49 شيءلا نستطيع فعله وحدنا بصفتنا بشرا. ومع أن تنحية البشر عن الوظائف التي كانوا يقومون بها سابقا تحتل جميع عناوين الصحف الرئيسية اليوم، فإن المزايا الكبرى التي توفرها الروبوتات والأتمتة تأتي من قيامها بأعمال لا نستطيع نحن القيام بها. فنحن لا نمتلك المقدرة على تفتيش كل ميليمتر مر بع من كل صور طبقية محوسبة بحثا عن خلايا سرطانية ، و لا نمتلك ردود الأفعال السريعة التي تحصل بالميلي ثانية و اللازمة لنفخ زجاج مصهور ليتخذ شكل قارورة. وليست لدينا ذاكرة معصومة من الخطأ لتعقب كل هدف في مباريات كرة القدم وحساب احتمال الهدف التالي في الزمن الحقيقي. إننا لا نعطي ’مهام جيدة‘ للروبوتات، بل و في معظم الأحيان لا نعطيها إلا ما لا نستطيع فعله. ومن دونها، تبقى تلك الأعمال من دون تنفيذ. 3. أعمال لم نعرف أننا نريد تنفيذها وهذه أعظم مهمة تُلقى على عاتق الروبوتات: فبمساعدتها ومساعدة الذكاء المحوسب، نستطيع عمليا تنفيذ أشياء لم نتخيل فعلها قبل 150 سنة قط. فنحن نستطيع اليوم استئصال ورم من أمعائنا من خلال الس رة، وصنع فيديوهات صور ناطقة لأعراسنا، وتحريك عربة على المريخ، وطباعة أشكال على نسيج أرسلها صديق لنا ضمن رسالة إلكترونية. ونحن نقوم بملايين الأنشطة التي كانت سوف تُذهل وتصدم فلاحي عام 1800، ونتقاضى أجرا لقاء القيام بها أحيانا. وليست تلك الإنجازات الجديدة مجرد أعمال تكرارية كانت صعبة سابقا، بل هي أحلام تولدت بصورة رئيسية بقدرات الآلات التي تستطيع القيام بها. قبل اختراعنا للسيارات ومكيفات الهواء وشاشات الفيديو المسطحة وأفلام الكرتون، لم يتمن أحد كان يعيش في روما القديمة أن يشاهد صورا متحركة في أثناء ذهابه إلى أثينا بسيارة مكيفة. أما أنا فقد فعلت ذلك منذ مدة. وقبل مئة سنة، لم يكن أحد من مواطني الصين ليقول لك أنه يستطيع أن يبتاع قطعة زجاجية صغيرة تمكِّنه من التحد ث إلى أصدقائه البعيدين قبل أن يشتري التمديدات الصحية الداخلية لبيته. أما الآن، ففي كل يوم يشتري الفلاحون الصينيون هواتف ذكية وليست لديهم تمديدات صحية في منازلهم . وول د الذكاء الصنعي البارع المضم ن في الألعاب الإلكترونية لدى ملايين المراهقين الدوافع والرغبات الجامحة ليصبحوا مصممي ألعاب محترفين، وذاك حلم لم يكن ليحلمه أي صبي في العهد الفكتوري 78 .فبطريقة واقعية جدا، أوكلت اختراعاتنا إلينا وظائفنا. وكل إجرائية صغيرة ناجحة من الأتمتة ول دت وظائف جديدة لم نكن لنتخيلها من دون تحفيز من الأتمتة.
عدد الصفحات ٤٩50 وأكرر القول أن معظم المهام الجديدة التيولدتها الأتمتة هي مهام لا تستطيع القيام بها إلا الأتمتة. والآن بعد أن أصبح لدينا محركات بحث من مثل غوغل، أصبحنا نوكل إلى الخادم ألف مهمة جديدة. غوغل، هل بالإمكان إعلامي أين أجد هاتفي؟ غوغل، هل بالإمكان تحديد الأطباء الذين يمكن أن يعالجوا أناسا مصابين بالكآبة؟ غوغل، هل بالإمكان أن تتوقع متى سوف يحصل الوباء الفيروسي التالي؟ إن التكنولوجيا لا تفرق بين الآلات والبشر في توليد الإمكانات والخيارات . ومن المرجح أن المهن الأعلى دخلا في عام 2050 سوف تعتمد على أتمتة وآلات لم تُخترع بعد أي إننا لا نستطيع رؤية تلك الوظائف من هنا لأننا لا نستطيع رؤية الآلات والتكنولوجيات التي تجعلها ممكنة. فالروبوتات تولد وظائف لم نعرف حتى أننا نريد ها أن تُنف ذ. 4. أعمال لا يستطيع القيام بها إ البشر في البداية: الشيء الذي يستطيع البشر فعله ولا تستطيعه الروبوتات (حتى أجل غير معروف على الأقل) هو تقرير ما يريد البشر فعله. وهذه ليست أحجية كلامية تافهة، فرغباتنا توح ى إلينا باختراعاتنا السابقة، وهذا ما يجعل السؤال حلقة مغلقة. عندما تقوم الروبوتات و الآلات المؤ تمتة بمعظم عملنا الأساسي، جاعلة من السهل نسبيا حصولنا على الغذاء واللباس والمأوى، نكون حينئذ أحرارا في طرح ال سؤ ال التالي: ’ما هو الغرض من البشر؟‘. لقد فعلت الثورة الصناعية أكثر من مجرد تمديد عمر الإنسان الوسطي. فقد قادت نسبة كبيرة من الناس إلى القول أن الغرض من البشر هو أن يكونوا راقصي باليه وموسيقيين ورياضياتيين ورياضيين ومصممي أزياء ومعلمي يوغا وكت اب روايات خيال علمي وأناسا ذوي ألقاب فريدة على بطاقاتهم المهنية. وبمساعدة آلاتنا، يمكننا الاستمرار في هذه الأدوار، لكن مع مرور الوقت طبعا سوف تقوم بها الآلات أيضا. وحينئذ سوف نكون قادري ن على التفكير بمزيد من الأجوبة عن ا لسؤال: ’ماذا علينا أن نفعل؟‘. وسوف تنقضي أجيال كثيرة قبل أن يستطيع روبوت الإجابة عن ذلك السؤال. و سوف يستمر اقتصاد ما بعد الثورة الصناعية هذا بالتوسع، لأن مهمة كل شخص سوف تكون (جزئيا) اخت راع أشياء جديدة ليصنعها بحيث تصبح فيما بعد مهام تكرارية للروبوتات. ففي السنوات القادمة، سوف تشيع السيارات والشاحنات التي تقودها روبوتات، و سوف تفرِّخ تلك الأتمتة وظائف جديدة لسائقي شاحنات سابقين يقومون فيها باستمثال المسارات على الخرائط ، وذلك باستعمال خوارزميات حركة مرورية من أجل تقليص استهلاك الطاقة ومدة الرحلة على الطريق. وسوف تتطلب العمليات الجراحية اليومية مهارات طبية جديدة لتعقيم الآلات المعقدة. وعندما يصبح التعق ب الذاتي
عدد الصفحات ٥٠51 الآلي لجميع أنشطتك هو الشيء السائد، سوف تظهر سلالة جديدة من المحللين المحترفين لمساعدتك على فهم البيانات. وسوف نحتاج طبعا إلى جيش كامل من مربيات الأطفال الروبوتية المكرسة للحفاظ على روبوتاتك عاملة. وكل تلك الأنماط الجديدة سوف تنتقل إلى أنماط مؤتمتة جديدة أخرى فيما بعد. و سوف تنفجر الثو رة الحقيقية عندما يصبح لدى كل شخص روبوت عمل شخصي، من ذرية باكستر مثلا، يقول له سمعا وطاعة في كل الأوقات. تخي ل أنك واحد من الـ 0.1 بالمئةمن الناس الذين ما زالوا يعملون بالزراعة، و أنك تُدير مزرعة ع ضوية صغيرة مع بيع مباشر لزبائنك، و أنك ما زلت تعمل فلاحا مع روبوتات تقوم بمعظم عمل المزرعة الفعلي حيث يقوم جيش من العمال الروبوتيين بالعمل الخارجي تحت أشعة الشمس الحارقة، وهم يعشبون ويكافحون الحشرات ويحصدون المحصول، وفقا لتعليمات شبكة شديدة الذكاء من المجسات الموجودة في التربة. ومهمتك ، بصفتك مزارعا ، هي الإشراف على منظومة العمل الزراعي تلك. و يمكن يوما ما لمهمتك أن تتضمن بحثا في نوع البندورة (الطماطم) الذي يجب أن تزرعه، و أن تشتمل في اليوم التالي على معرفة ما يرغب فيه زبائنك، وقد يكون اليوم الذي بعده هو موعد تحديث المعلومات على لوحات مواصفات المنتجات. أما الروبوتات فتقوم بكل شيء آخر يمكن حسابه. لكن في الوقت الحالي، يبدو ذلك غير ممكن: فنحن لا نستطيع تصو ر روبوت يستطيع تجميع مجموعة من المكونات على شكل هدية أو صنع قطع تبديل لجذ اذة عشب أو صنع مواد لمطبخ جديد. ولا نستطيع تصو ر أولاد إخوتنا وأخواتنا وهم يشغِّ لون عشر ات الروبوتات العاملة في كراج اتهم وهم يجمِّ عون محولات كهربائية لشركة صديقهم الكهربائية الناشئة. ولا نستطيع تصو ر أولادنا وهم يصممون أدوات منزلية ويصنعون مجموعات متخصصة من آلات الحلويات المبردة بالنتروجين السائل لبيعها إلى الأغنياء في الصين. لكن ذاك هو الذي تمكِّن منه أتمتة الروبوتات الشخصية. سوف يكون كل شخص قادرا على اقتناء روبوت شخصي، إلا أن ذلك لا يضمن النجاح. بل إن النجاح سوف يكون من نصيب أولئك الذين يستمثلون سيرو رة العمل مع الروبوتات والآلات. و سوف تكون ثمة أهمية للتجمعات الجغرافية، ليس بسبب فوارق تكلفة اليد العاملة، بل بسبب الفوارق في الخبرات البشرية. إنها العلاقة بين ال بشر والروبوتات. و سوف تكون مهمتنا كبشر الاستمرار في صنع الروبو تات، وتلك مهمة لن تنتهي أبدا، و سوف تبقى بين أيدينا دائما على الأقل.
عدد الصفحات ٥١52 وفي السنوات القادمة، سوف تصبح علاقتنا بالروبوتات أشد تعقيدا، مع أن ثمة أنماطا متكررة منها في قيد الانبثاق فعلا. و مهما كانت مهنتك أو كان راتبك الحاليين، فإنك سوف تمضي عبر دورة من الاعتراضات القابلة للتنبؤ بها مرة تلو أخرى. وهاك المراحل السبعة ل لاستبدال بالروبوتات: 1. من المحتمل ألا يستطيع روبوت/حاسوب القيام بالمهمات التي أقوم بها. 2. [ حسنا، يستطيع القيام بكثير من تلك المهام، لكنه لا يستطيع فعل كل شيء أقوم به 3. [ حسنا، يستطيع القيام بكل شيء أقوم به باستثناء أنه يحتاج إلي عندما يتعطل، وهذا يحصل كثيرا. 4. [ هو يعمل بالأشياء الروتينية دون خطأ على نحو مثالي، لكن علي تدريبه على الأعمال الجديدة. 5. [ حسنا، يمكنهالقيام بوظيفتي القديمة المملة، فمن الواضح أنها ليست وظيفة للبشر. 6. [ رائع؛ تقوم تلك الروبوتات الآن بوظيفتي القديمة، وأنا أقوم بوظيفتي الجديدة التي هي أشد إثارة وأعلى دخلا! 7. [ أنا مسرور من أن روبوتا/حاسوبا لا يستطيع القيام بما أقوم به. [. ليس في ذلك منافسة للآلة. إذا نافسناها، خسرنا. بل هو منافسة إلى جانبها. إنك سوف تتقاضى في المستقبل أجرا بناء على مدى انسجامك في عملك مع الروبوتات. فتسعين بالمئة من زملائك العمال سوف يكونون آلات غير مرئية. ومعظم ما تقوم به لن يكون ممكنا من دونها. وسوف يكون ثمة خط مبهم بين ما تقوم أنت به وما تقوم هي به. وقد تتوقف عن التفكير به بصفته وظيفة، في البداية على الأقل، لأن كل شيء يشابه العمل الشاق الممل سوف يُنقل إلى الروبوتات من قبل المحاسبين. إن علينا أن ندع الروبوتات تتولى الأمور. لكن كثيرا من الوظائف التي يجهد السياسيون لإبقاء الروبوتات بعيدة عنها هي وظائف لا يستيقظ أحد في الصباح وهو يرغب فعلا بالقيام بها. أما الروبوتات فسوف تقوم بالوظائف التي كنا نقوم بها، وسوف تقوم بها على نحو أفضل منا. وسوف تقوم بأعمال لا نستطيع القيام بها عادة. وسوف تقوم بأعمال لم نتصور أبدا أنها يجب أن تُنف ذ. وسوف تساعدنا على اكتشاف وظائف جديدة لأنفسنا، ومهام جديدة توسِّع من هويتنا. و سوف تجعلنا نركِّز اهتمامنا في أن نصبح أكثر بشرية مما كنا. إنه أمر حتمي. دع الروبوتات تأخذ وظائفنا، ودعها تساعدنا على أن نحلم بعمل ذي أهمية.
عدد الصفحات ٥٢53 3 التدفقFLOWING الإنترنت هي أكبر آلة نسخ في العالم. فهي في جوهرها تنسخ كل فعل وكل صفة وكل فكرة نصنعها أثناء امتطائنا لها. و من أجل إرسال رسالة من زاوية في الإنترنت إلى أخرى، تتطلب بروتوكولات الاتصال ن سْ خ كامل الرسالة على كامل مسارها عدة مرات. ويمكن لبعض بتات البيانات أن تُنسخ عشرات المرات في يوم عادي أثناء دورانها عبر الذاكرة والذاكرة المؤقتة وال مخدِّ مات والمسيِّرات. وتجني شركات تكنولوجيا المعلومات كثيرا من المال من بيع تجهيزات تسهِّل ذلك النسخ الذي لا يهدأ. وا ذا كان الشيء قابلا للنسخ، و من ذلك الأغاني والأفلام والكتب، ولامس الإنترنت، فإنه سوف يُنسخ حتما. ويجري الاقتصاد الرقمي ضمن هذا التيار من الن سْ خ المتدفق بحرِّ ية. وفي الواقع، صُمِّمت شبكة الاتصالات الرقمية بحيث تتدف ق الن س خ ضمنها بأقل احتكاك ممكن، و بدرجة عالية من الحرية تجعلنا نعتبر الإنترنت ناقلا فائقا يجعل النسخة التي تدخله تستمر بالتدفق عبر ه إلى ما لانهاية، على غرار الكهرباء في سلك فائق الناقلية. وهذا هو المقصود بالأشياء التي توصف في الإنترنت بأنها فيروسية79. ويُعاد نسخ النسخ في موجات تولد نُ س خا جديدة بلا تناه. وعندما تدخل نسخة الإنترنت، لا تغادرها أبدا. وغدت منظومة التوزيع الفائق هذه أساس اقتصادنا وثروتنا. فهذه المضاعفة المتكررة للبيانات والأفكار و الأخبار تؤدي إلى تعزيز القطاعات الرئيسية ل لاقتصاد في القرن الحادي والعشرين. و تُعتبر المنتجات القابلة للنسخ، ومنها البرمجيات وال موسيقى والأفلام والألعاب، من بين أكثر الصادرات الأمريكية قيمة، وتقوم بإنتاجها صناعات أمريكية متفوقة في المنافسة العالمية. إن الثروة الأمريكية تتربع على منصة واسعة جدا دائمة النسخ بلا تمييز. وليس بإمكاننا إيقاف ذلك الن سخ العشوائي الغزير. ليس لأن ذلك يمكن أن يدمر منصة الثروة فقط، بل لأنه يمكن أن يوقف الإنترنت نفسها أيضا. فالن س خ الحرة التدفق تُعجن و تُخب ز ضمن طبيعة منظومة الاتصالات العالمية تلك، وتكنولوجيا الشبكة نفسها تتطلب ذلك النسخ اللامحدود. و لذا كان تدف ق النسخ شيئا محتوما. لقد بُني اقتصاد حضارتنا السابق على أساس مستودعات للسلع الثابتة ومصانع تتكدس فيها المنتجات المادية. وما زالت تلك المخ ازن ضرورية، لكنها لم تعد كافية ل غنانا وسعادتنا. و لذا ابتعد اهتمامنا عن مخازن البضائع المادية إلى تيارات متدفقة من الأشياء غير الملموسة التي من مثل الن س خ. و أصبحنا نعطي قيمة، لا للذرات ضمن الأشياء فقط، بل لترتيبها وتصميمها اللاماديين، و أكثر من ذلك لقابليتها
عدد الصفحات ٥٣54 للتكي ف والتدف ق استجابة لاحتياجاتنا أيضا. والمنتجات التي كانت صلبة سابقا، والمصنوعة من فولاذ وجلد ، أصبحت تُباع اليوم على شكل خدمات سائلة دائمة التحديث. وتحولت سيارتك الصلبة الم ركونة في الشارع إلى خدمة نقل شخصية بحسب الطلب، توفرها شركات من مثل أوبر وليفت وزيب وسايدكار ، وتتحسن بسرع ة تفوق تحسن السيارات نفسها. ولم يعد تسو ق السلع شيئا عشوائيا، بل إن ثمة الآن تدف قا مستمر ا لتيارات متجددة من السلع إلى بيوتنا من دون توقف80 .فأنتتحصل على هاتف جديد كل بضعة أشهر، من خلال تحديث برمجياته، لأن تيارا متدفقا من نظم التشغيل الجديدة ينصِّب نفسه فيه مضيفا إليه سمات ومزايا جديدة كانت سابقا تتطلب عتاديات جديدة. ثم عندما تحصل على جهاز جديد، تحافظ الخدمة على نظام التشغيل المعهود لديك، وتنقل معلوماتك الشخصية إليه. وتستمر تلك السلسلة من التحديثات الأبدية التي تحقق أحلام شهيتنا البشرية التي لا تشبع: أنهار من التحسينات التي لا تتوقف. وفي صميم هذا النظام الجديد من التدفق المستمر، ثمة بقع صغيرة من الحوسبة. ونحن الآن على عتبة الطور الثالث من الحقبة الحاسوبية، وهو طور التدفقات. انبثق عهد الحوسبة الأول من العصر الصناعي. فوفقا لما لاحظه مارشال مكلوهان Marshall McLuhan، تحاكي النسخة الأولى من أي شيء جديد الشيء الذي تحل محله81. فقدرفعت الحواسيب التجارية الأولى راية المكتب ، حيث ظهرت على الشاشات أيقونات لسطح المكتب desktop والأضابير folders والملفاتfiles. ورُتِّبت تلك’المكتبيات‘ ترتيبا هرميا، على غرار كثير مما كان موجودا في العصر الصناعي الذي انقلب عليه عصر الحاسوب. وانقلب العصر الرقمي الثاني على راية المكتب وجلب إلينا المبدأ الناظم للو ب. ولم تعد الوحدة الأساسية ’ملفا‘، بل أصبحت ’صفحة‘. ولم تعد الصفحات مرت بة في أضابير، بل في و ب متشابكة. وتألفت الوب من مليار ات الصفحات المترابطة تشعبيا والتي تضمنت كل شيء، من المعلومات المخزونة حتى المعرفة الفعالة. واستُعيض عن سطح المكتب بالمتصفح browser، وهو نافذة متجانسة تنفتح على كل الصفحات. وكانت شبكة الوصلات تلك متجانسة. والآن، نحن نشهد الانتقال إلى العصر الثالث من الحوسبة حيث غدت الصفحات والمتصفحات أقل أهمية بكثير من التدفقات والتيارات التي أضحت اليوم الوحدات الرئيسية . إننا نشاهد تيارات مستمرة من تغريدات تويتر، و دفقات البوستات (الإرسالا ت) إلى جدار فيسبوك، ونرسل تيا رات من الصور والأفلام والموسيقى، و نرى عناوين الأخبار تتدفق على الشريط السفلي من شاشة التلفزيون ، ونشترك
عدد الصفحات ٥٤55 بتيارات يوتيوب التي تسمى قنوات، ويتغذى ملخص الموقع الغني RSS (Rich Site Summary) من مدوناتنا. ونحن نسبح في تيارات من الإشعارات والتحديثات التي تحسِّ ن تطبيقاتنا. و قد حل ت اللصائق tags محل الوصلات، وأصبحنا نضع اللصاقات على الصور و ’نُعجب‘ بلحظات من تلك التدفقات و ’نفضِّلها‘. وتعمل بعض التيارات ، التي من مثل سنابشات ووبشات وو تسأب في المضارع كليا، من دون ماض أو مستقبل. فهي تتدفق وحسب. وا ذا رأيت شيئا منها، فلا بأس، وبعدئذ يكون قد ول ى. وت غي ر الزمن المتدفق أيضا. ففي الحقبة الأولى، ك انت المهام تُنف ذ بنمط الدفعات. فقد كنت تدفع فاتورتك كل شهر. وكانت الضرائب كلها تُدف ع في نفس اليوم من السنة. و كانت أجور خدمة الهاتف تأتي بوحدات مؤلفة من ثلاثين يوما. لقد كانت الأشياء تتكدس و يجر ي التعامل معها على دفعات. ثم في الحقبة الثانية، أتت الو ب، وبسرعة كبيرة صرنا نتوقع كل شيء في نفس اليوم. إذا سحبنا مبلغا من البنك، وجدنا أنه اقتُ طع من الرصيد في نفس اليوم، لا في نهاية الشهر. وا ذا أرسلنا رسالة إلكترونية، توقعنا الرد عليها في نفس اليوم، لا بعد أسبوعين كما كان يحصل في البريد العادي. لقد قفزت دورتنا الزمنية من نمط الدفعات إلى النمط اليومي. وكان ذلك إنجازا عظيما. لقد تغيرت التوقعات بسرعة كبيرة، وتفاجأ ت مؤسسات كثيرة بما لم تكن مهيأ ة له. كان صبر الناس ينفد وهم ينتظرون أن تُرسل إليهم استمارات هم بحاجة إلى ملئها ، وا ذا لم يستطيعوا ملأها في ذلك اليوم، استغنوا عنها. والآن، في العصر الثالث، انتقلنا من النمط اليومي إلى الزمن الحقيقي أو الفعل الآني. إذا راسلنا أحدا، توقعنا رده فورا. وا ذا أنفقنا مالا، اقتُطع من رصيدنا فورا. لماذا يجب أن تستغرق التشخيصات الطبية أياما لإعطاء النتائج بدلا من إعطائها فورا؟ وا ذا خضعنا لاختبار في الصف، فلماذا لا تظهر العلامات في الحال؟ وفيما يخص الأخبار، نحن نرغب في معرفة ما يحصل في هذه الثانية بالذات، لا ما حصل قبل ساعة. إذا لم تحصل الأشياء في الزمن الحقيقي، كانت غير موجودة. والنتيجة هي أن كل شيء يجب أن يتدفق من أجل العمل في الزمن الحقيقي، وهذا أمر هام. على سبيل المثال، تعني مشاهدة الأفلام بحسب الطلب أنها يجب أن تتدفق. وعلى غرار معظم العائلات التي تشترك في ن تفليكس ، غدت عائلتنا من أكابر الزمن الحقيقي. إذا لم يكن الفلم متوفرا ضمن البث الحي، أهملناه. إن حجم كتالوج ن تفليكس للأقراص الفيديوية الرقمية DVD أكبر وأفضل جودة بنحو 10 مرات من كتالوج بثها الحي، ومع ذلك نفضل مشاهدة عروض أقل في الزمن الحقيقي على الانتظار يومين للحصول على شيء أفضل على الـ DVD .لقد طغت الفورية على الجودة. وينطبق الشيء نفسه على الكتب الفورية. في العصر ما قبل الرقمي، كنت اشتري الكتب الورقية
عدد الصفحات ٥٥56 قبل مدة طويلة من الوقت الذي كنت أنوي قراءتها فيه. إذا وقع تحت ناظري كتاب جذاب في مكتبة، اشتريته. و زادت الإنترنت في بداياتها من أعبائي الثقيلة لأنني وجدت فيها الكثير من الكتب الموصى بها. وعندما ظهر قارئ الكتب كيندل، تحو لتُ إلى شراء الكتب الرقمية فقط ، مع الاحتفاظ بعادة شراء تلك الكتب الإلكترونية في كل مرة تقع عيناي على توصية جيدة. وكان الأمر على درجة كبيرة من السهولة: انقر على الفأرة واحصل على الكتاب. ثم أُلهمت شيئا أنا متيقن من أن آخرين أُلهمو ه أيضا. إذا اشتريت كتابا سلفا، فإنه سوف يبقى قابعا في نفس المكان الذي يقبع فيه كتاب آخر لم تبتاعه (في الو ب)، لكنْ في قائمة المدفوع ثمنه بدلا من قائمة غير المدفوع ثمنه. فلماذا لا أتركه في قائمة غير المدفوع ثمنه؟ لذا، أصبحت الآن لا أشتري كتابا إلا إذا كنت جاهزا للبدء بقراءته خلال ا لـ 30 ثانية القادمة. وهذا النوع من شراء الكت ب في وقت قراءته ا هو العاقبة الطبيعية للبث الحي في الزم ن الحقيقي. و في الحقبة الصناعية، فعلت الشركات ما بوسعها لتوفير وقت لنفسها من أجل زيادة مردودها وا نتاجيتها. لكن هذا ليس بكاف اليوم. فعلى المؤسسات اليوم الحفاظ على وقت زبائنها ومواطنيها. وعليها فعل أقصى ما تستطيعه من أجل التفاعل معهم في الزمن الحقيقي. فالزمن الحقيقي هو وقت البشر. إن الصرافات الآلية توفر لك المال على نحو أسرع مما يفعله موظفو المصارف، وعلى نحو أكفأ أيضا، إلا أن ما نحتاج إليه فعلا هو نقود آنية عند رؤوس أصابعنا، على غرار نقود الزمن الحقيقي التي توفرها شركات البث الحي التي من مثل سكو ير وب يْبول وأليب يْ وأبل ب يْ. لذا، من أجل العمل في الزمن الحقيقي، على بنيتنا التحتية التكنولوجية أن تتميع. وعلى الأسماء أن تصبح أفعالا. وعلى الأشياء الصلبة الثابتة أن تصبح خدمات. ولا يمكن للبيانات أن تبقى ساكنة ، بل على كل شيء أن يتدفق ضمن البث الحي. ويمثل تجم ع العدد الهائل من تيارات البث الحي للمعلومات المتمازجة المتداخلة فيما بينها ما نسميه بالسحابة. فالبرمجيات تتدفق إليك من السحابة على شكل تيار من التحديثات. و السحابة هي المكان الذي يصب فيه تيار نصوصك قبل وصولها إلى شاشة صديقك، وهي المكان الذي يقبع فيه رتل الأفلام ضمن حسابك حتى تستدعيها، وهي المستودع الذي تنطلق منه الأغاني، وهي المقعد الذي يتربع عليه ذكاء سيري 82 عندما تتحدث إليك، و هي العنوان التنظيمي الجديد للحواسيب. وحينئذ تكون التدفقات واللصاقات والس ح ابات هي الوحدات الأساسية لهذا النظام الرقمي الثالث.
عدد الصفحات ٥٦57 أماالصناعة الأولى التي تدفق تيارها من خلال الانتقال إلى الزمن الحقيقي و ا لى سحابة النسخ فهي الموسيقى. ربما لأن ها هي نفسها تدفق أو تيار من النغمات التي لا يظهر جمالها إلا باستمرار تدفقها. وهي أول ما خضع للتمييع. ومع تغي ر صناعة الموسيقى ببطء، أماطت اللثام عن أنماط تغي ر تكرر ت مر ة تلو أخرى في مجالات أخرى من مثل الكتب والأفلام والألعاب والأخبار. وفيما بعد، بدأ تغي ر مماثل من الثوابت إلى التدفقات بقلب التسو ق والنقل والتربية رأسا على عقب. وهذا الانتقال الحتمي إلى الانسياب يغيِّر حاليا كل جوانب المجتمع الأخرى تقريبا. وسوف تكشف تلك القصة الطويلة لتحديث الموسيقى بنقلها إلى مملكة الانسياب عن الوجهة التي نتجه نحوها. حصل تغي ر ال موسيقى بواسطة التكنولوجيا على مدى أكثر من قرن. فأجهزة الحاكي 83 الأولى استطاعت تحقيق تسجيلات مدتها لا تزيد على أربع دقائق ونصف، ولذا اختصر الموسيقيون المقطوعات المطولة بحيث يتسع لها التسجيل. ولذا كان الطول الشائع للأغنية الشعبية اليوم أربع دقائق ونصف. وأطلق الإنتاج الصناعي الرخيص الواسع النطاق لتسجيلات الحاكي، التي تعود إلى ما قبل 50 سنة، كميات مذهلة من النسخ الدقيقة الرخيصة، ونشر شعورا بأن ال موسيقى هي مادة استهلاكية. أما المشكلة الكبرى التي تعان ي منها الموسيقى اليوم، وهي التغي ر الذي أثار ته شركات طليعية من أمثال نابستر وبت تورنت قبل عقد من السنين، فهي الانتقال من النسخ التماثلية إلى النسخ الرقمية. في الحقبة الصناعية، هيمنت النسخ التماثلية، الدقيقة والرخيصة . أما في عصر المعلومات، فتهيمن النسخ الرقمية ، الدقيقة و المجانية. إنه لمن الصعب تجاهل كون الشيء مجانيا، لأنه يدفع الن سْ خ بوتيرة ك انت في الماضي بعيدة حتى عن الخيال. لقد شوهدت أرْو ج عشرة فيديوهات موسيقية أكثر من عشرة مليارات مرة 84، (مجانا. وبالطبع، ليست الموسيقى هي الوحيدة التي تُنسخ مجانا، بل إن النصوص والصور والفيديوهات والألعاب ومواقع و ب برمتها وبرمجيات مؤسساتية وملفات طباعة ثلاثية الأبعاد تُنسخ مجانا أيضا. في عالم الإنترنت هذا، كل ما يمكن نسخه يُنسخ مجانا. و ينص أحد قو انين الاقتصاد العامة على أن موقع الشيء في المعادلة الاقتصادية ينقلب فجأة عندما يصبح مجانيا وشائعا. فمثلا، عندما كانت الإضاءة الكهربائية ليلا جديدة وشحيحة، كان الفقراء هم الذين يُشعلون الشموع. وفيما بعد، عندما أصبح الحصول على الكهرباء سهلا ومجانيا من الناحية العملية، انقلبت تفضيلاتنا وباتت الشموع أثناء تناول طعام العشاء من معالم الرفاهية. و في الحقبة
عدد الصفحات ٥٧58 الصناعية، غدت الن س خ الدقيقة للأشياء أعلى قيمة من الأصل المصنوع يدويا. فليس ثمة من أحد يريد نموذج البراد الأصلي الذي صنعه المخترع، بل إن معظم الناس يريدون نسخة مثالية عاملة منه. وكلما كان المُست نس خ أكثر شيوعا، كان ت الرغبة فيه أشد، لأنه يأتي مع مجموعة من خدمات الصيانة والإصلاح. أما الآن، فقد انقلب محور القيمة مرة أخرى، و زعزعت تيارات الن س خ المتدفقة بحرية الانتظام الراسخ القائم. ففي هذا الكون الرقمي الجديد، الفائق الإشباع بالن سْ خ الرقمي المجاني اللامتناهي، ي تصف ذلك الن سْ خ بقدر من الشيوع و انخفاض التكلفة، أو المجانية عمليا، إلى حد أن الأشياء القيِّمة حقا غدت تلك التي لا يمكن نسخها. و تقول لنا التكنولوجيا أيضا أن الن سخ لم يعد ذا أهمية. وبعبارة أبسط، عندما تصبح الن سخ كثيرة الوفرة، تصبح عديمة القيمة. وفي المقابل، فإن الأشياء التي لا يمكن نسخها تصبح شحيحة ونفيسة. وعندما تكون الن سخ مجانية، عليك بيع أشياء لا يمكن نسخها. فما الشيء الذي لا يمكن نسخه؟ الثقة، على سبيل المثال. لا يمكن إعادة توليد الثقة بالجملة. و لا يمكن شراء الثقة بالجملة. ولا يمكن خزن الثقة في قاعدة بيانات أو مستودع أو تحميلها منهما. ولا يمكن نسخ ثقة امرئ آخر. بل يجب اكتسابها مع مرور الوقت. فهي غير قابلة للتزوير والتزييف (مدة طويلة على الأقل). ونظرا إلى أننا نفضل التعامل مع شخص نستطيع الوثوق به، فإننا غالبا ما ندفع ثمنا لتلك المزية. وندعو ذلك بالعلامة التجارية المسجلة. فالشركات التي تمتلك علامات تجارية تستطيع فرض أسعار لمنتجات ها وخدماتها أعلى من أسعار منتجات وخدمات مثيلاتها التي لا تمتلك علامات تجارية ، وذلك لأنها موثوقة من حيث ما تع د به. إن الثقة شيء غير ملموس له قيمة عالية في العالم المشبع بالن سْ خ. و ثمة عدد من السمات المشابهة للثقة من حيث صعوبة نسخها، ولذا تغدو ذات قيمة كبيرة في اقتصاد السحابة هذا. وأفضل طريقة لرؤيتها هي الا نطلاق من سؤال بسيط: لماذا يدفع المرؤ ثمنا لشيء يمكن أن يحصل عليه مجانا؟ وعندما يدفع ثمنا لشيء يمكنه الحصول عليه مجانا، فما هو الشيء الذي يشتريه ؟ في الواقع، تُعتبر هذه القيم غير القابلة للنسخ ’أفضل من المجانية‘. إن الأشياء المجانية جيدة، لكن الأشياء غير المجانية أفضل لأنك سوف تدفع ثمنا لها. وأنا أصف تلك السمات بأنها ’مول دات‘. فالقيمة المول دة هي سمة أو صفة يجب أن تول د في وقت المبادلة التجارية. و من غير الممكن نسخ أو استنساخ أو خزن المول دات. ولا يمكن تزوير ها أو مضاعفتها، فهي تول د على نحو فريد في الزمن
عدد الصفحات ٥٨59 الحقيقي من أجل مبادلة معينة حصرا . وتضيف السمات المول دة قيمة إلى الن سخ المجانية، ولذا تكون أشياء يمكن بيعها. وهاك ثماني سمات مول دة ’أفضل من المجانية‘. الفورية : عاجلا أو آجلا يمكنك العثور على نسخة مجانية عن الشيء الذي تريده. إلا أن الحصول على نسخة تُرس ل إلى صندوق بريدك في لحظة إطلاقها، أو ربما في لحظة إنتاجها، من قبل منتجيها، يُعتبر قيمة مول دة. إن كثيرا من الناس يذهبون لمشاهدة فيل م في السينما في ليلة الافتتاح ويدفعون رسوما عالية من أجل رؤية الفلم الذي سوف يتوفر فيما بعد مجانا تقريبا من خلال الاستئجار، أو مجانا كليا بالتحميل من الإنترنت. إنهم في الواقع لا يدفعون لقاء مشاهدة الفلم (الذي سوف يصبح مجانيا)، بل يدفعون لقاء الفورية . ونحن ندفع مبلغا إضافيا علاوة على ثمن الكتاب ذي الغلاف الصلب لقاء الفورية الكامنة في ذلك الغلاف85 .فالأشياء التي تحتل موضع الصدارة غالبا ما تستدعي سعرا أعلى لنفس السلعة. وللفورية مستويات كثيرة بصفتها سمة قا بلة للبيع، ومن تلك المستويات الحصول على نُس خ تجريبية . لقد أُعطيت النسخ التجريبية من التطبيقات أو البرمجيات سابقا قيمة منخفضة لأنها غير كاملة، لكننا أدركنا أن تلك النسخ تنطوي على فورية ذات قيمة عالية. إن للفورية مغزى نسبي (كالدقائق بالنسبة للأشهر)، وهي يمكن أن توجد في كل منت ج وخدمة. الشخصنة يمكن لنسخة عامة من تسجيل لمقطوعة موسيقية أن تكون مجانية، لكن إذا كنت تريد نسخة جرى تعديلها بحيث تبدو مثالية من الناحية الصوتية في غرفة معيشتك، أي كما لو كانت قد عُزفت في غرفتك، فإنك قد تقبل بدفع سعر عال لها. وعندئذ، أنت لا تدفع لقاء المقطوعة نفسها، بل لقاء الشخصنة المول دة. ويمكن لناشر أن يُحرِّر نسخة من كتاب مجاني خصيصا لك بحيث تعكس خلفيتك السابقة في القراءة. ويمكن أن تشتري فلما مجانيا بعد اقتطاع أجزاء منه تجعله ملائما للمشاهدة من قبل أفراد عائلتك (خال من الجنس و آمن للأطفال). في كل من ذينك المثالين أنت تحصل على النسخة مجانا وتدفع مقابل تفصيلها لك، أي لقاء شخصنتها. و الأسبرين مجاني اليوم من حيث المبدأ، أما الدواء القائم على الأسبرين المفصل خصيصا للدنا (DNA) لديك فيمكن أن يكون ثمينا وغاليا جدا. لكن الشخصنة تتطلب تخاطبا مستمرا بين من ينفذها وبي ن المستهلك والفنا ن والمُعج ب والمنت ج
عدد الصفحات ٥٩60 والمستعمل وهي مستنزفة للوقت لأنها تول د لكل شخص على حدة. ويصف المسوِّقون تلك العلاقة بأنها ’دبقة‘ لأن كلا طرفيها يلتصقان بواسطة هذا الشيء المول د الثمين (و يستثمران فيه)، وسوف يترددان في التغيير والبدء من جديد. ولا يمكنك قص ولصق هذا النوع من العلاقة العميقة. التفسير تقول طرفة قديم ة: ’البرنامج مجاني، وثمن دليل استعماله 10000 دولار ‘. وتلك ليست نكتة. فثمة عدد من الشركات المتطورة ، من مثل ر د هات وأباتشي وغيره ما، تكسب رزقها من بيع تعليمات وتقديم دعم مأجور لبرمجيات مجانية. فنسخة رموز البرنامج، المكونة من مجرد سلاسل من البتات، مجانية. لكن تلك الرمو ز المجانية لا تصبح ذات قيمة بالنسبة إليك إلا من خلال دعم و ا رشاد يقد مان إليك. وكثير من المعلومات الطبية والجينية سوف تسلك هذا المسار في العقود القادمة. إن الحصول على نسخة كاملة من جميع جيناتك اليوم باهظ التكلفة (تكلِّف 10000 دولار)، لكن ذلك سيتغير في وقت قريب. فالسعر يتناقص بسرعة إلى حد أنه سوف يصبح 100 دولار قريبا، وبعدئذ في السنة القادمة سوف تعرض شركات التأمين س لس لة جيناتك مجانا. وعندما تصبح تكلفة نسخة جيناتك المس لس لة مجانية، فإن تفسير ما تعنيه، وما تستطيع فعله بها، وكيفية استعمالك لها، أي ما يمكن أن يتضمنه دليل استعمال الجينات، سوف يكون غاليا. و على غرار ذلك، يمكن تطبيق مبدأ السمات المول دة على كثير من الخدمات المعقدة الأخرى ، و منها السفر والرعاية الصحية على سبيل المثال. الاستيقان قد يكون بإمكانك الحصول على تطبيق برمجي شهير مجانا من شبكة سوداء، لكن حتى لو لم تكن بحاجة إلى دليل استعماله، فقد تريد أن تطمئن إلى أنه خال من الثغرات والفيروسات والسبامات. وفي تلك الحالة سوف تقبل بدفع مبلغ ما لقاء نسخة موثوقة. إنك تحصل على نفس البرنامج ’المجاني‘، لكن مع شيء من راحة البال. أنت لا تدفع مالا مقابل النسخة، بل مقابل وثوقيتها. إن ثمة عددا لانهائيا تقريبا من فرق الغناء المقلِّدة لفرقة غريتفُل ديد Grateful Dead هنا وهناك، إلا أنشراء نسخة أصلية من أغانيها سوف يضمن حصولك على ما تريده، أو على ما غنته الفرقة نفسها فعلا. لقد عانى الفنانون من هذه المشكلة طويلا، و لذا تأتي الصور والمطبوعات غالبا ممهورة بختم الفنان أو توقيعه لإثبات أصالتها، وذلك من أجل رفع سعر النسخة منها. لكن العلامات المائية الرقمية وتكنولوجيات التوقيع الأخرى غير صالحة للحماية من النسخ (تذكر أن الن سخ هي سائل فائق الناقلية)، إلا أنها يمكن أن تعمل بصفتها سمة مول دة من أجل الاستيقان بالنسبة إلى أولئك الذين يهتمون به.
عدد الصفحات ٦٠61 قابليةالوصول إلى المادة غالبا ما تنطوي المُلكية على متاعب. فعليك أن ترتب أشياءك وتحدِّثها، وف ي حالة المواد الرقمية، عليك حفظ نسخة احتياطية منها. وفي هذا العالم النقال، عليك حملها معك أينما ذهبت. وكثير من الناس، وأنا منهم، يسعدون بقيام آخرين بالاهتمام بـ ’مقتنياتهم‘ التي يحصلون عليها بكسل من السحابة. يمكن أن امتلك كتابا، أو قد أكون قد دفعت سابقا لقاء موسيقى أنا معجب بها، لكنني مستعد للدفع إلى المستودع الرقمي Acme لتوفيرها لي حينما أريدها وبالطريقة التي أرغب فيها . إن معظم هذه المواد سوف يكون متوفرا مجانا من جهات أخرى، لكن ليس بنفس السهولة والراحة. لكن من خلال خدمة مدفوعة الأجر، أستطيع الوصول إلى المادة المجانية في أي مكان وتوجيهها إلى أي من تجهيزاتي الكثيرة بواسطة إنترفاس مستعم ل جيد. وهذا، جزئيا، ما تحصل عليه من آي تيونز iTunes في السحابة فأنت تدفع لقاء موسيقى سهلة الوصول إليها كان بإمكانك أن تحمِّ لها مجانا من مكان آخر. إنك لا تدفع لقاء المادة، بل لقاء سهولة وراحة الوصول إليها من دون تكبد عناء صيانتها. التجسيد من حيث الجوهر، ليس ثمة جسم للنسخة الرقمية. أنا أسعد بقراءة نسخة PDF لكتاب، لكن أحيانا، من المفيد والمريح جدا أن تكون لديك نفس الكلمات مطبوعة على ورق أبيض صقيل لماع ذي غلاف جلدي. فذلك يعطيك شعورا بالجودة. ويستمتع المتبارون باللعب مع أصدقائهم في الإنترنت، لكنهم غالبا ما يرغبون أكثر في اللعب معهم في نفس الغرفة. ويدفع الناس آلاف الدولارات للبطاقة الواحدة من أجل حضور حفلة موسيقية شخصيا برغم أن موسيقاها تتدفق في الإنترنت أيضا. إنه ليس ثمة من نهاية لطرائق مواجهة العالم غير الملموس بتجسيد أكبر. وسوف تكون ثمة دائما تكنولوجيا عرض عظيمة جديدة لا يقتنيها الزبائن في بيوتهم، ولذا يكون عليهم نقل أجسادهم إليها في أماكن أخرى من قبيل المسرح أو الصالات ال كبيرة. فالمسرح على الأرجح هو أول م ا يوفر إسقاط ليزري وهولوغرافي، وغرفة الهولوغرام نفسها. وليس ثمة من شيء يُجس د بقدر تجس د الموسيقى في عرض حي، بوجود أجساد حقيقية. وحينئذ تكون الموسيقى مجانية، أما العرض ال مجس د فهو الغالي الثمن. وبالفعل، فإن فرقا كثيرة تكسب رز قها اليوم من الحفلات، لا من بيع الموسيقى. وقد غدا هذا النمط شائعا بسرعة ليس بين الموسيقيين فقط، بل حتى بين المؤلفين أيضا. فالكتاب مجاني، لكن الحديث المجس د عنه غال. وجولات فرق الموسيقى الحية، و برامج المقابلات الحية التي ترسلها منظمة TED إلى الوب، و برامج البث المباشر، وجولات المطاعم المؤقتة ، جميعها تتحدث عن قوة وقيمة التجسيد العابر المدفوع الأجر لشيء يمكنك تحميله من الإنترنت مجانا.
عدد الصفحات ٦١62 الدعم يرغب المتحمسون والمعجبون الحقيقيون في أن يدفعوا للمبدعين. إنهم يحبون مكافأة الفنانين والموسيقيين والمؤلفين والممثلين وغيرهم من ال مبدعين، وذلك تعبيرا عن احترامهم لهم، لأن ذلك يمكِّنهم من الارتباط بالناس الذين ي قدِّرونهم. إلا أنهم لا يدفعون إلا وفقا لأربعة شروط غالبا لا تتحقق: 1) يجب أن يكون الدفع سهلا جدا،2) ويجب أن يكون المبلغ معقولا، 3) ويجب أن يعود عليهم بفائدة واضحة، 4) ويجب أن يكونمن الواضح أن المبلغ سوف يفيد المبدعين مباشرة. و من حين إلى آخر، يحاول فنان أو فرقة جعل الم عجبين يدفعون لهم ما يشاؤون لقاء نسخة مجانية. وهذه طريقة ناجحة من حيث المبدأ، وهي استعراض ممتاز لقوة الدعم الذي يحصلون عليه. والصلة الوهمية التي تتدفق بين المعجبين والفنان هي بالتأكيد ذات قيمة. وا حدى أوائل الفرق التي وفرت خيار ’ادفع ما تريد ‘ هي فرقة راديوهيد Radiohead. فقد اكتشفت أنها قد جنت نحو 2.26 دولار عن كل تحميل لألبومها In Rainbows في عام200786، وهذا ماوفر لها من المال ما يفوق ما وفرته لها جميع الألبومات السابقة التي صدرت مُسع رة، وحف ز مبيعات أقراص CD بعدة ملايين الدولارات. وثمة أمثلة كثيرة أخرى عن معجبين دفعوا لمجرد الحصول على متعة من ذلك غير ملموسة. قابلية الاكتشاف كمنت القيم المو ل دة السابقة ضمن أعمال خلا قة. أما قابلية الاكتشاف فهي قيمة تتعلق بمجموعة كبيرة من الأعمال. مهما كان سعر العمل، لا تكون له قيمة إلا إذا كان مرئيا. و التحف غير المكتشفة عديمة القيمة. ولا تصبح ملايين الكتب و الأغاني و الأفلام و التطبيقات، وغيرها مما يلفت الانتباه، ومعظمه مجاني، ذات قيمة إلا بعد العثور عليها. لكن في ضوء الأعداد المتزايدة من الأعمال التي تُبتكر كل يوم، فإن احتمال العثور عليها يتضاءل باطراد . إلا أن المعجبين يستعملون طرائق كثيرة لكشف الأعمال ذات القيمة من بين العدد الهائل من الأعمال المُنت جة. فهم يستعملون الانتقادات والمراجعات والماركات (الخاصة بالناشرين و استديوهات التسجيل والتصوير)، ويعتمدون بشكل متزايد على معجبين وأصدقاء آخرين من أجل الحصول على توصية بمادة جيدة. وهم يقبلون على نحو متزايد دفع المال مقابل تلك التوصيات. فمنذ مدة ليست طويلة، قام نحو مليون مشترك في مجلة دليل التلفزيون بالدفع لها لقاء توجيههم إلى أفضل برامج التلفزيون التي كانت تبث مجانا. ويُقال أن المجلة حققت أرباحا فاقت ما حققته شبكات التلفزيون الرئيسية الثلاث مجتمعة التي أ وصت المجلة ببرامجها. أما أكبر دخل لشركة أمازون، فلا يأتي من خدمة التوصيل الرئيسية ، بل من ملايين مراجعات القراء
عدد الصفحات ٦٢63 التيتراكمت على مر العقود. فالقراء يدفعون لقاء قراءة جميع الكتب الإلكترونية التي توفرها خدمة أمازون كيندل اللامحدودة، برغم أنهم يستطيعون العثور على الكتب الإلكترونية في مواقع أخرى ، لأن مراجعات أمازون تُرش دهم إلى الكتب التي يريدون قراءتها. و ينطبق الشيء نفسه على نتفليكس، لأن محرك توصيات هذه الشركة يعثر على نفائس لا يستطيعون اكتشافها بطرائق أخرى. قد تكون تلك النفائس مجانية في أماكن أخرى، لكنها مفقودة ومدفونة. في هذه الأمثلة، أنت لا تدفع لقاء الن س خ، بل مقابل العثور عليها. وتتطلب تلك السمات الثماني مجموعة مهارات جديدة يتقنها المؤلفون والمصممون والمنتجون. ما عاد النجاح يأتي من السيطرة على التوزيع الذي أصبح آليا تقريبا. فهو متدفق برمته ، و آلة الن سخ العظمى المتمثلة بالإنترنت تأخذ ذلك على عاتقها. وما عادت المهارة التقنية للحماية من الن سْ خ مفيدة، لأنك لا تستطيع إيقافه. فمحاولة منع النسخ، سواء بالتهديد القانوني أو الح ي ل التقنية، ليست ناجحة. و تلك القيم الثماني المول دة الجديدة تتطلب مهارات ترعاها من غير الممكن نسخها بنقرة فأرة. فالنجاح في هذه المملكة يتطلب السيطرة على الا نسياب الجديد. عندمايُرقمن شيء كالموسيقى، يغدو متدفقا يمكن توجيهه ووضعه في ر و ابط. وحينما جرت رقمنة الموسيقى في البداية، بدا للمسؤولين عن إدارتها أول وهلة أن الجمهور انجذب إلى الإنترنت بسبب الطمع بما هو مجاني. لكن المجانية كانت في الواقع مجرد جزء من الج اذبية. ولعلها كانت الأقل شأنا. قد يكون ملايين الناس قد حم لوا الموسيقى في البداية لأنها كانت مجانية، لكنهم اكتشفوا فجأة فيما بعد شيئا أفضل، وهو أن الموسيقى المجانية ليست معاقة. فقد كانت تستطيع الانتقال بسهولة إلى وسائط تواصل جديدة وأدوار جديدة و زوايا جديدة من حياة المستمعين. وفيما بعد، انبثق الاندفاع المستمر نحو تحميل الموسيقى من الإنترنت من قوة التدفق الدائمة التوس ع للصوت المرقمن . و قبل الانسياب، كانت الموسيقى رزينة وجادة ومملة. وكانت خياراتنا ، نحن عشاق الموسيقى، قبل ثلاثين عاما محدودة. كان بإمكانك الاستماع إلى مجموعة محض رة سلفا من الأغاني اختارها شخص مشرف على التسجيلات من أجل بثها من بضع محطات إذاعية، أو كان بإمكانك شراء ألبوم والاستماع
عدد الصفحات ٦٣64 إلىالأغاني بالترتيب الذي سُجِّلت به على القرص. أو كان بإمكانك شراء آلة موسيقية والبحث عن نو تة لمقطوعة موسيقية مما تُفضله في دكاكين هامشية. وكان ذاك كل شيء. أما الانسياب فقد وفر إمكانات جديدة، وقضى على استبداد مُعدِّي البرامج الإذاعية. فبوجود الموسيقى المتدفقة، أصبحت لديك المقدرة على إعادة ترتيب تسلسل الألحان ضمن الألبوم، أو فيما بين الألبومات، وأصبحت قادرا على تقصير الأغنية أو إطالتها بحيث تستغرق ضعف مدتها الأصلية، وعلى استخلاص عينة نغمات من أغنية شخص آخر لتستعملها أنت. أو أصبح بإمكانك تغيير كلمات الأغنية، أو إعادة هندسة مقطوعة بحيث تصبح أكثر ملاءمة لمكبرات الصوت في السيارة. و أصبح بإمكانك فعل ما فعله شخص آخر فيما بعد، وهو أن تأخذ ألف يْ نسخة من نفس الأغنية وتكوِّن ك وْرسا منها87. وحررت الناقلية الفائقة للرقمنة الموسيقى من سجنها الضيق على الأسطوانات البلاستيكية وأشرطة التسجيل المغنطيسي الرقيقة ، وأصبحت تستطيع الآن عزل أغنية من رزمتها التي تدوم أربع دقائق، وترشيحها وأرشفتها و ا عادة ترتيبها أو مزجها أو حتى العبث بها. وليس هذا لمجرد أنها مجانية، بل لأنها تحررت من القيود أيضا. إن ثمة ألف طريقة جديدة الآن للعب بتلك الألحان. و ليس عدد الن سخ هو المهم، بل عدد الطرائق التي يمكن بها تكوين روابط للن سخ، أو تداولها أو إضافة ملاحظات إليها أو تعليمها أو الدلالة عليها أو ترجمتها أو تحقيق اهتمام وسائط التواصل الأخرى بها. ل قد انتقلت القيمة من الن سخة إلى الطرائق الكثيرة لاستدعاء المنسوخ ووضع الملاحظات عليه وشخصنته وتحريره واستيقانه وعرضه ونقله والانغماس فيه. فالمهم هو كيفية تدفق ذلك العمل. والآن، ثمة أكثر من 30 خدمة بث حي للموسيقى، تفوق بنقائها ما قدمته نابستر الأصلية، وهي تقدِّم للمستمعين طيفا من طرائق اللعب بعناصر ال موسيقى الطليقة. والخدمة المفضلة منها لدي هي سبوتيفاي، لأنها تضم كثيرا من الإمكانات التي يمكن لخدمة سائلة أن تقدِّمها. و سبوتيفاي هي سحابة تحتوي على 30 ميلونقناة من الموسيقى88، ويمكنني الخوض في غمار بحرها الواسع من الموسيقى بحثا عن أكثر الأغاني غرابة مما لا يستوعبه إلا قلة من الناس. وأثناء تشغيل الأغنية، أ ضغط على زر فتظهر كلماتها على الشاشة. و سوف تصنع سبوتيفاي لي محطة إذاعة شخصية افتراضية من قطع صغيرة منتقاة من الموسيقى المفضلة لدي. ويمكنني تعديل لائحة الأغاني التي سوف تُعرض ، وذلك بتجاوز أو استبعاد الأغاني التي لا أريد سماعها مرة أخرى ، وهذه درجة من التفاعل مع الموسيقى كانت ستفاجئ المعجبين من الجيل السابق. إن ما أحب الاستماع إليه فعلا هو الموسيقى الهادئة التي يسمعها صديقي كْ ريس الذي يتعامل مع ما يكتشفه من الموسيقى بجدية أكثر مني. وأنا أحب المشاركة في قائمة أغانيه التي أستطيع الاشتراك فيها ، أي إنني أستمع عمليا إلى الموسيقى الموجودة في لائحته،
عدد الصفحات ٦٤