المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحتميات في تكنولوجيا المعلومات

غير معروف

صفحة ٥ من ١٨

65 أو حتى إلى الأغاني التي يستمع إليها في هذه اللحظة في الزمن الحقيقي وا ذا كنت أستمتع فعلا بسماع أغنية معينة من لائحته، ولنقل أغنية قديمة لبوب ديلون على شريط منسي في قبو لم أسمعها قط من قبل، أمكنني نسخها إلى لائحة أُ غنياتي التي يمكنني بعدئذ التشارك فيها مع أصدقائي. وبالتأكيد، فإن خدمة البث الحي هذه هي خدمة مجانية. وا ذا لم أرغب في مشاهدة أو سماع الإعلانات الصوتية والمرئية التي تعرضها سبوتيفاي من أجل تمويل الفنانين، أمكنني دفع رسم اشتراك شهري. وفي الخدمة المدفوعة الأجر، يمكنني تحميل الملفات الرقمية على حاسوبي، وأستطيع حينئذ البدء بمزج القنوات تبعا لرغبتي . ونظرا إلى أن هذا هو عصر التدفق، يمكنني الوصول إلى لائحة أغنياتي وا لى محطاتي الراديوية الشخصية من أي جهاز حاسوبي ، أو من هاتفي، أو توجيه تيار البث إلى مجاهير غرفة معيشتي أو مطبخي. و ا لى جانب سبوتيفاي، ثمة عدد من خدمات البث الحي الأخرى، ومنها ساوند كلاود التي تعمل على نحو مشابه ليوتيوب الصوتي، وتشجع الـ 250 مليونمعجب بها على إرسال موسيقاهم إليها جماعيا89. قارن هذه الخيارات السائلة الرائعة ببضعة الخ يارات الثابتة التي كانت متاحة لنا قبل عقود قليلة. لذا لا عجب من أن المعجبين قد هرعو ا إلى ’المجاني‘ برغم تهديد أصحاب صناعة الموسيقى بالقبض عليهم. إلام يمكن لهذا أن ينتهي؟ في الولايات المتحدة، يُباع 27 بالمئة من الموسيقى حاليا بالبث الحي90، وهذا مكافئ لمبيعات الأقراص الليزرية المتراصة. وتدفع سبوتيفاي 70 بالمئة من عائدات الاشتراك فيها إلى شركات الفنانين 91. وبرغم هذا النجاح ال مبدئي، يمكن لكتالوج سبوتيفاي الموسيقي أن يكون أكبر كثيرا، وذلك لأنه ما زالت ثمة عقبات أساسية يضعها فنانو ن من أمثال تايلور سويفت Taylor Swift في وجهالبث الحي الذي يعملون ضده. مع ذلك، ووفقا لما أقر ت به رئيس ة أكبر شركة لل موسيقى في العالم، فإن شيوع البث الحي أمر ’حتمي‘92 .بالبث الحي المتدفق، تنتقل الموسيقى من كونها اسما لتصبح فعلا مرة أخرى. ويجلب الانسياب أيضا سهولة جديدة إلى الإبداع. فصيغ الموسيقى القابلة للاستبدال تشجع الهواة على صنع أغانيهم وا رسالها إل ى الإنترنت، وعلى اختراع صيغ جديدة لها. و تمكِّن أدوات جديدة متوفرة مجانا في الإنترنت هواة ال موسيقى من مزج القنوات وأخذ عينات من الصوت ودراسة الكلمات ووضع الإيقاع باستعمال أجهزة التركيب. ويبد أ غير المحترفين بصنع الموسيقى بنفس الطريقة التي يؤلف بها الكت اب الكتب، أي بإعادة ترتيب العناصر (الكلمات بالنسبة إلى الكت اب والنغمات بالنس بة إلى

عدد الصفحات ٦٥

66 الموسيقيين) وفقا لوجهاتنظر هم. وتعمل الناقلية الفائقة للبتات الرقمية على تسهيل تحرير خيارات موسيقية لم تُستعمل حتى الآن. فالموسيقى الحالية تتدفق عند ترددات رقمية إلى مناطق شاسعة جديدة، في حين أن الموسيقى ما قبل الرقمية كانت مقتصرة على بضعة أحياز. لقد أتت الموسيقى أولا على أسطوانات بلاستيكية، وجرى تشغيلها في الراديو، وحصل الاستماع إليها في الحفلات وفي بض ع مئات من الأفلام التي كانت تُصنع كل سنة. أما في الحقبة ما بعد الرقمية، ف تنساب الموسيقى في حياتنا شاغلة الجزء اليقظ منها برمته. وبوضعها في السحابة، تُمطر علينا من خلال سماعات آذاننا أثناء ممارستنا ا لتمارين الرياضية، و حين استمتاعنا بإجازتنا في روما، و عند انتظار نا في أرتال أ قسام تسجيل السيارات. لقد انفجرت الأحياز التي تحتلها الموسيقى، وأصبحت آلاف الأفلام الوثائقية التي تظهر كل سنة تتطلب تسجيلا صوتيا لكل حركة فيها . وتستهلك الأفلام السينمائية اليوم كميات هائلة من المقطوعات الموسيقية الأصلية، مع آلاف من الأغاني الشعبية. حتى إن مؤسسي يوتيوب يدركون الشعور بالمتعة العاطفية الذي ينجم عن الخلفية الموسيقية في مقاطعهم القصيرة. وفي حين أن معظم المشتركين في يوتيوب يكررون استعمال موسيقى وأغنيات سابقة من دون دفع أي مقابل، فإن أقلية متزايدة ترى قيمة في صنع موسيقى مف صلة وفق الطلب. ثم إن ثمة مئات من ساعات الموسيقى التي تحتاج إليها ألعاب الفيديو الكبيرة 93. وتحتاج عشرات آلاف الإعلانات التجارية إلى نغمات رنانة لا تنسى. ويُطلق بودكاست، و هو أحدث وسائط التواصل التي شاعت في مجال الوثائقيات الصوتية، 27 وثائقيا جديدا كل يوم94 .وليس ثمة من بودكاست جيد يخلو من أغنية وموسيقى في بدايته ونهايته، وغالبا ما يحتوي على ألحان موسيقية مرافقة لكل محتواه برمته . لقد غدت حياتنا بأسرها مسارا موسيقيا، وغدت كل تلك الحفلات والاحتفالات تمثل أسواقا نامية تتوسع بسرعة كسرعة تدفق البتات. لقد اقتصرت وسائط التواصل الاجتماعي سابقا على النصوص. و تعامل الجيل التالي منها مع الصوت والصورة. فالتطبيقات التي من مثل ويتشات وواتسأب وف اين وميركات وب يريسكوب وكثير غيرها تمكِّنك من التشارك في الصوت والصورة في الزمن الحقيقي مع شبكة أصدقائك وأصدقاء أصدقائك. و غدت أدوات الصنع السريع للألحان وتعديل الأغاني والتأليف الخوارزمي للموسيقى التي تتشارك فيها مع الغير في الزمن الحقيقي ليست بعيدة. وسوف تصبح الموسيقى المول دة وفقا لرغبة ال شخص هي السائدة، وسوف تصبح فعلا هي كتلة الموسيقى الرئيسية التي تول د كل عام. وبالتدفق، تتوسع الموسيقى وتنتشر. ووفقا لما عرفناه من الدمقر طة المستمرة للفنون الأخرى، سوف تستطيع قريبا تأليف موسيقى من دون أن تكون موسيقيا. قبل مئة سنة، كان الذين يستطيعون التقاط الصور، من الناحية التقنية،

عدد الصفحات ٦٦

67 مجرد بضعة مخبريين متفرغين لهذا العمل. فقد كانت تلك العملية شديدة التعقيد وتحتاج إلى كثير من الأناة. وكان التقاط الصورة يتطلب مهارة تقنية عالية وصبرا شديدا كي تستحق النظر إليها. وكان المصور الخبير لا يلتقط سوى نحو دزينة من الصور كل سنة. أما اليوم، فيستطيع أي شخص بحوزته هاتف أن يلتقط آنيا صورة أفضل بمئة مرة من أي صورة الت قطها محترف متوسط قبل قرن من السنين. لقد أصبحنا جميعا مصوري ن. وعلى غرار ذلك، كا نت الطباعة في الماضي حرفة سرية غامضة، وكان وضع حرف على صفحة بطريقة مرضية وواضحة يتطلب كثيرا من سنوات الخبرة، لأنه لم يتوفر حينئذ برنامج لل عرض على الشاشة. وربما كان هناك عدد من الأشخاص الذين يعرفون ما هو تنسيق الفراغات بين كلمات ورموز النص الذي سوف يُطبع، أما اليوم فذاك يُعل م في المدارس الثانوية. وحتى إن المبتدئين يستطيعون اليوم الطباعة بالوسائل الرقمية أفضل مما كان يستطيعه منضد الأحرف المتوسط قديما. وينطبق الشيء نفسه على رسم ا لمخططات. فعاشق الو ب المتوسط يستطيع اليوم رسم مخططات تفوق ما كان يستطيع فعله أفضل رسام مخططات في الماضي. وهذا ما سوف يحصل للموسيقى أيضا. فبالوسائل الجديدة التي تُسرِّع تدفق سائل البتات و نسخها، سوف نصبح جميعا موسيقيين. وعلى إثر الموسيقى، تسير وسائط التواصل الأخرى، وعلى غرارها، تمضي الصناعات الأخرى. و قد كررت ا لأفلام السينمائية نفس الأنماط. فقد كان صنع الفلم السينمائي في الماضي حدثا نادرا و واحدا من أعلى الأعمال تكلفة. لقد تطلب إنتاج الفلم، حتى ذاك الذي من الدرجة الثانية ، خبرات محترفين من ذوي الرواتب العالية. و كانت ثمة حاجة لأجهزة إسقاط غالية لرؤية الأفلام، ولذا كان أمرا نادرا وشاقا أن ترى فلما محددا. ثم أتت كمرات الفيديو مع شبكات التشارك في الملفات، وأصبح بإمكانك مشاهدة أي فلم في أي وقت تريد . و غدت الأفلام التي كان بإمكانك مشاهدتها مرة واحدة في حياتك سهلة الدراس ة الآن من خلال مشاهدتها مئات المرات. وأصبح مئة مليون شخص اليوم طلاب صنع أفلام فيديوية يقومون بإرسالها إلى يوتيوب بالمليارات. وانقلب هرم المشاه دين مرة أخرى رأسا على عقب. لقد أصبحنا الآن جميعا صناع أفلام.  ويمكن استعراض النقلة الواضحة الكبرى التي حصلت من الثبات إلى التدفق من خلال ما حصل للكتب. لقد بدأت الكتب على شكل مؤلفات نادرة ثابتة جرى صنعها بعناية وتبجيل فائقين لتدوم أجيالا. ومث ل الكتاب الورقي السميك الكبير الجوهر ال حقيقي للثبات. فهو يتوض ع على الرف دون حر اك أو

عدد الصفحات ٦٧

68 تغيير، ربما لآلاف السنين. وقد عد د عاشق الكتب الناقد نيك كار Nick Carr أربعة طرائق جس دت ثبات الكتب95. وهاك رؤيتي لكيفية ثباتها: ثبات الصفحة: تبقى الصفحة على حالها، و في أي وقت تتناولها فيه، تجدها نفسها. وبإمكانك الوثوق بها، أي إنك تستطيع اعتبارها مرجعا والاستشهاد بها وأنت مطمئن إلى أنها تتضمن الشيء نفسه دائما. ثبات الإصدار: مهما كانت نسخة الكتاب التي تتناولها، تجدها نفسها بقطع النظر عن وقت ومكان شرائها ( فيما يخص إصدار ا معينا)، ولذا يكون نصها مشتر كا فيما بيننا. ونستطيع مناقشة الكتاب ونحن متيقنون من أننا ننظر إلى نفس المحتوى. ثبات الموضوع: باتباع إجراءات العناية الملائمة، تدوم الكتب الورقية مدة طويلة جدا ( أطول بمئات السنين من الصيغ الرقمية)، ولا تتغير نصوصها مع تقدمها بالسن. ثبات اكتمالها: يحمل الكتاب الو رقي معه نكهة الانتهاء والاكتمال: لقد انتهى واكتمل! ويعود جزء من جاذبية المادة المطبوعة إلى أنها كُرِّست للكتابة على الورق، وكأنها التزام تقريبا. والمؤلف يولي ذلك اهتماما كبيرا . و تمثل معالم الثبات الأربع ة تلك سمات شديدة الإغراء . فهي تجعل الكتب عالية الأهمية وشيئا يُعتمد عليه. و الذين يحبون الكتب الورقية يدركون أن أسعار المجلدات المطبوعة تزداد على نحو متزايد مقارنة بالنسخ الرقمية، وليس من الصعب تخي ل وقت لا تُطبع فيه سوى قلة قليلة من الكتب الجديدة. فاليوم، تولد معظم الكتب على شكل كتب إلكترونية. و حتى إن نصوص الكتب القديمة قد صُوِّ رت ونُشرت في كل زاوية من زوايا الإنترنت، وهذا ما شجعها على التدفق بحرية على أسلاك الشبكة الفائقة الناقلية. و من ناحية أخرى، ليست معالم الثبات الأربع تلك موجودة في الكتب الإلكترونية، أو على الأقل في إصدارات الكتب الإلكترونية التي نراها اليوم. ومع أن عشاق الكتب سوف يفتقدون تلك المعالم، علينا أن نتذكر أن الكتب الإلكترونية توفر أربع أنماط من الانسياب في مواجهتها: انسياب الصفحة: الصفحة هي وحدة مرنة ينساب محتواها ليملأ أي حيز متاح، من شاشة ضئيلة في نظارة عينية حتى الشاشة الجدارية. ويم كنها أن تتكي ف مع أداة وطريقة قراءتك المفضلتين. فهي تتكي ف معك. انسياب الإصدار: يمكن لمادة الكتاب أن تُشخص ن لك. فنسختك يمكن أن تشرح الكلمات الجديدة إذا كنت طالبا، أو يمكن أن تقفز فوق خلاصات الكتب السابقة في السلسلة إذا كنت قد قرأتها. إن ’كتبي

عدد الصفحات ٦٨

69 المشخصنة‘ هي كتب لي أنا. انسياب الحاوية: يمكن وضع الكتاب في السحابة بتكلفة منخفضة إلى حد أن خزن مكتبة غير محدودة واستعادتها في أي وقت و في أي مكان على الأرض من قبل أي شخص يبدو مجانيا. انسياب النمو: يمكن تصحيح مادة الكتاب أو تحسينها على نحو تراكمي باستمرار. فالكتاب الإلكتروني الذي لا ينتهي إعداده أبدا (من الناحية المثالية على الأقل) أشبه بالكائن المصنوع بالمحاكاة منه بالحجر الميت، وهذا التدفق الحي يملؤنا حيوية و نشاطا بصفتنا مبدعين وقراء. ونحن نرى حاليا أن هاتين المجموعتين من المعالم، أي معالم الثبات و معالم الانسياب، متناقضتان استنادا إلى حقبة التكنولوجيا السائدة. فالورق يتوافق مع الثبات ، والإلكترونات تتوافق مع الانسياب. إلا أنه ليس ثمة ما يمنعنا من اختراع طريقة ثالثة من قبيل إلكترونات مُضم نة في الورق أو أي مادة أخرى. تخي ل كتابا مكونا من 100 صفحة، وكل صفحة هي شاشة رقمية مرنة رقيقة، وجميعها ملتصقة معا من أطرافها الجانبية: فذاك كتاب إلكتروني أيضا. إن كل شيء صلب تقريبا يمكن أن يُجعل سائلا إلى حد ما، وأي شيء سائل يمكن أن يُضم ن في أشياء صلبة. و ما حصل للموسيقى والكتب والأفلام يحصل الآن للألعاب والصحف والتربية والتعليم . وسوف ينتشر هذا النمط إلى النقل والزراعة وال رعاية الصحية. و سوف تصبح الثوابت التي من مثل الآليات والأرض والأدوية تدفقات. وسوف تصبح الجرارات حواسيب سريعة مزو دة ب عجلات، والأرض ركيزة لشبك ة من المُح س ات، والأدوية كبسولات من المعلومات الجزيئية التي تتدفق فيما بين المريض والطبيب. وهذه هي مراحل التدفق الأربع: 1. الثبات: وهو نادر. تمثل هذه المرحلة نمط البداية الذي يتجلى على شكل منتجات نادرة نفيسة يتطلب صنعها كثيرا من الخبرة والمهارة. وكل من تلك المنتجات هو عمل يدوي إبداعي كامل وقابل لأن يكون مستقلا وقائما بذاته، ويُباع على شكل منتجات متكررة عالية الجودة من أجل مكافأة المنت جين. 2. المجانية: وهي شائعة. وهي أول مرحلة تزعزع النظام الحالي وتتجلى في النسخ غير الشرعي للمنت ج الذي يتضاعف بلا هوادة حتى يصبح سلعة استهلاكية. و تُصنع النسخ المثالية مجانا وتوزع في كل مكان ثمة حاجة فيه إليها. وهذا النشر المفرط للن سخ يزعزع الاقتصاد القائم. 3. التدفق وهو مشاركة. و هي مرحلة الاضطراب الثاني ة التي تتجلى في تفكيك المنت ج إلى أجزاء يتدفق كل منها حتى يجد استعمالات جديدة تخصه، ثم يعود ليمتزج ضمن رزم جديدة واحدة.

عدد الصفحات ٦٩

70 ويصبح المنت ج الآن تيارا من الخدمات الصادرة عن السحابة المشتر كة ، ويتحول إلى منصة للثروة والإبداع. 4. الانفتاح وهو تحوُّل . وهو مرحلة الاضطراب الثالث ة التي تتفع ل بالاضطرابين السابقين. إن تيارات الخدمات القوية ، والق ط ع الجاهزة التي تُجم ع بسهولة بتكلفة منخفضة، تمكِّن الهواة من ذوي الخبرة القل يلة من صنع منتجات جديدة، و فئات جديدة كليا من المنتجات. فقد انقلبت حالة الإبداع رأسا على عقب، وأصبح المشاهدون الآن هم الفنانين الذين يحلِّقون بالإنتاج والانتقاء والجودة عاليا في السماء. و تنطبق مراحل التدفق الأربع تلك على جميع أنواع وسائط التواصل. فجميع أساليب الأدب والفنون تُبدي شيئا من الانسياب. لكن الثبات لم ينته . فمعظم الأشياء الثابتة الجيدة في حضارتنا (الشوارع وناطحات السحاب) لن تختفي. ونحن سوف نستمر في صناعة الأشياء غير الرقمية (التي من مثل الكراس ي والصفائح والأحذية) التي سوف تكتسب جوهرا رقميا أيضا بواسطة رقاقات تُزرع فيها (باستثناء قلة قليلة من التحف اليدوية الصنع المرتفعة السعر). ويتصف ازدهار التيارات السائلة بكونه عملية تراكمية غير متناقصة. فصيغ وسائط التواصل القديمة تدوم، وتتراكم الجديدة منها على شكل طبقات فو قها. والفرق الهام هو أن الثبات ما عاد هو الخيار الوحيد. فليس من الضروري أن تكون الأشياء الجيدة ساكنة وغير متغيرة. أو بعبارة أخرى، يمكن للنوع الصحيح من عدم الاستقرار أن يكون الآن جيدا. فالانتقال من المخزونات إلى المتدفقات، ومن الثبات إلى الانسياب لا يعني الاستغناء عن الاستقرار، بل يعني است ثمار جبهة مفتوحة على مصراعيها ينفتح فيها الكثير من الخيارات الإضافية القائمة على قابلية التغيير. إننا نستقصي كل الطرائق من أجل صنع أشياء من التغير الدؤوب والعمليات المغيرة للأشكال. وهاك مثال لما سوف يبدو عليه أحد أيام المستقبل القريب. أدخل أنا إلى السحابة من أجل الوصول إلى مكتبة تحتوي على كل الموسيقى والأفلام والكتب وعو الم الواقع الافتراضي والألعاب. ثم أختار الموسيقى. وا لى جانب الأغاني، يمكنني اختيار أجزاء صغيرة من ها على شكل نغمات. و تُخص ص لكل من مكونات الأغنية قناة واحدة في الوقت الواحد، أي إنني أستطيع الحصول على مسار الب ص أو الطبل أو أصوات المغنين فقط، أو على الموسيقى من دون أصوات المغنين، وهذا شيء مثالي للكاريوك ي96 .وتمكِّننيبعض الأدوات من مط أو تقليص مدة الأغنية من دون تغيير نغمتها أو لحنها. وتمكِّنني أدوات احترافية أخرى من تبديل الآلات الموسيقية في الأغنية التي أعثر عليها. و ينشر أحد الموسيقيين المفضلين لدي نسخا بديلة لأغانيه (مقابل تكلفة إضافية)، وحتى إنه يقدِّم سجلا تاريخيا

عدد الصفحات ٧٠

71 لمعلوماتإعداد كل نسخة. وينطبق الشيء نفسه على الأفلام أيضا. تُطل ق المكونات الهائلة العدد من كل فلم على شكل أجزاء، دون أن يقتصر ذلك على مسار الصوت فقط. ويمكنني الحصول على المؤثرات الصوتية والمؤثرات الخاصة بكل مشهد (وما قبله وبعده)، وعلى مناظر من كمرات مختلفة، وأصوات مستقلة لتلك المشاهد، وكل ذلك بطريق ة قابلة للتنفيذ. وتُطل ق بعض الاستديوهات مجموعة كاملة من المشاهد المستقلة المتفرقة التي يمكن إعادة تجميعها. وباستعمال هذه الثروة من المكونات غير المجم عة، تقوم مجموعة من المحررين الهواة بإعادة تحرير الأفلام المنشورة على أمل تحسين عمل المخرج الأصلي. وقد قم ت بأعمال من هذا القبيل في دروس وسائط التواصل التي أقدمها. طبعا، لا يهتم جميع المخرجين بأن يُعاد تحرير أعمالهم، برغم أن الطلب على ذلك كبير، و أن مبيعات هذه القطع التي يجمِّعها خبراء جيدة إلى حد أن الاستديوهات تعتمد عليها. ويُعاد تحرير أفلام مصن فة على أنها ناضجة من أجل إعداد نسخ عائلية نظيفة كليا من الناحية الأخلاقية، أو تُصنع للشبكة السوداء نسخ إباحية محظورة من أفلام مخصصة للمشاهدة من قبل الجميع. ويجري تحديث كثير من مئات أو ألوف الأفلام الوثائقية المنشورة فعلا بمواد يحررها المشاهدون أو الأتباع أو المخرجون ، وذلك تبعا لتطور الأحداث. وتُحمل تيارات الفيديو التي يجري إنتاجها و التشارك فيها بواسطة أجهزتي النقالة على قنوات تجعل من السهل إعادة تشكيلها من قبل أصدقائي. فبعد اختيار الخلفية المناسبة، تحشر أجهزتي أصحابي ضمن مشاهد مثيرة، وتعبث بالبيئة بدعابة على نحو قابل جدا للتصديق. ويتطلب كل فيديو يجري إرساله ردا بفيديو آخر قائم عليه. أما الاستجابة الطبيعية لاستقبال فلم قصير أو أغنية أو نص، سواء أتى من صديق أو من شخص محترف، فهي ليست الاطلاع فقط، بل التفاعل معه بالإضافة إليه أو الحذف منه والرد عليه وتعديله ودمجه وترجمت ه و الارتقاء به إلى مستوى آخر، من أجل متابعة تدفقه لجعله أعظميا. و يمكن النظر إلى نظام وسائط التواصل التابع لي على أنه تيارات من القطع التي أطلع على بعضها كما هي، وأنخرط في التفاعل مع معظمها إلى حد معين.  لقد بدأنا بالتدفق لتونا فقط. وقد ابتدأنا مراحل التدفق الأربع من أجل بعض أنواع الوسائط الرقمية، لكن فيما يخص معظمها، فإننا ما زلنا عند المرحلة الأولى. لذا يجب على كثير من إجراءاتنا وبُ نانا التحتية أن يُسال كي يتدفق. أما الانعطافة المتأنية الكبرى نحو اللامادية واللامركزية فتعني حتمية

عدد الصفحات ٧١

72 المزيد من التدفق. ويبدو أن حقبتنا الحالية هي التي سوف يتحو ل فيها معظم تجهيزات نا الصلبة والثابتة في بيئتنا المصن عة إلى قوى رشيقة ، و يتغلب فيها الكيان اللين على الكيان الصلب. وسوف تحكم المعرفة الذرات، وترتقي غير الملموسات المول دة لتصبح أكثر من مجانية. تخيل العالم متدفقا.

عدد الصفحات ٧٢

73 4 العرض SCREENING في الأزم نة القديمة، ارتكزت الثقافة على الكلمة المنطوقة. ورس خت المهارات الكلامية المتعلقة بالتذكر وال تلاوة والبلاغة في المجتمعات القائمة على الكلمة المنطوقة تبجيل الماضي والغموض والتنميق والشخصانية. لقد كنا أناس كلمة. ثم قبل نحو 500 سنة من الآن، أطاحت التكنولوجيا بالمنطوق حينما ارتقى غوتنبرغ بالكتابة إلى موقع مركزي في الثقافة، وذلك باختراعه للأحرف الطباعية المعدنية القابلة للتنضيد في عام 1450 .وبواسطة النسخ المثالية الرخيصة، أصبح النص المطبوع محرِّ ك التغيير وأساس الاستقرار. ومن الطباعة أتى العلم و الصحافة والمكتبات والقانون. وغرس ت الطباعة في المجتمع تبجيل الدقة (حبر أسود على ورق أبيض)، وتقدير المنطق الخطي (في سلسلة من الجمل)، والشغف بالموضوعية (الخاصة بالحقائق المطبوعة)، والولاء للسلطة (من خلال المؤلفين) . وكانت حقيقة كل ذلك ثابتة ونهائية كحقيقة الكتاب. وغي رت الكتب التي طُبعت بأعداد كبيرة طريقة تفكير الناس. ووس عت تكنولوجيا الطباعة عدد الكلمات المتوفرة من 50 ألف كلمة في الإنكليزية القديمة إلى مليون كلمة اليوم 97 .ووس عت خيارات الكلمات الكثيرة ما يمكن تناقله، ووس ع المزيد من خيارات وسائط ال تواصل الأشياء التي يُكتب عنها. ولم يكن على المؤلفين تأليف كتب ضخمة جادة فقط، بل تمكنوا أيضا من ’هدر‘ كتب مطبوعة بتكلفة منخفضة على قصص حب تفطر القلوب (اختُرعت الروايات العاطفية ف ي عام 174098)، أو على نشر مذكرات هم حتى لو لم يكونوا ملوكا. وتمكن الناس من كتابة مقالات معارضة للإجماع السائد . و استطاعوا باستعمال الطباعة الرخيصة لفكرة غير محافظة تحقيق تأثير كاف لإسقاط ملك أو تغيير البابا. ومع مرور الوقت، ول دت سلطة المؤلفين التبجيل لهم وللسلطة، وأنتجت ثقافة الخبراء. وتحق ق الكمال بواسطة الكتاب. وطُبعت القوانين في مجلدات رسمية، وأُبرمت العقود المكتوبة، وأصبحت الأشياء غير سارية المفعول ما لم توضع على شكل كلمات على ورق. و غدا الرسم والموسيقى وفن العمارة والرقص جميعا على درجة من الأهمية ، لكن نبض قلب الثقافة الغربية كمن في ثنايا صفحات الكتاب. وبحلول عام 1910،أصبح لدى ثلاثة أرباع بلدات الولايات المتحدة التي يزيد عدد سكانها على 2500 نسمة مكتبات عمومية99. ونتشت جذور أمريكا من وثائق من مثل الدستور وا علان الاستقلال، وعلى نحو غير مباشر، من الإنجيل. واعتمد نجاح البلاد على مستويات عالية من المعرفة بالقراءة والكتابة، وعلى صحافة حرة قوية، و على الولاء للقانون (المدون في كتب)، وعلى لغة مشتركة في كافة أنحاء البلاد. ونمت الحرية وازدهرت من خلال ثقافة القراءة والكتابة. وأصبحنا أناس كتاب.

عدد الصفحات ٧٣

74 أما اليوم، فثمة أكثر من خمسة مليارات شاشة رقمية تضيء حياتنا 100. وسوف يُنت ج مصنِّعو الشاشات الرقمية 3.8 مليار شاشة جديدة كل سنة101، أي ما يكافئ تقريبا شاشة جديدة كل سنة لكل شخص على الأرض. وسوف نبدأ بوضع شاشات عرض على أي سطح مستو. لقد هاجرت الكلمات من عجينة الخشب، أي الو رق، إلى بكسلات في الحواسيب والهواتف وأجهزة الألعاب والتلفزيون ولوحات الإعلانات. ولم ت عُ د الأحرف ثابتة بحبر أسود على ورق أبيض، بل أصبحت تتلألأ على سطح زجاجي قزحي الألوان بسرعة تضاهي طرْف أعيننا. و ملأت الشاشات جيوبنا وحقائبنا ولوحات قيادة سياراتنا وجدران غر ف معيشتنا. إنها تقبع في مواجهتنا ونحن نعمل بقطع النظر عما نفعله. وأصبحنا الآن أناس شاشة. وأس س هذا لصدام الثقافات الحالي بين أناس الكتاب وأناس الشاشة. فأناس الكتاب هم اليوم الناس الجيدون الجادون الذين يطبعون الصحف والمجلات ومجلدات القانون والتشريعات والأنظمة المالية. وهم يعيشون مع الكتاب وتحت راية السلطة المنبثقة من المؤلفين. فأساس هذه الثقافة كامن في النصوص. وتأتي الطاقة الثقافية الهائلة الكامنة في الكتب من آلية إعادة إنتاجها. فقد ضاعفت المطابع أعداد الكتب بسرعة وأمانة وتكلفة منخفضة. فحتى ال جز ار قد يقتني كتاب العناصر لإقليدس، أو الإنجيل، وبذلك تكون الن سخ المطبوعة قد أنارت عقول الناس، حتى الذين ليسوا من النخبة المثقفة. وطُبِّقت نفس هذه الآلية التحويلية لإعادة الإنتاج على الفن والموسيقى أيضا. وأوصلت الن سخ المطبوعة من الصور المنقوشة على المعدن والخشب المهارات الفنية المرئية إلى الجماهير. وسر عت الن س خ الرخيصة من المخططات والرسوم البيانية العلم. وفي النهاية، وس عت الن سخ غير الغالية من الصور والموسيقى المسجلة، أهمية إعادة الإنتاج التي اتصفت بها الكتب، حتى على نطاق أوسع. واستطعنا إنتاج الفنون والموسيقى الرخيصة بسرعة تضاهي سرعة إنتاج الكتب. وأدت ثقافة إعادة الإنتاج هذه في القرن السابق إلى أعظم نمو شهده العالم للإنجازات البشرية على الإطلاق تجلى في عصر ذهبي من الأعمال الإبداعية. ومك نت الن سخ المادية الرخيصة ملايين الناس من كسب رزقهم من بيع فنونهم مباشرة إلى الجمهور من دون الحاجة إلى الاعتماد على آليات الوساطة الدنيئة. ولم تقتصر فوائد هذا النموذج على المؤلفين والفنانين فقط، بل شملت الجمهور أيضا. فلأول مرة، أصبح ت مليارات الناس قادرة على تحقيق تماس مباشر مع أعمال عظيمة. في أيام بيتهوفن، قلة من الناس فقط كانت تستمع إلى سيمفونياته أكثر من مرة واحدة. أما بعد اختراع التسجيل الصوتي، فقد أصبح الحلاق في بومباي يستمع إليها طوال يومه.

عدد الصفحات ٧٤

75  أماالآن، فقد أصبح معظمنا أناس شاشة. ينزع أناس الشاشة إلى تجاهل المنطق الكلاسيكي للكتب أو تبجيل الن س خ. فهم يفضلون الانسياب الحركي للبكسلات. وهم ينجذبون نحو شاشات الأفلام والتلفزيون والحاسوب والآيفون و واقع غوغل الافتراضي ، وفي المستقبل القريب، سوف ينجذبون إلى شاشات الفلورسانت العالية الدقة المطلية على كل السطو ح. فثقافة الشاشة هي عالم من انسياب مستمر لبايتات صوت لا تنتهي، ومقتطفات سريعة من الأفلام، وأفكار شبه ناضجة. إنها تدفق من التغريدات وعناوين الصحف والانستغرامات والنصوص غير الرسمية والانطباعات الأولية العائ مة. ولا تأتي الإشارات والملاحظات منعزلة لوحدها، بل مترابطة جدا مع كل شيء آخر. ولا تأتي الحقائق من مؤلفين وسلطات، بل تتكون في الزمن الحقيقي قطعة تلو أخرى من قبل الجمهور نفسه. ويصنع أناس الشاشة المحتوى الخاص بهم ويبنون حقائقهم الخاصة بهم. وليس ثمة من قيمة لل نس خ الثابتة تضاهي قيمة الولوج المتدفق إلى الشبكة. إن ثقافة الشبكة سريعة مثل دعايات الأفلام ذات الـ 30 ثانية،وسائلة ومفتوحة النهاية كصفحة الويكيبيديا. على الشاشة تتحرك الكلمات وتنصهر في صور ، وتغيِّ ر ألو انها، وربما معانيها. وأحيانا، لا تكون ثمة كلمات، بل صور أو مخططات أو رموز يمكن فك تشفيرها لتعطي معان متعددة. لكن هذا الانسياب مُحب ط جدا لأي ثقافة قائمة على منطق النص. و في هذا العالم الجديد، تتصف البرمجيات السريعة التغي ر، المتمثلة بالنسخ الحاسوبية المحد ثة، بأنها أهم كثيرا من القانون الذي يكون ثابتا عادة. فالرموز التي تظهر على الشاشة قابلة للعبث بها من قبل المستعملين إلى ما لانهاية، في حين أن القانون المدون في الكتب ليس كذلك. ومع ذلك يمكن لتلك الرموز أن تؤثر في السلوك كالقانون، إنْ لم نقل أكثر منه. إذا أردت تغيير كيفية تصرف الناس مع الإنترنت أو الشاشة، فإنك ببساطة تغيِّر الخوارزميات التي تحكم ذلك ، وفي المحصلة تضبط سلوك الناس الجماعي و توجههم نحو اتجاهات مفضلة. ويفضل أناس الكتاب حلول القانون، أما أناس الشاشة فيفضلون التكنولوجيا حلا لجميع المشكلات. و في الواقع، نحن في حالة انتقالية، والصدام بين ثقافتي الكتب والشاشات تحصل في داخلنا بصفتنا أفرادا أيضا. و ا ذا كنت شخصا مثقفا عصريا ، كنت في مواجهة مع ذينك النمطين. و سوف تكون هذه المواجهة هي النموذج السائد الجديد. لقد بدأ كل ذلك مع أول شاشات غزت غرف المعيشة قبل نحو 50 سنة: شاشات التلفزيون الكبيرة المنتفخة. وقلصت تلك الوحوش المتألقة المدة التي نقضيها بالقراءة

عدد الصفحات ٧٥

76 إلى حد بدا عنده في العقود اللاحقة أن القراءة والكتابة قد زالتا من الوجود. وخشي المرب ون والمفكرون والسياسيون والآباء في النصف الثاني من القرن الماضي كثيرا من أن جيل التلفزيون قد لا يستطيع الكتابة. وأُلقي باللائمة على الشاشات بسبب مجموعة مدهشة من الأمراض الاجتماعية. ومع ذلك استمرينا جميعا بمشاهدة التلفزيون . وبدا لوهلة فعلا أن ما من أحد يكتب، أو يستطيع أن يكتب، وتدنت معدلات القراءة عدة عقود102 .إلا أن ما أدهش الجميع هو أن الشاشات الجميلة الفائقة الرقة المتواصلة معا التي انتشرت في الحواسيب اللويحية والتلفزيونات الجديدة في بداية القرن الحادي والعشرين أطلقت وباء من الكتابة ما زال مستمرا في التوسع . وتضاعفت المدة التي يقضيها الناس في القراءة ثلاث مرات منذ عام 1980103. وبحلول عام2015، أُ ضيف أكثر من 60 تريليون صفحة إلى الو ب 104. وينمو هذا المقدار حاليا بأكثر من عدة مليارات في اليوم ، حيث يكتب شخص ما صفحة من تلك الصفحات. ويقوم حاليا أشخاص عاديون بتحرير 80 مليون بوست (إرسالية ) في اليوم105. وباستعمال الأصابع بدلا من الأقلام، يكتب الشبان واليافعون 500 مليون ملاحظة ذكية في اليوم على هواتفهم في شتى أنحاء العالم106. ويستمرالمزيد من الشاشات بتوسيع مقدار القراءة والكتابة. لقد بقي معدل المعرفة بالقراءة والكتابة في الولايات المتحدة ثابتا دون تغيير طوال العشرين سنة الفائتة، إلا أن أولئك الذين يستطيعون القراءة الآن يقرأون ويكتبون أكثر. وا ذا عددت جميع الكلمات التي تُكتب على جميع الشاشات، وجدت أنك تكتب كل أسبوع أكثر بكثير مما كانت تفعله جدتك، بقطع النظر عن المكان الذي تعيش فيه. وا ضافة إلى قراءة الكلمات الموجودة في صفحة، نحن نقرأ الآن كلمات تتطاير متبعثرة في أغاني فيديوهات الموسيقى، أو تنزلق إلى الأعلى ضمن عبارات الشكر في نهايات الأفلام. وقد نقرأ بالونات حوارية تنطقها أيقونات في واقع افتراضي ، أو ننقر على علا مات أشياء في الألعاب الفيديوية، أو نستخلص معاني مفردات موجودة على مخططات في الو ب. لذا علينا تسمية هذه الأنشطة الجديدة ’مسحا للشاشة ‘ بدلا من قراءتها . و بذلك يتضمن مسح الشاشة قراءة الكلمات، إضافة إلى مشاهدة وقراءة الصور المعروضة عليها. ولهذه الأنشطة الجديدة خصائص جديدة. فالشاشات في حالة عمل دائم، ونحن لا نتوقف عن التحديق بها أبدا، خلافا للكتب. و هذه المنصة الجديدة مرئية كليا، وهي تدمج تدريجيا الكلمات مع الصور المتحركة. وعلى الشاشة، تتجول الكلمات هنا وهناك وتحلق فوق الصور على شكل حواش أو ملاحظات أو روابط مع صور أو كلمات أخرى. لذا يمكنك تخي ل هذا الوسط الجديد على أنه كتاب نشاهده، أو تلفزيون نقرأه. وبرغم عودة الكلمات تلك، يخشى أناس الكتاب، وهم محق ون، من أن الكتب، ومن ثم القراءة والكتابة

عدد الصفحات ٧٦

77 المعهودتين، سوف تموتقريبا بصف تها نمطا ثقافيا. فإذا حصل ذلك، فمن سوف يتقيد بالعقلانية المتسلسلة التي تشجعها قراءة الكتب؟ من سوف يطيع القواعد إذا تلاشى احترام كتب القوانين التي سوف يُستعاض عنها بأسطر من الرموز تحاول التحكم في سلوكنا؟ من سوف يدفع للمؤلفين كي يكتبوا عندما يصبح كل شيء تقريبا متوفرا مجانا على شاشات وامضة؟ إنهم يخشون من أن يصبح الأغنياء فقط هم الذين سوف يقرأون الكتب الورقية. وربما لن تهتم سوى قلة بالحكمة التي تنطوي عليها صفحاتها. وربما قلة أقل هي التي سوف تدفع مالا من أجلها. ما الذي يمكن أن يحل محل وفاء الكتاب في ثقافتنا؟ هل سوف نلغي ببساطة هذا الأساس النصي الهائل الذي تقوم عليه حضارتنا الحالية؟ إن لطريقة القراءة القديمة، و ليس لهذه الطريقة الجديدة، اليد الطولى في إيجاد معظم ما نُعجب به مما يخص المجتمع الحديث: القراءة والكتا بة والتفكير المنطقي والعلم والعدل و حكم القانون. فأين مو قع كل ذلك على الشاشات؟ ماذا يحصل للكتب؟ إن مصير الكتب يستحق الاستقصاء بالتفصيل لأنها ببساطة هي أولى وسائط التواصل الكثيرة التي تقوم الشاشات بتغييرها. أولا، سوف تغير الشاشات الكتب، ثم تغير المكتبات، ثم تعدل الأفلام والفيديوهات، ثم تزعزع الألعاب والتربية، وفي النهاية، تُ غيِّ ر كل شيء آخر.  ويعتقد أناس الكتب أنهم يعرفون ما هو الكتاب: مجموعة من الأ وراق المجل دة معا على نحو تستطيع مسكها بيدك. في الماضي، كان كل شيء تقريبا مكتوب على أوراق بين غلافين يُعتبر كتابا. فحتى قائمة أرقام الهواتف تُسمى بالإنكليزية كتاباأو دفترا بالعربية أو نهاية منطقيتين لها. وكانت الأوراق المجلدة الفارغة تُسمى بالإنكليزية كتاب الرسم. وبرغم كونها فارغة، كان لها غلافان، ولذا كانت تسمى كتابا. وكانت مجموعة الصور المنضدة معا على كدسة من الأوراق تسمى كتاب طاولة القهوة برغم عدم احتوائها على كلمات إطلاقا. أما اليوم، فتمر صفحات الكتاب الورقية في طور الاختفاء. وما تبقى محلها هو مفهوم بنية الكتاب، أي مجموعة رموز توحد بينها فكرة تجعلها خبرة تستغرق برهة لكي تكتمل. ونظرا إلى أن القوقعة التقليدية للكتاب في قيد التلاشي، فإنه لمن المعقول أن نتساءل إن كانت هيكليتها هي مجرد بقايا أثرية . هل توفر حاوية الكتاب غير الملموسة أية مزايا مقارنة بصيغ النصوص الكثيرة الأخرى المتوفرة اليوم؟

عدد الصفحات ٧٧

78 يدعي بعض علماء الآداب أن الكتاب هوفعلا ذلك المكان الافتراضي الذي يذهب إليه عقلك عندما تقرأ 107. إنه حالة مفاهيمية من الخياليمكن تسميتها ’فضاء الآداب‘. ووفقا لآراء هؤلاء العلماء، عندما تكون منغمسا في فضاء القراءة هذا، يعمل دماغك على نحو مختلف عن الحالة التي تنظر فيها إلى شاشة. وتُري الدراسات العصبية العلمية أن تعل م القراءة يغير دارة الدماغ 108. فبدلا من القفز هنا وهناك وأنت تجمع البتات بدون تركيز، تتغي ر و تركِّز وتنغمس عندما تقرأ . يمكن للمرء أن يقضي ساعات وهو يقرأ في الو ب من دون أن يواجه فضاء الآداب هذا. فهو يحصل على شظايا وخيوط وتلميحات، وتلك هي جاذبية الو ب الكبرى: قطع متفرقة مختلفة غير وثي قة الصلة مع بعضها. ومن دون نوع ما من الاحتواء، تتطاير تلك القطع غير الوثيقة الصلة متباعدة ومبعثرة انتباه القارئ ليبتعد عن الحكاية أو الحجة المركزية. لذا يبدو أن أداة قراءة منفصلة يمكن أن توفر مساعدة. حتى الآن، لدينا حواسيب لُو يْحية وبرامج كيندل وهواتف. و الهاتف هو أكثرها إدهاشا. فالمعلقون اعتبروا منذ مدة طويلة أن ما من أحد يريد قراءة كتاب على شاشة ضئيلة مضيئة لا يتجاوز عرضها بضعة إنشات، إلا أنهم كانوا مخطئين جدا. فأنا أعرف كثيرين غيري قد قرأوا كتبا بتلك الطريقة وهم سعداء. وفي الحقيقة، نحن لا ندري حتى الآن إ لى أي مدى يمكن لشاشة قراءة الكتاب أن تصبح صغيرة. هناك نوع تجريبي من القراءة يسمى الت قديم المرئي التسلسلي السريع (rapid serial visual presentation) تُستعمل فيه شاشة تتسع لكلمة واحدة فقط109، ولا يزيد حجمها على حجم طابع بريدي. وتبقى عينك مثبتة على موقع واحد يحتوي على كلمة واحدة تتغير تباعا وفقا للنص. وبذلك تقرأ عينك سلسلة من الكلمات المتتالية، واحدة بعد أخرى، عوضا عن قراءة س لاسل طويلة متتالية من الكلمات. وحينئذ، يمكن لشاشة صغيرة تتسع لكلمة واحدة أن تُحشر في أي مكان، وهذا ما يوسِّ ع الحيز الذي يمكن أن نقرأ فيه. لقد بيع أكثر من 36 مليونا منقارئات كيندل والكتب الإلكترونية ذات الحبر الإلكتروني110. والكتاب الإلكتروني هو لوح ذو صفحة وحيدة ’تنقلب‘ لدى النقر عليها، وبذلك تنزلق صفحة جديدة إلى محل الصفحة السابقة. والحبر الإلكتروني العاكس في الأجيال المتأخرة من ك يندل حاد الحواف وقابل للقراءة شأنه شأن الحبر العادي على الورق. لكن خلافا للكلمات المطبوعة على الورق، يمكن في هذه الكتب الإلكترونية قص نص من صفحة ولصقه في مكان آخر، كما يمكن اتباع وصلات تشعبية، والتفاعل مع الأشكال. لكن ليس ثمة من مبرر لكي يكون الكتاب الإلكتروني لوحا. إذ يمكن صنع ورق الحبر الإلكتروني

عدد الصفحات ٧٨

79 على شكل صفائحمرنة رخيصة ورقيقة كالورق العادي. ويمكن لمئة صفحة أو نحو ها أن تُجل د معا ضمن غلافين أنيقين. وحينئذ يبدو الكتاب الإلكتروني كالكتاب الورقي العادي تماما، إلا أنه يمكن تغيير محتواه. ففي لحظة ما يمكن للصفحات أن تعرض شعرا، وفي لحظة أخرى يمكن أن تظهر عليها وصفة لشيء ما. ومع ذلك تبقى قادرا على تقليب الصفحات الرقيقة (وتلك طريقة للاطلاع على النص من الصعب تحسينها). وعندما تنتهي من قراءة الكتاب، تصفع جانبه الذي يجمع الصفحات ، فينجلي عن كتاب مختلف. لم يعد هذا الشيء من الألغاز الأكثر مبيعا، بل شيئا عمليا جرى تصميمه على نحو رائع يُغري باقتنائه. ويمكن للقو اقع الجيدة التصميم التي تحتوي على الكتب الإلكترونية أن تلفت الانتباه إلى حد يحفز على شراء واحدة منها مغطاة بجلد مغربي ناعم معتق ، و مقولبة بحيث تتناسب مع يديك، موفرة أرق الصفحات الحريرية الملمس. وربما تقتني عدة قارئات إلكترونية بمقاسات وأشكال مختلفة مستمثلة لمحتويات مختلفة. أما أنا شخصيا فأفضل الصفحات الكبيرة في كتبي. وأرغب في قارئ كتب إلكترونية ينفتح على غرار الأوراق اليابانية المطوية ليصبح بمقاس جريدة من جرائد اليوم على الأقل، وربما بكثير من الصفحات مثلها. ولا أمانع في صرف بضع دقائق على طيها ثانية لتصبح بمقاس الجيب حين الانتهاء من القراء ة. كما أرغب في المرور على أعمدة طويلة متعددة، والقفز فيما بين العناوين على صفحة واحدة. و ثمة عدة مخابر بحث تُ جري تجارب على نماذج أولية من كتب تُسقط على نحو عريض وكبير بواسطة ليزرات من جهاز جيبي على سطح مستو قريب 111، حيث تغدو سطوح الطاولات والجدران صفحات هذه الكتب التي تقلبها بإشارة من يدك. وتوفر الصفحات الكبيرة متعة الأيام القديمة الكامنة في تجوال عينيك فوق أعمدة متعددة وكثير مما يجاورها. أما المفعول المباشر للكتب التي وُل دت رقمية فهو أنها يمكن أن تتدفق إلى أي شاشة في أي وقت، حيث يظهر الكتاب بحسب الطلب. فقد مضى عهد الحاجة إلى شراء وتكديس الكتب قبل قراءته ا، و تقلص الكتاب بصفته شيئا ماديا مصنوعا، ونمى بصفته تيارا متدفقا يظهر أمام ناظريك. و ينطبق هذا الانسياب أيضا على تكو ن الكتب كما تنطبق على استهلاكها. تخي ل الكتاب في جميع مراحله على أنه سيرورة، لا شيئا يُصنع. إنه ليس اسما، بل هو فعل. والكتاب هو ’كتاب‘ أكثر منه نص على ورق. إنه حدث على شكل تدفق مستمر للتفكير والكتابة والبحث والتحرير وا عادة الكتابة والمشاركة ، و لجعله اجتماعيا وا ضفاء الذكاء عليه وتجليده وتسويقه وا يصاله إلى الشاشات. وذاك التدفق هو الذي يُفضي إلى الكتاب. إن الكتب، وخاصة الكتب الإلكترونية، هي منت ج ثانو ي لسيرة تكوين الكتاب. وحين عرض الكتاب على شاشة، يغدو شبكة من العلاقات التي تتول د من تحويل الكلمات

عدد الصفحات ٧٩

80 والأفكار إلى كتاب. وتلك الشبكة تربط فيما بين القراء والمؤلفين والرموز والأفكار والحقائق والملاحظات والقصص. وتتضخم تلك العلاقات وتتحسن وتتو سع وتتسرع وتترقى ويُعاد تعريفها بطرائق جديدة من العرض على الشاشة. ومع ذلك يبقى التعارض فيما بين الكتاب والشاشة قائما. فرعاة الكتب الإلكترونية الحاليون، أي شركات الشاشات التي من مثل أمازون وغوغل، وبناء على طلب ناشري الكتب في نيويورك وموافقة بعض مؤلفي الكتب الرائجة، وافقوا على شل الانسياب الشديد للكتب الإلكترونية، وذلك بمنعهم القراء حاليا من قص النص ولصقه بسهولة، أو من نسخ مقاطع كبيرة من الكتاب، أو من التدخل الفعلي على مستوى النص بأسره. لذا تفتقر الكتب الإلكترونية اليوم إلى قابلية استبدال أول نص يُعرض على الشاشة. لكن نصوص الكتب الإلكترونية سوف تتحرر في المستقبل القريب، و سوف تزدهر الطبيعة الحقيقية للكتاب. وسوف نكتشف أن الكتب لم تكن تريد في الواقع أبدا أن تكون أدلة هواتف مطبوعة، أو كتالوجات آلات على ورق ، أو كتبا ذات أغلفة ورقية عن كيفية صنع الأشياء. فتلك مهام تتفوق بها الشاشات والبتات على نحو أفضل، ومن ذلك عمليات التحديث والبحث التي لا يصلح الورق لها. إن ما تحتاج إليه الكتب دائما هو تدوين الحواشي عليها وتعليم صفحاتها ووضع الخطوط تحت جملها و تلخيصها وتحديد مراجع ها المشتركة ، إضافة إلى التشارك فيها والتحدث إليها وتزويدها بالو صلات المتشعبة. و جعلها رقمية يسمح بتحقيق كل ذلك وأكثر. يمكن أن نرى أولى التلميحات إلى حرية الكت اب المكتشفة حديثا في قارئات كيندل وفاير . فعندما أقرأ كتابا أستطيع (ب شيء من المشقة) أن أعلِّم مقطعا أرغب في تذكره. ويمكنني استخلاص تلك المقاطع المعل مة (ببذل بعض الجهد اليوم)، وا عادة قراءة ما اخترته من أكثر الأجزاء أهمية أو قابلية للتذك ر. وأهم من ذلك أنه بناء على موافقتي، يمكن لقراء آخر ين أن يشاركون ي في تلك المقاطع التي وضعت علامات عليها، وأستطيع قراءة مقاطع قام صديق لي أو عالم أو ناقد بتعليمها. وحتى إنه يمكننا ترشيح معظم المقاطع الرائجة التي جرى تعليمها من قبل جميع القراء، وبهذه الطريقة نبدأ بقراءة الكتاب بطريقة جديدة. وهذا ما يوفر لجمهور أوسع الوصو ل إلى ملاحظات نفيسة دو نها مؤلف آخر على هو امش الكتاب أثناء قراءة نقدية له (بعد موافقته)، وتلك مزية لم يعرفها في الماضي سوى الذين كانوا يقتنون كتبا نادرة. و غدت القراءة اجتماعية. فباستعمال الشاشات نستطيع التشارك ليس في عناوين الكتب التي نقرأها فقط، بل بردود أفعالنا وملاحظاتنا أثناء القراءة أيضا. يمكننا اليوم أن نعلِّم مقطعا، وغدا يمكننا وضع رابط للمقطع. ويمكننا إضافة رابط بين عبارة في الكتاب الذي نقر ؤ ه و عبارة مناقض ة في كتاب آخر كنا

عدد الصفحات ٨٠