمس. فالقرآن الكريم لا يتحدث عن حقائق فلكية مجردة، ولكنه يتحدث عنها في حال نفعها للناس، وارتباط منافع الناس بها. هنالك مصابيح، وهنالك نجوم، وهنالك كواكب تملأ السماء الدنيا، فتزينها، وتجعل صفحتها السماوية متلألئة بها. ولكن الشمس ليست مجرد زينة، هي زينة، وسراج وهاج لأهل الأرض يزودهم بالحرارة والإضاءة اللازمة لصلاحية الحياة فيها. وعليه فالشمس لا تسمى (مصباحا) ولا تسمى (نجما)، بل تسمى: ضياء، وسراجا وه اجا. والقرآن الكريم لم يبين أن الله جعل الشمس زينة للسماء الدنيا، بل سخرها للناس، لتكون لهم حسبانا، وميقاتا، وينتفعون بضيائها (سراجا وهاجا). **

عدد الصفحات ١٦٦

067 067 وقولهوَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (6 )وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (5 )وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (4 )وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ) فأضاف الضحى إلى الشمس، واختلف المفسرون في المقصود بضحى الشمس، قال الزجاج ومجاهد: الضياء، وفسرها مقاتل والسدي: حرها، وقال قتادة: النهار كله. وقد حققت في بحثي (دراسة معجمية لخمسة ألفاظ في القرآن الكريم) أن مفهوم الضحى مفهوم دلالي يرتبط بعنصر: الضياء، فالضياء يكون فيه وضوح الأشياء وبروزها. والضياء كما بينت في بحث (الظلمات والنور) يجمع بين عنصري: الحرارة والضوء، فهو يُ حْدث النور ويحدث الحرارة أيضاً. والقرآن الكريم يبين باطراد أن الله جعل الشمس ضياء. فقوله هنا (والشمس وضحاها) يعني: وضيائها (وفي الضياء: ضوء وحرارة). ويضعف تفسيره بالنهار؛ لقوله بعد ذلك: (والنهار إذا جلاها)، فلا يستقيم التفسير لو قلنا: والشمس ونهارها، والنهار إذا جلاها. ومقابلة الضحى بالليل، والليل هو وقت الظلام، فالضحى هو وقت الضياء، سائر النهار، بل أطلقت العرب على الليالي المقمرة : ضَ حْيانة، فوصفتْ ها بالضَّ حْو، وذلك دلالة على أن الضحى: الضياء. وتخصيص بعض وقت النهار بالتسمية (وقت الضحى) لأمرين أنه أشد أوقات النهار إضاءة، وأشدها حرارة.

عدد الصفحات ١٦٧

068 068 *** 2 /البروج في مقاييس اللغة أن البرج له دلالتان: الأولى: الظهور والبروز، والثانية الملجأ لغيره. وبتتبع استخدام العرب للفظ، يمكن رد دلالاته إلى دلالة واحدة، وهي: الظهور المرتفع على غيره، مع سعة وعدم ضيق (انظر لسان العرب) ، ولذلك سمي البرج برجا؛ لأنه بناء ظاهر مرتفع على غيره من الأبنية، وكل الأبنية تكون داخله. فهو البناء الظاهر البارز. وجاء في القرآن الكريم في ثلاث آيات بيان أن الله جعل في السماء بروجا ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ )، وقوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا )، وقوله: (وَالسَّمَاءِ ذَا تِ الْبُرُوجِ ). نلحظ أولاً أن الآيات تستخدم لفظ (جعل في السماء)، فلا تتحدث أن البروج زينة للسماء الدنيا (كالمصابيح والكواكب)، ولا تتحدث عن كونها هداية أو مضيئة.. (كالنجوم)، بل الحديث أن الله جعل في السماء بروجا، كما جعل فيها سراجا وقمرا منيرا.

عدد الصفحات ١٦٨

069 069 ونلحظ ثانيا، أن السماء وصفت بكونها (ذات البروج)، كما وصفت بكونها (ذات الحبك). ولم يرد أن السماء (ذات النجوم)، أو (ذات الكواكب). وهذا يدل على أن الحبك والبروج كلاهما معلمان مميزان للسماء. وقد تحدثت عن (الحبك). الحديث عن (البروج) يبين أنها شيء آخر مختلف عن النجوم والكواكب والمصابيح. البرج في العربية قيل هو الحصن، وقيل السور الذي حول المدينة، وقيل البيوت التي تبنى على السور، وقيل: القصور، وقيل القلاع... إلخ. وبالعودة إلى الثقافة العربية والاستخدام للفظ البروج، نجد أن البرج يتميز بكونه: (6) بناء مرتفعا على غيره من الأبنية، (5) أبنية كالقلاع تبنى على جدران طويلة، أو بنايات متجمعة (4) البروج تمثل حدودا واضحة لما يدخل في مساحتها من أبنية ولذلك فهي معالم على غيرها من الأبنية. (3) تبنى البروج الحربية على الأسوار، فتكون أبنية مرتفعة للمراقبة والحماية، وتستعمل لأغراض دفاعية عادة.

عدد الصفحات ١٦٩

071 071 من هنا فإن بروج السماء تع أبنية هائلة الارتفاع في السماء، تتصل بجدران سماوية هائلة، وكل برج يضم في مجاله السماوي كثيرا من الأجرام السماوية (كالكواكب والنجوم، وغيرها من الأجرام). فبروج السماء تمثل معالم بنائية ضخمة في السماء، وتتصل بعضها ببعض، وبم جموع هذه البروج تتشكل البنية السماوية. السماء ذات الحبك، والسماء ذات البروج. أما البروج فتمثل المعالم الضخمة في السماء، وأما الحبك فتبين طريقة اتصال البنيان السماوي وارتباط بعضه ببعض. فهو بنيان نسيجي ممتد محبوك، تقع البروج على طول هذا النسيج (كما تقع البروج على الجدران في الأرض)، وكل برج يمثل معلما في السماء يضم ما لا نحصيه عدداً من الأجرام. *** 1 /الشهب: جاء ذكر الشهب في القرآن الكريم عند الحديث عن حفظ السماء من الشياطين، في الآيات التالية:

عدد الصفحات ١٧٠

070 070 - { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّ اظِرِينَ (61 ) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (62 )إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ } (سورة الحجر 61 - 62) - { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (1 )وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (2 )لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (2 )دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (5 )إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } (سورة الصافات 1 - 61). - { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (2 ) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } (سورة الجن 2 - 5). - { وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } (سورة فصلت 65) - { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ } (سورة الملك 2). تبين الآيات التي تحدثت عن الشهب ما يلي 6- الوظيفةجعل الله الشهب وسيلة لحفظ السماء من الشياطين الذين يسمعون إلى الملأ الأعلى.

عدد الصفحات ١٧١

072 072 5- صفات الشهاب: وصف الشهاب بأنه (مبين)،أي: بين واضح ظاهر للعيان. (ثاقب)، ثاقب شديد الضوء واللمعان، وثاقب يثقب الجسم الذي يصل إليه. 4- موقع الشهبفي السماء الدنيا. 3- تبين الآيات أن الكواكب والمصابيح جعلهما ا زينة للسماء الدنيا، وحافظة لها، فكلاهما فيه عنصران: الزينة والحفظ. ولتكوين الشهب صلة بهما ، فهي أجسام تنقذف من الكواكب أو من المصابيح. 2- حركة الشهب: تبين الآيات أن الشهب (تتبع) الشياطين، وأنها مقذوفات (يقذفون)، وأن اتجاهها في (كل جانب)، وأنها راجمات (رجوما). 1- وتبين الآيات أن في الشهب قدرة ذاتية على رصد الشياطين، وبذلك فهو ينطلق ذاتيا (شهابا رصدا)، وقد يكون ثمة علاقة بين تركيب جسم الشيطان وتحفيز انطلاق الشهاب. فالرصد هو الاستعداد للترقب (كما عند الراغب). وقد ذكر (الرصد) مرتين في سورة الجن، المرة الأولى وصف به الشهاب (شهابا رصدا)، والمرة الثانية وصف به الحرس الذين يسلكهم الله بين يدي الرسول ( إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ). فالشهب رصد، وقد تكون الشهب من الرصد التي ترصد الملك النازل بالغيب، فيقذف الله بها الشياطين.

عدد الصفحات ١٧٢

073 073 2- وبذلك يتبين أن الشهب من جنود الله، وكما أنها ذات علاقة تنافرية مع الشياطين، ففيها قدرة ذاتية للانطلاق باتجاه الشياطين ورجمهم تلقائيا. فكذلك فيها خاصة تكاملية مع الملائكة، ولذلك فهي من الرصد الذين يحرسونهم، وهي تقوم بمهمتها التكاملية مع ( الحرس الشديد) (فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ). 2- تبين الآيات أيضاً، أن الشهب ازدادت بمجيء رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (2 )وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَ ا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا )، فهم كانوا يقعدون مقاعد للسمع، أما الآن (أي من زمن البعثة) فقد اختلف الوضع معهم، (فثمة الشهب الرصد). وسورة الجن هي السورة التي تتحدث عن أمر غريب أهمّ الجن فبحثوا عنه، فوجدوا أنه بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي السورة التي تبين حفظ الله للوحي والغيب وللرسل التي تحمله، حتى يبلغوه.

عدد الصفحات ١٧٣

074 074 المطلب الثالث: زينة السماء الدنيا: سائر الآيات القرآنية الأخرى التي تتحدث عن الزينة تخصها بالسماء الدنيا، وأنها حدثت لها – كما يبدو – بعد تسوية السم اوات السبع؛ فلا يمكن أن نتصور السماء الدنيا إلا إذا تصورنا السماوات السبع، وهو ما يفيده سياق الآيات الواردة فيها ذلك، كما سأبين لاحقا، حيث تذكر زينة السماء الدنيا بعد تسوية السماوات السبع. تزيين السماء ورد في خمسة مواضع، في ثلاثة منها تقترن بالسماء الدنيا، كما تقترن بجعلها حفظا من الشياطين، كما تقترن بالمصابيح (في موضعين) أو الكواكب (في موضع واحد). وفي الموضع الرابع اقترنت بالبروج وبكونها زينة للناظرين، وكل هذه خاصة بالسماء الدنيا. وفي الخامس في سورة ق، وقد سبق الكلام عليها. بتدبر آيات الأنبياء: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (41 ) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَ لَّهُمْ يَهْتَدُونَ (46 )وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (45 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)،

عدد الصفحات ١٧٤

075 075 نجد أنها تتحدث أولا عن مرحلة الرتق والفتق، وهي لل سماء الأولية، ثم عن فرش الأرض وتهيئتها، وهذه تمت قبل تسوية السماوات وبعد بناء السماء الأولية، ثم يتحدث عن جعل السماء سقفا محفوظا، وإعراض الناس عن آياتها، وخلق الليل والنهار والشمس والقمر، وهذه كلها في السماء الدنيا، وهي من الزينة التي زينها الله بها بعد تس وية السماوات السبع. وبالتدبر في القرآن الكريم نجده يتحدث عن الليل والنهار والشمس والقمر بعد حديثه عن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام؟ فلماذا؟ في سورة يونس: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (4 )إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْ زِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (3 )هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (2 )إِن فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ). فتحدث عن خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استواؤه على

عدد الصفحات ١٧٥

076 076 العرش، ثم بعد ذلك عن جعل الشمس ضياء والقمر نورا، ثم تحدث عن اختلاف الليل والنهار، والآيات التي في ذلك كله. وفي سورة الفرقان: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (25 )وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (11 ) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (16 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا). فبعد حديثه عن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، تحدث عن البروج التي جعلها في السماء والسراج والقمر، واختلاف الليل والنهار. فسياق الآيات يفيد أن تزيين السماء الدنيا بالمصابيح والكواكب ، وأن جعله في السماء البروج والسراج والقمر المنير، ووضع سنن الليل والنهار فيها، وكل ذلك إنما كان بعد تسوية السبع السماوات. كما يفيد أن هذه كلها خاصة بالسماء الدنيا: البروج، والسراج، والقمر المنير، والليل والنهار. دون سائر السماوات. والله أعلم بمراده. **

عدد الصفحات ١٧٦