المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحتميات في تكنولوجيا المعلومات

غير معروف

صفحة ٢ من ١٨

17 وفي حين أنه كان من السهل عليهم الابتسام من مشاهدة أناس يمشون أثناء نومهم في مسلسل يعرضه تلفزيون TV land، فإنهم ليسوا الوحيدين الذين عانوا من صعوبة تخيل بدائلللإدمان على مشاهدة التلفزيون . فكذلك فعلت مجلة وايرد Wired. لقدكنت محررا مشاركا في تأسيس المجلة، وحينما عاينت في الآونة الأخيرة أعداد ا منها تعود إلى أوائل تسعينات القرن العشرين ( وهي أعداد أفخر بتحريرها) تفاجأت برؤيتها تُروِّج لمستقبل ذي محتوى عالي قيمة الإنتاج، أي لـ 5000 قناةتلفزيونية دائمة العمل، و لواقع افتراضي ، مع شذرات من بتات من مكتبة الكونغرس. وفي الواقع، فقد قدمت مجلة وايرد رؤية مماثلة تقريبا لرؤية أولئك الطامحين الذين يحاولون أن يكونوا كالإنترنت في قطاعات الإذاعة والنشر والبرمجيات والسينما من أمثال شركة الإذاعة الأمريكية. ففي هذا المستقبل الرسمي، كانت الو ب من حيث الجوهر تلفزيونا ناجحا. فببضع نقرات، يمكنك اختيار أي واحدة من 5000 قناة ذات مادة ملائمة للتصفح والدراسة وال مشاهدة، وذلك عوضا عن الخمس قنوات التي كانت متوفرة في حقبة التلفزيون. و ببضع نقرات يمكنك الدخول إلى أي قناة تريدها من ’الرياضة كل الوقت ‘ حتى قناة الحياة في المياه المالحة. أما الشيء الوحيد غير الواضح فقد كان: من يبرمج كل ذلك؟ و تطلعت وايرد إلى كوكبة من شركات الإعلام الناشئة الجديدة من مثل نينتندو Nintendo و Yahoo! التي تصنع محتوى للإنترنت، لا إلى ديناصورات الإعلام القديم ة التي من مثل شركة الإذاعة الأمريكية. وكانت المشكلة أن إنتاج المحتوى كان غاليا، وأن تكلفة 5000 قناة منه أعلى بـ5000 مرة من تكلفة التلفزيون . ولم تكن ثمة شركة غنية بقدر كاف، و صناعة كبيرة بقدر كاف ، لتبني مشروع من هذا القبيل. وكانت شركات الاتصالات الكبرى، التي يُفترض أن توفر الاتصالا ت للثورة الرقمية، مشلولة بارتيابات تمويل الشبكة. و في شهر يونيو (حزيران) عام 1994،اعترف ديفيد كْ وين David Quinn من شركة الاتصالات البريطانية أمام مؤتمر لناشري البرمجيات قائ «لست متيقنا من الطريقة التي سوف تربحون بها من الإنترنت » .لقد أرعبت المبالغ الهائلة التي افتُرض أنها ضرورية لملء الشبكة بالمحتوى كثيرا من نقاد التكنولوجيا الذين كانوا قلقين جدا من أن عالم المعلوميات يمكن أن يصبح قطاعا خاصا من حيث الملكية والتشغيل. وكان الخشية من جعل الوب تجارية أقوى ما يمكن لدى المبرمجين النشطين الملتزمين الذين كانوا يبنون الوب عمليا: كت اب البرمجيات، وعشاق يونيكس والمتطوعون المتفانون في تقانة المعلومات الذين حافظوا على الشبكة المرتجلة عاملة. ورأى المديرون التكنولوجيون في عملهم شيئا نبيلا يمثل هدية للبشرية. كما رأوا في الإنترنت مجلس عموم مفتوح يجب ألا يُفس د بالجشع والتجارة. إنه لمن الصعب أن نصدق الآن أن المشاريع التجارية في الإنترنت بقيت ممنوعة حتى عام 1991 باعتبارها استعما

عدد الصفحات ١٧

18 غير مقبولإذ لم يكن ثمة بيع فيها ولا إعلانات. وفي نظر هيئة العلوم القومية الأمريكية (التي أدارت العمود الفقري للإنترنت)، مُوِّلت الإنترنت من أجل البحث، لا من أجل التجارة. وفيما يبدو اليوم سذاجة جلية، فضلت التشريعات استعمال الإنترنت من قبل الهيئات العمومية، وحظرت استعمالها بكثافة للأعمال التجارية الشخصية أو الخاصة. لقد كنت منغمسا في منتصف ثمانينات القرن العشرين في إنشاء منظومة و ل WELL، وهي شبكة قديمة تعمل بالنصوص فقط. وقد بذلنا قصارى جهودنا لوصل شبكتنا الخاصة تلك مع الإنترنت البازغة بعد أن مُنعنا جزئيا بسياسة ’الاستعمال المقبول12 ‘التي وضعتها هيئة العلوم القومية. فالشبكة و ل لم تستطع إثبات أن مستعمليها لن يمارسوا أعمالا تجارية على الإنترنت، ولذا لم يُس مح لنا بالوصل معها. وكنا عميانا عما كان يحصل فعلا. وهيمن الموقف المناوئ للتجارة في الإنترنت حتى في مكاتب مجلة وايرد. ففي عام 1994، أثناء أول اجتماع تصميمي لأول موقع لوايرد، وهو هوت وايرد HotWired، كان مبرمجونا مبتئسي ن من أن ابتكارنا الذي كنا نطبخه، وهو أول لافتة إعلانية من نوعها تعمل بالنقر عليها، سوف يُفسد الكمون الاجتماعي العظيم لهذا الحقل الجديد. لقد شعروا بأن الوب لم تكد تقف على أرجلها ب عدُ حتى طُلب منهم إفسادها بلوحات الإعلانات التجارية. لكن منع تدفق المال ضمن هذه الحضارة الموازية البازغة كان جنونا أيضا. فالمال في الفضاء الإلكتروني كان حتميا. وكان ذلك سوء التقدير للإنترنت صغيرا مقارنة بالحكاية الكبرى التي فاتتنا جميعا. لقد شرح رائد الحوسبة فانيفار بوش Vannevar Bush فكرة الوب الجوهرية منذ عام 194513، إلا أن أول شخص حاول تنفيذ المفهوم هو مفكر حر يدعى تيد ن لسون14 Ted Nelson كان قدتصور طريق ة خاصة به في عام 1965. لكنه لم يحقق سوى نجاح قليل في نقل بتاته إلى مستوى مفيد، وبقيت جهوده مغفلة إلا لمجموعة معزولة من أتباعه. و بناء على اقتراح صديق خبير بالحاسوب، اتصلت بنلسون في عام 1984،أي قبل ظهور أول موقع و ب بعشر سنوات. واجتمعنا في حانة على رصيف م عتم في سوساليتو بكاليفورنيا حيث كان يستأجر قارب ا في تلك المنطقة، ولم يكن منشغلا بشيء. وتناول دفتر ملاحظات مطوي من جيبه، فانزلقت منه قصاصات ورق طويلة ازدحم بها . و في موقف رسمي جدا بالنسبة إلى مقصف عند الساعة الرابعة عصرا أخبرني ، وقد تدلى قلم حبر جاف معلق بشريط من عنقه ، عن طريقته لتنظيم كل المعرفة البشرية. إن الخلاص كامن في بطاقات مقاس كل منها 3 × 5 إنشات، كان لديه الكثير منها. وبرغم كون ه مهذبا و وسيما وناعما، كنت بطيئا جدا في استيعاب حديثه السريع. لكنني حصلت على

عدد الصفحات ١٨

19 شيء من إشارته الرائعة إلى فكرة النص التشعبي hypertext. فقد كان متيقنا من أن كل وثيقة في العالم يجب أن تكون حاشية لوثيقة أخرى، وأن الحواسيب تستطيع جعل الوصلات بينها مرئية ودائمة. وكانت تلك فكرة جديدة في ذلك الوقت ، ولم تكن سوى البداية. وبالخربشة على بطاقات الفهرسة، رسم إشارات معقدة لإعادة ملكية حقوق التأليف إلى أصحابها، و لتعق ب الدفعات المالية أثناء قفز القراء عبر شبكات الوثائق فيما أسماه ’عالم الوثائق أو دوكوفرس 15‘. وتكلم عن ’التضمين المرجعي 16 ‘ وعن ’تعقيد العلاقات البينية17‘ وهو يصف الفوائدالطوباوية العظيمة لبنيته المضمنة التي كانت سوف تحمي العالم من الغباء18! وصدقته. وبرغم قفزه بين الأفكار، كان من الواضح لي أن العالم المترابط تشعبيا سوف يكون حتميا يوما ما. لكن عندما أنظر اليوم إلى الماضي، بعد العيش ثلاثين عاما مع الإنترنت، فإن ما يفاجئني بخصوص أصل الوب هو مقدار النقص فيها من رؤية فانيفار بوش، وحتى من عالم وثائق ت دْ نلسون، وعلى وجه الخصوص من توقعاتي الشخصية. لقد أغفلنا الحكاية الكبيرة. لم تكن شركة الإذاعة الأمريكية، ولا شركة ياهو الناشئة، هما اللتين ول دتا محتوى لـ 5000 قناة و ب. بل إن مليارات المستعملين هم الذين ول دوا المحتوى لجميع المستعملين الآخرين. و لم يكن ثمة 5000 قناة فقط، بل 500 مليون قناة ول دها الزبائن بأسرها . أما الاضطراب الذي لم تستطع شركة الإذاعة الأمريكية تخيله هو أن ’موظفي الإنترنت ‘ أولئك مك نوا الزبائن الذين كانوا غير فعالين سابقا من أن يصبحوا مولِّ دين نشطين للمحتوى . ولم تكن الثورة التي أطلقتها الو ب سوى شيء هامشي عن النصوص التشعبية والمعرفة البشرية. أما في صميمها فقد كان ثمة نوع جديد من المساهمة التي تطور ت منذئذ لتصبح ثقافة بازغة قائمة على المشاركة. و الآن، تكوِّن طرائق ’التشارك ‘ التي ول دتها الوصلات التشعبية نوعا جديدا من ا لتفكير، بشقيه البشري والآ لي، لم يوجد له نظير في أي مكان آخر على الأرض ، ولا في التاريخ. لقد أماطت الإنترنت اللثام عن تحو ل جديد. و لم نخفق في تصو ر ما يمكن أن تصير إليه الو ب فحسب، بل ما زلنا غافلين عنه حتى الآن. إننا غافلون عن المعجزة التي أثمرتها. فبعد عشرين عاما من ولادتها ، نجد أن من الصعب استيعاب مداها الهائل. فالعدد الكلي لصفحات الو ب19، ومن ضمنها تلك التي تتولد باستمرار بحسب الطلب، يفوق 60 تريليون صفحة . وهذا يكافئ 10 آلاف صفحة تقريبا لكل شخص حي. وقد تول دت هذه الثروة الهائلة برمتها خلال أقل من 8 آلاف يوم. إن تراكم المعجزات الضئيلة يمكن أن يخدرنا ويجعلنا نغفل عن قدوم المذهل. إنك تستطيع اليوم، ومن أي نافذة على الإنترنت، أن تحصل على تنو ع مدهش من الموسيقى وأفلام الفيديو، والموسوعة

عدد الصفحات ١٩

20 المتوسعة، والتنبؤات بالطقس، و ا علانات طلب المساعدة، و صور الأقمار الصنعية لأي مكان على الأرض، و آخر الأخبار من مختلف أنحاء العالم، و استمارات الضرائب، وجداول برامج التلفزيون، و خرائط الطرقات مع إرشادات السير، و أسعار البورصة في الزمن الحقيقي، و صور عن أي شيء تقريبا، و آخر نتائج الرياضة، و أماكن لشراء كل شيء، و سجلات المساهمات السياسية، و فهارس المكتبات، و كُتيِّبات استعمال الأدوات المنزلية، و تقارير آنية عن حركة المرور، و أرشيفات الصحف الرئيسية ... مع إمكان الوصول الفوري إلى كل منها . إنه لمشهد عظيم و رائع . إن بإمكانك الانتقال بنظرك من بقعة في العالم على الخريطة إلى صورة قمر صنعي ثلاثية الأبعاد بمجرد نقرة. أتتذكر الماضي؟ إنه هناك. أو استمع إلى احتجاجات وذرائع الناس اليومية ممن يغردون على تويتر أو يُرس لون مواد إلى الوب (ألا يفعل الجميع ذلك؟). إنني أشك في أن تكون لدى الملائكة رؤية للبشرية أفضل من تلك الصورة . لماذا لا يُدهشنا هذا الكمال؟ كان ملوك القدماء سيشنون حروبا من أجل امتلاك قدرات من ذلك النوع . و في الماضي، كان الأطفال الصغار هم وحدهم الذين يحلمون بأن نافذة سحرية من هذا النوع يمكن أن تكون حقيقية. لقد راجعت توقعات الحكماء من خبراء من ثمان ينات القرن العشرين، ويمكنني تأكيد أن هذه الثرو ة الهائلة من المادة المتاحة مجانا بحسب الطلب لم تكن ضمن خطة العشرين سنة لأحد. في ذلك الوقت، كان الشخص الأحمق، الذي يمكن أن يعلن بصوت عال أن اللائحة الآنفة الذكر هي رؤية لمستقبل قريب ، سوف يواجه بالدليل المضاد: ليس ثمة من المال لدى جميع شركات الاستثمار في جميع أنحاء العالم ما يكفي لتمويل إنتاج من هذا النوع. لقد كان هذا النجاح الباهر للو ب أمرا مستحيلا. لكن إذا كنا قد تعلمنا شيئا من العقود الثلاثة السابقة، فهو أن المستحيل معقول أكثر مما يبدو. ليس في خرابيش ت دْ نلسون عن التضمين المرجعي ل لنص التشعبي ما يشير إلى الفكرة الخيالية المنطوية على ظهور سوق افتراضية للأشياء المستعملة 20. وما أ م ل به نلسون هو تمكينه من نشر منظومته الرائعة المثالية للنص المتشعب في العالم الواقعي على مستوى الدكاكين الصغيرة حيث يمكن أن تذهب إلى دكان الروائع من أجل كتابة نصوصك التشعبية. لكن الو ب انفجرت لتصبح أسواقا عالمية مفتوحة من مثل eBay و Craigslist و Alibaba التي تتعامل مع عدة مليارات من عمليات البيع والشراء كل سنة، و تخدمك مباشرة وأنت في غرفة نومك. وهنا تكمن المفاجأة: يقوم المستعملون بمعظم العمل. فهم يصورون مبيعاتهم ويُفهرسون ها ويُرسلون ها إلى الوب ويسوِّقونها. وهم يحرسون

عدد الصفحات ٢٠

21 ويحمون أنفسهم. ومع أن تلك المواقع تتصل بالسلطات للقبض على مسيئي الاستعمال، فإن الطريقة الرئيسية لضمان العدل هي منظومة من التقييم الذي يقوم به المستعملون أنفسهم. إن ثلاثة مليارات من ملاحظات التقييم تستطيع فعل العجائب. إن ما أخفقنا جميعا في رؤيته هو ذلك المقدار من هذا العالم الرقمي الجديد الجريء الذي صنعه المستعملون، لا المؤسسات و الشركات الكبيرة. فمجمل المحتوى الموجود في الفي سبوك ويوتيوب وا نستغرام وتويتر لم يول د من قبل موظفي تلك المواقع، بل من قبل المشتركين فيها. و كان نشوء أمازون مفاجئا، لا لأنه أصبح ’متجرا لكل شيء ‘ (أمر ليس من الصعب تخيله)، بل لأن زبائن أمازون (أنا وأنت) هرعوا إلى كتابة مراجعات جعلت الانتقاء من عدد هائل من سلع الموقع المغمورة عمليا. واليوم، لا يوجد لدى معظم منتجي البرمجيات الرئيسيين إلا الحد الأدنى من موظفي مساعدة الزبائن ، إذ إن زبائنهم الأكثر تحمسا ينصحون الزبائن الآخرين ويساعدونهم من خلال منتديات تابعة لأولئك المنتجين في الو ب تعمل بصفتها داع ما عالي الجودة للمشترين الجدد. أما المساعدة ال كبرى التي يحصل المستعمل العادي عليها فتأتي من شركة غوغل الت ي تحوِّل الحركة والاستفسارات التي ت ولدها 90 مليار عملية بحث في الشهر21 إلى ذكاء منظم لاقتصاد جديد. و لم يكن أحد يتوقع هذا الانقلاب رأسا على عقب قبل عشرين سنة أيضا. و لم تكن ثمة ظاهرة أشد إذهالا في الو ب كالعجائب المتمثلة بفيديوهات يوتيوب وفيسبوك. فكل شيء عرفه خبراء وسائط الإعلام عن الجمهور، وقد عرفوا الكثير عنه، عز ز الاعتقاد بأن الناس لن يقوموا من أرائكهم للبدء بصنع تسلياتهم بأنفسهم. فمن المؤكد أن المستمعين كانوا جميعا ثقيلي الحركة كما نعتهم مدير شركة الإذاعة الأمريكية. وعرف الجميع أن القراءة والكتابة قد ماتتا، وأن صنع الموسيقى كثير المشاكل إذا كان بإمكانك أن تضطجع وتستمع. وكان إنتاج الفيديوهات بعيدا عن متناول الهواة بسبب التكلفة والخبرة اللازمتين . ولم تكن الأشياء التي من صنع الأفراد تحصل على نطاق واسع، أو إنْ حصلت لم تكن تلفت انتباه الجمهور، وا نْ استرعت انتباه الجمهور فإنه لا يهتم بها. لذا فإنها لصدمة كبيرة أن تشهد الظهور شبه الآني لـ 50 مليونمدو نة في بدايات القرن الحادي والعشرين، ولظهور مدو نتين كل ثانية22 .ثم بعد بضع سنوات، حصل انفجار في الفيديوهات التي من صنع المستعملين، فقد أُرسل 65000 فيديو في اليوم إلى يوتيوب23، أو300 ساعة فيديو في الدقيقة24، في عام 2015. وفي السنوات الأخيرة حصل انفجار عظيم من التنبيهات والنصائح وعناوين الأخبار. و غدا كل شخص اليوم يفعل ما يُتوق ع ألا تفعله سوى شركات الإذاعة والتلفزيون الأمريكية الكبرى فقط. وليس لهذه القنوات التي خلقها المستعملون مردود اقتصادي. فمن أي يأتي الوقت والطاقة والموارد؟

عدد الصفحات ٢١

22 من الجمهور إن مزايا التشارك تدفع الجمهور العادي إلى استثمار مقادير هائلة من الطاقة والوقت في صنع موسوعات مجانية، أو كتابة تمارين عمومية مجانية عن تغيير دولاب سيارة مثقوب ، أو فهرسة عدد المقترعين في الكونغرس ، على سبيل المثال. وكثير من محتوى الو ب يأتي على هذا المنوال. وقد وجدت دراسة قبل بضع سنوات أن 40% فقط من محتوى الو ب يُنت ج تجاريا. أما الباقي فيغذيه الشغف والشعور بالمسؤولية. و بالخروج من العصر الصناعي25، الذي كانت جودة السلع المنتجة فيه بكميات كبيرة تفوق جودة أي شيء يمكن أن تصنعه بنفسك، يُعتبر هذا الانعطاف السريع نحو مشاركة المستهلك في الإنتاج مفاجئا. لقد اعتقدنا أن الأشياء التي يصنعها الهواة بأنفسهم قد ماتت منذ مدة طويلة، منذ عهد الحصان والعربة. إلا أن الحماس لصنع الأشياء والتفاعل معها على نحو أعمق من مجرد انتقاء الخيارات هو القوة العظمى التي لم نُدركها، ولم نر ها قبل عقود من الآن، برغم أنها قائمة فعلا. وقد قلب هذا الاندفاع البدائي الظاهري نحو المشاركة الاقتصاد رأسا على عقب ، وهو يقوم الآن بثبات بتحويل كرة التشبيك الاجتماعي، المتمثلة بالجماعات الذكية و العقول الجماعية والعمل التعاوني، لتكون الحدث الرئيسي. وعندما تفتح شركة ما جزءا من قواعد بياناتها ووظائفها للمستعملين والشركات الناشئة الأخرى من خلال واجهة بر مجة التطبيقات26 العمومية، على غرار ما تفعله أمازون وغوغل وفيسبوك ومعظم المنصات الكبيرة الأخرى ، فإنها تشجع مستعمليها على المشاركة عند مستويات جديدة. وأولئك الأشخاص الذين يستفيدون من هذه الإمكانات يتحولون من زبائن للشركة إلى مطورين ومصنعين ومخبريين ومسوقين لديها. ومع التقدم المستمر لطر ائق مشاركة الزبائن والجمهور الجديدة، ضم نت الو ب نفسها في كل نشاط، و في كل مكان من العالم. وبالفعل، فإن خشية الناس من خروج الإنترنت عن الخط العام تبدو غريبة الآن. فالخوف الحقيقي الذي ظهر في عام 1990 من سيطرة الذكور على الإنترنت كان في غير محله كليا. و قد فقد الجميع فرصة المشاركة في عام 2002 في الاحتفال بنقطة التحول التي فاق عندها عدد الإناث في الإنترنت عدد الذكور أول مرة 27 .واليوم،تبلغ نسبة مواطنات الإنترنت 51%28 .وبالطبع، لم تكن الإنترنت، ولن تكون، مملكة ل ليافعين فقط. ففي عام 2014، كان عمر المستعملين الوسطي 44 سنة تقريبا 29. وما الذي يمكن أن يكون دليلا على القبول الشاملللإنترنت أفضل من اعتماد الأميشيين 30 لها؟

عدد الصفحات ٢٢

23 لقد زرت في الآونة الأخيرة بعض المزارعين من الأميش، ووجدت أنهم ما زالوا ضمن طراز حياتهم الأصلي تماما: قبعات من القش، ول حى غثة، وزوجات يرتدين قلنسوات، من دون كهرباء أو هواتف أو تلفزيون ات، مع حصان وعربة في الخارج. وهم موصومون بسمعة هم بريؤون منها عن مناوءتهم للتكنولوجيا، في حين أنهم مجرد متأخرين جدا في تبنيها. و قد أدهشني ذكرهم لمواقعهم في الو ب. وسألتهم: «مواقع و ب أميشية؟». «من أجل الإعلان عن أعمال أُس رنا فنحن نصنع مشاوي لحم في ورشتنا ». «نعم، لكن» «ونستعمل مطراف الإنترنت في المكتبة العمومية. وياهو أيضا» وعرفت حينئذ أن الاجتياح كان تاما. لقد صرنا جميعا شيئا جديدا  ولدى محاولة تصو ر هذه الو ب الهائلة بعد ثلاثة عقود من الآن، فإن أول ما نتجه إليه هو تخي لها كالو ب 2.031، وهي و بأفضل. لكن الو ب في عام 2050 لن تكون و ب أفضل،بالضبط كما لم تكن أول نسخة من الو ب تلفزيونا أفضل مع كثير من القنوات. بل سوف تكون قد صارت شيئا جديدا مختلفا عن و ب اليوم كاختلاف الو ب الأولى عن التلفزيون. وبالمعنى التقني الضيق، يمكن تعريف الو ب اليوم ب أنها مجموع كل الأشياء التي يمكنك غ وْغ لتها، أي كل الملفات التي يمكنك الوصول إليها عبر وصلات تشعبية. لكن حاليا، من غير الممكن غ وْغلة أجزاء رئيسية من العالم الرقمي. فكثير مما يحصل في فيسبوك ، أو ضمن تطبيق هاتفي، أو ضمن لعبة أو حتى ضمن فيديو، غير قابل للبحث عنه في الوقت الراهن . أما في غضون الثلاثين سنة القادمة، فإن ذلك سوف يحصل. وسوف تستمر فروع الوصلات التشعبية بالتوسع حتى تصل جميع البتات ببعضها. و سوف تكون الأحداث التي تحصل في لعبة على الهاتف قابلة للبحث عنها شأنها شأن الأخبار. وسوف تستطيع البحث عن أشياء تحصل ضمن فيديو في يوتيوب. قُلْ أنك ت ريد أن تعرف بواسطة هاتفك اللحظة الدقيقة التي تلق ت أختك فيها رسالة قبولها في الجامعة، وسوف ت و صلك الو ب إلى ذلك. وسوف يتسع ذلك ليشتمل على الأشياء المادية، المصن عة منها والطبيعية. ف رُقاقة ضئيلة مجانية تقريبا توضع ضمن المنت ج سوف تصله بالو ب وتُ كامل بياناته مع بياناتها. و سوف تصبح معظم الأشياء الموجودة في غرفتك موصولة بالو ب ، وهذا ما يمكِّنك من غ وْغلة غرفتك. أو غ وْغلة منزلك. ولدينا فعلا تلميحات إلى ذلك. فأنا أستطيع تشغيل ترموستات بيتي وآلة الموسيقى من هاتفي. وفي غضون ثلاثة عقود أخرى، سوف تتراكب بقية العالم مع تجهيزاتي. وليس مفاجئا أن تتوسع الو ب

عدد الصفحات ٢٣

24 حتى تصبح بمقاس الكرة الأرضية وسوف تتوسع الو ب في الزمن أيضا. إلا أن من اللافت أن و ب اليوم جاهلة بالماضي. إنها تستطيع تزو يدك بصور حية لميدان التحرير في مصر 32،أما الوصول إلى ذلك الميدان قبل سنة فهو مستحيل تقريبا. فرؤية نسخة سابقة من موقع و ب ليست سهلة الآن، لكن في غضون الثلاثين سنة القادمة سوف تكون لدينا مزالق زمنية تمكِّننا من رؤية أي نسخة سابقة. وعلى غرار تحس ن الاتجاهات الملاحية عبر المدينة من خلال تضمين هاتفك أنماط حركة المرور في الأيام والأسابيع والشهور السابقة، فإن و ب عام 2050 سوفتعرف سياقات الماضي. وسوف تنزلق الو ب إلى المستقبل أيضا. ومن اللحظة التي تستيقظ فيها، تبدأ الو ب بمحاولة التنب ؤ بنواياك. فنظرا إلى أن أعمالك وتصرفاتك اليومية تكون ملحوظة، تحاول الو ب استباق أفعالك وتقديم أجوبة عن أسئلة قبل أن تطرحه ا تقريبا. وسوف تزوِّدك بالملفات التي تحتاج إليها قبل الاجتماع ، وتقترح المكا ن الأمثلي لتناول الغداء مع صديق لك تبعا للطقس و لموقعك و لما أكلته هذا الأسبوع وما تناولته في المرة السابقة التي التقيت فيها بذلك الصديق، إضافة إلى أشياء كثيرة أخرى يمكن أن تختارها. و سوف تتحدث إلى الو ب. وبدلا من البحث ضمن أكداس الصور التي أرسلها أصدقاؤك إلى هاتفك، تسألها عن صورة محددة لأحدهم. فتتوق ع الو ب الصورة التي ترغب في رؤيتها، وبناء على ردة فعلك، يمكن أن تُريك المزيد ، أو تُريك شيئا أتاك من صديق مختلف. وا ذا كان اجتماعك التالي على وشك البدء، عرضت عليك الرسالتين الإلكترونيتين اللتين عليك معاينتهما. و على نحو متزايد سوف تشابه الو ب وجودا لك صلة به، بدلا من كونها مجرد مكان تسافر إليه، من مثل الفضاء الإلكتروني الشهير لثمانينات القرن العشرين. وسوف تمثل خلفية مستمرة غير مرئية حولنا مثل الكهرباء: حولنا دائما ، و متوفرة دائما ، لكن في الخفاء. وبحلول عام 2050، سوف ننظر إلى الو ب على أنها نوع من الحوار المستمر أبدا. وسوف يميط ذلك الحوار المضاف إلى حياتنا اللثام عن كثير من الإمكانات الجديدة. لكن العالم الرقمي ممتلئ اليوم فعلا بكثير من الخيارات والإمكانات، ويبدو أنه ليس ثمة من حيز فيه لأي شيء جديد حقا في بضع السنوات القادمة. هل تستطيع أن تتخيل كم كانت الأمور ستبدو رائعة لإطلاق مشروع طموح في عام 1985 عند فجر الإنترنت؟ في ذلك الوقت، كان أي اسم دوت-كوم ترغب فيه متاحا تقريبا، وكل ما كان عليك فعله هو أن تطلب الاسم الذي تريده. وكانت أسماء النطاقات الوحيدة الكلمة، والأسماء الشائعة جميعا متوفرة. ولم يكن الطلب يكلف شيئا. وبقيت تلك الفرصة الكبرى قائمة طوال سنو ات. ففي عام 1994،

عدد الصفحات ٢٤

25 لاحظ كاتب في مجلة واي رد Wired أن الاسم mcdonalds.com لم يكن محجوز ا33، وقام بتسجيله بتشجيع مني. ثم حاول، دون نجاح، إعطاءه لشركة ماكدونالد ز، إلا أن جهل الشركة بالإنترنت كان مُضحكا («دوت ماذا؟» )إلى حد أن تلك الحكاية غدت قصة مشهورة نشرناها في واي رد. لقد كانت الإنترنت جبهة عريضة مفتوحة حينئذ. وكان من السهل أن تكون الأول في أي فئة تختارها منها. وكانت لدى المستهلكين توقعات قليلة، وكانت العوائق منخفضة جدا. ابدأ بتطوير محرك بحث! كن أول من يفتتح متجرا في الإنترنت! قدِّم خدمات فيديو للهواة! طبعا، كان ذلك حينئذ. وباستذكاره، يبدو الأمر وكأن موجة من المستوطنين قد شيدت وطورت كل شيء ممكن ، تاركة أصعب الأعمال وأشقها فقط للقادمين الجدد. لكن بعد ثلاثين عاما، غدت الإنترنت مشب عة بالتطبيقات والمنصات والتجهيزات ، وبمحتوى أ كثر من كاف للفت انتباهنا طوال مليون سنة قادمة. وحتى لو تمكنت من حشر ابتكار ضئيل آخر فيها، فمن سوف يلاحظه ضمن الزحمة الهائلة التي بين أيدينا؟ أما الشيء الهام بالنسبة إلى الإنترنت فهو أنه لم يحصل أي شيء حتى الآن! فالإنترنت ما زالت في بدايتها، وفي حالة تحو ل فقط. لكن لو استطعنا تسلق آلة الزمن والسفر 30 سنةعبر المستقبل، والنظر من تلك النافذة إلى الوقت الراهن ، لوجدنا أن معظم أروع المنتجات التي تهيمن على حياة الناس في عام 2050 لم تُخترع حتى ما بعد عام 2016 [هذا الكتاب. وسوف ينظر الناس في المستقبل إلى تجهيزاتهم الهولوغرافية وعدسات ال واقع الافتراضي اللاصقة وأيقونات الألعاب القابلة للتحميل وا نترفاسات الذكاء الصنعي التي لديهم ويقولون «أجل، لم تكن لديكم حينئذ إنترنت حقيقية »، أو مهما كان اسمها لديهم. وسوف يكونون على صو اب، لأن أعظم أشياء الإنترنت التي تعود إلى النصف الأول من هذا القرن من منظورنا الحالي ما زالت بانتظارنا . فكل تلك الاختراعات الإعجازية تنتظر ذلك المجنون الثاقب النظر، الذي يقول أن أحدا لم يُخبره أن ذلك كان مستحيلا ، للبدء بجني الثمار المتدلية المكافئة لأسماء الدوت كوم في عام 1984. والشيء الهام الآخر هو أن كبار السن في عام 2050 سوف يقولون لك: هلتستطيع أن تتصور كم كان الأمر سيبدو رائعا لو كنت مخترعا في عام 2016؟ لقد كانت ثمة جبهة واسعة مفتوحة! كان بإمكانك أن تضع يدك على أي شيء تقريبا وتضيف إليه بعض الذكاء الصنعي وتضعه في الإنترنت. وكانت بضع تجهيزات فقط هي التي تحتوي على أكثر من محس واحد أو اثنين، خلافا لتلك التي تحتوي على المئات اليوم. و كانت التوقعات والعوائق قليلة. وكان من السهل أن تكون الأول. ثم يتنهدون

عدد الصفحات ٢٥

26 قائلين«إننا نتمنى أن نعرف كم كانت الأشاء ممكنة حينئذ!». لذا فإن الحقيقة هي: الآن واليوم، من عام 2016، هو أفضل وقت للبدء. لميكن ثمة يوم قط في تاريخ العالم بأسره أفضل من هذا اليوم لاختراع شيء. ولم يكن ثمة وقت أفضل قط من حيث المزيد من الفرص والأبواب المفتوحة والعوائق المنخفضة و نسب النجاح إلى الفشل العالية والعوائد الجيدة والإيجابيات الكبيرة مما هو متوفر الآن. الآن وفي هذه الدقيقة. إن هذه اللحظة هي التي سوف ينظر إليها الناس في المستقبل ويقولون «لو كنا أحياء حينئذ لكنا سعداء». لقد ول دت الثلاثون سنة الفائتة نقطة بداية عظيمة، وهي منصة صلبة لبناء أشياء عظيمة حقا. إ أن ما سيأتي سوف يكون مختلفا واستثنائيا و بعيدا. والأشياء التي سوف نصنعها سوف تصير باستمرار وبلا هوادة أشياء أخرى. أما أجمل الأشياء فلم تُخترع بعد. إن اليوم هو جبهة عريضة مفتوحة حقا. وهو أفضل وقت في تاريخ البشرية للابتداء. لم يفتك الوقت، فأنت لست متأخرا.

عدد الصفحات ٢٦

27 2 التذكية34 Cognifying من الصعب تخي ل أي شيء يمكن أن ’يغيِّ ر كل شيء‘ بالقدر الذي يفعله ذكاء صنعي35 رخيص قوي واسع الانتشار. بداية، ليس ثمة من شيء هام بقدر أهمية جعل شيء غبي ذكيا. فحتى المقدار الضئيل جدا من الذكاء المفيد، الذي يُضم ن في عملية جارية، يمكن أن يرفع كفاءتها إلى مستوى آخر كليا. والفوائد المكتسبة من تذكية الأشياء الخاملة يمكن أن تكون أشد تغييرا لحياتنا بمئات المرات من التحولات التي حققتها الثورة الصناعية. مثاليا، يجب أن يكون هذا الذكاء الإضافي ليس رخيص ا فحسب، بل يجب أن يكون مجانيا. فالذكاء الصنعي المجاني، على غرار رخصة كريئيتيف كومونز 36 المجانية في الوب، يمكن أن يغذي التجارة والعلم على نحو لا تستطيع فعله أي قوة أخرى يمكن تخي لها، وأن يغطي نفقاته ذاتيا و آنيا. وحتى آونة أخيرة، كانت الفكرة الشائعة تقول أن الحواسيب الفائقة سوف تكون أول من يستضيف هذا ا لعقل الصنعي، ثم ربما يمكننا حينئذ اقتناء عقول صغيرة في بيوتنا، وبعدئذ بقليل يمكن أن نضيف نماذج مستهلكين إلى رؤوس روبوتاتنا الشخصية. ويمكن لكل ذكاء صنعي أن يكون كينونة لها حدودها الخاصة بها. ويمكن أن نعرف أين تنتهي أفكارنا وأين تبدأ أفكارها. لكن أول ذكاء صنعي حقيقي لن يول د في حاسوب فائق مستقل قائم بذاته، بل في الكائن الفائق المكو ن من مليارات الرقاقات الحاسوبية والمعروف بالإ نترنت . وسوف يكون كوكبيا بأبعاده، ورقيقا ومضم نا ومتشابكا على نحو مرن. وسوف يكون من الصعب القول أين تبدأ أفكاره وأين تنتهي أفكارنا . وكل أداة تلامس هذا الذكاء الصنعي المتشابك سوف تشارك وتسهم في ذكائه. أما الذكاء الصنعي المنعزل عن الشبكة فلا يستطيع التعلم بنفس السرعة ، أو بسرعة تعل م ذاك المتصل مع سبعة مليارات عقل بشري، إضافة إ لى مليارات المليارات من الترانز ستورات وبتات بيانات الحياة الو اقعية وحلقات التصحيح الذاتي لأخطاء الحضارة المتصلة بأسرها بالإنترنت. وبذلك سوف تتذك ى الإنترنت لتصبح شيئا يغدو أفضل باستمرار على نحو غير مألوف. ومن المرجح أن تُعتبر العقول التركيبية المنعزلة معاقة، وذلك ثمن قد يجب دفعه من أجل تحقيق ذكاء صنعي نق ال في الأماكن النائية. وعندما يأتي هذا الذكاء الصنعي البازغ، فإن شيوعه نفسه سوف يخفيه. إذ سوف نستعمل ذلك الذكاء المتنامي في جميع أنواع المهام التي يقوم بها البشر، لكنه سوف يبقى غير مرئي و من دون خصائص أو هوية ملحوظة. وسوف نكون قادرين على الوصول إلى ذلك الذكاء الموزع بملايين الطرائق من خلال أي شاشة رقمية في أي مكان في العالم، ولذا سوف يكون من ا لصعب تحديد مكان معين له.

عدد الصفحات ٢٧

28 ونظرا إلى كونه تركيب ا من الذكاء البشري (كل المعرفة البشرية السابقة والحالية الموجودة في الإنترنت)، سوف يكون من الصعب وصف ماهيته بدقة أيضا. هل هو ذاكرتنا ، أم هو اتفاق عليه إجماع؟ هل نحن نبحث فيه، أم هو يبحث فينا؟ إن قدوم التفكير الصنعي يسرِّع جميع التحولات التي أصفها في هذا الكتاب. فهو القوة الكامنة في مستقبلنا. ويمكننا القول بثقة أن التذكية حتمية لأنها موجودة فعلا.  قبل سنتين ذهبت راجلا إلى مخابر بحوث الشركة IBM في حراج مرتفعات يوركتاون بنيويورك من أجل الحصول على فكرة أولية عن هذا القدوم السريع المنتظر منذ مدة طويلة للذكاء الصنعي. و كانت تلك المخابر هي بيت واتسون37،الآلة العبقري ة الإلكترونية التي سيطرت على اللعبة جابرد ي38 في عام 2011. وما زالت الآلة واتسون الأصلية موجودة هناك، وهي بحجم غرفة نوم ، مع عشرة حواسيب منتصبة كالبرادات على شكل أربعة جدران. وتسمح الفرجة الداخلية الصغيرة بينها للتقنيين بالوصول إلى غابة الأسلاك والكبال الموجودة في جوانب الحواسيب الخلفية. وكانت الحجرة دافئة كما لو كانت تلك المجموعة حية. أما واتسون اليوم فهي شديدة الاختلاف. فهي لم ت عُد موجودة ضمن جدران خزائن فقط، بل انتشرت عبر سحابة من المخدمات القائمة على مقاي س مفتوحة للعموم و تنفِّذ عدة ’أمثلة‘ من الذكاء الصنعي في نفس الوقت39. وعلى غرار كل الأشياء في السحابة، تقد م خدمة واتسون في نفس الوقت إلى جميع الزبائن في العالم الذين يستطيعون الولوج إليها باستعمال هواتفهم وحواسيبهم ومخدِّ مات بياناتهم. ويمكن تغيير حجم هذا النوع من الذكاء الصنعي صعودا ونزولا بحسب الطلب. ونظرا إلى أنه يتحسن مع استعمال الناس له، فإنه يصبح أذكى دائما. فكل شيء يتعلمه من مسألة ما يمكن أن يُنقل بسرعة إلى الآخرين. وعوضا عن أن يكون مكو نا من برنامج وحيد، فإنه يتألف من تجم ع كبير من المحركات البرمجية المتنوعة، ويمكن لمحرك الاستنتاج المنطقي ومحرك الإعراب اللغوي فيه أن يعملا ببرمجيات متنوعة تُنفِّذها رقاقات مختلفة في مواقع مختلفة، وجميعها مُتكامل على نحو أنيق متناسق ضمن تيار موحد من الذكاء. ويمكن للمستهلكين أن ينهلوا مباشرة من ذلك الذكاء المتاح دائما، ومن خلال تطبيق لطرف ثالث أيضا يستغل طاقة سحابة الذكاء الصنعي تلك. وعلى غرار كثير من آباء العقل النيِّر، تريد شركة

عدد الصفحات ٢٨

29 IBM أن تمارس مهنة الطب أيضا، ولذا يجب ألا يتفاجأ أحد من أن التطبيق الرئيسي الذي في قيد التطوير لديها هو أداة للتشخيص الطبي. لقد مث لت جميع المحاولات السابقة لتحقيق ذكاء صنعي للتشخيص الطبي إخفاقات مؤسفة، أما واتسون فقد نجحت فعلا. إذ عندما أعطيتها بالإنكليزية أعراض مرض أصبت به مرة في الهند، أعطتني لائحة من الفرضيات مرتبة بحسب أر جحياتها. وأعلنت أن أعلى الأسباب أرجحية هي الجيارديات 40، وهو جواب صحيح. لكن هذه الخدمة ليست متوفرة للمرضى مباشرة ب عْد، بل تقدم IBM ذكاء واتسون الطبي إلى شركاء من مثل مجموعة التجارة الصيدلانية CVS لتساعدها على تطوير نصائح صحية مشخصنة لذوي الأمراض المزمنة بناء على البيانات التي تجمعها. «أعتقد أن شيئا من قبيل واتسون سوفيكون قريبا أفضل مشخِّص طبي في العالم، أكان المشخصون بشرا أم آلات 41»، يقول ألان غرين Alan Greene كبير الموظفين الطبيين لدى سكاندو Scanadu، وهي شركة ناشئة تصنع جهاز تشخيص طبي من وحي مسلسل درب النجوم ويعمل بذكاء صنعي طبي. «بهذه الوتيرة التي تتحسن بها تكنولوجيا الذكاء الصنعي، لن يحتاج الطفل الذي يولد اليوم، وبحلول الوقت الذي يبلغ فيه سن الرشد، إلى مراجعة طبيب إلا نادرا من أجل إجراء معاينة وتشخيص طبيين». والطب هو مجرد بداية فكل شركات الإنترنت الرئيسية، إضافة إلى عشرات الشركات الناشئة، تشهد سباقا جنونيا لإطلاق خدمة ذكاء صنعي من مثل واتسون. ووفقا لتقدير ات شركة التحليل كويد ، جذب الذكاء الصنعي استثمارات تزيد على 18 مليار دولار منذ عام 200942. وفي عام2014 وحده، استُثمر أكثر من ملياري دولار في 322 شركة في تكنولوجيات مشابهة للذكاء الصنعي. وجن دت الشرك تان فيسبوك وغوغل ونظير تاهما الصينيتان ت نْسنت وب يدو باحثين للانضمام إلى فرق بحوث الذكاء الصنعي لديها43 .واشترت الشركات ياهو وا نتل ودروبوكس ولينكدإن وبينترست وتويتر جميعا شركات ذكاء صنعي منذ عام 201444. وازداد الاستثمار الخاص في قطاع الذكاء الصنعي بـ 70% في السنة وسطيا خلال الأربع سنوات الفائتة 45، وتلك نسبة يُتوقع أن تستمر و ا حدى شركات الذكاء الصنعي ال مبكر التي اشترتها غوغل هي الشركة ديبمايند الموجودة في لندن. وفي عام 2015، نشرباحثون لديها مقالة في مجلة نيتشر Nature تصف كيف علموا آلة ذكية أن تتعلم لعب ألعاب فيديو ية46 تعود حقبة ثمانينات القرن الماضي، ومنها لعبة البينبول Pinball الفيديوية. لم يعلِّموها كيف تلعب اللعبة، بل كيف تتعلم لعبها، والبون شاسع بين الحالتين. فببساطة، تركوا آلة ذكية طليقة في الو ب في لعبة أتاري من مثل بريكآوت Breakout، وهي نسخة معدلة منبونغ Pong، فتعلمت وحدها كيف تستمر بزيادة مجموع نقاطه ا. والفيديو الذي يُري تقدم ذلك ال ذكاء الصنعي مذهل.

عدد الصفحات ٢٩

30 في البداية تلعب الآلة الذكية عشوائيا تقريبا، ثم يتحسن أداؤها تدريجيا. وبعد نصف ساعة، تُخطئ مرة واحدة كل أربع محاولات. وفي اللعبة رقم 300، بعد ساعة، لم تُخطئأبدا. واستمرت في التعل م بسرعة بحيث أنها في الساعة الثانية اكتشفت ثغرة في لعبة بريكآوت لم يكتشفها ملايين الأشخاص الذين لعبوا اللعبة سابقا. وسمح لها هذا الكشف بالربح من خلال الالتفاف حول جدار بطريقة حتى صانع اللعبة لم يتصو رها. وبع د عدة ساعات من بداية أول لعبة، ومن دون إشراف تمكنت الخوارزمية، المسماة بخوارزمية تعل م الآلة العميق المعز ز deep reinforcement machine learning، من هزم أشخاص في نصف الـ 49 لعبة أتاري الفيديوية التي سيطروا عليها. إن الآلات الذكية التي من مثل تلك الآلة تغدو أذكى كل شهر، خلافا للاعبين البشريين. و في خضم هذه الأنشطة، بدأت صورة لمستقبل الذكاء ال صنعي بالانجلاء، لكنها ليست صورة الآلة HAL 9000، وهي آلةمستقلة أُضفي عليها وعي فاتن (وربما مجرم ) كالوعي البشري ، كما أنها ليست آلة واعية ذات مشاعر وأحاسيس وتتمتع بنشوة الذكاء الفائق الفريد. بل إن الذكاء الصنعي الذي في الأفق يبدو أشبه بخدمات أمازون في الو ب من حيث كونه رقمي و رخيص وموثوق ومن الدرجة الصناعية، و يعمل وراء كل شيء، إضافة إلى كونه غير مرئي ة تقريبا إلا عندما يأخذ بالوميض. وسوف توفر لك هذه الوسيلة العمومية القدر الذي تريده من الذكاء، لكن ليس أكثر مما تحتاج إليه. فببساطة، سوف تستطيع وضع قابس في الإنترنت للحصول على ذكاء صنعي كما لو كان كهرباء. وسوف ي بعث ذلك الذكاء الصنعي الحياة في الأشياء الخاملة كما فعلتْ الكهر باء قبل أكثر من قرن من السنين. قبل ثلاثة أجيال، غدا كثير من الحرفيين أغنياء بأخذ أداة وجعلها كهربائية. خذ مضخة يدوية، واجعلها كهربائية. خذ غسالة ذات عص ارة ثياب يدوية، واجعلها كهربائية. لم يكن على أولئك الطليعيين أن يولِّدوا كهرباء، بل اشتروها من الشبكة العامة واستعملوها لأتمتة أدوات كانت في السابق يدوية. والآن، سوف نُضفي ذكاء على كل شيء جعلناه كهربائيا سابقا. وليس ثمة شيء يمكن أن يخطر على بالنا لا يمكن جعله جديدا أو مختلفا أو أعلى قيمة بحقنه ببعض الذكاء الإضافي. وفي الواقع، من السهل الآن التنبؤ بخطط لعمل عشرات ألوف الشركات الناشئة القادمة: خذ شيئا ما وأضف إليه ذكاء صنعيا. ج دْ شيئا يمكن جعله أفضل بإضافة ذكاء إليه من الإنترنت. يكمن أحد الأمثلة الجيدة للمفعول السحري لإضفاء ذكاء صنعي على شيء ما في التصوير. في سبعينات القرن الماضي كنت رحالة أتجول هنا وهناك حاملا حقيبة ثقيلة ممتلئة بتجهيزات التصوير. فإضافة إلى حقيبة ظهر تحتوي على 500 لفافة فلم، كنت أحمل كمرتين طراز نيكون من النحاس الأصفر، مع مصباح فلاش وخمس عدسات زجاجية ثقيلة وزن كل منها نحو نصف كيلوغرام. و كان

عدد الصفحات ٣٠

31 التصوير يحتاج إلى عدسات كبيرة لالتقاط صور في ظروف الإضاءة الضعيفة، وا لى كمرات محكمة الإغلاق ضوئيا مع آليات ميكانيكية معقدة من أجل تبئير الضوء جيدا وقياسه خلال بضعة أجزاء من الألف من الثانية. فماذا حصل منذئذ؟ لقد غدت كمرتي الحالية من طراز نيكون تلتقط الصور بسهولة، و هي لا تزن شيئا تقريبا ، و تصور في ظروف انعدام الضوء تقريبا، ويمكنها تغيير التبئير من أنفي حتى اللانهاية. وحتى إن الكمرة الموجودة في هاتفي أصغر منها، و هي متاحة لي دائما وقادرة على التقاط صور جودتها كجودة صور كمرتي القديمة الثقيلة. لقد غدت الكمرات الجديدة أصغر وأسرع وأهدأ وأرخص ، ليس بسبب التطورات في تصغير الحجم فقط، بل لأنه استُعيض عن كثير من وظائف الكمرة بالذكاء. فقد أصبحت جميع وظائف التصوير ذكية. و أُ لغيت من كمرات الهاتف الحالية طبقات الزجاج الثقيل، وذلك باستبدالها بخوارزميات وحوسبة وذكاء تقوم بالوظيفة التي كانت تلك العدسات الزجاجية تقوم بها. واستُعمل ذكاء غير ملموس لاستبدال المغلاق الميكانيكي. واستُعيض عن الحجرة المظلمة والفلم نفسه بكثير من الحسابات وذكاء البصريات. وحتى إن ثمة تصاميم لكمرات مسطحة تسطيحا تاما من دون عدسة. وبدلا من الزجاج، يُ ستعمل في مُح س الكمر ة الضوئي التام التسطح مقادير هائلة من الذكاء الحاسوبي لحساب صورة من أشعة الضوء المختلفة التي تسقط على المُح س غير المبأ ر. لقد أحدثت تذكية التصوير ثورة فيه لأن الذكاء يمكِّن الكمرات من التسلل إلى أي شيء (إلى إطار نظارة شمسية، و ا لى لون على رداء ، و ا لى قلم) وفعل أشياء كثيرة، منها حساب الصور الثلاثية الأبعاد والعالية الوضوح وكثير من الخيارات الأخرى التي كانت سابقا تتطلب مئة ألف دولار وشاحنة ممتلئة بالتجهيزات لتحقيقها. أما الآن، فقد أصبح التصوير المذك ى شيئا تستطيع أي أداة تنفيذه لكونه مهمة بسيطة. وثمة تغي ر آخر وشيك الحصول في كل الأشياء الأخرى. خذ الكيمياء مثلا، وهي مجال مادي آخر يحتاج إلى مختبرات ممتلئة بزجاجيات وقوارير للمحاليل الكيميائية: ما الشيء الذي يمكن أن يكون أكثر مادية من ذرات متنقلة؟ بإضافة ذكاء صنعي إلى الكيمياء، يستطيع العلماء إجراء تجار ب كيميائية افتراضية. ويستطيعون القيام ببحث ذكي عبر عدد فلكي من التراكيب الكيميائية من أجل تقليصها إلى بضعة مركبات واعدة جديرة بالاستقصاء في المختبر. ويمكن للشيء الذي يُضاف إليه الذكاء الصنعي أن يكون بسيطا تكنولوجيا، ومن أمثلته تصميم فناءات المباني الداخلية. أض ف ذكاء صنعيا إلى منظومة متوافقة مع مستويات من اهتمامات الزبائن أثناء سيرهم عبر محاكيات للفناءات الداخلية، حيث تُغي ر تفاصيل التصميم وتُعد ل بواسطة ذكاء صنعي يقوم على تحديد الأشكال بناء على استجابة الزبائن، ثم يُعاد إدخالها في تصاميم جديدة من أجل مزيد من الاختبارات. ومن خلال عمليات اختبار

عدد الصفحات ٣١

32 متكررة، تنبثق من الذكاء الصنعي تصاميم شخصية مستمثلة. ويمكنك أيضا تطبيق الذكاء الصنعي في مجال القانون باستعماله لإماطة اللثام عن دليل ضمن جبال من الأوراق ، ومن ث م كشف التناقضات بين الدعاوى واقتراح خطوط الحجج القانونية. إن قائمة الأشياء التي يمكن إقحام الذكاء الصنعي فيها بلا نهاية. وكلما كانت تذكية المجال أقل احتمالا، كانت فعالية الذكاء الصنعي فيه أقوى. استثمارات مُذك اة؟ إنها حاصلة فعلا لدى شركات من مثل ب ت رمنت أو ويلثفرانت 47 .فهما تضيفان ذكاء صنعيا إلى مؤشرات أسواق المال من أجل استمثال استراتيجيات الضرائب و حسابات الموازنات التجارية. وهذه أمثلة لأشياء يقوم بها المديرون الماليون مرة واحدة في السنة عادة، في حين أن الذكاء الصنعي يمكن أن يقوم بها كل يوم، أو كل ساعة. وهاك مجالات أخرى ما زالت تذكيتها منخفضة الاحتمال تنتظر تحسينها بالذكاء الصنعي: الموسيقى المذكَّاة: يمكن تأليف الموسيقى في الزمن الحقيقي بواسطة خوارزميات واستعمالها كخلفية صوتية لألعاب الفيديو أو العالم الافتراضي. تبعا لتصرفاتك، تتغير الموسيقى. و من الممكن كتابة مئات الساعات من الموسيقى الشخصية الجديدة لكل لاعب بواسطة الذكاء الصنعي. الغسيل المذكَّى: ملابس تستطيع إعلام الغسالة عن الطريقة التي تريد أن تُغسل بها. ويمكن لدورة الغسيل أن تضبط نفسها تبعا لكمية الملابس الذكية و وفقا لما تحدده تلك الملابس. التسويق المُذكَّى: يمكن لمقدار الانتباه الذي يوليه القارئ أو المشاهد للإعلانات أن يُ ضاع ف بمقدار تأثيرها الاجتماعي (كم عدد الناس الذين أخذوا بها ، وما هو مقدار تأثيرها فيهم) من أجل استمثال الانتباه لكل دولار. وفعل ذلك على مستوى الملايين هو من مهام الذكاء الصنعي. سوق العقارات المذكَّ ى: يمكن للمطابقة بين الشاري و البائع بواسطة الذكاء الصنعي أن تعزِّز مثلا فكرة أن ’المستأجرين الذين أُعجبوا بهذا المنزل يمكن أن يُعجبوا أيضا بـ..‘. ويمكن أن يولِّد بعدئذ رزمة التمويل التي عملت تبعا لظروفك. التمريض المذكَّى: يمكن للمرضى المزودين بمُح س ات تتعقب مؤشراتهم الحيوية طوال النهار والليل أن يحققوا معالجة مشخصنة جدا تُضبط وتُنق ح على أساس يومي. البناء المذكَّى: تخي ل برمجيات إدارة مشروع ذكية بقدر كاف لتأخذ في الحسبان التنبؤات بالطقس وتأخيرات الحركة في الميناء ومعدلات صرف العملات والحوادث، إضافة إلى تغييرات التصميم. الأخلاقيات المذكَّاة: يجب تعليم السيارات الروبوتية أفضليات حق المرور و تزويدها بإرشادات السلوك،

عدد الصفحات ٣٢