المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحتميات في تكنولوجيا المعلومات

غير معروف

صفحة ٣ من ١٨

33 وخاصة أن أمانالمشاة يأتي قبل أمان السائقين. إن كل شيء ذي استقلال ذاتي و يعتمد على برامج يتطلب برمجيات إرشادات أخلاقية أيضا. الدمى المذكَّاة: على غرار الحيوانات المنزلية، تلفت الدمى ذات الفراء انتباه الأطفال بشدة، وخاصة منها تلك التي تستطيع محادثتهم. ويمكن للدمى أن تكون أولى الروبوتات الشعبية فعلا. الرياضة المذكَّاة: يمكن للمُح س ات الذكية والذكاء الصنعي خلق طرائق جديدة لتحكيم وعد نقاط الألعاب الرياضية من خلا ل تعق ب وتفسير الحركات المبهمة. ويمكن استخلاص إحصائيات عالية الدقة من كل ثانية من أنشطة كل لاعب من أجل تشكيل المنتخبات الرياضية. الحياكة المذكَّاة: من يعلم؟ لكنها سوف تأتي! إن تذكية عالمنا عملية كبيرة جدا، وهي جارية الآن.  حوالي عام2002، حضرت حفلة خاصة لدى غوغل، وذلك قبل فتح الاكتتاب على أسهمها للعموم عندما كانت شركة صغيرة تهتم بالبحث في الو ب فقط. وابتدأتُ مناقشة مع لاري ب يْج، المشارك اللامع في تأسيسها. «لاري، ما زلت أستوعب ما يحصل. ثمة كثير من شركات البحث . أتقومون ببحث مجاني في الو ب. إلى أين يقودكم ذلك؟» .لقد كان عماي عن التخي ل دليلا قاطعا على أن التنبؤ صعب، خاصة بالمستقبل، لكن في دفاعي كان ذلك قبل إطلاق غوغل خطتها لمزاد الإعلانات من أجل تحقيق دخل حقيقي، وقبل مدة طويلة من استحواذها على يوتيوب أو على أي شركة كبرى أخر ى. ولم أكن المتحمس الوحيد لموقع البحث الخاص بها، والذي اعتقد أنه لن يدوم طويلا. لكن رد ب يْج التصق بي دائما: «إننا نصنع ذكاء صنعيا بالفعل». لقد فكرت بتلك المحادثة طويلا خلال بضع السنوات التالية بعد أن اشترت غوغل 13 شركة روبوتات و ذكاء صنعي أخرى إضافة إلى شركة ديبمايند. أول وهلة، قد تظن أن غوغل تعلف شركات الذكاء الصنعي لديها من أجل تحسين قدراتها في البحث في الو ب، لأن البحث يمثل 80 بالمئة من عوائدها48 . لكننيأرى أن العكس هو الصحيح. فبدلا من استعمال الذكاء الصنعي لتحسين البحث، تستعمل غوغل البحث لتحسين الذكاء الصنعي. ففي كل مرة تكتب فيها استعلاما، أو تنقر على وصلة أعطاها البحث، أو تكوِّ ن وصلة في الو ب، تقوم بتعليم ذك اء غوغل الصنعي. و عندما تكتب ’أرنب الفصح Easter Bunny ‘في حقل البحث عن صورة ، ثم تنقر على الصورة التي هي أكثر شبها بأرنب الفصح، فإنك

عدد الصفحات ٣٣

34 تعلِّم الذكاء الصنعي الشيء الذي يشبهه أرنب الفصح. إن كل استعلام، من الثلاثة مليارات استعلام 49 التييعالجها غوغل كل يوم، يُعزِّز تعليم الذكاء الصنعي، مرة تلو أخرى. و بعد 10 سنوات أخرى من التحسين المستمر لخوارزميات الذكاء الصنعي، إضافة إلى آلاف الأضعاف من البيانات ومئات الأضعاف من الموارد الحاسوبية، سوف يكون لدى غوغل ذكاء صنعيا لا نظير له. في مؤتمر عمومي ربع سنوي لمناقشة الأحوال المالية في عام 2015، قال س ندر بيتشاي 50 Sundar Pichai، المدير التنفيذي لغوغل، أن الذكاء الصنعي سوف يكون «طريقة ت حو ل جوهرية سوف نعيد ب واسطتها النظر في كل شيء نفعله.. إننا نطبقه في جميع منتجاتنا، سواء أكانت في البحث أو في يوتيوب أو غوغل بل يْ » .وأتوقع ألا يكون مُنت ج غوغل الرئيسي بحلول عام 2026 بحثا في الوب، بل ذكاء صنعيا. و هذه هي اللحظة المناسبة جدا لنكون متشككين. فطوال 60 سنة تقريبا، تنب أ علماء الذكاء الصنعي بأنه في متناول اليد، إلا أنه حتى بضع سنوات سابقة، بدا وكأنه ملتصق بالمستقبل إلى الأبد. وحتى إنه كان ثمة مصطلح لوصف هذه الحقبة من النتائج الضحلة، وحتى لوصف تمويل البحث العلمي الأشد ضحالة: شتاء الذكاء الصنعي51. فهل تغي ر شيء فعلا؟ أجل. فقد أماطت فتوحات ثلاثة أخيرة اللثام عن قدوم الذكاء الصنعي المنتظر من مدة طويلة: 1 .الحوسبةالمتوازية الرخيصة يتصف التفكير بأنه عملية متوازية بطبيعته. فمليارات العصبونات في أدمغتنا 52 تقدح في نفس الوقت لتكوين موجات متزامنة من الحوسبة. ويتطلب بناء الشبكة العصبونية الصنعية، وهي البنيان الرئيسي لبرمجيات الذكاء الصنعي، أيضا حصول عمليات كثيرة مختلفة فيها في نفس الوقت. وكل عقدة في الشبكة العصبونية تحاكي عصبونا في الدماغ تقريبا ، وتخضع إلى تفاعلات متبادلة مع العقد المجاورة لها من أجل استيعاب الإشارات التي تستقبلها. فلتمييز كلمة منطوقة، يجب أن يكون ثمة برنامج قادر على سماع كل الص و يْ تات53 المتفاعلة معا. ولتمييز صورة، يجب أن يكون قادرا على رؤية كل بكسل ضمن سياق جميع البكسلات التي تحيط به. و تتصف هاتان العمليتان بأنهما شديدتا التوازي، أي يجب إجراء عملية تمييز جميع عناصرهما في نفس الوقت. لكن حتى آونة أخيرة، لم يكن الحاسوب العادي قادرا على التعامل إلا م ع شيء واحد في الوقت الواحد. لقد بدأ ذلك بالتغي ر قبل ما يزيد على عقد من السنين، عندما اختُرع نوع جديد من الرقاقات هو وحدة معالجة البيانيات graphics processing unit GPU،وذلك من أجل استعمالها في تطبيقات ألعاب

عدد الصفحات ٣٤

35 الفيديو ذات الحاجة الكثيفة إلى المعالجة المتوازية لملايين بكسلات الصورة التي يجب حسابها عددا كبيرا من المرات في الثانية. وأُضيفت رقاقة الحوسبة المتوازية المتخصصة تلك بصفتها ملحقا إلى البطاقة الأم في الحاسوب. وعملت تلك الوحدات على نحو رائع، واستعرت شعبية ألعاب الفيديو. وبحلول عام 2005، أُنتجت وحدات ال معالجة البيانية بكميات جعلتها رخيصة إلى حد أنها أصبحت سلعة استهلاكية. وفي عام 2009، اكتشف أندروإنغ Andrew Ng مع فريق عمل لدى شركة ستانفورد أن وحدات المعالجة البيانية يمكن أن تُنفِّذ شبكات عصبونية تعمل بالتوازي 54. وفتح ذلك الاكتشاف الباب على مصراعيه لإمكانات جديدة للشبكات العصبونية التي يمكن أن تضم مئات ملايين الوصلات بين عقدها. لقد كانت المعالجات الشائعة قبلئذ تحتاج إلى عدة أسابيع لحساب جميع الحالات المتعاقبة في شبكة عصبونية مؤلفة من 100 مليون عنصر. لكن إنغ وجد أن مجموعة من وحدات المعالجة البيانية تستطيع تحقيق نفس الشيء في يوم واحد. و حاليا، تُستعمل الشبكات العصبونية التي تعمل ضمن وحدات المعالجة البيانية55 غالبا في سُحُب شركات من أمثال فيسبوك من أجل تحديد هويات أصدقائك في الصور، أو نتفليكس لتقديم توصيات موثوقة عن الموسيقى والفيديوهات للمشتركين فيها الذين يزيد عددهم على 50 مليون مشترك 2 .البيانات الكبيرة كل نوع من الذكاء يجب أن يُ عل م. فالدماغ البشري المُعد جينيا لتصنيف الأشياء يبقى بحاجة إلى رؤية عشرة أمثلة تقريبا وهو طفل قبل أن يستطيع تمييز القطة من الكلب 56. وهذا صحيحأكثر من ذلك في حالة العقول الاصطناعية. فحتى أفضل الحواسيب برمجة يجب أن يلعب ألف لعبة شطرنج 57 على الأقلقبل أن يصبح ماهرا. إلا أن أحد الفتوحات في الذكاء الصنعي يكمن في الظهور اللامعقول للبيانات المجمعة عن عالمنا التي توفر التعليم الذي يحتاج إليه الذكاء الصنعي. لقد غدت قواعد البيانات الكبيرة و وسائل التعق ب الذاتي و كوكيات الو ب و الآثار التي يتركها الجمهور في الإنترنت والمخزونات من ترابايتات المعلومات وعشرات السنين من نتائج البحث و ويكيبيديا والكون الر قمي بأسره، جميعها أساتذة لتعليم الذكاء الصنعي و جعله أذكى. ويشرح أندرو إنغ ذلك بهذه الطريقة: «يشابه الذكاء الصنعي بناء سفينة فضاء58. فأنت تحتاج إلى محرك ضخم وا لى كثير من الوقود. والمحرك الصاروخي هو خوارزميات التعل م، أما الوقود فهو المقدار الهائل من البيانات التي نستطيع إدخالها في تلك الخوارزميات ».

عدد الصفحات ٣٥

36 3 .خوارزميات أفضل اختُرعت الشبكات العصبونية الرقمية في خمس ينات القرن الماضي، إلا أنها تطلبت عقودا من جهود علماء الحاسوب لتتعل م كيف تتحك م في العلاقات الفلكية الحجم المتداخلة بين مليون، أو مئة مليون، من العصبونات. و كمن مفتاح ذلك في ترتيب الشبكات العصبونية على شكل طبقات مكدسة بعضا فوق بعض. خذ المهمة البسيطة نسبيا الخاصة بتمييز أن شيئا ما هو وجه. عندما يتبي ن أن مجموعة من البتات في الشبكة العصبونية تشير إلى شكل معين، صورة عين مثلا، تُنقل النتيجة (’عين‘) إلى مستوى آخر في الشبكة لمزيد من التجزئة والتحليل. ويمكن للمس توى التالي أن يجمع عينين معا وي رس ل تلك الكتلة ذات المغزى إلى مستوى آخر من بنية هرمية تقرنها بشكل لأنف. ويمكن أن تُجم ع ملايين من هذه العقد (كل منها يُنت ج حسابات تغذي عقد أخرى حولها) المكدسة فيما يصل إلى 15 مستوى من أجل تمييز وجه بشري. في عام 2006، أدخل ج ف هينتون59 Geoff Hinton، الذي كان حينئذ لدى جامعة تورنتو، تعديلا مفتاحيا في تلك الطريقة أسماها بـ ’التعل م العميق‘60. فقد تمك ن من الاستمثال الرياضياتي لنتائج من كل طبقة بحيث ت راك م التعل م على نحو أسرع مع الصعود إلى الأعلى ضمن كدسة الطبقات. وقد تسارعت خوارزميات التعل م العميق كثيرا ب عد بضع سنوات حينما نُقلت إلى وحدات المعالجة البيانية. إلا أن تلك الخوارزميات ليست كافية بمفردها لتوليد تفكير منطقي معقد، مع أنها مكوِّن أساسي لجميع آلات الذكاء الصنعي الحالية، ومنها آلة واتسون التي طورتها شركة IBM، و المحرك ديبمايند، وهو محرك بحث غوغل، وخوارزميات فيسبوك. و ول دت هذه العاصفة التي لا نظير لها من الحوسبة المتوازية الرخيصة ، مع البيانات الكبيرة وخوارزميات التعل م العميق هذا النجاح المفاجئ للذكاء الصنعي الذي استغرق صنعه ستين عاما. ويوحي هذا النجاح بأنه ما دامت هذه التوجهات التكنولوجية مستمرة، وليس ثمة مبرر للاعتقاد بأنها لن تستمر، فإن الذكاء الصنعي سوف يستمر بالتحس ن. وفي الواقع فإن الذكاء الصنعي المتمركز في السحابة س و ف يصبح جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية على نحو متزايد . إلا أن ذلك لن يكون بلا ثمن. فالحوسبة السحابية تعزِّز قانون العوائد المتزايدة الذي يسمى أحيانا مفعول الشبكة61،والذي ينص على أن قيمة الشبكة تزداد على نحو سريع جدا مع تزايد حجمها. فكلما كانت الشبكة أكبر، كانت أكثر جاذبية لمستعملين جُدُد، وهذا بدوره يجعلها أكبر ، ومن ثم أكثر جاذبية.. وهكذا دواليك. وتخضع السحابة التي تقدم ذكاء صنعيا إلى نفس القانون. فكلما كان

عدد الصفحات ٣٦

37 عدد الناس الذين يستعملونه أكبر، غدا أكثر ذكاء. وكلما غدا أكثر ذكاء، ازداد عدد الناس الذين يستعملونه.. وهكذا دواليك. وما إنْ تدخل شركة هذه الحلقة النشطة، فإنها تنزع نحو النمو بسرعة تجعلها تطغى على منافسيها الناشئين. ونتيجة لذلك من المرجح أن ت حكم مستقبل ذكائنا الصنعي أقلية تجارية ذات أغراض عامة مكونة من ذكائين صنعيين أو ثلاثة متمركزة في الو ب. في عام 1977،هزمت الآلة ديب بلو Deep Blue،التي طورتها شر كة IBM قبل تطويرها ل واتسون، بطل الشطرنج غاري كازباروف Garry Kasparov فياللعبة الشهيرة بين الإنسان و الآلة62. وبعد تكرار الآلة لربحها في بضع دورات لعب أخرى، انعدم اهتمام الأشخاص بالمباريات التي من هذا النوع. وقد تظن أن ذاك كان نهاية الحكاية (إنْ لم نقل نهاية التاريخ ا لبشري)، إلا أن كازباروف أدرك أنه كان بإمكانه أن يلعب على نحو أفضل في مواجهة ديب بلو لو توفرت له نفس إمكانية الوصول إلى قاعدة بيانات ضخمة لكل حركات الشطرنج السابقة على غرار ما توفر لها. فإذا كانت قاعدة البيانات تلك معقولة بالنسبة إلى الذكاء الصنعي، فلماذا لا تكون كذلك لآدمي؟ دع معلِّما بشريا يتزو د بقاعدة بيانات مثل ديب بلو. ولتحقيق هذه الفكرة، تبنى كازباروف مفهوم لعب الشخص إلى جانب الآلة بحيث يعزِّز ذكاؤها الصنعي مقدرة لاعب شطرنج البشري بدلا من منافسته 63. تشابههذه الألعاب التي توصف الآن بأنها ألعاب شطرنج حرة 64 ألعابفنون القتال المختلطة التي يستعمل فيها اللاعبون تقنيات القتال التي يريدونها أيًّا كانت. فأنت تستطيع اللعب بوصفك بشرا دون مساعدة، أو يمكنك أن تقوم بدور اليد لحاسوبك الفائق الذكاء في لعبة الشطرنج لمجرد تحريك القطع على اللوحة، أو يمكنك اللعب بوصفك ’قنطورا ‘65 نصفه آدمي ونصفه الآخر آلة ذكية، وهو كائن أي ده كازباروف. إن اللاعب القنطوري يقوم بالحركات التي تقترحها الآلة الذكية لكنه يتجا هلها أحيانا، على غرار ما نفعله مع ذكاء جهاز تحديد الموقع في سياراتنا. في بطولة المعركة الحرة في عام 2014، التي كان اللاعبون فيها أحرارا في اختيار أي نمط للعب، ربح لاعبون حاسوبيون أذكياء متخصصون بالشطرنج 42 لعبة فقط و ربح القناطير 53 لعبة66 .وأفضل لاعب شطرنج اليوم هو قنطور اسمه إنتاغراند Intagrand، وهو فريق مكون من عدة أشخاص وعدة برامج شطرنج مختلفة67. أما المفاجأة الكبرى فهي أن الذكاء الصنعي لم يُضع ف أداء لاعبي الشطرنج البشريين، بل العكس فقد أغرت برامج الشطرنج الرخيصة الفائقة الذكاء مزيدا من الناس للعب الشطرنج في مزيد من المباريات، وغدا اللاعبون أفضل مما كانوا في أي وقت مضى. ويبلغ اليوم عدد أبطال الشطرنج الكبار أكثر من ضعف عددهم عندما هزمت ديب بلو كازباروف أول مرة. وقد تدرب بطل العالم في الشطرنج اليوم، ماغنوس كارلسن Magnus Carlsen، باستعمال ذكاء صنعي، واعتُبر أكثر لاعبي الشطرنج

عدد الصفحات ٣٧

38 البشريين شبها بالحا سوب. وهو أيضا بطل أبطال العالم قاطبة68. فإذا كان الذكاء الصنعي يساعد البشر على أن يصبحوا لاعبي شطرنج أفضل، فإن من المنطقي أنه يستطيع مساعدتنا على أن نصبح طيارين وأطباء وقضاة ومعلمين أفضل. ومع ذلك فإن معظم الأعمال التجارية التي يقوم بها الذكاء الصنعي سوف تُنجز من قبل برامج غير شبيهة بالبشر. ومعظم آلات الذكاء الصنعي سوف تكون أدمغة برمجية مت خصصة تستطيع على سبيل المثال ترجمة أي لغة إلى أي لغة أخرى، لكنها لا تفعل من غير ذلك إلا القليل. قد تستطيع قيادة سيارة، لكنها لا تستطيع إجراء محادثة. أو يمكنها تذك ر كل بك سل من كل فيديو في اليوتيوب، لكنها لا تستطيع التنبؤ بمجريات عملك. و في العشر سنوات القادمة، سوف يكون 99 بالمئة من الذكاء الصنعي، الذي سوف تتعامل معه على نحو مباشر أو غير مباشر، شديد التخصص وفائق الذكاء. وفي الواقع، يمكن للذكاء القوي أن يكون مسؤولية، خاصة إذا قصدنا به إدراكنا الذاتي الفريد وما فيه من مراجعات فكرية انفعالية متكررة وتيارات عشوائية من الوعي الذاتي. إننا نريد سيارتنا الذاتية القيادة أن تركِّز اهتمامها في الطريق فقط دون أن تنشغل بمشاحنة حصلت في الكراج ، كما يفعل البشر. ويجب أن يكون الدكتور الآلي في مشافينا مهووسا بعمله دون أن يهتم بعدم نجاحه في المجال المالي. إن ما نريده بديلا للذكاء الواعي هو ذكاء صنعي. ومع تطور الذكاء الصنعي، قد يكون علينا هندسة طرائق لإبعاد الوعي عنه. وعلى الأرجح ، سوف تتضمن الدعاية لخدماتنا المزو دة بأقو ى ذكاء صنعي أنه غير واع. ليس الذكاء غير البشري أمرا تافها، بل هو المستقبل. وأهم شيء يجب أن نعرفه عن الآلات المفكرة هي أنها سوف تفكر على نحو مختلف عما نفعله. وبسبب خاصية غريبة في تاريخ تطورنا، فإننا نُبحر وكأننا النوع الوحيد الواعي ذاتيا على الأرض، وهذا ما جعلنا نؤمن بفكرة خاطئة هي أن الذكاء البشري هو ذكاء واحد. إنه ليس كذلك. إن ذكاءنا هو مجموعة من الذكاءات، وهذه المجموعة تحتل ركنا صغيرا فقط من كثير من أنواع الذكاء و الوعي الممكنة في الكون. ونحن نحب أن نصف ذكاءنا البشري بأنه ذو ’أغراض عامة ‘ لأنه مقارنة بأنواع أخرى من العقول التي قابلناها، يس تطيع حل أنواعا كثيرة من المسائل. لكن مع صنعنا للمزيد من العقول التركيبية، فإننا سوف ندرك أن التفكير البشري ليس شاملا أبدا. بل هو مجرد نوع واحد من التفكير. أما نوع التفكير الذي يقوم به الذكاء الصنعي اليوم فليس مشابها للتفكير البشري. فمع أن الآلات

عدد الصفحات ٣٨

39 الذكية تستطيع تنفيذ مهاممختلفة كنا نظن أن البشر هم وحدهم الذين يستطيعون القيام بها، ومنها لعب الشطرنج و قيادة السيارة و وصف محتوى صورة معينة، فإنها لا تقوم بها كما يقوم بها البشر. لقد أرسلت في الآونة الأخيرة 130 ألف صورة تخصني كنت قد التقط تها، وتمثل أرشيفي برمته، إلى غوغل فوتو Google Photo. ويتذكر ذكاء غوغل الصنعيجميع الأشياء الموجودة في جميع صوري طوال حياتي. وعندما أطلب إليه أن يُريني أي صور ة فيها دراجة عادية، أو جسر، أو والدتي، فإنه يعرضها فورا. ويمتلك فيسبوك مقدرة على تجنيد ذكاء صنعي يستطيع النظر إلى لوحة لأي شخص على الأرض 69 وتحديد هويته من بين نحو3 مليارات شخص في الإنترنت أما الأدمغة البشرية فلا ترتقي إلى هذه الدرجة التي تجعل تلك المقدرة الصنعية غير بشرية أبدا . فنحن سيئون جدا في التفكير الإحصائي، ولذا نصنع ذكاءات تتمتع بمهارات إحصائية جيدة جدا على نحو يجعلها لا تفكر مثلنا. فإحدى المزايا الكامنة في قيادة الذكاء الصنعي لسياراتنا هي أنه لا يقود مثل نا نحن البشر ذوي العقول السهلة الشرو د. وفي عالم فائق التواصل والاتصال، يمثل التفكير بطرائق مختلفة مصدر ا للغنى والإبداع. لكن أن تكون ذكيا فقط ليس بكاف. إن الحوافز الاقتصادية سوف تجعل الذكاء الصنعي ذا القوة الصناعية عميما، مضمنة بذلك ذكاء رخيصا في كل ما نصنع. أما المردود الأكبر فيأتي عندما نب دأ باختراع أنواع جديدة من الذكاء، وطرائق تفكير جديدة كليا، على غرار كون الآلة الحاسبة عبقرية في الحساب. لكن الحساب هو نوع واحد فقط من الذكاء. ونحن لا نعرف في الوقت الراهن ما هو التصنيف الكامل للذكاء. سوف تكون بعض سمات التفكير البشري شائعة ( بقدر شيوع التناظر الثنائي والتجزئة و الأمعاء في علم الأحياء)، لكن فضاء إمكانات العقول الممكنة سوف يحتوي على الأرجح سمات خارج نطاق ما طورناه. إنه ليس من الضروري أن يكون هذا النوع من التفكير أسرع من تفكير البشر ، أو أعظم أو أعمق منه. وفي بعض الحالات سوف يكون أبسط. إن تنوع العقول الممكنة في الكون هائل. و قد بدأنا في الآونة الأخيرة باستقصاء أنواع عقول الحيوانات الموجودة على الأرض، و اكتشفنا، مع احترام متزايد، أننا التقينا فعلا مع كثير من أنواع الذكاء الأخرى. فالحيتان والدلافين تستمر في إدهاشنا بذكائها المعقد الفاتن المختلف. و ا نه لمن الصعب أن نتخيل بدقة كيف يمكن لعقل آخر أن يكون مختلفا عن عقولنا أو متفوقا عليها. لكن إحدى الطرائق التي يمكن أن تساعدنا على تخيل ما يمكن أن تكون عليه ذكاءات أخرى عظمى ومختلفة هي أن نبدأ بوضع تصنيف لأنواع العقول. ويمكن لمصفوفة العقول هذه أن تشتمل على عقول الحيوانات وعقول الآلات، و على العقول الممكنة، وعلى وجه الخصوص العقول فوق البشرية التي خرج بها كت اب الخيال العلمي.

عدد الصفحات ٣٩

40 وأماسبب كون هذا التمرين الخيالي جديرا بالقيام به فهو أنه من غير الواضح أو الحتمي ما سوف تكون عليه صفات تلك الأنواع من الذكاء، برغم أن من المحتوم أننا سوف نُدخ ل أنواعا مختلفة منه في كل ما نصنع. إن خصائص تلك الأنواع سوف تفرض قيمتها الاقتصادية ودورها في ثقافتنا. و سوف يساعدنا تحديد الخطوط العريضة للطرائق الممكنة للآلات كي تكون أذكى منا (حتى نظريا) على توجيه هذا التقدم وا دارته. لكن بعض الأشخاص الأذكياء فعلا، ومنهم الفيزيائي النظري ستيفن هوكينغ Stephen Hawking والمخترع العبقري إلون م سْ ك Elon Musk، يخشون من أن صنع آلات فائقة الذكاء يمكن أن يكون آخر اختراعاتنا قبل أن تحل محلنا (أنا لا أرى ذلك)، ولذا فإن استقصاء الأنواع الممكنة يجب أن يكون بحكمة و حذر. تخي ل أننا هبطنا على كوكب بعيد. فكيف نقيس مستويات الذكاء التي نصادفها هناك؟ إنه لسؤال شديد الصعوبة لأنه ليس لدينا تعريف حقيقي لذكائنا بالذات، لأننا ل م نحتاج إلى ذلك التعريف حتى الآن. في العالم الواقعي، وحتى في فضاء العقول الكبيرة، المقايضات هي المهيمنة. فالعقل الواحد لا يستطيع وحده فعل كل الأشياء الفكرية على نحو جيد كليا. وسوف يكون عقل من نوع معين أفضل في فضاء معين، لكن على حساب انخفاض قدرات ه في فضاءات أخرى. فالذكاء الذي يقود شاحنة ذاتية القيادة سوف يكون من نوع مختلف عن ذاك الذي يقيِّ م منح القروض العقارية. والذكاء الصنعي الذي سوف يشخِّص مرضك سوف يكون مختلفا كليا عن الذكاء الصنعي الذي يُشرف على منزلك. والدماغ الفائق الذي يتنب أ بالطقس بدقة سوف يكون في مملكة من العقل مختلفة كليا عن الذكاء المنسوج في ملابسك. لذا يجب أن يعكس تصنيف العقو ل الطرائق المختلفة التي تُهند س بها العقول بتلك المقايضات. وقد ضم نتُ في القائمة القصيرة التالية أنواع العقول التي نعتبرها متفوقة علينا ، وحذفت آلاف الأنواع التي لها ذكاء الآلة المتوسط، ومن أمثلتها أدمغة الآلات الحاسبة، و التي سوف تُضفي الذكاء على معظم إنتر نت الأشياء. من العقول الممكنة:  عقل كالعقل البشري، لكنه أسرع في الإجابة فقط وهذا أسهل عقل ذو ذكاء صنعي يمكن تخيله).  عقل بطيء جدا يتألف بصورة رئيسية من ذاكرة خزن ضخمة  عقل فائق عام يتألف منملايين العقول الإفرادية الغبية التي تعمل متناغمة معا.  عقلجماعي مكون من كثير من العقول الذكية جدا، لكنه غير مُدر ك لكونه عقل جماعي.

عدد الصفحات ٤٠

41  عقل فائق جماعي مكون من كثير من العقول الذكية التي تُدرك جيدا أنها تشكل كينونة واحدة.  عقل مدرب ومكرس لتحسين عقلك الذاتي، لكنه عديم الفائدة للآخرين  عقل قادر على تخيل عقل أعظم، لكنه غيرقادر على صنعه.  عقل قادر على صنع عقل أعظم، لكنهلا يستطيع تخيل ذلك العقل ذاتيا.  عقل قادر على صنع عقل أعظم بنجاح مرة واحدة  عقل قادر على صنع عقل أعظم يستطيع صنع عقل أعظم.. وهكذا دواليك  عقل قادر على الوصول عمليا إلى برنامجه المصدري، ولذا يستطيع العبث على نحو متكرر بعملياته الذاتية.  عقل فائق المنطق من دون مشاعر  عقل لحل المسائل عامة، لكنه من دون أي إدراك ذاتي  عقل مُدر ك لذاته، لكنه لا يحل مسائل عامة  عقل يستغرق مدة طويلة ليتطور ويتطلب عق حاميا حتى نضوجه.  عقل شديد البطءينتشر على مساحة مادية كبير ة و يبدو ’غير مرئي ‘ للعقول السريعة.  عقل قادر على استنساخ نفسه تماما بسرعة وكثيرا من المرات  عقل قادر على استنساخ نفسه وعلى البقاء موحدا مع نسخه  عقل قادر على الخلود بالانتقال من منصة إلى أخرى  عقل ديناميكي سريع قادر على تغيير عملية الإدراك لديه وخصائصها.  عقل نانوي يمثل أصغر عقل ممكن (من حيث الحجم واستهلاك الطاقة ، وهو واع لذاته.  عقل متخصص في التنبؤ و صنع السيناريو هات.  عقل لا يمحي ولا ينسى شي ئا أبدا، ومن ذلك المعلومات الخاطئة أو الزائفة.  عقل نصف آلةو نصف حيوان متكافلان.  عقل نصف آلة ونصف إنسان(قنطوري ).  عقلكمومي الحوسبة منطقه غير مفهوم بالنسبة إلينا.  إذا كان أي من هذه العقول التخيلية ممكنا، فإنه سوفيظهر في المستقبل فيما بعد العقدين القادمين. والقصد من هذه اللائحة التخمينية هو تأكيد أن كل أنواع الإدراك تخصصية. إذ سوف تُصم م أنواع

عدد الصفحات ٤١

42 العقول الصنعية التي نصنعها الآن، والتي سوف نصنعها في القرن القادم من أجل تنفيذ مهام محددة، وخاصة المهام التي تقع عادة خارج نطاق ما نستطيع فعله. ولن تكون أكثر اختراعاتنا الميكانيكية أهمية تلك الآلات التي تفعل ما يفعله البشر على نحو أفضل، بل الآلات التي تفعل أشياء لا يستطيع البشر القيام بها. ولن تكون أهم الآلات المفكرة آلات تستطيع التفكير بما نفكر به على نحو أفضل وأسرع، بل آلات تفكر بما لا نستطيع التفكير فيه. و من أجل حل الألغاز الكبرى ذات الصلة بالجاذبية الكمومية والطاقة والمادة المظلمتين، سوف نحتاج على الأرجح إلى ذكاءات أخرى إلى جانب الذكاء البشري. وسوف تحتاج أصعب وأعقد الأسئلة التي سوف تأتي بعد تلك الأسئلة الصعبة إلى ذكاءات أكثر تعقيدا وغرابة. وبالفعل، قد نحتاج إلى اختراع ذكاءات وسيطة يمكن أن ت ساعدنا على تصميم ذكاءات أكثر براعة لا نستطيع تصميمها وحدنا. إننا بحاجة إلى طرائق نفكر بها على نحو مختلف. وكثير من الاكتشافات العلمية تتطلب اليوم مئات من العقول البشرية لحلها، لكن في المستقبل القريب يمكن أن تكون ثمة فئات من المسائل على درجة من الصعوبة تقتضي وجود مئات من أنواع العقول المختلفة لحلها. وهذا سوف يؤدي بنا إلى مجابهة ثقافية، لأنه لن يكون من السهل القبول بإجابات من ذكاء غريب. ونحن نرى ذلك التردد فعلا في الموافقة على البراهين الرياضياتية التي ت قوم بها الحواسيب. و أصبح بعض البراهين الرياضياتية عل ى درجة من التعقيد لا تستطيع التحقق من كل خطوة منها تفصيليا سوى الحواسيب، ومع ذلك فإن ه ليس ثمة إجماع بين الرياضياتيين على قبول تلك البراهين . فتلك البراهين ليست مفهومة للبشر بمفردهم ، ولذا لا بد من القبول بمساعدة بعض الخوارزميات، وهذا يتطلب مهارات جديدة في م عرفة متى يمكنك أن تثق بتلك الكائنات. و سوف يتطلب التعامل مع ذكاءات غير معهودة مهارات مشابهة ، إضافة إلى توسيع لذواتنا. وسوف يغيِّر الذكاء المضم ن فيما نصنع ه كيفية ممارستنا للعمل العلمي. سوف تسرِّع الأجهزة الذكية قياساتنا وتغيِّرها . وسوف تسرِّع المجموعات الكبيرة من البيانات الدائمة في الزمن الحقيقي من صنعنا للنماذج ومن تعديلها. و سوف تسرِّع الوثائق الذكية حقا وتعدِّل من قبولنا لمتى ’نعرف ‘ شيئا. إن الطريقة العلمية هي نهج للمعرفة، لكنها أُقيمت على طريقة معرفة البشر. وعندما نضيف نوعا جديدا من الذكاء إلى هذه الطريقة، على العلم أن يعرف ذلك وأن يتقدم وفقا لمعايير العقول الجديدة. وعندئذ، يتغير كل شيء. ويمكن للذكاء الصنعي أيضا أن يرفض ’الذكاء الغر يب‘. إننا لا نعلم علم اليقين إنْ كنا سوف نحتك بكائنات فضائية من واحد من مليارات الكواكب الشبيهة بالأرض خلال المئتي سنة القادمة، لكننا نعلم علم اليقين تقريبا أننا سوف نصنع ذكاء غريبا بحلول ذلك الوقت. وعندما نتواجه مع ذلك النوع من

عدد الصفحات ٤٢

43 الذكاء الغريب، فإننا سوف نو اجه نفس المزايا والتحديات التي نتوقعها من الكائنات الفضائية. فهم سوف يدفعوننا إلى إعادة النظر بأدوارنا واعتقاداتنا وأهدافنا وهوياتنا. ما هو الغرض من وجود البشر؟ أنا أرى أن أول جواب سوف يكون: الغرض من البشر هو اختراع أنواع جديدة من الذكاء لم يتمكن التطور الحيوي من تطويرها. و مهمتنا هي صنع آلات تفكر بطريقة مختلفة، وخلق ذكاءات غريبة. وفعلا، علينا أن نسمي تلك الذكاءات الصنعية ’الغرباء الصنعيون ‘. و سوف يفكر الذكاء الصنعي بالعلم كالغريب ، على نحو مختلف كليا عن طريقة تفكير أي عالم بشري به، و هذا ما يدفعنا نحن البشر إلى التفكير بالعلم على نحو مختلف، أو إلى التفكير بصنع المواد بطريقة مختلفة. وينسحب الشيء نفسه على الملابس ، وعلى التعاقدات المالية، وعلى أي فرع من فروع العلم أو الفن. وسوف تصبح غرابة الذكاء الصنعي أعلى قيمة من سرعته وقوته بالنسبة إلينا. و سوف يساعدنا الذكاء الصنعي على فهم أفضل لما نقصده بالذكاء في المقام الأول. لو عدنا إلى الماضي، كنا سنقول أن الذكاء الصنعي الفائق الذكاء فقط هو الذي يمكن أن يقود سيارة أو يهزم شخصا في لعبة الجيوباردي أو يميز مليار وجه. لكن بعد أن فعلت حواسيبنا كل تلك الأشياء في السنوات القليلة السابقة، اعتبرنا أن ذلك الإنجاز مجرد شيء آلي و أنه لا يستحق صفة الذكاء الحقيقي الفعلي. فنحن نسمي ذلك بـ ’تعل م الآلة‘. وكل إنجاز في الذكاء الصنعي يعيد تعريف ذلك النجاح على أنه ’ليس ذكاء صنعيا‘. لكننا لم نكن نعيد بذلك تعريف ما نقصده بعبارة الذكاء الصنعي، بل إن ما نفعله هو إعادة تعريف ما يعني أن نكون بشرا. فخلال الستين سنة الفائتة، حينما قلدت عمليات ميكانيكية سلوكيات ومواهب كنا نظن أنها تقتصر على البشر، كان علينا أن نغير فكرتنا عما يميزنا. وكلما اخترعنا مزيدا من أجناس الذكاء الصنعي، اضطررنا إلى التخلي عن مزيد مما يُفترض أنه خاص بالبشر. وسوف تكون كل خطوة من التخلي عن أشياء من قبيل كوننا الوحيدين الذين يمتلكون عقولا تلعب الشطرنج، أو تحلق بطائرة أو تؤلف موسيقى أو تخترع قوانين رياضياتية، مؤلمة ومؤسفة. إننا سوف نقضي العقود الثلاثة التالية، وربما القرن القادم برمته، في أزمة هوية مزمنة ونحن نسأل أنفسنا باستمرار عما يُجيده البشر. إذا لم نكن صن اع أدوات و فنانين و دعاة أخلاق فاضلة، فما الذي يميِّزنا ؟ إن المفارقة الكبرى هي أن الفائدة العظمى من الذكاء الصنعي العملي في الحياة اليومية لن تكون زيادة في الإنتاجية أو وفرة اقتصادية أو طريقة جديدة لممارسة العلم، مع أن كل ذلك سوف يحصل، بل تكمن في أنه سوف يساعدنا على تعريف البشرية. إننا بحاجة إلى ذكاء صنعي ليُعلِّ منا من نكون. 

عدد الصفحات ٤٣

44 إن العقول الغريبة التي سوف نكرس كل انتباهنا لها في السنوات القليلة القادمة هي تلك التي سوف نجسِّ دها و نسميها روبوتات. سوف تأتي تلك العقول بكل الأشكال والأحجام والتراكيب متج لية في أجناس متنوعة إلى حد ما. و بعضها سوف يتنقل متجولا كالحيوانات، و كثير منها سوف يكون غير متحرك كالنبات، أو منتشرا على نطاق واسع كالشعب المرجاني ة. إن الروبوتات موجودة الآن فعلا بيننا بصمت. وقريبا جدا سوف تكون الروبوتات الأذكى والأعلى صوتا حتمية. وسوف يلامس التغيير الذي تُحد ثه صميمنا. تخي ل أن سبعة من كل عشرة أمريكيين قد سُرِّحوا من عملهم غدا. فماذا سوف يعملون؟ إنه لمن الصعب أن تصدِّق أنه سوف يتبقى لديك اقتصاد، من حيث المبدأ، إذا سر حت من العمل أكثر من نصف القوى العاملة. لكن ذلك هو ما فعلته الثورة الصناعية ببطء بالقوى العاملة في أوائل القرن التاسع عشر. فقبل 200 سنة، كان70 بالمئة من العمال الأمريكيين يعملون في المزارع 70 . واليوم، ألغت الأتمتة كل وظائفهم باستثناء 1 بالمئة منها71، واستعاضت عنهم (وعن حيواناتهم العاملة معهم) بالآلات. ومع ذلك لم يقعد العمال الذين أُخ رجوا من أعمالهم جانبا، بل ول دت الأتمتة مئات ملايين الوظائف في حقول مختلفة كليا. وأولئك الذين كانوا يوما ما فلاحين، يملؤون اليوم كثيرا من المعامل التي تصنع آلات زراعية وسيارات ومنتجات صناعية أخرى. ومنذئذ، ظهرت موجة تلو أخرى من الحرف والمهن الجديدة ، ومن أمثلتها أعمال صيانة الأدوات المنزلية و الطباعة وكيميائيات الأغذية والتصوير و تصميم الو ب، وكل منها يبني على عمليات أتمتة سابقة. واليوم، يمارس معظمنا مهنا لم يكن أحد من مزارعي أوائل القرن التاسع عشر ليستطيع تخيلها. وقد يكون من الصعب أن نصدق أن 70 بالمئة من وظائف اليوم سوف تُستبدل بالأتمتة قبل نهاية هذا القرن بنفس الطريقة ، ومنها الوظيفة التي تمارسها أنت. بكلمات أخرى، الروبوتات حتمية، واستبدال الوظائف ليس سوى مسألة وقت. وتقود هذا الانقلاب موجة ثانية من الأتمتة تتمحور حول الذكاء الصنعي والمُح س ات الرخيصة وتعل م ا لآلة والذكاءات الموزعة. وسوف تلامس هذه الأتمتة الواسعة النطاق كل الأعمال، من اليدوية إلى الفكرية والمعرفية. فأولا، سوف ترسِّخ الآلات مكاسبها في صناعات سبق أن تمت أتمتتها. وبعد أن تُنهي الروبوتات الحلول محل عمال خطوط التجميع، سوف تحل محل عمال المخازن والمستودعات. فالروبوتات السريعة القادرة على حمل 75 كيلو غرام طوال اليوم سوف تنقل الصناديق وترتبها وتُحمِّلها على الشاحنات . و ثمة فعلا روبوتات من هذا النوع تعمل

عدد الصفحات ٤٤

45 في مخازن أمازون . وسوف تستمر ر وْ ب تة نقل وتحميل الفواكه والخضراوات حتى لا يبقى بشر يُ عتِّلون خارج المز ارع. وسوف تشهد الصيدليات روبوتات تحضِّر حبوبا دوائية في الخلفية بينما يهتم الصيدلاني باستشارات المرضى. وفي الواقع، توجد روبوتات صرف الحبوب الدوائية حاليا وتعمل فعلا في مستشفيات في كاليفورنيا. وهي لم تُخطئ حتى الآن بأي وصفة، وهذا ما لا يمكن قوله عن أي صيدلاني بشري. وفيما بعد، سوف تأخذ روبوتات آخر الليل على عاتقها مهام التنظيف اليدوية المقرفة في المدارس والمكاتب، مبتدئة أولا بالتنظيف السهل للأرضيات والنوافذ، لتتقدم في النهاية إلى تنظيف المراحيض. وسوف تقود الروبوتات ا لشاحنات على الطرق السريعة. وبحلول عام 2050، لن يكون معظم سائقي الشحنات بشرا. ونظرا إلى أن قيادة الشاحنات هي الوظيفة الأكثر شيوعا في الولايات المتحدة حاليا، فإن ذلك سوف يكون بمنتهى الأهمية72. وسوف تُتابع الروبوتات في نفس الوقت دخولها العمل المكتبي. وبالفعل، يوجد ذكاء صنعي في كثير من آلاتنا، لكننا لا نصنفها كذلك. فمثلا، يستطيع أحد حواسيب غوغل الحديثة كتابة تعليق دقيق على أي صورة تُعطى له 73 .خذ صورة عشوائية من الو ب، وسوف ’ينظر‘ الحاسوب إليها ويكتب عليها تعليقا ملائما. ويستطيع الاستمرار بالوصف الصحيح لما يجري في سلسلة من الصور دون كلل. ويحوِّل ذكاء صنعي متخصص بالترجمة لدى غوغل الهاتف إلى مترجم شخصي. تكلم بالإنكليزية أمام المكروفون، ف يُكرِّر ما قلته فورا بلغة صينية أو روسية أو عربية مفهومة، أو بأي من عشرات اللغات الأخرى. وجِّه برنامج الترجمة إلى مستقبل الهاتف فيُ ترجم رد مُخاط بك في الحال. ويُترجم هذا المترجم الآلي اللغة التركية إلى الهندية، والفرنسية إلى الكورية.. إلخ. ويمكنه طبعا ترجمة أي نص. و لن يفقد المترجمون الدبلوماسيون ذوو المستوى الرفيع وظائفهم إلا بعد حين . أما تنفيذ أعمال الترجمة في مجال الأعمال فسوف يصبح يوما بعد آخر أفضل بواسطة الحواسيب. وفي الواقع، سوف تستولي الروبوتات على كل الوظائف التي تتعامل مع كميات كبيرة من الأعمال الورقية، ومنها كثير في مجال الطب. وسوف يكون من الممكن أتمتة مهام الحفظ عن ظهر قلب في أي مهنة كثيفة المعلومات. وليس ثمة من مشكلة إذا كنت طبيبا أو مترجما أو محررا أو محاميا أو مهندسا أو صحفيا أو حتى مبرمجا. فالهيمنة الروبوتية سوف تكون هائلة. ونحن الآن عند نقطة انعطاف فعلا. إن لدينا تصورا ت قبْ لي ة عن الكيفية التي يجب أن يبدو عليها روبوت ذكي أو يتصرف بها ، وهذا يمكن أن يحجب عنا ما يحصل عمليا حولنا. فمطلب أن يكون الذكاء الصنعي كالذكاء البشري ينطوي على نفس المنطق الخاطئ الذي يتطلب أن يكون الطيران الصنعي كطيران الطيور، بأجنحة مرفرفة.

عدد الصفحات ٤٥

46 والروبوتات سوف تفكِّر بطريقة مختلفة أيضا. خذ مثلا باكستر Baxter، العامل الروبوتي الثوري الجديد من الشركة ريثينك روبوتيكس الذي صممه رودني بروكس Rodney Brooks، الأستاذالسابق لدى معهد مساساشوستس للتكنولوجيا الذي اخترع مكنسة التخلية رومبا Roomba الشهيرة وخليفاتها. يُعتبر باكستر مثالا مبكرا لفئة جديدة م ن الروبوتات الصناعية التي قُصد منها العمل إلى جانب البشر. لكنه لا يبدو مثيرا للإعجاب . بالطبع، يمتلك باكستر ذراعين كبيرتين قويتين وشاشة مسطحة على غرار كثيرا من الروبوتات الصناعية. وتقوم يداه بتنفيذ مهام يدوية متكررة على غرار روبوتات المصانع، لكنه يختلف عنها من نواح هامة ثلاث. أولا، بإمكانه التلفت حوله والإشارة إلى ما ينظر إليه بتحريك عينيه الموجودتين في رأسه. وهو يستطيع ملاحظة الأشخاص الموجودين بالقرب منه وتجنب إيذائهم. ويستطيع العمال رؤية إنْ كان يراهم. لم تكن الروبوتات الصناعية السابقة تستطيع فعل ذلك، وهذا يعني وجوب عزل العمال الروب وتيين عن البشر مكانيا. فالروبوتات الشائعة في المصانع اليوم محبوسة ضمن سياج سلكي أو ضمن صندوق زجاجي ، فهي خطرة جدا إذا تُركت تتجول حرة لأنها لا تعي وجود الأشياء الأخرى. ويمنع هذا العزل تلك الروبوتات من العمل في ورشات صغيرة حيث لا يكون العزل ممكنا عمليا. ومثاليا، يجب أن يكون العمال قادرين على أخذ المواد من الروبوتات وا عطائها لها ، أو على تغيير التحكم فيها يدويا طوال يوم العمل. والعزل يجعل ذلك صعبا. أما باكستر، فهو يدرك ما حوله. و هو يتصف باللباقة والتهذيب من خلال استعمال تكنولوجيا رد الفعل لاستشعار إنْ كان سوف يصطدم بشخص أو بروبوت آخر. لذا بإمكانك وضع قابسه في مقبس الكهرباء في كراجك والعمل إلى جانبه مباشرة. ثانيا، يمكن لأي شخص أن يدرِّب باكستر. و ليست هذه المهمة سريعة أو دقيقة كما في حالة الروبوتات الصناعية، لأنها تحصل على نحو أذكى. لكي تدرب باكستر، خذ بذراعيه ببساطة وحركهما وفقا لسلسلة الحركات الصحيحة، على غرار طريقة ’راقبني وأنا أفعل كذا ‘. فيتعلم باكستر الإجرائية ويكررها. ويمكن لأي عامل القيام بمهمة التدريب هذه حتى لو كان أميا. أما الروبوتات العاملة السابقة فقد تطلبت مهندسين ومبرمجين متمرس ين لكتابة ألوف الأسطر البرمجية وتنقيحها من أجل تعليمها أبسط التعديلات في مهامها. وو جب تلقيمها البرنامج جماعيا بعد إيقافها عن العمل لأن برمجتها غير ممكنة وهي في حالة عمل. لا تكمن التكلفة الحقيقية لروبوت صناعي عادي في ثمن آلاته، بل في تشغيله. و يبلغ ثمن شراء الروبوت الصناعي أكثر من مئة ألف دولار 74 عادة، لكن تكاليف برمجته وتدريبه وصيانته طوال مدة حياته يمكن أن تصل إلى أربعة أضعاف ذلك المبلغ 75 .وتتراكم التكاليف حتى تبلغ فاتورة الروبوت الصناعي خلال مدة حياته نصف مليون دولار أو أكثر.

عدد الصفحات ٤٦

47 والاختلاف الثالث هو أن باكستر رخيص. فتسعيرته التي تساوي 25 ألف دولار 76 تضعه في مستوى آخر مقارنة بفاتورة الـ 500 ألف دولار الخاصة بأسلافه. ومقارنة بباكستر، تشابه تلك الروبوتات التي تُبرمج جماعيا وهي خارج العمل الحواسيب الكبيرة بالنسبة إلى الحواسيب الشخصية. ومن المرجح الاستغناء عنها بصفتها دمى هواة تفتقر إلى سمات مفتاحية من مثل الدقة التي تقع في المجال دون الميليمتري. وعلى غرار الحواسيب الشخصية، وخلافا للحواسيب الكبيرة، يمكن للمستعمل التفاعل مع باكستر مباشرة وفورا من دون انتظار خبير، واستعماله لأغراض غير خطرة أو بسيطة. فهو رخيص بقدر يمكِّن معامل التصنيع المحدود من اقتنائه لتعليب منتجاتهم مثلا أو لطلائها وفقا لرغبات الزبائن، أو لتشغيل آلات طباعة ثلاثية الأبعاد. أو يمكنك حشد عدد من روبوتات باكستر في مصنع لصنع هواتف آيفون، على سبيل المثال. لقد اختُرع باكستر في مبنى قرميدي عمره مئة سنة ب القرب من نهر تشارلز في بوسطون. في عام 1985،كان المبنى من روائع المصانع في مركز عالم التصنيع الجديد حينئذ. وحتى إنه ول د كهرباء لنفسه. وطوال مئة سنة، غي رت المعامل الموجودة ضمن جدران المبنى العالم من حولنا. و الآن، تدفع قدرات باكستر والعدد الكبير القادم من العمال الروبوتيين المتفوقين المخترع بروكس إلى التكهن بالطريقة التي سو ف تغيِّر بها التصنيع على نحو أعظم مما فعلته الثورة السابقة. يقول بروكس وهو ينظر من خلال نافذة مكتبه في الضاحية الصناعية السابقة: «نحننفكر الآن بالتصنيع وهو يحصل في الصين. لكن مع انخفاض تكاليف الإنتاج بسبب الروبوتات، سوف تصبح تكاليف النقل أكبر كثيرا من ها، و سوف يصبح التصنيع في المناطق القريبة رخيصا ، وبذلك سوف نحصل على هذه الشبكة من المصانع المرخصة محليا ، حيث تُ صنع غالبية الأشياء ضمن حدود خمسة أميال من أماكن الحاجة إليها». قد يكون ذلك صحيحا من أجل تصنيع المُنتجات المادية، لكن كثيرا من مه ن البشر الأخرى هي مهن خدماتية. و قد طلبت إلى بروكس أن يدخل معي إلى مطعم مكدونالدز محلي وأشرت إلى الأعمال التي يمكن لروبوتاته أن تضطلع بها. فاعترض واقترح أنه قد يستغرق الأمر 30 عاما قبل أن تطبخ الروبوتات لنا. «في مطاعم الطعام السريع، أنت لا تقوم بنفس المهمة طويلا. فأن تغير الأشي اء بسرعة دائما، ولذا تحتاج إلى حلول خاصة. ونحن لا نحاول بيع حل معين، بل نصنع آلة ذات أغراض عامة يستطيع العمال الآخرو ن إعدادها للعمل بأنفسهم، وتركها تعمل إلى جانبهم» .وعندما نستطيع العمل مع الروبوتات جنبا إلى جنب، يصبح من الحتمي أن تسطو على مهامنا، و يصبح حينئذ عملنا القديم عملها، و يصبح عملنا الجديد شيئا من الصعب علينا تخيله. ولكي نفهم الكيفية التي سوف تحل بها الروبوتات محلنا، من المفيد تجزئة علاقاتنا بها إلى أربع

عدد الصفحات ٤٧

48 فئات 1. أعمال يستطيع البشر القيام بها، لكن الروبوتاتتستطيع أداءها على نحو أفضل: يستطيع البشر حياكة القماش القطني ببذل جهد كبير، أما الأنوال المؤتمتة فتصنع أميالا من القماش الممتاز مقابل مبالغ زهيدة. والمبرر الوحيد اليوم لشراء أقمشة منسوجة يدويا هو أنك تريد الحصول على العيوب التي يولدها البشر. لكن ليس ثمة إلا القليل مما يسوغ اقتناء سيارة معيوبة. فنحن لم نعُد نهتم بالأشكال غير المنتظمة في سياراتنا أثناء السير بسرعة 70 ميلا في الساعة على الطرقات السريعة ، ولذا نعتبر أنه كلما كان عدد الأشخاص الذين يغيِّرون من شكل سيارتنا الأصلي أقل، كان الأمر أفضل. وفيما يخص المهام المتكررة التي هي أكثر تعقيدا، فما زلنا نعتقد، ونحن مخطئون، بأنه لا يمكن الوثوق بالحواسيب والروبوتات. ولهذا السبب كنا بطيئين في الاعتراف بإتقانها بعض المهام الفكرية التكرارية على نحو فاق في حالات معينة إتقانها للمهام التكرارية المادية. فثمة دماغ محوسب يُعرف بالطيار الآلي يستطيع التحليق بالطائرة النفاثة بوينغ 787 دون مساعدة طوال رحلة جوية عادية فيما عدا سبع دقائق منها يقود الطائرة خلالها طيار بشري على سبيل الاحتياط77. وهذه المدة الاحتياطية في تناقص سريع. و في تسعينات القرن الماضي، حلت التقييمات الحاسوبية للقروض العقارية محل التقييمات البشرية على نطاق واسع. وانت قل كثير من عمليات تحضير الضرائب و تحليل صور الأشعة السينية وجمع الأدلة الجنائية إلى الحواسيب، وتلك مهام كان يقوم بها أفراد أذكياء ذو و رواتب عالية. و قد قب لنا بالوثوقية المطلقة للتصنيع بواسطة الروبوتات، وقريبا سوف نقبل بحقيقة أن أداء الروبوتات يمكن أن يكون أفضل في الخدمات والأعمال المعرفية أيضا. 2. أعمال لا يستطيع البشر القيام بها، خلافا للروبوتات مثال بسيط: يصعب على البشر صنع برغي نحاسي واحد من دون مساعدة، أما الآلة المؤتمتة فتستطيع إنتاج الآلاف منه بدقة في الساعة. إننا لا نستطيع صنع رقاقة حاسوبية واحدة من دون أتمتة، وتلك مهمة تتطلب درجات عالية من الدقة والتحكم والانتباه الشديد لا تمتلكها أجسادنا الحيوانية. وعلى غرار ذلك، ليس ثمة من شخص، ولا حتى من مجموعة أش خاص، مهما كانت درجة تأهيلهم، تستطيع البحث ضمن جميع صفحات الو ب في العالم للعثور على الصفحة التي تحتوي على سعر البيض في كاتماندو يوم أمس. في كل مرة تنقر نقرة على زر البحث تكون قد استخدمت روبوتا لفعل

عدد الصفحات ٤٨