113 التكنولوجي، فإن تلك التوجهاتسوف تكون حتمية. إنها نتيجة لتوسع شبكات الاتصالات وانتشارها في كل مكان من الأرض. ومع تجذر الشبكات، فإنها سوف تجعل الذكاء يحل محل المادة تدريجيا. و سوف يحصل هذا التغير الهام في كل مكان من العالم (سواء في الو لايات المتحدة أو الصين أو تيمبكتو). و سوف تبقى الرياض يات والفيزياء الأساس الذي تقوم عليها تلك الشبكات. ومع زيادتنا للتقليص المادي واللامركزية والفورية والمنصات والسحب ، معا وفي نفس الوقت، سوف يستمر الولوج بالحلول محل الملكية. من أجل معظم الأشياء في الحياة اليومية، سوف يتفوق الولوج على الامتلاك. إلا أن العالم الذي لا يمتلك المرء فيه شيئا على الإطلاق هو عالم الروايات الخيالية. فمعظم الناس سوف يمتلكون بعض الأشياء، وهم يل جُ ون مُلكي ات أخرى. وتختلف نسبة ذلك تبعا للشخص. أما السيناريو الأقصى تطرفا ، أي الذي يلج فيه الشخص كل شيء من دون أي ملكية، فيستحق الاستقصاء لأنه يكشف عن الاتجاه الفعلي الذي تتجه التكنولوجيا نحوه. وا ليك الكيفية التي سوف ي عمل وفقا لها هذا التوجه قريبا. أنا أعيش في مجم ع سكني. وعلى غرار كثير من أصدقائي، اخترت العيش في المجم ع بسبب الخدمات التي يمكِّ نني من الحصول عليها على مدار الساعة. يحصل تفقد محتويات صندوق الخدمات الخاص بي أربع مرات في اليوم. أي إنه يمكنني ترك أغراضي التي تحتاج إلى عناية (الملابس مثلا) فيه واستعادتها بعد تنظيفها بعد بضع ساعات. ويحتوي المجم ع أيضا على عقدة توزيع خاصة به تأتي إليها طرود بواسطة طائرات مسيرة وشاحنات ودراجات روبوتية من مركز معالجة محلي مرة كل ساعة. وأُخب ر جهازي بما أحتاج إليه من أشياء، فتأتي إلى صندوقي (في البيت أو المكتب) في غضون ساعتين، وغالبا أبكر من ذلك. والعقدة الموجودة في البهو مزودة أيضا بآلة رائعة للطباعة الثلاثية الأبعاد تستطيع أن تطبع أي شيء سواء أكان معدنيا أو بلاستيكيا أو نسيجيا. وثمة أيضا غرفة خزن جيدة نسبيا مليئة بالأدوات المنزلية وسواها. وفي أحد الأيام أردت مقلاية لديك حبشي. فأتت واحدة إلى صندوقي من العقدة في غضون ساعة. طبعا، ليس علي أن أنظفها بعد الانتهاء من استعمالها، بل أضعها في الصندوق فقط. وعندما زارني أحد أصدقائي، قرر قص شعره. وفي غضون 30 دقيقة، كانت ثمة في الصندوق آلة لقص الشعر. وأنا مشترك أيضا في مجموعة لأدوات للتخييم. إن عُدد التخييم تتحس ن بسرعة كبيرة كل سنة، وأنا استعملها بضعة أسابيع فقط، غالبا في نهاية الأسبوع ، ولذا أُ فضِّ ل الحصول على أحدث وأفضل وأنظف تلك الأدوات. وينطبق الشيء نفسه على الكمرات والحواسيب. فهي تتقادم بسرعة، وأنا أُ فضِّ ل الاشتراك بأحدثها وأفضلها. وعلى غرار كثير من أصدقائي، أنا أشترك بمعظم ثيابي أيضا. وتلك صفقة جي دة. إذ يمكنني ارتداء شيء مختلف كل يوم من السنة
عدد الصفحات ١١٣114 إذا أردت، وما علي سوى رمي الملابس في الصندوق في نهاية كل يوم كي تُنظ ف ويعاد توزيعها، وغالبا ما يُدخل تغيير طفيف فيها كي يستمر الناس في البحث عما يلائمهم. وتوجد في المجم ع مجموعة منتقاة من القمصان غير الرسمية ذات الأكمام القصيرة غير الموجودة لدى معظم الشركات الأخرى. أما بضعة القمصان الأنيقة الخاصة التي أمتلكها، فعليها علامات كي تعود إلي في اليوم التالي نظيفة ومكوية. وأنا مشترك بعدة خطوط غ ذائية، و أحصل على منتجات طازجة تأتي مباشرة من المزرعة المجاورة، و على وجبات ساخنة جاهزة ، وكلها تصلني إلى الباب. وتعرف العقدة برنامجي وموقعي ووسيلة نقلي وأفضلياتي، ولذا تكون دقيقة فعلا في التوقيت والتوصيل. وحينما أرغب في الطبخ لنفسي، يمكنني الحصول على أي مكونات أو صحن خاص أريده. وتوجد في مجم عي ترتيبات بحيث تأتي جميع أدوات الطعام والتنظيف قبل الحاجة إليها بيوم إلى البراد أو الخزان ة الخاصة بها لدي. لو كان لدي ما يكفي من المال، لاستأجرت شقة فخمة في مكان آخر، إلا أنني حصلت على صفقة جيدة بإقامتي في المجم ع لأنهم يؤجرونها لغيري عندما لا أكون هناك. وهذا جيد بالنسبة إلي لأنني عندما أعود أجد المكان أنظف مما كان عليه قبل مغادرتي له . لم أمتلك موسيقى أو أفلاما أو ألعابا أو كتبا أو تحفا فنية أو غيرها على الإطلاق. وما أفعله فقط هو الاشتراك مع شركة يونيفرسال ستاف . لذا تستمر الصور الفنية على جداري بالتغي ر، وبذلك لا تصبح مألوفة لي. وأنا أستعمل خدمة خاصة في الو ب تكسو جدراني بما أنتقيه من بينترست . و يشترك والداي بخدمة متحف يستعيرون بموجبها أعمالا فنية تاريخية حقيقية دوريا ، إلا أن ذلك بعيد عن اهتمامي. وفي هذه الأيام، أنا أجرِّب هياكل ثلاثي ة الأبعاد تغيِّر أشكالها كل شهر، وبذلك أ ستمر بملاحظتها. وحتى الدمى التي كنت أقتنيها عندما كنت صبيا كانت من شركة يونيفرسال . و قد اعتادت أمي القول لي: ’أنت لا تلعب بها سوى بضعة أشهر ، فلماذا تقتنيها؟‘. ولذا كانت تذهب إلى صندوق المهملات كل بضعة أشهر لتأتي دمى جديدة بدلا منها. و الشركة يونيفرسال بارعة جدا إلى حد أنه ليس علي أن أنتظر أكثر من 30 ثانية للركوب، حتى في أوقات الازدحام. و تأتي السيارة إلي لأنها تعرف برنامجي وتستطيع استنتاج خططي من نصوصي ومفكرتي ومكالماتي. وأنا أحاول ادخار بعض المال، ولذا أركب أحيانا مع شخص أو شخصين في طريقي إلى العمل. وثمة الكثير من عرض حزمة الإنترنت الراديوية ، ولذا يمكننا جميعا استعمال شاشاتنا. وبالنسبة إلى التمارين الرياض ية، أنا مشترك بعدد من أماكن الرياضة وبخدمة الدراجات العادية. وأحصل على أحدث دراجة جاهزة ونظيفة عند نقطة انطلاقي. وبالنسبة إلى السفر البعيد
عدد الصفحات ١١٤115 المدى، أنا معجب بتلك الحوامات الشخصية التي بدون طيار. إنها صعبة الحصول عليها إذا أردتها فورا، لأنها جديدة، لكنها أكثر راحة من الطائرات النفاثة التجارية. ونظرا إلى أنني أ ذهب إلى مجمعات في مدن أخرى لديها خدمات متبادلة مع المجمعات الأخرى، لا أحتاج إلى اصطحاب كثير من الأمتعة لأنني أستطيع الحصول على كل شيء مما أستعمله عادة من العقد المحلية. ويسألني والدي أحيانا إنْ كنت أشعر بأنني طليق وغير مسؤول لأنني لا أمتلك شيئا. فأقول له أنني أشعر بالعكس: أشعر بصلة وثيقة بالعصر البدائي. أشعر بأنني مثل الصيادين المتلقطين القدماء الذين كانوا لا يمتلكون شيئا وهم يُطلقون العنان لأنفسهم عبر مجاهل الطبيعة، ويصنعون الأدوات في وقت الحاجة إليها ثم يخلفونها وراءهم حينما يبتعدون. إن الفلاح هو الذي يحتاج إلى مستودع كبير لخزن ما يراكمه. أما المواطن الرقمي فهو حر في الانطلاق واستقصاء المجهول. وال ولوج بدلا من الامتلاك يُبقيني رشيقا ومفعما بالنشاط وجاهزا لكل ما هو آت.
عدد الصفحات ١١٥116 6 التشارك Sharing سخر بيل غ يْتس مرة من دعاة البرمجيات المجانية ، وذلك بوصفهم بأبشع ما يمكن أن يخطر على بال صاحب رأس مال. فقد قال أن أولئك الذين يطالبون بضرورة أن تكون البرمجيات مجانية كانوا ’نوعا من الشيوعيين العصريين الجدد ‘154، أي قوة شريرة عزمت على تدمير الحافز الاحتكاري الذي يساعد على دعم الحلم الأمريكي. وكان غيتس مخطئا حينئذ في عدة نقاط، إحداها هي أن شديدي الحماس للبرمجيات المجانية والمفتوحة هم على الأرجح سياسيون متحررون، لا شيوعيون يساريون. إلا أن ثمة بعض الصحة في ادعائه. فالهرولة العالمية الشاملة نحو ربط كل شخص مع كل شخص في كل الأوقات يؤدي بهدوء إلى نشوء شكل تكنولوجي منقح من الاشتراكية. إن الجوانب المشاعية من الثقافة الرقمية عميقة وواسعة. و ويكيبيديا هي مثال بارز على الجماعية البازغة. و لا ينطبق هذا على ويكيبيديا فقط في الواقع، بل على جميع أنواع الويكيات155 .والويكيات هي مجموعة من الوثائق التي تُنت ج تعاونيا، ويمكن كتابة نصوصها وجمعها وتحريرها وتغييرها بسهولة من قبل أي شخص. وتعمل محركات الويكيات المختلفة على منصات ونظم تشغيل مختلفة وبصيغ متنوعة. ويتابع وورد كانينغهام Ward Cunningham، الذي اخترع أول صفحة وب تعاونية في عام 1994156، نحو150 محرك ويكي موجودة اليوم في العالم157، وكل منها يشغِّل عددا كبيرا من المواقع يضاف إلى ذلك أن التبني الواسع النطاق لرخصة حقوق النشر الودودة ، المعروفة باسم رخصة الإ بداع العمومي Creative Commons license،يشجع الناس على السماح باستعمال صورهم ونصوصهم وموسيقاهم وتحسينها من قبل الآخرين قانونيا من دون الحاجة إلى أذونات إضافية. بكلمات أخرى، أصبح التشارك بالمحتوى وأخذ عينات منه هو الأمر الواقع الجديد. لقد كان ثمة أكثر من مليار حالة لاستعمال رخصة الإبداع العمومي في عام 2015158. ويمثل ظهور مواقع التشارك الشامل بالملفات التي من مثل الموقع Tor، حيث يمكن للشخص أنيعثر على نسخة لأي شيء يمكن نسخه تقريبا ، خطوة أخرى نحو التعاون ، لأنه يجعل من السهل عليك جدا البدء بابتكارك انطلاقا من شيء موجود فعلا. وتمكِّن مواقع الت عليقات التعاونية التي من مثل ديغ ، وستامبل أب ن، وردِّيت، وبينترست ، وتمبلر مئات ملايين الناس العاديين من العثور على صور وأشياء جديدة وأفكار مستقاة من مصادر محترفين وأصدقاء، ومن ترتيبها وتقييمها ومشاركتها وتوجيهها والتعليق عليها وتنظيمها على شكل تيارات أو مجموعات متدفقة. وتعمل تلك المواقع عمل المرشحات التعاونية موفرة أفضل مادة في وقتها. و كل يوم تقريبا تُعلن شركة ناشئة بفخر عن طريقة جديدة لتقوية العمل
عدد الصفحات ١١٦117 المجتمعي. وتوحي هذه التطورات بحركة ثابتة نحو نوع من ’الاشتراكية ‘ الرقمية المفص لة خصيصا لعالم مترابط. نحن لا نتحدث هنا عن اشتراكية جدك السياسية. وفي الواقع، ثمة لائحة طويلة من الحركات القديمة التي لا تنتمي إليها هذه الاشتراكية الجديدة. وهي ليست صراع طبقات، وليست مضادة للأمريكيين. بل في الحقيقة، يمكن للاشتراكية الرقمية أن تكون أحدث ابتكار أمريكي. وفي حين أن الاشتراكية السياسية القديمة كانت ذراعا للدولة، فإن الاشتراكية الرقمية هي اشتراكية بلا دولة. وهذا النوع الجديد من الاشتراكية يعمل في عالم الثقافة والاقتصاد، بدلا من العمل لدى الحكومة.. حاليا. وُلدت المدرسة القديمة من الشيوعية، التي أمل بيل غيتس بأن يصبغ بها أولئك الذين ابتدعوا البرمجيات المشتركة التي من مثل لينُكس وأباتشي، في حقبة الاتصالات المركزية، و العمليات الصناعية الثقيلة جدا، والحدود القسرية. وقد أدت تلك القيود ، التي تعو د إلى أوائل القرن الماضي ، إلى نشوء نوع من الملكية الجماعية التي حاولت الاستعاضة عن فوضى وا خفاقات السوق الحرة بخطط خمسية علمية مدروسة ابتكرها المكتب المركزي للحزب الشيوعي الذي يتألف من خبراء ذوي سلطات كبيرة. وبعبارة ملطفة، أخفق هذا النوع من نظام التشغيل الحكومي. فالاشتراكية المفروضة من الأعلى إلى الأسفل التي شهدتها الحقبة الصناعية لم تتمكن من مواكبة التغيرات السريعة والابداعات المستمرة والطاقة الذاتية التوليد التي وفرتها الأسواق الديموقراطية الحرة . وغدت الاقتصادات الاشتراكية الموجهة والحكومات الشيوعية المركز ية من الماضي. أما هذه الاشتراكية الرقمية الجديدة، وخلافا للكوابح القديمة التي انطوت عليها اشتراكية الأعلام الحمراء، فتعمل في الإنترنت العديمة الحدود عبر شبكة الاتصالات، وتولِّ د خدمات غير ملموسة ضمن اقتصاد عالمي محكم التكامل. إنها مصممة لزيادة الاستقلال الفردي والقضاء على المركزية. بل هي أقصى تطرف اللامركزية. وبدلا من التجمع حول الم زارع التعاونية، أصبحنا نتجمع ضمن عوالم تعاونية. وعوضا عن المصانع الحكومية، أصبحت لدينا مصانع على سطح المكتب موصولة بتعاونيات افتراضية. وعوضا عن التشارك في المعاول والرفوش، نحن نتشارك في المخطوطات وا نترفاس برمجة التطبيقات API. وعوضا عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المغفلة الهوية، لدينا حكو مات أكفاء مغفلي الهوية حيث الشيء المهم الوحيد هو إنجاز العمل. وعوضا عن الإنتاج الوطني، لدينا الإنتاج الفردي. وعوضا عن التقنين والدعم الحكومي الحر، لدينا خيرات السلع والخدمات التجارية الحرة . أنا أدرك أن الكلمة ’اشتراكية ‘ سوف تجعل فرائص كثير من القراء ترتعد . فهي تنطوي على إرث
عدد الصفحات ١١٧118 ثقافي هائل شأنها شأن الكلمتين ’شيوعية‘ و ’تعاونية‘. لكنني أستعمل الكلمة ’اشتراكية ‘ هنا لأنها أفضل كلمة تقنيا للتعبير عن طيف من التكنولوجيات التي تعتمد على التفاعل الاجتماعي في طاقتها. ونحن نصف وسائط التواصل الاجتماعية بأنها ’اجتماعية‘ لنفس السبب: فهي نوع من الفعل الاجتماعي. وعلى وجه العموم، فإن الفعل الاجتماعي هو ما تولِّده مواقع الوب والتطبيقات المترابطة عبر الشبكة عندما تستغل مُدخ لات من شبكات كبيرة جدا من المستهلكين أو المشاركين أو المستعملين، أو ما أسميناهم مرة الجمهور. طبعا ثمة خطر تعبيري في جمع هذه الأنواع الكثيرة من الهيئات تحت عنوان ملتهب من هذا النوع. إلا أنه ليس ثمة من عبارات نظيفة متوفرة في عالم التشارك هذا، ولذا يمكننا أيضا أن نعود إلى استعمال هذه المصطلحات التي هي أكثر مباشرة: اشتراكي، فعل اشتراك ي، وسائط اشتراكية، اشتراكية. وعندما تعمل جماهير الشعب التي تمتلك وسائل الإنتاج باتجاه هدف مشترك ، وتتشارك في منتجاتها مشاعيا، وعندما تقدم جهودا و تتمتع بالثمار من دون مقابل، فإنه ليس من غير المعقول أن نص ف ذلك بالاشتراكية الجديدة. إن المشتر ك بينهم هو فعل ’التشارك ‘. وفي الواقع، فإن بعض مستشرفي المستقبل أ سموا هذا الجانب الاقتصادي من الاشتراكية الجديدة ’اقتصاد التشارك ‘ لأن العُ ملة الرئيسية في هذه المملكة هي التشارك. في أواخر تسعينات القرن العشرين، بدأ الناش ط الا ستفزازي الهيبِّي المُ س ن جون بري بارلو John Perry Barlow بتسمية هذا التغي ر بـ’شيوعية الدوت159،160 communism-dot‘ .وعر ف تلك الشيوعية بأنها ’قوة فاعلة مكو نة كليا من وكلاء أحرار ‘161،بمعنى أنها هدية لامركزية أو اقتصاد مقايضة من دون مال، حيث لا توجد ملكية للأشياء، وحيث يحدِّد البنيان التكنولوجي الفضاء السياسي. وقد كان على صواب بخصوص المال الافتراضي ، لأن المحتوى الذي يوزعه تويتر وفيسبوك يولِّ ده مساهمون من دون أجر، أي مستعملون من أمثالك. وكان بارلو على صواب أيضا من حيث انعدام الملكية، وفقا لما قدمته في الفصل السابق. فنحن نرى خدمات اقتصاد المشاركة التي من مثل نتفليكس وسبوتيفاي تُبعد الناس عن امتلاك أي شيء. إلا أن ثمة حالة تكون فيها كلمة ’اشتراكية ‘ خاطئة بخصوص ما يجري: فهي ليست عقيدة أو مذهبا. وهي لا تتطلب مبادئ صلبة للإيمان بها. بل هي طيف من المواقف والتقنيات والأدوات التي تعزِّز التعاون والمشاركة والتجمع والتنسيق والتلقائية ومجموعة من أنواع التعاون الاجتماعي الجديدة الأخرى. إنها جبهة للتصميم وفضاء خصب للإبداع خصوصا.
عدد الصفحات ١١٨119 ويقترح منظِّر وسائط الإعلام كْ ل يْ شيركي Clay Shirky في كتابهإلى هنا يأتي الجميع162 Here Comes Everybody الذي نشره في عام 2008، تراتبية مفيدة للتصنيف ضمن هذه الإجراءات الاجتماعية الجديدة، على أساس درجة التنسيق المتزايدة المستعملة. إذ تبدأ مجموعات من الناس ببساطة بالتشارك بقدر أصغري من التنسيق يتطور بعدئذ إلى تعاون ثم إلى عمل مشترك، وفي النهاية إلى عمل جماعي. وعند كل مرحلة من هذه الاشتراكية، يتضخم مقدار التنسيق الإضافي المطلوب. ويكشف مسح لمشهد الإنترنت عن دليل واضح على هذه الظاهرة. 1. التشارك يمتلك جمهور الإنترنت إرادة تشارك لا تُصد ق. فعدد الصور الشخصية التي تُرسل إ لى الفيسبوك وفليكر وا نستغرام وغيرها يبلغ رقما فلكيا يقد ر بـ 1.8 مليار صورة في اليوم 163 .ومن المؤكد أنه يجري التشارك في الغالبية العظمى من تلك الصور الرقمية بطريقة ما. وثمة تحديثات الحالة، وتحديدات المواقع على الخريطة، والأفكار السطحية التي تُرسل عبر الإنترنت. أ ض ف إلى ذلك م ليارات الفيديوهات التي يخدِّمها يوتيوب كل يوم164، وملايين القصص التي يؤلفها المعجبون165 والتي توْد ع في مواقع روايات المعجبين 166. وقائمة المنظمات المشاركة لا نهائية تقريبا: ي لْ ب للمراجعات ، وفورسكوير للأمكنة، بينترست لدفتر القصاصات. إن التشارك في المحتوى منتشر في كل مكان اليوم. والتشارك هو أكثر صيغ الاشتراكية الرقمية اعتدالا، وهو يعمل بصفته أساسا لجميع أنواع الأنشطة العمومية العالية المستوى. إنه المكوِّ ن الأساسي لعالم الشبكة بأسره . 2. التكافل عندما يعمل الأفراد معا باتجاه هدف كبير، تتول د نتائج تظهر على مستوى المجموعة. فالهواة لم يتشاركوا في مليارات الصور في فليكر وتمبلر فحسب، بل وضعوا لصاقات عليها تدل على تصنيفها وتوصيفها وكلماتها المفتاحية. ويُ غرْ بل آخرون الصور لجعلها على شكل مجموعات ولوحات. ويعني انتشار رخصة الإبداع العمومي أن صورك هي صوري إلى حد ما. فأي شخص يستطيع استعمال صورة مرسلة إلى الإنترنت تماما على غرار استعمال عضو جمعية تعاونية لعربة الجمعية اليدوية. و ليس علي أن ألتقط صورة أخرى لبرج إيفل، لأن الجمعية تستطيع توفير صورة أفضل مما أستطي ع
عدد الصفحات ١١٩120 التقاطه بنفسي. وهذا يعني أنني أستطيع إعداد محاضرة أو تقرير أو دفتر قصاصات أو موقع وب على نحو أفضل، لأنني لا أعمل منفردا. وت ستعمل الألوف من مواقع التجميع في الوب إجراءات اجتماعية مشابهة لتحقيق فائدة ثلاثية الأوجه. أولا، تساعد التكنولوجيا ذات الوجه الاجتماعي مستعملي المواقع مباشرة ، وذلك بتمكينهم من تعليم وتحديد وترتيب وأرشفة العنصر الذي يعثرون عليه ، وذلك من أجل استعمالهم الخاص. ويستطيع أعضاء الجمعية إدارة وتنظيم مجموعاتهم على نحو أسهل. على سبيل المثال، في بينترست ، يمكِّ ن عدد كبير من العلا مات والتصنيفات المستعمل من إعداد دفاتر قصاصات معينة بسرعة كبيرة جدا ، و من السهل جدا استحضارها والإضافة إليها. ثانيا، سوف يستفيد مستعملون آخرون من لصاقات وعلامات وا شارات أعدها شخص آخر، وذلك يسهِّل عليهم العثور على مادة مشابهة. وكلما كبُر عدد اللصاقات التي توضع على صورة في بينترست، أو عدد الإعجابات في فيسبوك، أو عدد الهاشتاغات في تويتر، غدت أكثر فائدة للآخرين. ثالثا، يمكن للعمل الجماعي أن يولِّد قيمة إضافية لا تأتي إلا من المجموعة بأسرها . مثلا، يمكن لكدسة من صور التقطها سياح مختلفون لبرج إيفل من زوايا مختلفة في أوقات مختلفة، وعلى كل منها لصاقات كثيرة، أن تُضم معا (باستعمال برمجيات من مثل برنامج مايكروسوفت فوتوسينث Photosynth )ضمن شكل متكامل مدهش ثلاثي الأبعاد لكامل البنية التي هي أكثر تعقيدا وأعلى قيمة بكثير من اللقطات الإفرادية. وبطريقة فضولية، تتجاوز هذه الفكرة الو عد الاشتراكي الذي ينطوي على أن «كل امرئ يقد م بحسب مقدرته ، ويأخذ بحسب حاجته»167،لأنها تحسِّ ن ما تقدِّ مه، وتقدِّ م أكثر مما تحتاج إليه. ويمكن للتشارك الجماعي أن يحرِّر طاقة مذهلة. فالمواقع التي من مثل ر دِّيت وتويتر التي تسمح للمستعملين بالتصويت على معظم المواد الهامة أو إعادة تغريدها (شذرات أخبار، روابط وب، تعليقات)، يمكن أن توجِّ ه محادثات الجمهور بنفس القدر الذي تفعله الصحف وشبكات التلفزيون، وربما بأكثر منه. ويستمر المساهمون المتفرغون بمساهماتهم، ويعود ذلك جزئيا إلى التأثير الثقافي الواسع الذي تمتلكه تلك الأدوات. إن تأثير المجتمع الجماعي يفوق كثيرا تأثير عدد المساهمين. وتلك هي الفكرة الرئيسية من الهيئات الاجتماعية: المجموع يتفوق على الأجزاء. و قد عز زت الاشتراكية التقليدية هذه الطريقة من خلال الدولة القومية. وقد انفصل التشارك الرقمي الآن عن الحكومة ليعمل على المستوى العالمي.
عدد الصفحات ١٢٠121 3 .التعاون يمكن للتعاون المنظم أن يعطي نتائج تفوق إنجازات التعاون الع ر ضي. انظر فقط إلى أي من مئات مشاريع البرمجيات المفتوحة المصدر ، التي من مثل نظام تشغيل لينُكس، والتي تمثل أساس معظم مخدِّ مات الوب ومعظم الهواتف الذكية. في هذه الأعمال الهادفة، تولِّد الأدوات الجماعية الجيدة التنقيح منتجات عالية الجودة من خلال العمل المنس ق لعشرات ألوف الناس. وعلى النقيض من الفئة السابقة من التعاون الع ر ضي، ينزع التعاون الجماعي في المشاريع المعقدة الواسعة النطاق إلى جلب مزايا للمشاركين غير مباشرة فقط، لأن كل عضو في المجموعة يتفاعل مع جزء صغير من المنت ج النهائي. و قد يقضي شخص متحمس عدة شهور وهو يكتب تعليمات برنامج جزئي من برنامج كامل سوف يُستعمل بعد عدة سنوات. وفي الواقع، فإن نسبة الجهد المبذول إلى العائد تكون غير عادلة من وجهة نظر السوق الحرة، لأن العمال يقومون بمقادير هائلة من العمل العالي القيمة السوقية من دون مقابل، ولذا تُعتبر تلك الجهود التعاونية الجماعية بلا مغزى ضمن إطار الرأسمالية. وا ضافة إلى عدم التناغم الاقتصادي، تعو دنا على التمت ع بمنتجات تلك الأعمال الجماعية مجانا. فنصف عدد صفحات الوب في العالم168 مُستضاف اليوم في أكثر من 35 مليون169 مخدم تستعمل برمجيات أباتشي مجانية170، وهي برمجيات مفتوحة المصدر شارك في كتابتها أشخاص كثيرون. إلا أن صندوق مقاصة، يسمى مستودع ثلاثيات الأبعاد se3D Warehou، يوفرعدة ملايين171 من النماذج المعقدة الثلاثية الأبعاد لأي شيء يمكنك تخيله (من الحذاء حتى الجسر)، كان قد أنتجها هواة متحمسون مهرة ووزعوها مجانا. و صُنع نحو مليون منصة آردينو 172 Arduino جماعية التصميم، وست ملايين حاسوب رازبري باي 173 Raspberry Pi،من قبل مدارس وهواة شُجِّعوا على وضع تصاميم يمكن نسخها واستعمالها مجانا لتكون أساسا لمنتجات جديدة. وعوضا عن المال، يكسب أصحاب تلك المنتجات والخدمات الثقة و المكانة والسمعة، ويحصلون على الخبرة و المتعة وا شباع الذات. طبعا ليس ثمة من جديد في العمل الجماعي بحد ذاته. لكن أدوات العمل الجديدة في الإنترنت تدعم نمط الإنتاج الجماعي الذي يمكن أن يتجنب المستثمرين الرأسماليين ويضع الملكية بأيدي المنتجين الذين هم غالبا المستهلكون أيضا. 4 .العملالجماعي لُقِّن معظم الناس في الغرب، وأنا منهم، فكرة أن توسيع سلطة الفرد تُطيح بالضرو رة بسلطة الدولة،
عدد الصفحات ١٢١122 وأن العكس صحيح. لكن من الناحية العملية، فإن معظم النظم السياسية يجعل بعض الموارد تابعا للمجتمع وبعضها الآخر فرديا. ف معظم اقتصادات السوق الحرة الوطنية جعل التربية والتعليم والشرطة تابعة للدولة، في حين أن حتى أكثر المجتمعات اشتراكية تسمح اليوم بشيء من الملكية الخاصة. وتختلف النسبة من مكان إلى آخر في العالم. بدلا من النظر إلى الاشتراكية التكنولوجية على أنها وجه واحد من المقايضة المتوازنة بين الفردية في السوق الحرة و بين السلطة المركزية، يمكن النظر إليها على أنها نظام تشغيل سياسي جديد يرفع من شأن كل من الفرد والمجموعة معا. إن الهدف غير المعب ر عنه إلى حد بعيد، لكن المفهوم حدسيا، من التشارك في التكنولوجيا هو التالي: جعل كل من استقلالية الفرد ومقدرة الناس الذين يعملون معا أعظميين. لذا يمكن النظر إلى التشار كية الرقمية على أنها طريقة ثالثة لإلغاء كثير من الحكمة القديمة المعهودة. لقد وردت عبارة الطريقة الثالثة على لسان تْ شاي ب نْ كلر Yochai Benkler، مؤلف كتابثروة الشبكات The Wealth of Networks الذي كان أكثر من فكر بسياسات الشبكات على الأرجح . فهو يقول: «أنا أرى أن الإنتاج الاشتراكي والإنتاج الفردي هما بديلان لمنظومتي الملكية المغلقتين القائمتين على الدولة وعلى السوق»174. ويُلاحظ أن هذه الأنشطة«يمكن أن تُحسِّن الإبداع والإنتاجية والحرية » .إن نظام التشغيل الجديد ليس شيوعية التخطيط المركزي المعهودة من دون ملكية خ اصة، ولا هو فوضى السوق الحرة الأنانية المهيمنة، بل هو فضاء تصميم بازغ يمكن فيه للتنسيق العمومي اللامركزي أن يحل مشكلات وأن يولِّد أشياء لا تستطيع الشيوعية الصرفة أو الرأسمالية المحضة حلها أو توليدها. إلا أن المنظومات الهجينة التي تجمع بين آليات السوق واللاسوق ليست جديدة. فعلى مدى عقود، درس الباحثون طرائق الإنتاج الاشتراكية اللامركزية لدى تعاونيات شمال إيطاليا والباسك الصناعية التي يكون فيها العاملون هم المالكين الذين يختارون العاملين في الإدارة ويحد دون توزيع الأرباح بعيدا عن رقابة الدولة. وفقط منذ ظهور العمل الجماعي الآني عبر الإنترنت، المنخفض التكلفة و الواسع الانتشار، أصبح من الممكن نقل جوهر هذه الأفكار إلى عوالم جديدة متنوعة من مثل برمجيات المشاريع أو كت ابة الكتب المرجعية. وأهم من ذلك أن تكنولوجيا المشاركة تمكِّن من تحقيق العمل الجماعي على نطاق أوسع كثيرا مما كان ممكنا من قبل. والحلم هو توسيع هذه الطريق الثالثة إلى ما هو أبعد من التجارب المحلية. إلى أي مدى يمكن للعمل الجماعي اللامركزي أن يصل؟ يحتوي الموقع بلاك د ك أوبن ه بْ Black Duck Open Hub،
عدد الصفحات ١٢٢123 الذي يتعقب صناعة المصدر المفتوح، على قائمة بأسماء نحو 650 ألف شخص175 يعملون في أكثر من نصف مليون مشروع 176 .وهذا العدد يساوي ثلاثة أمثال حجم اليد العاملة لدى شركة جنرال موتورز177، وذاك عدد هائل من الناس الذين يعملون بلا مقابل، لكن من دو ن تفرغ كامل. تخيل أن جميع العاملين لدى جنرال موتورز لا يتقاضون أجورا، ومع ذلك يستمرو ن في إنتاج السيارات. وتُعتبر مشاريع المصدر المفتوح أهم أنشطة العمل الجماعي في الإنترنت حتى الآن ، وأباتشي الذي هو أكبرها، يُدير عدة مئات من المساهمين 178، أي ما يكافئ حجم قرية. وتُقدِّر إحدى الدراسات أن 60 ألف شخص-سنة179 من العمل قد صُب في إطلاق فيدورا لينُكس 9 Fedora Linux،وهذا يمثل برهان ا على أن التجميع الذاتي وآليات التشارك يمكن أن تحكم مشروعا من مقاس بلدة. طبعا، العدد الكلي للمشاركين في العمل الجماعي في الإنترنت أكبر من ذلك بكثير. فالموقع ردِّيت ، وهو موقع ترشيح ب واسطة العمل الجماعي، يزوره 170 مليون زائر مختلف شهريا، و 10 آلاف مجموعة نشطة يوميا180. ويدعي الموقع يوتيوب قيام مليار مستعمل بزيارته شهريا 181، وهؤلاء هم القوة العاملة التي تُنتج الفيديوهات التي تنافس التلفزيون اليوم. وأسه م في ويكيبيديا نحو 25 مليون شخص مسجل182، منهم 130 ألف شخص نشطون. وأرسل أكثر من 300 مليون مستعمل نش ط بوستات إلى إنستغرام 183، ويشارك أكثر من 700 مليون مجموعة في مجموعات فيسبوك كل شهر184. إن عدد الأشخاص الذين ينتمون إلى تعاونيات صناعة البرمجيات ، أو الذين يعملون في مشاريع تتطلب قرارات جماعية ، ما زال أقل مما ثمة حاجة إليه. أما عدد الأشخاص الذين يعيشون في إطار الوسائط الاجتماعية، فهو هائل جدا وما زال يتزايد. ف ثمة أكثر من 1.4 مليارشخص يتشاركون مجانا في فيسبوك185 في حيواتهم ضمن مجتمع معلوماتي. ولو كان فيسبوك أمة، لكان أكبر دولة على سطح الأرض. لكن اقتصاد هذه الدولة الكبرى برمته يقوم على يد عاملة مجانية. فمليار شخص يقضون معظم يومهم وهم يولِّدون محتوى مجانا. إنهم هم الذين يعطون التقارير عن الأحداث التي تدور حولهم، ويلخصون القصص، ويقدمون الآراء، ويكوِّ نون الرسوما ت و البيانيات، ويروون الفكاهات، ويرسلون الصور الجميلة، ويصورون الفيديوهات. وهم’يتقاضون‘ لقاء ذلك قيمة التواصل و العلاقات مع 1.4 مليارشخص ممن يمكن التحقق من هوياتهم. إنهم يتقاضون مقابل أتعابهم من خلال السماح لهم بالبقاء ضمن مجتمع فيسبوك.
عدد الصفحات ١٢٣124 قد يتوقع المرء مواقف سياسية كثيرة تجاه الناس الذين يمثلون بديلا لليد العاملة المأجورة. لكن الهاكرز والمبرمجون الذين يصممون أدوات التشارك لا يرون في أنفسهم ثوريين. وأكثر الدوافع شيوعا بينهم للعمل من دون مقابل (وفقا لاستطلاع تضمن 2784 مطور مصدر مفتوح 186 )هو ’تعل م وتطوير مهارات جديدة ‘. وقد عب ر أحد الأكاديميين عن ذلك بقوله: «إن السبب الرئيسي للعمل مجانا هو تحسين برمجيات ي187» .من حيث الجوهر، ليست السياسات المغلقة عملية بقدر كاف، و الإنترنت محكومة بتشارك ال مواهب والمهارات أكثر من كونها محكومة بقواعد الاقتصاد. وقد لا يكون المواطنو ن منيعين تجاه سياسات الأمواج العاتية للتشارك والتكافل والتعاون والعمل الجماعي. فكلما كانت استفادتنا من العمل الجماعي الذي من هذا النوع أكبر، غدونا أكثر انفتاحا أمام الهيئات التي جُعلت اشتراكية في الحكومة. لكن الأنظمة الاستبدادية القهري ة التي من مثل النظام الذي يحكم كوريا الشمالية أصبحت ميتة (خارج كوريا الشمالية)، والمستقبل هو هجين يستلهم إيحاءاته من ويكيبيديا و من الاشتراكية المعتدلة في السويد، على سبيل المثال. قد تحصل ردة فعل عنيفة على هذا الابتعاد عن المألوف، لكن التشارك المتزايد سوف يبقى حتميا. وثمة حجة حكيمة بشأن ما يمكن أن نسمي ذلك، مع أن تكنولوجيات التشارك ما زالت في بداياتها. ف على سلم قياس التشارك التخيلي الخاص بي، ما زلنا عند المستوى 2 من10. وثمة قائمة طويلة من المواضيع التي اعتقد الخبراء أننا، نحن البشر العصريين، لن نتشارك فيها، ومنها أموالنا ومشكلاتنا الصحية وحياتنا الجنسية ومخاوفنا الداخلية. ومع ذلك فقد تبين أنه بوجود التكنولوجيا الملائمة والمزايا المناسبة في الظروف المواتية، سوف نتشارك في كل شيء. إلى أي مدى يمكن لهذه الحركة أن تقترب بنا من المجتمع غير الر أسمالي المفتوح المصدر القائم على إنتاج مجموعات أفراد ذاتية التنظيم؟ في كل مرة طُرح فيها هذا السؤال، كان الجواب: أقرب مما نظن. خذْ مثلا الموقع كْ رْ ي غْ ليست الذي يقتصر على الإعلانات المبوبة فقط، ومع ذلك غدا أكثر بكثير من ذلك. فقد وس ع قائمة التبادلات السهلة الاستعمال بين الأشخاص حتى اشتملت على جمهور محلي، ثم حس ن الإعلانات بالصور. وترك الزبائن يُدخ لون كل إعلاناتهم الشخصية، وأهم من ذلك، جعل الإعلانات في الزمن الحقيقي ، مع تحديثها في الزمن الحقيقي، و جعلها مجانية أيضا. أي إنه وف ر إمكانية لإعلانات مبوبة مجانية على المستوى القومي! فكيف يمكن لشركات صحف مثقلة بالديون أن تنافس ذلك؟ بالعمل من دون تمويل أو هيمنة حكوميين، و بربط المواطنين مباشرة معا، عالميا ويوميا، حققت هذه السوق الحرة فوائد اجتماعية بكفاءة تعجز عنها أي حكومة أو شركة تقليدية (بعدد أعظمي من العاملين يساوي 30 شخصا فقط188 .)طبعا، تُ ضع ف الإعلانات المبوبة اللامركزية نموذج عمل
عدد الصفحات ١٢٤125 الصحف،وتثبت في نفس الوقت، و بما لا يدع مجالا للشك، أن نموذج التشارك هو بديل ممكن فعلا لكل من الشركات الساعية إلى الربح والهيئات الا جتماعية المدعومة بالضرائب التي من مثل المكتبات العامة والمراكز الثقافية وما شابهها . لقد أعلن جميع خبراء الرعاية الصحية العمومية ، وهم واثقون، أن التشارك كان جيدا في حالة الصور، لكن ما من أحد يمكن أن يشارك أحدا في سجله الصحي. ومع ذلك، فقد أثبت الموقع ب يْشنتس لايك مي، وهو موقع لمجموعة من المرضى الذين يهتمون بصحتك و يخزن ون فيه نتائج علاجهم من أجل تحسين رعايتهم ، أن العمل الجماعي يمكن أن يُبعد عنك الأطباء ومخاوف الخصوصية. و غدت العادة المتزايدة الشيوع للتشارك فيما تفكر فيه (تويتر)، وما تقرأه (سْ تمبلْ أب ن)، و في معلوماتك المالية (فول كابس موتلي)، وكل شيء لديك (فيسبوك)، أساسا لثقافتنا. إن فعل ذلك أثناء البناء الجماعي للموسوعات ووكالات الأنباء وأرشيفات الفيديو والبرمجيات ضمن مجموعات تمتد على عدد من القارات، مع أناس لا تعرفهم ، و ليست مكاناتهم ذات أهمية، سوف يجعل الاشتراكية السياسية تبدو الخطوة المنطقية التالية. و قد حصل شيء مشابه مع الأسواق الحرة خلال القرن الفائت. ففي كل يوم، كان شخص يطرح السؤال التالي: ماذا يمكن للأسواق أن تفعله على نحو أفضل؟ لقد أخذنا لائحة طويلة من المشكلات التي بدا أنها تتطلب تخطيطا عقلانيا أو حكومة أبوية و طبقنا عليها بدلا من ذلك منطق السوق. فعلى سبيل المثال، كانت الحكومات تقوم عادة بإدارة الاتصالات، وخاصة خطوط الاتصالات الراديوية الشحيحة189. إلا أن وضع طيف الاتصالات في المزاد العلني في السوق زاد كثيرا من استمثال عرض المجال وسر ع الابتكار والأعمال الجديدة في مجال الاتصالات. وبدلا من الاحتكار الحكومي لتوزيع البريد، تُرك لاعبون آخرون في السوق من مثل DHL و FedEx و UPS يحاولون ذلك أيضا. ونجح الحل السوقي المعدل في كثير من الحالات، و على نحو أفضل كثيرا، و حصل كثير من الازدهار في العقود الأخيرة بإطلا ق العنان لقوى السوق لمعالجة المشكلات الاجتماعية. ونحن نجرب الآن الحيلة نفسها مع التكنولوجيا الاشتراكية الجماعية: تطبيق الاشتراكية الرقمية على لائحة متنامية من الرغبات، وأحيانا على مشكلات لم تستطع السوق الحرة حلها، من أجل رؤية إن كانت تلك الاشتراكية الرقمية سوف تنجح. و كانت النتائج حتى الآن باهرة. فقد أحرزنا نجاحا في استعمال التكنولوجيا الجماعية في جلب الرعاية الصحية إلى أفقر الناس، و في إنتاج كتب جامعية مجانية، وتمويل عقاقير لأمراض نادرة . و أثبتت قوى التشارك والتعاون والعمل الجماعي والانف تاح والتسعير الحر والشفافية دائما أنها عملية أكثر مما ظنناه ممكنا، نحن الرأس ماليون. و في كل مرة نجرب
عدد الصفحات ١٢٥126 قوة التشارك ، نجد أنها أكبر مما تخيلناه. ولا تقتصر قوة التشارك على القطاع اللا ربحي . فثلاث من أكبر الشركات المؤسِّسة للثروة التجارية في العقد الأخير، أي غوغل وفيسبوك وتويتر، تشتق قيمتها من تشارك لم يعط حقه من التقدير وحصل بطرائق غير متوقعة. لقد تفوق الإصدار الأول من غوغل على محركات البحث المهيمنة في ذلك ا لوقت من خلال استعمال روابط صنعها مؤسِّسون هواة لصفحات الوب. ففي كل مرة أقام فيها شخص عادي رابطا تشعبيا في الوب، اعتبر غوغل ذلك الرابط تصويت ا للثقة بصفحة الرابط من أجل إعطاء وزن ل ه عبر الوب. وبذلك يمكن لموثوقية صفحة معينة أن تعطى مرْ ت بة أعلى في نتائج بحث غوغل إذا كانت الصفحات الموصولة معها موصولة أيضا مع صفحات ترتبط بها صفحات م وثوقة أخرى. وهذا الدليل الدائري غير المألوف ليس من اختراع غوغل، بل اشتُق من روابط عمومية تشاركت فيها ملايين صفحات الوب. وكان غوغل أول من استخلص قيمة من نتائج البحث المتشارك فيها التي نقر عليها الزبائن. ومثلت كل نقرة قام بها مستعمل عادي تصويتا على فائدة تلك الصفحة. ولذا بمجرد استعمال غوغل، جعله أنصاره أنفسهم أفضل وأعلى قيمة من الناحية الاقتصادية. و تناول فيسبوك شيئا قل ة هم الذين رأوا فيه قيمة، وهو شبكة أصدقائنا، وشج عنا على التشارك فيه ا، وسه ل علينا التشارك في الملاح ظات والثرثرة مع الدوائر التي ارتبطنا معها. وكانت في ذلك فائدة ثانوية للأفراد، أما تحقيقها كليا فقد كان شديد التعقيد. ولم يتوقع أحد القوة التي سوف ينطوي عليها هذا التشارك الذي لم يعط حقه من التقدير. وقد تبين أن القيمة الكبرى الكامنة في فيسبوك هي الهوية المديدة في الإنترنت التي كان عليه تكوينها لنا من أجل أن تنجح طريقة التشارك تلك. ومع أن المنتجات المستقبلية، التي من مثل لعبة الواقع الافتراضي س ك ند لايف Second Life، قدسه لت التشارك في نسخة تخيلية من نفسك، فقد جنى فيسبوك مالا كثيرا جدا بتسهيل التشارك بالنسخة الأصلية المُ ستيْ ق نة من ذاتك. وسلك تويتر مسلكا مشابها باستغلال المقدرة الكبيرة للتشارك في ’تغريدات ‘ مكونة من 140 حرفا فقد بنى صرحا هائلا مدهشا بتمكينه الناس من التشارك في ملاحظات سر يعة ذكية، ومن تجميع معارف ص لاتهم ضعيفة. قبلئذ، لم يُعتبر هذا المستوى من التشارك ذا أهمية، إن لم نقل ذا قيمة. لكن تويتر أثبت أن ما كان يُعتبر مجرد بريق عام للأفراد، أمكن جعله ذهبا متشاركا فيه حين جمعه ومعالجته بالجملة، ثم تنظيمه وا عادة توزيعه ع لى الأفراد وبيعه للشركات على شكل كتل تحليلية.
عدد الصفحات ١٢٦127 لقد كان الانتقال من الهرمية إلى الشبكات، أي من الرؤوس المتمركزة إلى الوبات [ اللامركزية، حيث التشارك هو الأصل، هو القصة الثقافية الرئيسية خلال العقود الثلاثة الأخيرة. لكن تلك القصة لم تكتمل بعد. فقوة التغيير الصعودي، من الأسفل إلى الأعلى، ما زالت س تذهب بنا إلى ما هو أبعد. إلا أن العمل من الأسفل إلى الأعلى ليس كافيا. فمن أجل الحصول على أفضل ما نريد، نحتاج إلى بعض الذكاء النزولي، من أعلى إلى أسفل، أيضا. و الآن، بعد أن أصبحت التكنولوجيا الاشتراكية والتطبيقات التشاركية منتشرة في كل وقت ومكان، من المفيد تكرار القول أن الت غيير الصعودي ليس كافيا لتحقيق ما نريده فعلا. إننا بحاجة إلى شيء من التغيير النزولي أيضا. و كل تنظيم يهيمن عليه النهج الصعودي بصورة رئيسية ، ويدوم أكثر من بضع سنوات، إنما يفعل ذلك لأنه يصبح هجينا من التغي ر الصعودي، مع شيء من التغي ر النزولي. توصلت إلى ذلك الاستنتاج من خلال تجربتي الشخصية. ف قد كنت محررا مشاركا في تأسيس مجل ة وايرد Wired. ويقوم المحررون عادة بوظيفة نزولية، حيث كنا ننتقي وننقح ونستجوب ونشكل ونوجه نتائج الكت اب. لقد أطلقنا المجلة وايرد في عام 1993،أي قبل اختراع الوب، وبذلك تمتعنا بميزة فريدة هي تشكيل الصحافة مع انبثاق الوب. وفي الواقع، ول دت وايرد واحد ا من أوائل مواقع الوب التحريرية التجارية. وعندما أجرينا تجارب على الطرائق الجديدة الممكنة لتكوين وتوزيع أخبار على الوب، كان أحد الأسئلة التي لم يُج ب عنها هو السؤال التالي: ما هو مقدار التأثير الذي يجب أن يتصف به المحرر و ن؟ لقد كان من الواضح أن أدوات الإنترن ت الجديدة قد سهلت على الناس ليس المساهمة في الكتابة فقط، بل تحرير المحتوى أيضا من حيث التنقيح والتصحيح وغير ذلك من أعمال التحضير للنشر. والفكرة التي تخطر على البال هنا بسيطة: ماذا يحصل لو قلبنا النموذج القديم رأسا على عقب، ووضعنا المسؤولية على عاتق الجمهور والزبائن؟ إنهم سوف يصبحون المنتجين المستهلكين الذين وصفهم توفلر، أي المستهلكين الذين كانوا منتجين. ووفقا لما أشار إليه خبير الابتكار لاري كيلي Larry Keeley مرة «ليس ثمة منهو أذكى من الآخرين 190» .أو وفقا لما قاله كل يْ شيركي Clay Shirky : «إلىهنا يأتي الجميع!»191 .هل علينا ترك ’جميع الآخرين ‘ من الجمهور يؤسسون مجلات في الإنترنت بأنفسهم؟ هل على المحررين التراجع والموافقة على ما تولِّده حكمة الجمهور؟ كان هوارد راينغولد Howard Rheingold، وهو الكاتب والمحرر الذي عاش في الإنترنت عشر
عدد الصفحات ١٢٧128 سنوات قبل وايرد، واحدا من كثير من الخبراء الذين جادلوا بأنه أصبح الآن من الممكن نسيان المحرر ين. اذهب مع الناس. لقد كان راينغولد في طليعة شديدي التعصب لفكرة أنه يمكن تجميع المحتوى كليا من العمل الجماعي الذي يقوم به الهواة والجمهور. وفيما بعد، كتب راينغولد كتابا أسماه الجماهير الذكية Smart Mobs. وقد استأجرناه للإشراف على هوتوايرد HotWired، وهو موقع وايرد في الإنترنت. و كانت الفكرة الأصلية وراء هوتوايرد هي استغلال جمهور القراء في كتابة المحتوى الذي يمكن لقراء آخرين أن يقرؤوه. إلا أن ها كانت أكثر جوهرية. فقد تزايد ت الصيحات من مؤخرة الباص معلنة أن المؤلف بات لا يحتاج إلى محررين 192. ولم يحت جْ أحد إلى طلب الموافقة على النشر. فكل شخص يمتلك وصلة إنترنت يمكنه إرسال عمله إلى الوب وجمع جمهور حوله. وكانت تلك هي نهاية تحكم الناشرين ببوابة عالم النشر. و تلك ثورة. ونظرا إلى كونها ثورة، نشرت وايرد ’إعلان استقلال الفضاء السيبيري ‘193، معلنة انتهاء الإعلام القديمو سريعا ما أخذ الإعلام الجديد بالتفريخ طبعا، ومن أمثلة ذلك مجمِّ عات الأنباء التي من مثل سلاشدوت وديغ، وفيما بعد ردِّيت الذي مك ن المستعملين من التصويت على الأشياء والعمل معا على شكل مرشح إجماع تعاوني يطرح توصيات متبادلة تقوم على آراء ’آخرين من أمثالك ‘. واعتقد راينغولد أن وايرد يمكن أن تتقدم على نحو أسرع بت حرير الناس ذوي الأصوات العالية و العواطف الجياشة الراغبين في الكتابة من المحرِّ رين الذين يمكن أن يُحبطونهم. ونحن نسمي اليوم أولئك المساهمين بالمدونين، أو المغردين. وبهذا المعنى، كان راينغولد على صواب. فكامل المحتوى الذي يُشعل فيسبوك وتويتر وجميع مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى يولِّده مستعملون من دون محرِّ رين. و يُطلق مليار شخص هاو مكتبات من النصوص كل ثانية. وفي الواقع، يكتب الشخص العادي في الإنترنت سنويا هذه الأيام عددا من الكلمات يفوق ما كان يكتبه كثير من الكت اب المحترفين في الماضي. لكن هذا الدفق من النصوص ليس محر را أو مدققا، وهو صعودي كليا. ومع ذلك فإن الاهتمام بهذا المقدار الهائل من محتوى نصوص ا لمستهلكين المنتجين كبير، فقد بيع إلى المعلنين مقابل 24 مليار دولار في عام 2015194. أما أنا، فقد كنت على الجانب الآخر من الثورة، وكانت حجتي المضادة حينئذ تنطوي على أن عمل معظم الهواة، الذي كان من دون تحرير، لم يكن بتلك الأهمية، أو لم يكن موثوقا دائما. لكن عندما يكون هناك مليون شخص يكتبون (أو يدونون أو يرسلون إرسالات إلى الإنترنت) مليون مرة في الأسبوع، فإن من الممكن لبعض التوجيه الذكي لهذا الفيض من النصوص المتوفرة أن يكون ذا قيمة كبيرة . أما الحاجة إلى بعض الانتقاءات النزولية فيمكن أن تزداد قيمتها فقط مع ازدياد مقدار المحتوى
عدد الصفحات ١٢٨