81 قد قرأناه، وبين كلمة في مقطع و قاموس مغمور، و بين مشهد في الكتاب و مشهد مشابه له في فلم سينمائي. (كل هذه العمليات سوف تحتاج إلى أدوات للعثور على المقاطع ذات الصلة). ويمكننا الاشتراك بحواش مما يقدمه آخرون نحترمهم، وبذلك لا نحصل على لائحة قراءاتهم فقط، بل على حواشيهم أيضا التي تتضمن مقاطع معل مة وملاحظات وأسئلة وتأملات. ويمكن لنقاشات نادي الكتب الذكية، التي تدور حاليا في موقع التشارك في الكتب Goodreads،أن تتعقب الكتاب نفسه وأن تصبح متضمنة فيه على نحو أشد عمقا، وذلك من خلال الوصلات التشعبية. فعندما يستشهد شخص بمقطع معين، تربط وصلة ثنائية الاتجاه بين ملاحظته وبين المقطع. ومن ث م يمكن حتى لعمل ثانوي جيد أن يُ راك م، على غرار الويكي، مجموعة من الملاحظات النقدية الوثيقة الصلة بالنص الفعلي. وبالفعل، يمكن للوصلات التشعبية الكثيفة بين الكتب أن تجعل كل كتاب حدثا شبكيا. تفترض الرؤية الشائعة لمستقبل الكتاب أن الكتب سوف تبقى أشياء منعزلة ومستقلة بعضا عن بعض، على غرار ما هي عليه في مكتبة عمومية. فهناك، كل كتاب ي غفل كليا عن الكتاب المجاور له. وعندما يُكمل مؤلف عملا، ي ثبُ ت ذلك العمل وينتهي. ولا يتحرك إلا عندما يلتقط ه قارئ ليبث ال حياة فيه بخياله. و في تلك الرؤية الشائعة أيضا، تتمثل الفائدة الرئيسية للمكتبة الرقمية الآتية بقابلية النقل، أي الترجمة الدقيقة لنص الكتاب الكامل إلى بتات تمكِّن من قراءته على شاشة في أي مكان. لكن تلك الرؤية تفتقر إلى الثورة الرئيسية التي تولدت مع رقمنة الكتب: في المكتبة الشاملة، لن يكون الكتاب جزيرة منعزلة، بل سوف تكون كل الكتب مترابطة. ويمثِّل تحويل الأحرف المطبوعة بالحبر إلى نقاط إلكترونية تُقرأ على شاشة الخطوة الأساسية الأولى في تكوين هذه المكتبة الجديدة. ويظهر السحر الحقيقي في الخطوة التالية عندما تترابط كل الكلمات في كل الكتب معا، وتتجمع ويُستشهد بها وتُستخلص وتُفهرس وتُحلل وتوضع ملاحظات عليها وتُنسج في عمق الثقافة أكثر من أي وقت مضى. في عالم الكتب والنصوص الإلكترونية الجديد، تؤثر كل كلمة في الكلمات الأخرى، وت قرأ كل صفحة كل الصفحات الأخرى. إلا أن أفضل ما يمكن فعله حاليا بخصوص الربط بين الكتب الإلكترونية هو ربط بعض النصوص مع عناوين مصادرها ضمن قائمة المراجع أو في ح واشي سفلية. وأفضل من ذلك يمكن تكوين رابط إلى مقطع معين في مقطع آخر في عمل ما، وتلك مهمة تتطلب مهارة تقنية غير متوفرة حاليا. لكن عندما نتمكن من تكوين روابط جيدة مع وثائق على مستوى الجمل، وجعل تلك الروابط ثنائية الاتجاه،
عدد الصفحات ٨١82 تصبح لدينا كتب مشبوكة فعلا. و بإمكانك أن تأخذ فكرة عما يمكن لهذا أن يكون من خلال زيارة ل ويكيبيديا. اعتبر ويكيبيديا كتابا كبيرا جدا على شكل موسوعة واحدة، وهذا هو الواقع طبعا. يعج معظم صفحات هذا الكتاب، التي يبلغ عددها 34 مليون صفحة، بكلمات ذات لون أزرق يدل على أن تلك الكلمات مرتبطة تشعبيا مع مفاهيم في أماكن أخرى في تلك الموسوعة 112. وهذه العلاقات المتشابكة هي ما يعطي ويكيبيديا والو ب مقدرته ما الهائلة. لذا تُعتبر ويكيبيديا أول كتاب شبكي. وبعد وقت كاف، سوف تصبح كل صفحة ويكيبيديا مشبعة بالروابط الزرقاء بسبب نسب كل جملة إلى مرجع معين. وبعد وقت كاف أيضا، وعندما تصبح كل الكتب رقمية، سوف يحتوي كل منها على مقاطع زرقاء مكافئة ، لأن كل مرجع ضمن ذلك الكتاب سوف يكون مشبوكا مع كل الكتب الأخرى. وسوف تكتشف كل صفحة في كتاب ما صفحات أخرى وكتبا أخرى. وبذلك سوف تنساب الكتب من أغلفتها لتنسج نفسها معا ضمن كتاب كبير أساسي واحد هو المكتبة الشاملة. و يمكِّننا الذكاء الجماعي الناتج في هذه المكتبة المتشابكة من رؤية أشياء لا نستطيع رؤيتها في كتاب منعزل واحد. ليس حلم المكتبة الشاملة حلما جديدا، بل هو حلمقديم ينطوي على أن تكون لديك كل المعرفة السابقة والحالية في مكان واحد يجمع كل الكتب و الوثائق و الأعمال الفكرية مترابطة معا بجميع اللغات. إنه أمل مألوف، ويعود ذلك جزئيا إلى أننا بنينا سابقا مكتبة من هذا النوع. فقد جرى تصميم مكتبة الإسكندرية الكبرى 113، التي بُنيت حوالي عام300 قبل الميلاد، كيتضم كل اللفائف المتداولة في العالم المعروف حينئذ. وفي وقت ما من تاريخها، احتوت تلك المكت بة على نحو نصف مليون لفافة قُدِّر أنها احتوت على ما بين 30 و 70 بالمئة منجميع الكتب التي كانت موجودة حينئذ. لكن اللحظة التي كان من الممكن فيها وضع كل المعرفة ضمن مبنى واحد كانت قد ول ت حتى قبل ضياع تلك المكتبة العظيمة. فمنذئذ، طغى التزايد المستمر للمعلومات وتجاوز مقدرتنا على احتوائها. وطوال 2000 سنة، بقيت المكتبة الشاملة، معالتطلعات الأخرى التي من مثل عباءة الإخفاء والحذاء المضاد للجاذبية والمكاتب العديمة الورق ، حلما أسطوريا مستمرا في الاندفاع نحو المستقبل اللامتناهي. فهل سوف تكون المكتبة الكبرى ، التي تحتوي على كل المعارف والتي ما فتئنا ننتظرها منذ مدة طويلة ، في نطاق الممكن؟
عدد الصفحات ٨٢83 يقول بروستر كيْل Brewster Kahle، المؤرشف الذي يقوم بحفظ نسخة احتياطية عن الإنترنت برمتها 114، أن المكتبة الشاملة أصبحت الآن بمتناول أيدينا. ويردد قائلا: «هذه هي فرصتنا الحقيقية للتفوق على الإغريق . فهي ممكنة فعلا بواسطة تكنولوجيا اليوم، لا الغد، وسوف نستطيع تقديم كل أعمال البشرية إلى جميع الناس في العالم، وسوف يكون ذلك إنجازا يتذكره الناس إلى الأبد، على غرار إنزال شخص على سطح القمر » .وخلافا للمكتبات القديمة التي كانت مقتصرة على النخبة، سوف تكون هذه المكتبة ديموقراطية فعلا بتوفيرها كل الكتب بكل اللغات لكل الناس الذين يعيشون على الكرة الأرضية . من الناحية المثالية، وبوجود مكتبة كاملة من هذا النوع، يجب أن نكون قادرين على قراءة أي مقالة تُكتب في أي صحيفة أو مجلة. ويجب أن تشتمل المكتبة الشاملة أيضا على نسخة من كل لوحة وصورة فوتوغرافية وفلم ومقطوعة موسيقية أنتجها الفنانو ن في الحاضر والماضي، إضافة إلى جميع الإعلانات التجارية وما بثته الإذاعات ومحطات التلفزيون. وبالطبع، يجب أن تحتوي المكتبة العظمى نسخا من مليارات صفحات الو ب الميتة التي ما عادت موجودة في الإنترنت ، و عشرات ملايين البوستات التي اندثرت ، أي منشورات زماننا البائدة. وباختصار، يجب أن تحتوي عل كل أعمال البشرية من بداية التاريخ المكتوب بجميع اللغات التي توفرت لجميع الناس في جميع الأزمان. وتلك مكتبة كبيرة جدا. لقد ن شر الناس، منذ أيام ألواح الصلصال السومرية حتى الآن، ما لا يقل عن 013 ملايين كتاب و 1.4 مليار مقالة وموضوع 115، و 180 مليون أغنية116، و 3.5 تريليون صورة 117، و 330 ألف فلم118، ومليار ساعة من الفيديو وبرامج التلفزيون والأفلام القصيرة 119، و 60 تريليون صفحة وب عمومية 120. وكل تلك المادةموجودة حاليا في مختلف مكتبات و أرشيفات العالم المختلفة. وحينما تحصل رقمنتها كليا، يمكن ضغطها وخزنها جميعا في أقراص صلبة سعتها تساوي 50 بيتابايت121 (باستعمال المعدلات التكنولوجية الراهنة . 1 بيتابايت1510 بايت). قبل عشر سنوات، كان خزن 50 بيتابايتيتطلب مبنى بحجم مبنى مكتبة بلدة صغيرة ، أما اليوم، فيمكن لغرفة نومك أن تحوي المكتبة ك املة. وباستعمال تكنولوجيا الغد، يمكن وضعها برمتها ضمن هاتفك. وعندما يحصل ذلك، يمكن وضع مكتبة كل المكتبات في محفظتك، إنْ لم نقل أنه يمكن وصلها مباشرة مع دماغك بأسلاك بيضاء رفيعة. و بالتأكيد، فإن بعض الناس الأحياء اليوم يتمنون الموت قبل حصول ذلك، أما الآخرو ن، ومعظمهم من الذين في مقتبل العمر، فيريدون معرفة سبب تأخر ذلك كل تلك المدة. لكن التكنولوجيات التي سوف تجلب إلينا مصدرا من هذا الكوكب لكل المادة المكتوبة، سوف تحوِّل أيضا، وبنفس الطريقة ، طبيعة ما نسميها الآن ’كتبا‘، إضافة إلى المكتبات التي تحتوي عليها أيضا.
عدد الصفحات ٨٣84 لن تكون المكتبة الشاملة وكتبها مشابهة لأي مكتبة أو كتبنعرفها الآن، لأننا سوف نعرضها على الشاشات بدلا من قراءتها. و باستمداد الثقة من نجاح الروابط الكثيفة في ويكيبيديا، فإن كثيرا من المتحمسين للحاسوب يعتقدون بأن مليار قارئ بشري يستطيعون نسج صفحات جميع الك تب القديمة معا على نحو موثوق، بوصلات تشعبية، واحدة تلو أخرى . و سوف يربط أولئك التواقون إلى موضوع معين، أو إلى مؤلف مغمور أو كتاب مفضل، أجزاءه الهامة معا مع مرور الوقت. اضربْ ذلك الفعل القوي البسيط بملايين القراء، تجد أن من الممكن مكاملة المكتبة الشاملة برمتها معا من قبل المعجبين من أجل المعجبين. وا ضافة إلى الرابط الذي يصل مباشرة بين الكلمات والجمل والكتب ومثيلاتها، سوف يستطيع القراء أيضا إضافة تسميات إليها. فتكنولوجيا البحث القائمة على الذكاء الصنعي، تلغي الحاجة إلى منظومات التصنيف الفائقة التعقيد، لأن التسميات التي يولدها المستعملون تكفي للعثور على الأشياء. وبالفعل، فإن اليقظة الدائمة الكامنة في الذكاء الصنعي سوف تضع تسميات على ملايين النصوص والصور آليا، وبذلك سوف تقدم المكتبة الشاملة كل حكمتها إلى كل من يسعى إليها. قد تكون الر وابط والعلا مات والتسميات من أهم اختراعات الخمسين سنة الفائتة. فأنت ترفع من قيمة الو ب وأنت بعيد عن الأنظار، وذلك بجعلها أذكى عندما تضع رابطا لشيء أو تسمية له. ف هذه البتات الهامة تُجمع وتُحل ل من قبل محركات البحث والذكاء الصنعي من أجل تقوية العلاقة بين طرفي كل رابط و بين الوصلات المقترحة في كل تسمية. ل قد كان هذا النوع من الذكاء متأصلا في الو ب منذ ولادتها، لكنه كان في السابق غريبا على عالم الكتب . أما الآن، فقد جعلت الر وابط والتسميات عرض المكتبة الشاملة ممكنا وقويا. ونحن نرى هذا المفعول واضحا جدا في مجال العلو م. فالعلو م تشهد حملة طويلة الأجل لجلب جميع المعرفة الموجودة في العالم إلى شبكة حقائق واحدة هائلة ومترابطة و مليئة بالحواشي ومدققة من قبل المختصين. لكن الحقائق المستقلة، ومنها تلك التي لها مغزى ضمن عالمها الذاتي، ضئيلة القيمة بالنسبة إلى العلم (ليست أشباه العلوم و غير العلوم، أي تلك التي لا يمكن البرهان عليها بالطرائق العلمية المعتم دة، في الواقع سوى بؤر معرفة صغيرة غير مرتبطة مع شبكة العلم الكبيرة . و هي صحيحة ضمن شبكتها الذاتية فقط). وبهذه الطريقة، تحسِّن كل ملاحظة أو بت معلومات جديدة تدخل شبكة العلم قيمة جميع بتات المعلومات الأخرى. وبعد مكاملة الكتاب مع المكتبة الموس عة بواسطة هذا الربط، لا يعود نصه منعزلا عن نصوص
عدد الصفحات ٨٤85 الكتب الأخرى على سبيل المثال، يتضمن اليوم الكتاب الرصين غير الخيالي عادة قائمة مراجع وبعض الحواشي السفلية. وعندما تُربط الكتب معا على نحو وثيق، سوف تكون قادرا على النقر على أي عنوان في قائمة المراجع أو على أي حاشية سفلية، لتعثر على الكتاب المشار إليه في الحاشية. وسوف تكون الكتب المدونة عناوينها في قائمة المراجع متاحة مباشرة ، وبذلك تستطيع القفز ضمن المكتبة بنفس الطريقة التي نقفز بها فيما بين روابط الو ب متنقلين من حاشية إلى حاشية إلى حاشية حتى الوصول إلى نهاية الحواشي. وبعدئذ تأتي الكلمات. فمثلا، على غرار مقالة في الوب عن شُ ع ب مرجانية و تحتوي على كلمات لها روابط مع تعاريف لمصطلحات سمكية، يمكن لأي كلمة في كتاب مرقمن أن تُربط مع أجزاء أخرى من كتب أخرى. و بذلك تصبح الكتب، ومنها كتب الخيال، شبكة أسماء ومجتمعا من الأفكار. (بإمكانك طبعا إخفاء الروابط وما تشير إليه إذا لم تكن ترغب في رؤيتها أثناء قراءتك لرواية ما. لكن الروايات لا تمثل إلى جزءا ضئيلا من مجمل الأشياء المكتوبة). و خلال العقود الثلاثة القادمة، سوف يحيك العلماء والهواة، بالاستعانة بخوارزميات حاسوبية، كتب العالم معا ضمن شبكة أدبية واحدة. وسوف يكون القارئ قادرا على وضع مخطط اجتماعي لفكرة ، أو رسم مسار زمني لمفهوم ، أو خريطة شبكية لتأثير أي فكرة في المكتبة. وسوف نتمكن من فهم أنه ما من عمل أو فكرة يمكن أن تبقى م عزولة وحدها، بل إن جميع الأشياء الحقيقية الجميلة الجيدة تمثل بيئة حيوية لأجزاء مجدولة معا وكينونات ذات صلة وثيقة فيما بينها، من الماضي والحاضر. و حتى عندما يكون مؤلِّ ف النص الأساسي شخصا واحدا فقط (وهذا هو الأرجح في كثير من كتب الخيال)، فإن المراجع والنقاشات والانتقادات والأدبيات والروابط التي تحيط بالكتاب سوف تكون ع لى الأرجح أعمالا تعاونية مشتركة، و سوف تبدو الكتب التي تخلو من هذه الشبكة المترابطة عارية. وفي نفس الوقت، من الممكن تجزئة الكتب المرقمنة إلى صفحات منفردة، أو يمكن إجراء مزيد من التجزئة إلى مقتطفات من الصفحات. ويُعاد مزج تلك المقتطفات في كتب يُ عاد ترتيبها على رفوف كتب افتراضية. وعلى غرار هواة الموسيقى الذين ينْ ظ مون الموسيقى ويعيدون ترتيبها على شكل ألبومات أو قوائم تشغيل، سوف تشجع المكتبة الشبكية الشاملة تكوين ’رفوف كتب ‘ افتراضية، وهي مجموعة من النصوص، بعضها قصير كالفقرات، وبعضها طويل بطول كتاب كامل، وتكوِّن تلك الرفوف ما يكافئ رف مكتبة من المعلومات المتخصصة. وعلى غرار قائمة التشغيل الموسيقية، تُنشر رفوف الكتب أو قو ائم تشغيل الكتب تلك بعد تكوينها، ويجري تبادلها في النطاقات العامة. وبالفعل، فإن بعض
عدد الصفحات ٨٥86 المؤلفين سوف يبدؤون بكتابة كتب لكي تُقرأ على شكل مقتطفات، أو ل مزج ها على شكل صفحات. وبالتأكيد، فإن المقدرة على شراء وقراءة وم عالجة صفحات أو مقاطع إفرادية هي التي سوف تحدد الكتب المرجعية في المستقبل (كتب الطبخ وكتيبات كيفية صنع الأشياء والأدلة السياحية على سبيل المثال). و يمكنك مثلا تكوين ’رف كتب طبخ ‘ لك، أو دفتر قصاصات لوصفات طعام مختارة من كثيرة من المصادر المختلفة، ويمكن للرف أو الدفتر أن يتضمنا صفحات و ب وقصاصات من مجلات، وحتى من كتب طبخ مختلفة. وقد بدأ ذلك بالحصول فعلا. ويسمح الموقع بينْ تر ست للجمهور بتكوين دفاتر قصاصات للأقوال المقتبسة والصور والملاحظات اللافتة بسرعة كبيرة . وتوفر أمازون حاليا فرصة لك لنشر رفوف كتب تخصك على شكل لائحة كتب عليها ملاحظات ترغب في أن توصي بها حول موضوع خاص معين. ويستعمل القراء حاليا بالفعل خدمةGoogle Books من أجل تجميع مكتبات صغيرة عن موضوع معين، ومن أمثلة ذلك جميع كتب الساونا السويدية ، أو أفضل الكتب عن الساعات. وعندما تصبح المقتطفات والمقالات وصفحات الكتب وفيرة وقابلة للخلط والنقل من مكان إلى آخر، سوف يكتسب المستعملو ن الاحترام ، وربما يحصلون على دخل، حين تجميع مجموعة ممتازة. لكن المكتبات العامة (ومعها كثير من الأفراد) ليست تواقة إلى الاستغناء عن إصدار ات الكتب الورقية القديمة ، لأن الكتاب المطبوع يمثل وسيلة الخزن التي هي أطول عمرا وأكثر وثوقية على المدى البعيد. والكتب المطبوعة لا تحتاج إلى أدوات وسيطة لقراءتها، ولذا تتصف بكونها من يعة من انتهاء الصلاحية التكنولوجية. والورق مستقر جدا أيضا مقارنة بالأقراص الصلبة ، وحتى الأقراص الليزرية المتراصة. ويُعتبر الإصدار غير المتبدل، الذي يحافظ على رؤية المؤلف الأصلية من دون تشويش، أثمن الإصدارات. فهو يبقى ثابتا وصحيحا بشكله الأصلي. لكنه يبقى وحيدا. فماذا سوف يحصل عندما تصبح جميع كتب العالم عجينة سائلة من الكلمات والأفكار المترابطة؟ سوف تحصل أربعة أشياء: أولا، سوف تحوز الأعمال الهامشية على عدد صغير من المعجبين، لكن ذلك العدد سوف يكون أكبر من العدد الحالي القريب من الصفر. و سوف يصبح من السهل اكتشاف تحف الفن للفن الخاصة بالحمية النباتية لكهنة جنوب الهند، على سبيل المثال. و سوف يدفع الترابط الرقمي مستوى قراءة أي كتاب تقريبا ، مهما كان خاصا و كان عدد المهتمين به صغيرا، بعيدا عن حيز المبيعات القليلة أو المعدومة حيث يعيش معظم كتب العالم. ثانيا، سوف تعمِّق المكتبة الشاملة استيعابنا للتاريخ بعد رقمنة كل الوثائق الأصلية المتعلقة بمسيرة
عدد الصفحات ٨٦87 الحضارة والربط فيما بينها وتشتمل تلك الوثائق على جميع الصحف الآخذة بالاصفرار ، وأدلة الهاتف غير المستعملة، وملفات البلدية التي تراكم عليها الغبار ، وجميع دفاتر حسابات البنوك والتجار القديمة التي تتعفن الآن في الأقبية. وسوف يُربط مزيد من الماضي مع الحاضر بحيث يزداد فهم الحاضر وتقدير الماضي. ثالثا، سوف تُنمِّي المكتبة الشبكية التي تشتمل على جميع الكتب إحساسا جديدا بالسمو. إذا استطعت حقا أن تضمِّن فيها جميع النصوص عن موضوع معين ، أي النصوص السابقة والحالية الموجودة في جميع اللغات، أمكن أن يتكو ن لديك إحساس واضح بما نعرفه و بما لا نعرفه، نحن البشر أصحاب الحضارة. و حينئذ تتضح المواضع البيضاء الفارغة الممثلة لجهلنا الجماعي، في حين أن القمم الذهبية لمعرفتنا تكتسي بالكمال. ومع أن هذه الدرجة من السمو لا تتحقق إلا نادرا في ثقافة اليوم، فإنها سوف تصبح روتينية في المستقبل. رابعا وأخيرا، سوف تصبح المكتبة الكاملة التي تشتمل على كل الأعمال أكثر من مجرد كونها مكتبة أفضل من حيث البحث فيها. بل سوف تكون منصة للحياة الثقافية، معيدة المعرفة التي في الكتب بطريقة م ا إلى جوهر ها. في الوقت الراهن، إذا دمجت موقع خرائط غوغل مع الموقع مونستر monster.com، حصلت على خرائط ت وز ع المهن تبعا للأجور. وبنفس الطريقة، من السهل أن ترى في المكتبة الشبكية العظمى أي شيء سبق أن كُتب عنه، ومن أمثلة ذلك أنه يمكنك أن ترى ميدان الطرف الأغر في لندن إذا وقفت في ميدان الطرف الأغر على شاشة قابلة للارتداء من مثل نظارة غوغل. وعلى غرار ذلك، فإن كل شيء أو حدث أو موضع على الأرض يمكن أن ’ ي عرف ‘ كل شيء سبق أن كُتب عنه في أي كتاب وبأي لغة و في أي وقت. إنك سوف تتفاعل بكل جسمك مع الكتاب الشامل. وقريبا، سوف يكون الكتاب الموجود خارج المكتبة الشاملة كصفحة الوب الموجودة خارج الو ب، باحثا عن هواء يتنفسه. وبالفعل، فإن الطريقة الوحيدة لا حتفاظ جوهر الكتاب بنفوذه المتضائل في ثقافتنا هي تشبيك نصوص جميع الكتب ضمن مكتبة شاملة. إن معظم الأعمال الجديدة سوف تولد رقمية، وسوف تتدفق إلى المكتبة الشاملة وكأنك تضيف مزيدا من الكلمات إلى رواية طويلة. وفي النهاية، سوف يُ رقمن الجبل الهائل من الكتب التماثلية الموجودة في النطاق العمومي، إضافة الـ 25 مليون من الأعمال اليتيمة122 (غير المطبوعة وغير الموجودة في النطاق العمومي)، وتُربط معا. وفي الصراع ما بين أعراف الكتاب وبروتوكولات الشاشة، سوف تكون الغلبة للشاشة. أما أحد الجوانب الغريبة في الكتب الشبكية فهو أنها لا تكتمل أبدا، أو بالأحرى أنها تصبح تيارات
عدد الصفحات ٨٧88 من الكلمات بدلا من أن تكون صروحافويكيبيديا هي تيار من التحريرات، وهذا واضح لكل من يحاول الاقتباس منها. وسوف يكون الكتاب مشبوكا في كل من الزم ان المكان. لكن لماذا نكترث لتسمية هذه الأشياء كتبا؟ بالتعريف، ليس للكتاب الذي في الشبكة مركز ، بل كله حواف. ألا يمكن لوحدة المكتبة الشاملة أن تكون جملة أو فقرة أو فصلا بدلا من أن تكون كتابا؟ هذا ممكن، إلا أن ثمة قوة في الصيغ الطويلة. فالقصة القائمة بذاتها والرواية المتكاملة والحجة المكتملة المغلقة تنطوي على جذب قوي لنا، وثمة رنين طبيعي يرسم شبكة حولها. سوف نفكِّك الكتب إلى بتاتها وأجزائها المكوِّ نة لها و نحبكها في الو ب، إلا أن التنظيم العالي المستوى للكتاب سوف يبقى في بؤرة اهتمامنا. فالكتاب هو وحدة الاهتمام. إن الحقيقة والفكرة هامتان، لكن القصة والحجة الجيدة والرواية الجيدة الحبكة هي الأشياء الرائعة المدهشة التي لا تُنسى أبدا. ووفقا لقول موريـال روكيزر Muriel Rukeyser،«الكون مصنوع من قصص، لا من ذرات »123. وسوف تُعرض تلك القصص على الشاشات. فحيثما نظرنا ، سوف نرى شاشات. لقد شاهدت في أحد الأيام مقطعا قصيرا من فلم سينمائي أثناء ملء سيارتي بالبنزين. وفي ليلة أخرى شاهدت فلما سينمائيا عُرض على خلفية مقعد في طائرة. و قبل وقت قليل هذه الليلة شاهدت فلما على هاتفي. إننا سوف نشاهد الأشياء على الشاشات في أي وقت و في أي مكان. فالشاشات التي تعرض الفيديوهات منتشرة في معظم الأمكنة التي لا يُتوقع وجودها فيها، ومن أمثلتها آلات الصراف الآلي وأرتال الدفع في السوبرماركت. وقد خلقت تلك الشاشات المستمرة التزايد جمهورا لأفلام الصور المتحركة القصيرة جدا التي لا تزيد مدتها على ثلاث دقائق، في حين أن أدوات صنع الأفلام الرقمية أوجدت جيلا جديدا من صناع الأفلام الذين يملؤون بسرعة تلك الشاشات. إننا متجهون نحو شيوع الشاشات. لكن الشاشة تتطلب منا أكثر من عيوننا. أثناء قراءة كتاب عادي، أقصى نشاط جسدي نقوم به هو تقليب صفحاته أو ثني زاوية ورقة منه لتعليمها. أما الشاشات فتُشغل أجسادنا. فشاشات اللمس تستجيب للمسات أصابعنا الدائمة الحركة. والمُ ح س ات في شاشات الألعاب التي من مثل Nintendo Wii تتعقب أيدينا وأذرعنا. والمتحكِّ مات في شاشات ألعاب الفيديو تشجع حركات الجسم السريعة. والشاشات الحديثة التي نشاهدها ضمن سماعات ومناظير الواقع الافتراضي الرأسية تحفِّ ز حركات الجسم بكامله. إنها تقدح تبادل التفاعل. وبعض أحدث الشاشات (ومنها تلك المستعملة في هاتف سامسونغ غالاكسي) تستطيع تعق ب أعيننا لتحديد ما نحدِّ ق به. وسوف تعرف الشاشة ما نهتم به ومدة اهتمامنا124. وتستطيع البرمجيات الذكية الآن أن تقرأ مشاعرنا أثناء قراءتنا للشاشة وأن تغير ما سوف نشاهده بعدئذ استجابة لمشاعرنا 125. وسوف تصبح القراءة رياضة تقريبا. وبقدر ما كان من الغريب أن ترى شخصا يقرأ
عدد الصفحات ٨٨89 بصمت قبل خمسة قرون (كانت القراءة والكتابة نادرة إلى حد أن معظم النصوص كانت تُقرأ بصوت مرتفع لكي يستفيد الجميع)، سوف يكون من الغريب في المستقبل أيضا أن تشاهد شاشة من دون أن تستجيب أجزاء من أجسادنا للمحتوى الذي تعرضه . وكانت الكتب جيدة من أجل تكوين عقل تأملي. أما الشاشات فتشجع التفكير النفعي. فالفكرة الجديدة أو الحقيقة غير المألوفة التي تتكشف أثناء العرض على الشاشة سوف تحفزنا على فعل شيء ما من مثل إجراء بحث عن مصطلح، أو الاستفسار عبر الشاشة من الأصدقاء عن آرائهم، أو البحث عن آراء بديلة، أو وضع علامة على الصفحة، أو التفاعل مع الشيء بدلا من مجرد التأمل فيه. لقد قو ت قراءة الكتب مهاراتنا التحليلية وشجعتنا على البحث عن الملاحظات نزولا حتى الحواشي السفلية. أما الع رْ ض على الشاشة فيشجع على الصنع السريع للأنماط التي تقرن كل فكرة ب فكرة أخرى، و يحضِّرنا للتعامل مع ألوف الأفكار الجيدة التي تظهر كل يوم. ويغذي العرض على الشاشة التفكير في الزمن الحقيقي. فنحن نُجري مراجعة لفلم سينمائي أثناء مشاهدتنا له، أو ن كتشف حقيقة مبهمة في أثناء المناقشة، أو نقرأ دليل استعمال أداة ما قبل شرائها بدلا من الانتظار حتى الوصول إلى البيت واكتشاف أنها لا تؤدي الغرض الذي نريده . إن الشاشات هي أجهزة اللحظة الراهنة. و تحرِّض الشاشات الأفعال بدلا من الإقناع. فالدعاية أصبحت أقل تأثيرا في عالم الشاشات، لأنه إذا كانت المعلومات المغلوطة تنتشر بسرعة الإلكترونات، فإن التصحيحات تنتشر بالسرعة نفسها أيضا. فويكيبيديا تعمل جيدا جدا لأنها تحذف الخطأ بنقرة واحدة، وهذا يجعل إلغاء الكذب أسهل من إرساله من حيث المبدأ. وفي الكتب، نجد حقيقة مكتشفة، أما على الشاشة فنحن نجمِّع حكاياتنا من قطع متناثرة. و على الشاشات المشبوكة معا يترابط كل شيء مع كل شيء. لكن حالة الكائن الجديد لا تتحدد بالتقدير الذي يعطيه إياه النقاد ، بل بدرجة ارتباطه مع بقية العالم. فالأ شخاص، والأشياء المصنوعة، والحقائق لا تصبح ’موجودة‘ إلا بعد أن تُربط مع غيرها . ويمكن للشاشة أن تكشف عن الطبيعة الداخلية للأشياء. فتحريك عين كمرة الهاتف الذكي فوق شيء مصنو ع يمكن أن يكشف عن سعره ومنشئه ومكوناته ، وحتى عن ملاحظات هامة وضعها المالك. وباستعمال تطبيق مناسب، من مثل مترجم غوغل، يمكن لشاشة هاتف ك أن تُترج م فوريا كلمات على قائمة أو على إشارة في بلد أجنبي إلى لغتك، وباستعمال نفس المحارف. أو يمكن لتطبيق آخر على هاتفك أن يُضفي على لعبة أطفال تصرفات وتأثيرات أخرى لا تظهر إلا على الشاشة ، ويكون الأمر وكأن الشاشة تعرض جوهر الشيء غير الملموس.
عدد الصفحات ٨٩90 ومعتزايد إمكانات الشاشات النقالة وانخفاض أوز انها وازدياد مساحتها، سوف تُستعمل لمشاهدة المزيد من هذا العالم الداخلي. احمل لوحا إلكترونيا أثناء مشيك على الطريق، أو ارتد نظارات أو عدسات لاصقة سحرية، ترى شكلا للطريق الحقيقي أمامك وقد وُضعت عليه إشارات إلى أمكنة من مثل المراحيض النظيفة، و المخازن التي تباع فيها الأشياء التي تفضلها، و الأماكن التي يقضي فيها أصدقاؤك أوقاتهم. لقد غدت رقائق الحاسوب صغيرة والشاشات رقيقة ورخيصة إلى حد أنه في الثلاثين سنة القادمة سوف تطبِّ ق النظارات العينية نصف الشفافة شريحة من المعلومات على المحيط الواقعي126 .وا ذا التقطت شيئا وأنت تحدق عبر تلك النظارات، ظهرت معلوماته (أو معلومات المكان) الأساسية في نص ضمن الشريحة. وبهذه الطريقة سوف تمكننا الشاشات من ’ قراءة ‘ كل شيء، لا النصوص فقط. لكن تلك النظارات تجعل من يرتديها يبدو كالأجدب، وفقا لما ت بي ن من نظارة غوغل. فاستيعاب شكلها وائتلافه بصفته زيا والشعور بالراحة معه يستغرق مدة . ومع ذلك، جرى في السنة الفائتة وحدها وضع خمسة كوينتليونات (1 كوينتليون1810) ترانزستور ضمن أشياء غير الحواسيب. وسريعا جدا، سوف يحتوي كل شيء من معظم الأشياء المصن عة، من الأحذية حتى علب الحساء، شذرة صغيرة من ذكاء بسيط، وسوف تكون الشاشات هي الأدوات التي نستعملها للتفاعل مع تلك التذكية المنتشرة في كل مكان. وسوف نرغب في مشاهدتها. وأهم من ذلك هو أن شاشاتنا سوف تتفرج علينا أيضا. فهي سوف تكون مرايانا والنوافذ التي ننظر عبرها لنتعرف على أنفسنا. ليس لنرى وجوهنا، بل أنفسنا. فثمة في الواقع ملايين الناس ممن يستعملون شاشات جيبية من أجل إدخال مواقعهم وما يأكلون ومقادير أوزانهم وأحوالهم المزاجية وأنماط نومهم وما يرونه. و قد بدأ بضعة من الرواد بتسجيل شؤونهم الحياتية: كل تفصيل ومحادثة وصورة ونشاط. وتسجل الشاشة وتعرض قاعدة بيانات الأنشطة تلك. ونتيجةُ هذا التعقب الذاتي المستمر هي ’ ذاكرة ‘ لحياتهم لا سبيل إلى الخطأ فيها، إضافة إلى أنها توفِّر نظرة موضوعية غير متوقعة وقابلة للقياس لأنفسهم، وذاك شيء لا يمكن لأي كتاب أن يوفره. لقد غدت الشاشة جزءا من هويتنا. إننا نستعمل الشاشات للعرض بمختلف ال مستويات والمقاييس، من شاشات الإسقاط طراز IMAX حتى ساعة أبل. وفي المستقبل القريب، لن نكون بعيدين عن شاشة من نوع ما. وسوف تكون الشاشات أول مكان نبحث فيه عن جواب أو صديق أو خبر أو معنى، أو عن إحساسنا بمن نكون وبمن يمكن أن نكون.
عدد الصفحات ٩٠91 في المستقبل سوف يكون يومي على هذا النحو في الصباح، أبدأ التعامل مع الشاشات وأنا ما زلت في ال سرير . أنظر إلى شاشة الساعة في رسغي لمعرفة الوقت، و ا لى شاشة منبه إيقاظي، وا لى شاشة الأخبار العاجلة وأحوال الطقس. وأنظر إلى شاشة صغيرة بالقرب من السرير تُري الرسائل الواردة من أصدقائي. وأمحي تلك الرسائل بإبهام راحتي. وأذهب إلى الحمام، وأعرض أعمالي الفنية الجديدة على الجدار، ومنها صور لافتة التقطها أصدقائي. إنها صور أكثر إبهاجا وا شراقا من صور الأمس. ثم أرتدي ملابسي وأنظ ر إلى هيئتي في شاشة على الخزانة، فأجد أن الجوارب الحمراء تبدو أكثر ملاءمة لقميصي. وفي المطبخ، أشاهد الأخبار مفصلة على شاشة. أنا أحب الشاشة المسطحة الموضوعة أفقيا على الطاولة. وألوِّح بذراعي فوق الطاولة لتوجيه تيار تدفق النص، وألتفت إلى الشاشات الموجودة على خزانة المطبخ با حثا عن حبوب الإفطار المفضلة لدي، فشاشات الباب تكشف عما يوجد خلفها. وتشير شاشة ترفرف فوق البراد إلى حليب طازج داخله. وأفتح البراد وأُخرج الحليب. وتغريني شاشة على جانب علبة الحليب بلعب لعبة، لكنني أستنكف عنها. وأنظر عبر الشاشة إلى إبريق الشاي وأتيقن من أن الجلا ية الآلية قد نظفته جيدا. وأثناء تناولي حبوب الإفطار، أستفسر من خلال الشاشة التي على علبة الحبوب إنْ كانت لا تزال طازجة، وا نْ كانت تلك الحبوب تحتوي على ال علا مات الجينية التي قال صديق لي أنها تحتوي عليها. وأنحني على الطاولة لأشاهد قصص الأخبار التي يتوالى ورودها. وحينما أركِّز انتباهي، تلاحظ الشاشة ذلك وتعرض الأخبار بتفصيل أ كبر. وعندما أركِّز تركيزا أشد، يولِّ د النص مزيدا من الروابط مع أشكال وصور أكثف. وأبدأ بمشاهدة قصة استقصائية طويلة جد ا على الشاشة عن البلدية المحلية. وقد حان الآن وقت أخذ ابني إلى المدرسة. وأهرع إلى السيارة. وأتابع قصتي من حيث تركتها في المطبخ. فشاشة سيارتي تعرضها من أجلي بقراءتها بصوت مرتفع وأنا أقود السيارة. و تكتسي المباني التي نمر بها على طول الطريق بالشاشات. وهي تعرض عادة إعلانات ودعايات موجهة خصيصا لي، لأنها تعرف سيارتي. وتلك هي شاشات إسقاط ليزري، بمعنى أنها تستطيع تبئير صور لا يراها أحد سواي. ويرى المار ة الآخرون صورا أخ رى على نفس الشاشة. وأنا أتجاهل تلك الصور عادة إلا عندما تُظهر شكلا أو مخططا من القصة المعروضة على الشاشة في السيارة. وأعرض حركة المرور على الشاشة لتحديد أقل المسار ات ازدحاما هذا الصباح. ونظرا إلى أن منظومة ملاحة السيارة تتعلم من مسارات سائقي السيارات الأخرى، فإنها
عدد الصفحات ٩١92 غالباما تختار أفضل مسار، إلا أنها ليست منيعة من الخطأ مناعة تامة حتى الآن، ولذا أريد أن أعرض على الشاشة حركة المرور. وعند مدرسة ابني، أ رى لوحة عرض جدارية عمومية على جانب ممر القاعة. وأرفع راحة يدي وأنطق اسمي فتتعر ف الشاشة علي من وجهي وعيني وبصماتي وصوتي، و تفتح إنترفاسي الشخصي. فأعرض رسائلي إذا لم يكن ل دي اعتراض عل ى عدم توفر الخصوصية في القاعة. ويمكنني أيضا استعمال الشاشة الصغيرة الموجودة في معصمي، حيث اختلس نظرة إلى الرسائل التي أريد عرضها بالتفصيل بعد تكبيرها . وألوِّح لبعضها بالانتقال إلى الإنترفاس ، وأرسل أخريات إلى الأ رشيف. وأجد أن واحدة منها عاجلة، فأفتحها، فيظهر على الشاشة مؤتمر افتراضي. وتتحدث إلي زميلة لي في الهند. إنها تراني على شاشة في بان غالور، وتشعر بأنني حقيقي أمامها فعلا. وفي النهاية أصل إلى مكتبي. وعندما ألمس كرسيي، تتعر ف علي غرفتي، وتصبح جميع الشاشات التي في الغرفة ، على الطاولة والجدران ، جاهزة لي، وتتابع من حيث كانت شاشاتي قبل دخولي المكتب. وتلاحقني عيون الشاشات عن كثب وأنا أمارس شؤوني اليومية، وتراقب يد ي وعيني كثيرا. ل قد أصبحتُ جيدا جدا في استعمال أوامر الإشارات اليدوية وماهرا في الطباعة. فبعد 16 سنة من مشاهدتي وأنا أعمل، تستطيع توقع الكثير مما أفعله. لا تعني سلسلة الرموز التي على الشاشات شيئا لغيري، شأنها شأن سلاسل زملائي التي تربكني بغموضها. و عندما نعمل معا، نستعمل الشاشات في بيئات مختلفة كليا، ونحدِّق ونُمسك بأدوات مختلفة وفق رغب اتنا، ونرقص في أرجاء الغرفة. إنني من الطراز العتيق إلى حد ما، وما زلت أحب حمل شاشات صغيرة بيدي . وأفضلها لدي هي نفس الشاشة ذات العل بة المكسوة بالجلد التي كانت لدي في الجامعة (الشاشة جديدة، والعلبة فقط هي القديمة). إنها نفس الشاشة التي استعملتها لإنتاج فلم وثائقي بعد تخر جي عن المهاجرين النائمين في مركز التسوق. لقد اعتادت يداي عليها، وهي اعتادت على إيماءاتي. وبعد العمل أرتدي نظارة وا قع معز ز أثناء الجري في الخارج، حيث يكون مسار عدْوي ظاهر ا أمامي في النظارة . وأرى في النظارة أيضا كل مؤشرات جسدي الرياضية متوضِّعة فوق المسار، ومنها معدل نبض القلب وا حصائيات الاستقلاب في الزمن الحقيقي. وأستطيع أيضا عرض آخر الملاحظات التي أُرسلت افتراضيا عن الأمكنة التي أمر بها. إنني أرى ملاحظات افتراضية في نظارتي عن مسار بديل تركه أحد أصدقائي عندما مر عبر نفس هذا المسار قبل ساعة، وأرى بعض الملاحظات التاريخية الملصوقة على بعض المعالم المألوفة، والتي كان نادي التاريخ المح لي قد تركها (أنا عضو في النادي). ويوما ما، قد أختبر تطبيق تعريف الطيور الذي يكتب أسماء الطيور على تلك التي تظهر في نظارتي
عدد الصفحات ٩٢93 عندما أجري عبر الحديقة و أثناء تناول طعام العشاء في البيت، لا نسمح بوضع شاشات شخصية على الطاولة، لكننا نُظهر على الشاشات الجدارية ألوانا محيطية مريحة في الغرفة. وبعد العشاء، أُظهر على الشاشة شيئا للاسترخاء والراحة. و أرتدي مجموعة واقع افتراضي واستقصي مدينة غري بة جديدة بناها بن اء عالمي أنا أتبعه. أو أقفز إلى فلم ثلاثي الأبعاد، أو أنضم إلى مجموعة من المدونين. وعلى غرار معظم الطلاب، يعرض ابني واجباته المنزلية على الشاشة، وخاصة التمارين. و نظرا إلى أنه يحب عرض ألعاب المغامرات على الشاشة، فإننا نحدد له ساعة واحدة فقط في الليلة أثناء أسبوع الدراسة لفعل ذلك. وهو يستطيع أن ينضم إلى مدونين مدة ساعة تقريبا مُ ظهرا على الشاشة كل شيء بسرعة بينما ينسخ رسائل وصورا على شاشات أخرى في نفس الوقت. ومن ناحية أخرى، أنا أحاول التباطؤ. أحيانا أُظهر كتابا على شاشة حاسوبي المحمول بينما تظهر مشاهد طبيعية خلابة بطيئة يولدها أرشيفي على شاشات على الجدران. أما زوج تي فلا تحب شيئا سوى الاستلقاء على السرير ومشاهدة قصة مف ضلة لديها على شاشة في السقف حتى تستغرق في النوم. وعندما أستلقي أنا، أضبط شاشة معصمي على السادسة صباحا. وأتوقف عن استعمال الشاشات طوال ثماني ساعات.
عدد الصفحات ٩٣94 5 الولوج Accessing لاحظ مراسل لموقع أخبار ومعلومات التكنولوجيا 127 TechCrunch في الآونة الأخيرة «أنشركة أوبر، وهي أكبر شركة تكسي في العالم، لا تمتلك سيارات. و أن شركة فيسبوك، وهي أكثر مُ لا ك وسائط التواصل شعبية في العالم، لا تمتلك محتوى في الو ب. وأن شركة علي بابا، وهي أغنى شركات التجارة، لا تمتلك بضائع. وأن شركة إير بي إن بي، وهي أكبر شركة إيجار واستئجار لأماكن الإقامة في العالم، لا تمتلك عقارات. ومن الواضح أن ثمة شيئا لافتا في ذلك». وفي الواقع،تتصف وسائط التواصل الرقمية بانعدام ملكية مشابه. فشركة نتفليكس ، وهي أكبر وأهم شركة فيديو في العالم، تسمح لي بمشاهدة أفلام من دون اقتنائها. و تسمح لي شركة سبوتيفاي ، وهي أكبر شركة بث للموسيقى في الزمن الحقيقي في العالم، بالاستماع إلى أي موسيقى أريدها من دون أن أقتني أيًّ ا منها. وتمكنني شركة كيندل أمازون غير المحدودة من قراءة أي كتاب من مكتبتها التي تحتوي على 800 ألف كتاب من دون أن أمتلك أيًّا من تلك الكتب128. وتمكنني شركة بل يْستيشن ناوْ من لعب ألعاب من دون شرائها. وفي كل عام، أقتني أقل مما أستعمل. ليس الامتلاك اليوم هاما كما كان في الماضي. أما الولوج ، أو الوصول إلى المادة، فهو أكثر أهمية من أي وقت مضى. تخي ل أنك تعيش داخل أكبر مخزن لتأجير الأشياء في العالم. فلماذا تمتلك أي شيء؟ بإمكانك استئجار أي شيء تحتاج إليه وهو بمتناول يديدك. فالاستئجار الفوري يع طيك معظم فوائد الاقتناء، وبعضا من مساوئه. فأنت لست مسؤولا عن التنظيف والإصلاح والخزن والتصنيف والضمان والتحديث والصيانة. وما رأيك لو كان مخزن التأجير هذا خزانة سحرية، أو نوعا من كيس سجادة ماري بوبين ز129 حيث يُحشر مقدار لامتناه من الأدوات والملابس في حاوية لا قرار لها؟ كل ما عليك فعله هو النقر على جدار الحاوية وطلب المادة.. وشبيك لبيك، ما تريده بين يديك. و قد أوجدت التكنولوجيا مخزن التأجير السحري هذا. إنه عالم الإنترنت والوب و الهاتف. و حجم خزانته الافتراضية لانهائي . وفي هذا المخزن ال عظيم يمكن للمواطن العادي جدا أن يحصل على سلعة أو خدمة بسرعة وكأنه يمتلكها. وفي بعض الحالات، يمكن ك الحصول عليها بسرعة تفوق سرعة العثور عليها في قبو منزلك. و تكافئ جودة سلعه جودة ما تمتلكه. لقد غدا الولوج أفضل كثيرا من الامتلاك من نواح كثيرة، وبذلك يوسع حدود جبهة الاقتصاد.
عدد الصفحات ٩٤95 وثمة خمسة توجهات تكنولوجية تسرِّع هذه الحركة الطويلة الأ مد نحو الولوج والابتعاد عن الامتلاك. التقليص المادي كان التوجه خلال الثلاثين سنة الماضية نحو صنع أشياء أفضل باستعمال مواد أقل. والمثال الشائع عن ذلك هو علبة البيرة التي بقي شكلها وحجمها ووظيفتها الأساسية هي نفسها دون تغيير طوال 80 سنةففي عام 1950، كانت علبة البيرة تُصنع من الفولاذ المطلي بالقصدير، وكان وزنها 73 غراما 130 . وفي عام1972، خف ض استعمال الألمنيوم الأخف والأرق والمشك ل بأناقة الوزن إلى 21 غرام وأدت انحناءات ومنحنيات إضافية في الشكل إلى مزيد من التقليص في المادة الخام بحيث أن العلبة تزن اليوم 13 غرا م، أو خُمس وزنها الأصلي فقط 131. ولا تحتاج العلبة الجديدة إ لى فت احة علب. وتحقق مزيد من المزايا مع 20% من المادة فقط. وهذا ما يسمى بالتقليص المادي. ووسطيا، خضع معظم المنتجات الحديثة إلى التقليص المادي. فمنذ سبعينات القرن الماضي، انخفض وزن السيارة المتوسطة بمقدار 25 بالمئة132. وأصبح وزن الأدوات المنزلية أقل ل نفس الوظيفة. وبالطبع، يتجلى التقليص المادي في تكنولوجيا الاتصالات أكثر ما يمكن . فقد تقلصت شاشات الحاسوب الضخمة إلى شاشات رقيقة مسطحة (مع ازدياد عرض شاشة التلفزيون!)، وغدت أجهزة الهاتف الثقيلة الغليظة التي توضع على الطاولة جيبية. وتكتسب منتجاتنا أحيانا كثيرا من المزايا الجديدة من دون نقصان في كتلها، لكن التوجه العام هو نحو منتجات تستعمل ذر ات أقل. ونحن قد لا نلاحظ ذلك، لأنه في الوقت الذي تُستعمل فيه مادة أقل في المنتجات الإفرادية، فإننا نستعمل مزيدا من الأشياء مع توسع الاقتصاد، وبذلك نراكم في المحصلة مزيدا من المادة . ومع ذلك فإن مقدار المادة الذي نستعمله مقابل كل دولار من الناتج المحلي الكلي في تناقص، وهذا يعني أننا نستعمل مادة أقل لها قيمة أكبر. و قد شهدت نسبة الكتلة اللازمة لتوليد وحدة من الناتج المحلي الكلي تناقصا مستمرا طوال الـ 150 سنة الفائتة، وتسارع ذلك التناقص في العقدين الأخيرين. في عام 1870، كانت ثمة حاجة إلى 4 كيلو غرام من المادة لتوليد وحدة من الناتج المحلي الكلي الأمريكي وفي عام 1930، تقلصت تلك الكمية إلى 1 كيلو غرام فقط 133. وفي الآونة الأخيرة، ارتفعت قيمة الناتج المحلي الكلي لكل كيلوغرام من المادة المصن عة من 1.64 دولار في عام 1977 إلى3.58 دولار في عام 2000134، وهذا يعني أن التقليص المادي قد تضاعف خلال 23 سنة وسر عت التكنولوجيا الرقمية التقليص المادي بتشجيعها الانتقال من المنتجات إلى الخدمات.
عدد الصفحات ٩٥96 فالطبيعة السائلة للخدمات تعني أنه ليس من الضروري أن تكون مرتبطة بالمواد. ولا يقتصر التقليص المادي على السلع الرقمية فقط. حتى إن السبب في أن السلع المادية الجامدة، التي من مثل علبة الصودا، يمكن أن توفر مزيدا من المزايا بينما تُستعمل فيها مواد أقل، هو الاستعاضة عن ذراتها الثقيلة ببتات لا وزن لها. لقد استُعيض عن الملموس باللاملموس، ومن أمثلته التصميم الأفضل، والعمليات المبتكرة والشبات الذكية، وفي الختام الترابط ضمن الو ب الذي يقوم بمهام كان ت ذرات ألمنيوم كثيرة تقوم بها سابقا. لذا فإن الأشياء المرنة، التي من مثل الذكاء، تُضم ن في الأشياء الجامدة، التي من مثل الألمنيوم، لجعلها تتصرف وكأنها مرنة. و السلع المادية التي تُحقن بالبتات على نحو متزايد ، تتصرف كما لو كانت خدمات غير ملموسة. وتتحول أشكال الأسماء لتصبح أفعالا: عتاديات تسلك سلوك الكيانات اللينة. في وادي السليكون يصفون ذلك بقولهم أن «الكيان اللين يأكل كل شيء»135. لقد أخْل ت كتلة الفولاذ المتناقصة في السيارات السبيل فعلا للسليكون الخفيف الوزن. فالسيارة اليوم هي في الواقع حاسوب على دواليب. لقد حس ن السليكون الذكي أداء محرك السيارة و أداء مكابحها وأمانها، وتجلى ذلك على نحو أوضح في السيارات الكهربائية. و يوشك هذا الحاسو ب المتدحرج أن يصبح مرتبطا بالشبكة ليغدو سيارة إنترنت. وهو سوف يوفر و صلة لاسلكية للقيادة بدون سائق مع الصيانة و عوامل الأمان، إضافة إلى آخر ما تُوُصِّل إليه من تسلية فيديوية ثلاثية الأبعاد و عالية الدقة. وسوف تصبح السيارة المرتبطة مع الشبكة هي مكتبك الجديد. و ا ذا كنت لا تقود سيارتك ، فإنك سوف تعمل أو تلعب فيها. وأنا أتوقع أن يتجاوز عرض ال حزمة المتوفر لنقل البيانات في أحدث السيارات المتطورة الذاتية القيادة بحلول عام 2025 عرض الحزمة المتوفر لك في بيتك ومع تحو ل السيارات إلى مزيد من الرقمنة، تنزع نحو مقايضتها والتشارك فيها واستعمالها بنفس الطريقة الاجتماعية التي نتشارك بها في موسيقى وفيديوهات وسائط التواصل الرقمية. وكلما ازداد الذكاء الذي نضمِّ نه في الأشياء الموجودة في منازلنا ومكاتبنا، ازدادت معاملتنا لتلك الأد وات على أنها مقتنيات اجتماعية. و سوف نتشارك في جوانب منها ( ربما فيما صُنع ت منه، أو في مكان وجودها، أو فيما تراه)، وهذا يعني أننا سوف نعتقد أننا نتشارك فيها. عندما عرض جيف بيزوس Jeff Bezos، مؤسس شركة أمازون، قارئ كيندل الإلكتروني أول مرة في عام 2007،ادعى أنه ليس منت جا. وقال أنه خدمة تبيع الولوج إلى قراءة مادة. وغدا ذلك التحو ل أشد تجليا بعد سبع سنوات عندما عرضت أمازون الاشتراك في مكتبة لقراءة ما أمكنك من مليون كتاب إلكتروني تقريبا. و بذلك لم ي عُد على هواة الكتب شراء كتب، بل أصبح بمقدورهم شراء الولوج إلى معظم الكتب التي نُشرت في الآونة الأخيرة من خلال شراء قارئ كيندل واحد. ( يشهد سعر قارئ كيندل
عدد الصفحات ٩٦