المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحتميات في تكنولوجيا المعلومات

غير معروف

صفحة ١ من ١٨

1 الحتميات في تكنولوجيا المعلومات كيفين كيلي ترجمة حاتم النجدي

عدد الصفحات ١

2 2016 by Kevin Kelly حاتم النجدي2017

عدد الصفحات ٢

3 مقدمة عندما كنت صبيا في الثالثة عشرة من عمري، ذهبت مع والدي لزيارة معرض ت جاري في مدينة أتلانتيك بنيوجرسي. كان ذلك في عام 1965، وكان أبيمندهشا من تلك الآلات الضخمة التي بحجم الغرفة والتي صنع تها أذكى الشركات في أمريكا، ومنها شركة IBM. فقد كان مؤمنا بالتقدم، ومث لت تلك الحواسيب الأولى لمحات من المستقبل الذي تخي له. أما أنا، فلم يلفت نظري شيء ، شأني شأن جميع اليافعين. فالحواسيب التي ملأت صالة المعرض الواسعة كانت مملة بالنسبة إلي. ولم يكن ثمة شيء أراه سوى مساحات شاسعة تحتلها خزائن معدنية مستطيلة راكدة . ولم تكن هناك شاشات وامضة، ولا حتى أجهزة صوتية. والشيء الوحيد الذي كانت تلك الحواسيب تستطيع فعله هو طباعة أسطر، واحد تلو آخر، من الأرقام الرمادية على ورق قابل للطي. لقد كنت أعرف الكثير عن الحواسيب من قراءاتي ال شرهة لروايات الخيال العلمي، لكنها لم تكن حواسيب حقيقية. و في عام 1981، وضعت يدي على حاسوب أبِّلApple II في مخبر علمي في جامعة جورجيا حيث كنت أعمل. وبرغم أنه كان مزودا بشاشة خضراء وسوداء صغيرة يمكن أن تُظه ر نصا، فإنها لم تثر اهتمامي أيضا. كانت طباعتها أفضل من طباعة الآلة الكاتبة، وكانت بارعة في رسم الأرقام وتعق ب البيانات، لكنها لم تكن حاسوبا حقيقيا. ولم تغيِّر من حياتي شيئا. إلا أن آرائي اختلفت كليا بعد بضعة شهور عندما ربطت نفس الحاسوب أبِّل II مع خط هاتفي عبر مودم. ففجأة، أصبح كل شيء مختلفا. لقد انبثق أمامي كون من الطرف الآخر من مقبس الهاتف، شيء هائل، لامتناه تقريبا. فقد كانت ثمة لوحات أخبار ومؤتمرات تجريبية من بُعْد، و ذلك المكان المسمى بالإنترنت. وفتح تْ البوابة عبر خط الهاتف شيئا واسعا أمام ناظر يْ ، لكنه كان من مقاس البشر أيضا. وبدا لي ذلك الشيء حيا وأسطوريا. ف قد ربط الناس شخصيا مع الآلات، وشعرت بحياتي تقفز إلى مستوى آخر. باستذكار الماضي، أعتقد أن عصر الحاسوب لم يبدأ فعلا حتى تلك اللحظة عندما اندمج الحاسو ب مع الهاتف. فالحواسيب المستقلة لم تكن ملائمة. و لم تبدأ جميع مزايا الحوسبة الطويلة الأمد بالظهور حتى أوائل ثمانينات القرن العشرين، عندما تزاوجت الحواسيب مع الهواتف وانصهرت ضمن مولود هجين منيع.

عدد الصفحات ٣

4 وخلال ثلاثة العقود التالية، ازداد هذا التقارب التكنولوجي بين الاتصالات والحوسبة ، وتسارع وازدهر وتطور. وانتقلت منظومة الإنترنت والو ب والهاتف الجوال من هامش المجتمع (حيث كانت مغفلة إلى حد بعيد في عام 1981) إلى موقع المركز من مجتمعنا العالمي الجديد وشهد الاقتصاد الاجتماعي القائم على هذه التكنولوجيا نجاحات وا خفاقات، و أبطالا يأتون ويذهبون، ومع ذلك كان من الواضح جدا أن ثمة توجهات واسعة النطاق تحكم ما حصل. وتتصف تلك التوجهات التاريخية الواسعة بكونها حاسمة، لأن الظروف الأساسية التي أفرزتها ما زالت فاعلة وفي قيد التطور، وهذا ما يوحي ب شدة بأنها سوف تستمر بالتزايد في بضعة العقود التالية. فليس ثمة من شيء في الأفق يجعلها تتقلص. وحتى القوى التي قد نظن أن ها يمكن أن تعو قها، ومنها الجريمة والحرب ، إضافة إلى تكاثرنا نحن البشر، تتبع تلك الأنماط البازغة أيضا. وفي هذا الكتاب، سوف أعرض دزينة من تلك القوى التكنولوجية الحتمية التي سوف تعطي الثلاثين سنة القادمة شكلها. ’الحتمية‘ هي كلمة قوية. فهي تر سل إشارات حمراء إلى بعض الناس الذين يعترضون بالقول أنه ليس ثمة من شيء محتوم. فهم يدعون أن قوة الإرادة والعزيمة البشريتين تستطيعان، ويجب عليهما!، أن تحرفا أي توجه تلقائي، و أن تطغيا عليه وتتحكما فيه. ومن وجهة نظرهم، ’الحتمية‘ هي ذريعة نستسلم لها للتهرب من مسؤولية الإرادة الحرة. وحين مزج فكرة الحتمية مع تكنولوجيا رائعة من مثل التكنولوجيا التي بين أيدينا، على غرار ما أفعله هنا، يكون الاعتراض على المصير المقدر سلفا أشد عنفا وانفعالا. فأحد تعاريف ’الحتمية‘ يتمث ل بالنتيجة النهائية للتجربة الذهنية المعتادة الخاصة بإعادة تشغيل شريط التسجيل. إذا أعدنا تشغيل شريط تسجيل تاريخ حضارتنا من البداية حتى النهاية مرات متتالية، فإن إحدى الصيغ القوية للحتمية تقول أنه مهما كان عدد مرات إعادة التشغيل، فإننا سوف ننتهي في كل مرة إلى يافعين يغردون باستعمال تويت ر كل خمس دقائق في عام 2016. وذاك ما أقصده. إنني أقصد الحتمية بطريقة مختلفة. إن ثمة انحياز ا في جوهر التكنولوجيا يحرفها نحو اتجاهات معينة دون غيرها. فضمن نفس العوامل والظروف، تنزع الفيزياء والرياضيات التي تحكم حركة التكنولوجيا نحو تفضيل سلوكيات معينة. وتتجلى تلك التوجهات بصورة رئيسية في مجمل القوى التي تشكِّل الخطوط العامة للصيغ التكنولوجية دون أن تفرض تفاصيل أو أمثلة معينة. على سبيل المثال، تتصف صيغة الإنترنت، وهي شبكة الشبكات التي تغطي الكرة الأرضية، بكونها حتمية، إلا أن نوع الإنترنت الذي اخترناه بالتحديد ليس محتوما. فقد كان من الممكن لها أن تكون تجارية بدلا من أن تكون غير ربحية، أو منظومة وطنية، وليس عالمية، أو كان من الممكن أن تكون خاصة بدلا من أن

عدد الصفحات ٤

5 تكون عمومية. والهاتف، وهو وسيلة نقل الرسائل الصوتية كهربائيا مسافات طويلة، كان حتميا، إلا أن الآيفون ليس محتوما. والشكل العام للمركبات الرباعية الدواليب كان حتميا، أما السيارات الرباعية الدفع فهي ليست محتومة. والتراسل الآني كان حتميا، أما التغريد كل خمس دقائق فهو ليس بحتمي. والتغريد كل خ مس دقائق ليس حتميا من وجهة نظر أخرى. إننا نتغير بسرعة كبيرة إلى حد أن مقدرتنا على اختراع الأشياء الجديدة تتجاوز المعدل الذي نستطيع به تهذيبها. إننا نستغرق في هذه الأيام عقدا من السنين بعد ظهور أي تكنولوجيا للوصول إلى إجماع اجتماعي على ما تعنيه، وعلى الإجراءات اللازمة لجعلها أليفة. لذا سوف نستغرق خمس سنوات أخرى كي نجد طريقة مهذبة للتغريد ، على غرار ما فعلناه بالهواتف الخلوية التي كانت ترن باستمرار في كل مكان (استعم لنا الهزاز الصامت). و بنفس الطريقة ، سوف تختفي سريعا تلك الاستجابة البدائية في التغريد كل 5 دقائق، وسوف نرى أنها لم تكن ضرورية ولا حتمية. أما الحتمية التي أقصدها هنا في المملكة الرقمية ، فهي إلى حد ما نتيجة لزخم التغير التكنولوجي الحاصل. فالأمواج القوية التي أعطت التكنولوجيات الرقمية شكلها خلال الثلاثين سنة الفائتة ، سوف تستمر بالتوسع والاشتداد في الثلاثين سنة القادمة. وهذا لا ينطبق على شمال أمريكا وحدها، بل على العالم بأسره. في هذا الكتاب، أنا أستعمل أمثلة من الولايات المتحدة لأن القراء يألفونها جيدا، إلا أنني أستطيع أن أجد بسهولة مثالا موافقا لكل منها في الهند ومالي والبيرو وا ستونيا. فالسب اقون الحقيقيون إلى النقود الرقمية، على سبيل المثال، موجودون في أفريقيا وأفغانستان حيث تمثل النقود الإلكترونية أحيانا العملة المستعملة الوحيدة. والصين متقدمة جدا على الجميع في تطوير التشارك في التطبيقات على الهواتف النقالة. فمع أنه يمكن للثقافة الشائعة في منطقة ما أن تعزِّز انتشار التكنولوجيا فيها أو تعيقه، فإن القوى الأساسية الفاعلة فيه هي قوى عالمية. و بعد أن عشت مع الإنترنت طوال العقود الثلاثة السابقة، أولا بصفتي طليعيا في ربع خال موحش، وفيما بعد بصفتي بان شي د أجزاء من هذه البطحاء الجديدة، يقوم إيماني بهذه الحتمية على العمق الذي تتصف به تلك التغيرات التكنولوجية. فالبريق اليومي لأصالة التكنولوجيا المتقدمة يمتطي تيارات بطيئة. وجذور العالم الرقمي مترسخة في الاحتياجات الفيزيائية والتوجهات الطبيعية للبتات والمعلومات والشبكات. وبقطع النظر عن الجغر افيا والشركات والسياسات، فإن تلك المكونات الجوهرية للبتات والشبكات سوف تفرِّخ نتائج مشابهة مرة تلو أخرى ، لأن حتميتها تنبثق من فيزيائها الأساسية. وفي هذا الكتاب، سوف أسعى إلى إماطة اللثام عن جذور التكنولوجيا الرقمية تلك ، لأنني منها سوف أستخلص التوجهات المستمرة في العقود الثلاثة التالية.

عدد الصفحات ٥

6 لن تكون جميع تلك التغيرات مرح با بها. فمن الصناعات الراسخة ما سوف ينهار ، لأن نماذج عملها القديمة تصبح غير صالحة. وسوف تختفي وظائف برمتها مع ما تنطوي عليه من مصادر رزق لبعض الناس. وسوف تظهر وظائف جديدة وتزدهر على نحو غير متكافئ، مؤدية إلى غيرة وحسد وشعور بعدم المساو اة. وسوف يؤدي استمرار وتوسع التوجهات التي أعرضها إلى تحدي الالتزامات القانونية الحالية وا لى السير على حافة الخروج عن القانون، وتلك عقبة سوف تقف في وجه الذين يلتزمون القانون. وسوف تُحد ث تكنولوجيا الشبكات الرقمية بطبيعتها اضطرابا في الحدود الدولية لأنها بلا حدود. وسوف تكون ثمة خيبات ونزاعات وارتباكات إلى جانب مزايا لا تُعد ولا تُحصى. و قد تكون ردة فعلنا الأولية تجاه تكنولوجيا متطرفة ما و مندفعة إلى الأمام في هذا العالم الرقمي أن نصدها بغية إيقافها أو منعها أو التنكر لها، أو على الأقل جعلها صعبة الاستعمال. لكن منع المحتوم يعطي نتائج عكسية عادة، وهو مؤقت لا يدوم في أحسن الأحوال، وينطوي على عواقب سلبية على المدى البعيد (على سبيل المثال، عندما سه لت الإنترنت نسخ الموسيقى والأفلام، قامت صناعة السينما في هوليوود وصناعة الموسيقى بفعل ما بوسعهما لإيقاف النسخ، لكن من دون جدوى. ولم تنجحا إلا في استعداء زبائنهما). أما الاحتضان اليقظ و الحذر فينطوي على ما هو أفضل. وما أنوي فعله في هذا الكتاب هو الكشف عن جذور التغير الرقمي كي نستطيع احتضانها. فعندما نراها، يم كننا التعامل مع جوهرها بدلا من مقاومتها. لقد وُجد النسخ على نطاق واسع كي يبقى. و وُجد التعق ب والاستطلاع الشامل كي يبقيا. و سوف تتلاشى الملكية الفردية ، و سوف يتحو ل الواقع الافتراضي إلى واقع فعلي. ولن نستطيع إيقاف الذكاء الصنعي والروبوتات عن التطور و توليد أعمال جديدة، و عن تجريدنا من وظائفنا الحالية. قد يكون ذلك مخالفا لرغبتنا المتأصلة فينا، ومع ذلك علينا احتضان التمازج المستمر لتلك التكنولوجيات. فبالعمل معها، بدلا من مقاومتها، يمكننا أن نحصل على أفضل ما فيها. لكن ذلك لا يعني عدم التدخل فيها، بل علينا إدارة تلك الإبداعات البازغة من أجل درء أذاها ا لحقيقي (لا الافتراضي)، وذلك بالوسائل القانونية والتكنولوجية. إن علينا أن نروِّض ونهذِّ ب الاختر اعات الجديدة بكل تفاصيلها. لكننا لن نستطيع فعل ذلك إلا بالتفاعل العميق المباشر معها، وبقبولها وأعيننا مفت حة عليها. إننا نستطيع، و يجب علينا، تنظيم خدمات التاكسي التي من قبيل أوبر Uber، على سبيل المثال، لكننا لن نستطيع، ويجب ألا نحاول، منع تحقيق حتمية لامركزية الخدمات. فهذه التكنولوجيات سوف تبقى ولن تتلاشى. إن التغير حتمي. ونحن ندرك الآن أن كل شيء قابل للتبد ل ويخضع للتغيير، مع أن كثيرا من هذا التبد ل ضئيل وغير ملحوظ. فأعلى الجبال تهترئ تحت أقدامنا، وكل أجناس الحيوان والنبات على

عدد الصفحات ٦

7 الأرض تتغير إلى أشكال مختلفة ببطء شديد. حتى إن الشمس الأبدية الإشعاع تخبو على السلم الفلكي، لكن بعد أن نكون قد انقرضنا جميعا قبل تلاشيها . والحضارة البشرية، والبيولوجيا أي ضا، هما جزء من هذا الانزلاق غير ال محسوس نحو شيء جديد. وفي الموقع المركزي من كل تغير ملحوظ في حياتنا اليوم، توجد تكنولوجيا من نوع ما. و التكنولوجيا هي مسرِّع للبشرية. و بسببها يخضع كل شيء نصنعه دائما إلى التحو ل becoming. فكل نوع من الأشياء يصبح شيئا آخر منتقلا من حيز ’المُ حتم ل‘ إلى حيز ’الكائن‘. و كل الأشياء تتبد ل، و لم ينته شيء أو يكتمل. وهذا التغي ر الذي لا حدود له هو محور دوران العالم الحديث. و ينطوي التحو ل المستمر على أكثر من مجرد أن ’الأشياء سوف تكون مختلفة‘. إنه يعني أن عمليات الإنتاج، أي محركات التحو ل، هي الآن أكثر أهمية من المنتجات. فأعظم اختراع اتنا خلال مئتي السنة الفائتة لم يكن أداة أو شيئا معينا، بل كان اختراع ال طريقة العلمية ذاتها. وبعد أن اخترعنا الطريقة العلمية تلك، استطعنا مباشرة صنع آلاف من الأشياء المذهلة الأخرى التي لم نكن لنستطيع اكتشافها بطرائق أخرى. وكانت ال سيرورة المنهجية للتغيير والتحسين المستمرين تلك أفضل بمليون مرة من اختراع أي منت ج معين، لأنها ول دت مليون منت ج جديد خلال القرون التي تلت اختر اعها. أبق على تلك السيرورة الدائمة سليمة، وسوف تستمر في توليد مزايا طويلة الأجل. إن السيرورة العلمية تفوق المنتجات في حقبتنا الجديدة هذه. ويعني هذا التحو ل نحو السيرورات أيضا أن التغير الدائم هو مصير كل شيء نصنعه. إننا نبتعد عن عالم الأسماء الثابتة إلى عالم الأفعال المتحركة . وفي الثلاثين سنة القادمة سوف نستمر بأخذ الأشياء الصلبة التي من مثل السيارة والحذاء ، و بتحويلها إلى أفعال غير ملموسة. وسوف تغدو المنتجات خدمات وسيرورات. فبتضمين السيارة مقادير كبيرة من التكنولوجيا، تتحول إلى خدمة نقل على شكل سلسلة دائمة التحديث بمواد تتكيف بسرعة مع الاستعمال والتقييم والمنافسة والإبداع والاهتراء. وسواء أكانت السيارة ذاتية القيادة أو سيارة تقودها أنت، فإن خدمة النقل تلك تبقى مفعمة بالمرونة والتحديث والروابط وا مكان التفصيل بحسب الرغبة، إضافة إلى مزايا جديدة. ولم يعُد الحذاء أيضا مُ نت جا مصنوعا فحسب، بل غدا سيرورة لا نهاية لها من إعادة تخي ل لأقدامنا المحس نة، ربما بأغطية تُستعمل مرة واحدة، أو بصنادل تتبدل أشكالها أثناء المشي، أو بنعال متغيرة ، أو بأرضيات تعمل كالأحذية. وتغدو ’السكافة‘ خدمة، لا اسما. ففي المملكة الرقمية غير الملموسة، لا شيء ثابت أو ساكن، بل كل الأشياء متبدلة.

عدد الصفحات ٧

8 وعلى هذا التغير الذي لا يستكين، تركب كل مشكلات الحداثة. لقد خُ ض ْ تُ في عدد كبير من القوى التكنولوجية المتفجرة في الوقت الراهن ورتبت تغيراتها في 12 فعلا من قبيل الولوج والتعق ب والتشارك. لكن وبدقة أكبر، ليست تلك القوى مجرد أفعال فحسب، بل هي أفعال مضارع مستمر، وهذه هي الصيغة النحوية التي تنطوي على استمرار ية الفعل. وتلك القوى هي التي تقوم بتسريع الأحداث. وكل من تلك الأحداث المستمرة الاثني عشر ة، هو توجه قائم يحمل جميع أدلة استمراريته خلال ثلاثة عقود أخرى على الأقل. وأنا أصف تلك التوجهات بأنها ’حتمية‘ لأنها متجذرة في طبيع ة التكنولوجيا، لا في طبيعة المجتمع. وتتبع تلك الأفعال في جوهرها النزعات الموجودة في التكنولوجيات الجديدة، وذاك انحياز تشترك في ه جميع التكنولوجيات. وفي حين أنه لدينا، نحن صانعو التكنولوجيا، الكثير من إمكانات اختيار ها والمسؤولية عن توجيهها، فإن ثمة الكثير أيضا حول التكنولوجيات التي هي خارج سيطرتنا. فبعض السيرورات التكنولوجية سوف تفضل بطبيعتها نتائج معينة. على سبيل المثال، تفضل سيرورات صناعية (من مثل صناعة المحركات البخارية والصناعات الكيميائية والسدود) درجات الحرارة و الضغوط العالية التي تقع خارج دائرة راحة البشر، وتفضل التكنولوجيات الرقمية (الحواسيب والإنترنت وتطبيقاتها) الن سْ خ الرخيص الواسع النطاق. ويدفع الانحياز نحو الحرارة والضغط العاليين في السيرورات الصناعية أمكنة التصنيع بعيدا عن أماكن سكن البشر حيث تقام مصانع مركزية كبيرة بقطع الن ظر عن الثقافة والخلفية والسياسة، في حين أن الانحياز نحو الن سخ الرخيص الواسع النطاق في التكنولوجيات الرقمية مستقل عن الجنسية والزخم الاقتصادي والرغبة البشرية، ويدفع بالتكنولوجيا نحو الشيوع اجتماعي ا. وذاك انحياز مخبوز ضمن طبيعة البتات. في كل من ذ يْنك المثالين، يمكننا الحصول على أقصى ما يمكن من التكنولوجيات عندما ’نستمع‘ إلى الاتجاه الذي تنحو نحوه، ونحرف توقعاتنا وتشريعاتنا ومنتجاتنا نحو تلك التوجهات الج وهرية. و سوف نجد أن من الأسهل لنا إدارة تعقيدات التكنولوجيا واستمثال فوائدها وتقليص أضر ار ها عندما نوجه استعمالاتنا لها و فقا لمسارها المنحاز. و الغرض من هذا الكتاب هو وضع اليد على تلك التوجهات الفاعلة ضمن أحدث التكنولوجيات، وتحديد مساراتها. وتلك الأفعال الناظمة تمثل التغي رات الجوهرية في ثقافتنا في المستقبل القريب المنظور. إنها نبض قوي فاعل في عالمنا اليوم. وأنا لا أقوم بأي محاولة للتنبؤ بمنتجات محددة سوف تكون رائجة في السنة القادمة أو العقد القادم، ولا بالشركات التي سوف تكون ناجحة. فتلك تفاصيل تتحدد بالموضة والأزياء والتجارة، وهي غير قابلة للتنبؤ بها. أما التوجهات العامة للمنتجات والخدمات خلال الثلاثين سنة القادمة فهي مرئية منذ الآن. فصيغها الأساسية متجذرة في اتجاهات ول دتها تكنولوجيات بازغة في

عدد الصفحات ٨

9 طريقها اليوم إلى الشيوع وهذه المنظومة التكنولوجية العريضة السريعة الحركة توجه الثقافة ببراعة وثبات مضخمة بذلك القوى التالية: التحو ل Becoming،التذكية Cognifying، التدفق Flowing، العرض Screening،الولوج Accessing،التشارك Sharing، الترشيح Filtering، المزج Remixing، التفاعل Interacting، التعقب Tracking، التساؤل Questioning، ثم الابتداءBeginning . ومع أنني خصصت فصلا لكل من تلك الأفعال، فإنها ليست أفعالا منفصلة تحصل منفردة. بل هي قوى شديدة التداخل ، تعتمد بعضا على بعض ويسرِّع بعضها بعضا. ويصبح من الصعب التحدث عن أحدها دون الرجوع إلى الأخريات. فالتشارك المتزايد يشجع التدف ق ويعتمد عليه. و التذكية تتطلب تعق با، والعرض غير منفصل عن التفاعل. والأفعال نفسها متمازجة ، وجميعها هي تغييرات تحصل ضمن مسيرة ال تحو ل. إنها حقل موح د من الحركة. و تلك القوى هي مسارات، لا مصائر. فهي لا تقدِّ م تنبؤ ات عما سوف ننتهي إليه، بل تخبرنا ببساطة بأننا ذاهبون حتما في تلك الاتجاهات في المستقبل القريب .

عدد الصفحات ٩

10 1 التحوُّل BECOMING لقدأمضيت 60 سنة منتظرا إلى أن هبط وحي علي في الآونة الأخيرة: كل الأشياء، بلا استثناء، تتطلب طاقة وانتظاما إضافيين كي تحافظ على أنفسها. و قد عرفت ذلك بشكله المجرد من قانون الترموديناميك الثاني الشهير الذي ينص على أن كل الأشياء في حالة انهيار بطيء. وهذا الإدراك ليس مجرد نُ واح شخص يشيخ. فقد عرفت منذ مدة طويلة أن حتى أكثر الأشياء التي نعرفها جمادا ، و منها الحجارة والأعمدة الحديدية والأنابيب النحاسي ة والطرقات المفروشة بالحصى وقطع الورق، لا تدوم طويلا من دون صيانة وا صلاح و اقتراض ل مزيد من الا نتظام. و يبدو أن الوجود هو صيانة في المقام الأو ل. وما أدهشني في الآونة الأخيرة مقدار عدم استقرار الأشياء ، حتى غير الملموسة منها. فالحفاظ على موقع و ب أو برنامج مستقرا يماثل الحفاظ على يخت طافيا. إنه ثقب أسود للانتباه. أنا أتفهم سبب تعطل آلة ميكانيكية من قبيل مضخة بعد مدة، فالمعدن يهترئ بالرطوبة ، و الهواء يُؤكس د الأغشية، ومواد التزليق تتبخر ، و جميعها يحتاج إلى إصلاح. لكنني لم أكن أعرف أن عالم البتات اللامادي يمكن أن يبلى أيضا. فما الذي يمكن أن يتعطل فيها؟ على ما يبدو، كل شيء. فالحواسيب الجديدة سوف تتحجر، والتطبيقات تضعف مع الاستعمال، والبرامج تتآكل، والبرمجيات التي تصدر حديثا تبدأ بالتقادم فورا، وحدها دون أن تفعل لها شيئا. وكلما كانت الآلية أعقد، تطلبت مزيدا من الانتباه إليها (لا أقل). فالنزعة الطبيعية نحو التغير لا مفر منها، حتى بالنسبة إلى أكثر الكينونات التي نعرفها تجريدا ، ألا وهي البتات. ثم هناك شراسة تغي ر المشهد الرقمي . فعندما يحصل تحديث لكل شيء حولك، فإن ذلك يضغط على منظومتك الرقمية ويستدعي صيانتها. قد لا تكون راغبا في التحديث، لكنه مفروض عليك لأن كل الآخرين يقومون به. إنه مثل سباق التسل ح. لقد اعتدتُ على تحديث ما لدي وأنا متردد حتى آخر لحظة ممكنة (لماذا أحدِّثه إذا كان لا يزال يعمل؟). إنك تعرف كيف تجري الأمور: حدِّثْ هذا، وفجأة تجد أن عليك أن تحدِّث ذاك، وهذا ما يقدح التحديثات في كل مكان. يمكنني أن أُؤجل ذلك سنوات لأنني عانيت من اضطراب قل ب حياتي العملية رأس على عقب نتيجة تحديث ’ضئيل‘ لجزء ثانوي. لكن نظرا إلى أن تكنولوجيتنا الشخصية تغدو أكثر تعقيدا، وأكثر اعتمادا على المحيطيات، وأقرب إلى البيئة الحيوية، فإن تأخير التحديث شديد الضرر. إذا أهملت التحديثات البسيطة الحالية، تراكم التغير إلى حد أ ن التحديث النهائي الكبير يبلغ

عدد الصفحات ١٠

11 نسبة مفزعة. لذا أعتبر التحديث الآن نوعا من الحفاظ على الصحة: تقوم به بانتظام للحفاظ على تكنولوجيتك سليمة. فالتحديثات المستمرة ضرورية للمنظومات التكنولوجية إلى حد أنها تُجرى تلقائيا في نظم تشغيل الحواسيب الرئيسية وبعض التطبيقات البرمجية. و خلف الكواليس، تحدِّث الآلات نفسها، مغيرة خصائصها ببطء مع مرور الزمن. ويحصل ذلك تدريجيا، ولذا لا نلاحظ أنها ’تتحو ل‘. و نحن نعتبر هذا التطور عاديا. لكن الحياة التكنولوجية سوف تكون في المستقبل سلسلة لانهاية لها من التحديث. و سوف يكون معدل الترقية متسارعا. و سوف تتبدل المواصفات، وتختفي الإعدادات الافتراضية، وتختلف أشكال قوائم الخيارات. وسوف أفتح رزمة برمجيات لا أستعملها كل يوم متوقعا خيارات معينة ، لأجد أن قوائم قد اختفت منها برمتها. ومهما طالت المدة التي تستعمل خلالها أداة ما، فإن التحديث اللامتناهي سوف يُبقيك مبتدئا دائما، و مستعملا جديدا غالبا ما يُعتبر جاهلا. وفي هذه الحقبة من ’التحو ل‘، يصبح الجميع مبتدئين. وأسوأ من ذلك أننا سوف نبقى مبتدئين إلى الأبد. وهذا ما يبقي مكانتنا وضيعة. و ذاك كلام يستحق الإعادة. كل منا سوف يكون في المستقبل مبتدئا بلا تناه يحاول مجرد المواكبة. والأسباب هي: أولا، معظم التكنولوجيات الهامة التي سوف تهيمن على الحياة طوال الـ 30 عاما القادمة لم تُخترع بعد، ولذا من الطبيعي أن نكون مبتدئين بالنسبة إليها. ثانيا، نظرا إلى أن التكنولوجيا الجديدة تتطلب تحديثات لا تنتهي، فإننا سوف نبقى في دائرة المبتدئ ين. ثالثا، نظرا إلى أن دورة التقادم متسارعة (العمر الوسطي لتطبيق الهاتف يساوي نحو 30 يوما فقط1)،فإنه لن يكون لديك متسع من الوقت للسيطرة عل ى أي شيء قبل تغييره، وبذلك سوف ن بقى في حالة المبتدئين إلى الأبد. وسوف تنسحب صفة المبتدئ الدائم على الجميع، مهما كانت أعمارهم ، ومهما كانت خبراتهم . 

عدد الصفحات ١١

12 ولكي نكون صرحاء مع أنفسنا، يجب أن نعترف بأن إحدى صفات التحديثات اللامتناهية والتحو لات الأبدية للتكنيو م2 هي أنها تقض مضاجعنا. ففي الآونة الأخيرة ، أصبحنا جميعا نعتبر أننا لن نستطيع العيش يوما آخر إذا لم يكن لدينا هاتف ذكي. أما قبل نحو عقد من السنين، فقد كنا سنندهش ممن يقول أنه بحاجة إلى شيء من هذا النوع . إننا ننزعج الآن عندما تكون الشبكة بطيئة، أما سابقا عندما كنا بسطاء، فلم نفكر بالشبكة من حيث المبدأ. ونحن مستمرون في اختراع أشياء جديدة تولِّ د رغبات جديدة تنطوي على متاعب جديدة علينا حلها. وبعض الناس ساخطون جدا من أن تلك الأشياء التي نصنعها تفطر قلوبنا بتلك الطريقة. فهم يرون في هذا العوز الدائم مهانة وتخفيضا لمكانتنا البشرية ومصدرا لإحباطنا المستمر. وأنا أوافق على أن التكنولوجيا هي مصدر كل ذلك. فزخم التكنولوجيات يدفعنا إلى مطاردة أ كثرها حداثة ، وهي تلك التي تختفي دائما حين اختراع الشيء الأحدث التالي، وبذلك يستمر الرضى بالتمل ص من بين راحاتنا . و أنا أُقر بالإحباط اللامتناهي الذي تجلبه التكنولوجيا. فنحن مختلفون عن أسلافنا من الحيوانات في أننا لم نقتنع بمجرد البقاء، بل انشغلنا جدا بإبداعات جديدة تولِّد رغبات جديدة لم ت كن لدينا من قبل. وهذا الإحباط هو ما يقدح إلهامنا ونُ مو نا. إلا أننا لن نستطيع توسيع أنفسنا، و خاصة نفسنا الجماعية، من دون أن نُصاب بالاكتئاب. فنحن نوسِّع حدودنا ونضخم الحاوية الصغيرة التي تحتضن هو يتنا، وهذا ما يمكن أن يكون مجهدا ومُضجرا. أما برامج آخر الليل التلفزيونية الدعائية الهادفة، وصفحات الو ب التي لا تحصى الخاصة بأشياء وشيكة التقادم، فتمثل تقنيات من الصعب اعتبار أنها تساعد على التطور. وأما السبيل إلى توسعنا فهو رتيب ويومي وممل. لذا، عندما نتخيل مستقبلا أفضل، علينا أن نأخذ في الحسبان تلك المتاعب الدائمة.    إنالعالم الخالي من المتاعب هو يوطوبيا utopia، أو عالم طوباوي خيالي. و هو عالم راكد أيضا. و العالم المثالي من نواح معينة، يمكن أن يكون غير مثالي إلى درجة مرعب ة من نواح أخرى. أما العالم الطوباوي، فليست فيه مشكلات يجب حلها، ولذا يكون خاليا من الفرص أيضا. وليس على أي منا أن يقلق على الألغاز الطوباوية تلك، لأنها ليست ممكنة في الواقع. فكل سيناريو طوباوي ينطوي على عوامل تصدع ذاتي. حتى إن كُرهي للعوالم الطوباوية يذهب إلى أبعد من ذلك.

عدد الصفحات ١٢

13 فأنا لم أصادفعالما طوباويا يمكن أن أرغب في العيش فيه. إنني أضجر من الطوباوية. أما عوالم الديسطوبيا dystopias، أي عوالم البؤس والشقاء والواقع المرير ، وهي النقائض المظلمة للعوالم الطوباوية، فهي أشد إمتاعا، وأسهل تصورا أيضا. من لا يستط يع أن يتخيل خاتمة مروعة لا تُبقي على الأرض أحدا ولا تذر ، أو عالما يحكمه أسياد روبوتيون متسلطون، أو مدينة ضخمة تتفكك ببطء إلى أكواخ، وأسهل من كل ذلك، حربا نووية مدمرة ؟ إن ثمة إمكانات غير محدودة للكيفية التي يمكن أن تنهار بها الحضارة الحديثة، إلا أن مجرد كون الديسطوبيات سينمائية ودرامية، وأسهل تصورا، فإن ذلك يجعلها غير ممكنة أيضا. أما الخلل في معظم روايات الديسطوبيا فهو أنها غير مستدامة. فالقضاء على حضارة صعب عمليا. و كلما كانت الكارثة أعنف، تلاشت الفوضى على نحو أسرع. و سرعان ما تحل الجريمة المنظمة وأعمال التمرد العدوانية محل الخروج على القانون وعالم الإجرام اللذين تبدو ’أول إشارة إلى انهيار هما‘ مثيرة ، وبذلك يتحو ل انعدام القانون إلى ابتزازا، وي تحو ل المبتزون بسرعة أكبر إلى نوع من الحكومة الفاسدة، وكل ذلك من أجل زيادة مداخيل اللصوص وقطاع الطرق. وبمعنى ما، يقضي الجشع على الفوضى. إن الديسطوبيات الحقيقية أقرب إلى الاتحاد السوفييتي القديم منها إلى ماكس المجنون3: فهي بيروقراطية خانقة أكثر من كونها عديمة القانون. ونتيجة لحكمها بالإرهاب ، يكون مجتمعها عاجزا عن تحقيق سوى مصلحة قلة قليلة منه، و على غرار مجتمع قراصنة البحر قبل قرنين 4،يوجد فيها من القانون والنظام أكثر كثيرا مما يبدو. وفي الواقع، فإن صفة انعدام القانون الشنيعة التي نلصقها بالديسطوبيات في المجتمعات المنهارة ليست صحيحة . فاللصوص وقطاع الطرق الكبار يُبقون اللصوص الصغار وفوضى العالم الفاسد عند حدودها الدنيا. طبعا، ليست اليوطوبيا والديسطوبيا مصيرنا. بل إن التكنولوجيا تقودنا إلى البروطوبيا5 protopia . وعلى نحو أدق، فقد وصلنا إلى البروطوبيا فعلا. البروطوبيا هي حالة تحو ل، وليست مآلا. إنها سيرورة. و في النمط البروطوبي، تكون الأشياء اليوم أفضل مما كانت عليه البارحة، حتى لو كان ذلك بقدر ضئيل فقط. وهي تحس ن تراكمي تدريجي ، أو تقد م ناعم. وقد اشتُ ق ت البادئة ’برو pro ‘في’protopia ‘من الكلمتين الإنكليزيتين ’سيرورة process ‘ و ’تقدم essgrpro‘6. وهذا التقدم الناعم ليس مفاجئا أو مثيرا ومن السهل السهو عنه لأن البرو طوبيا تولِّد مشكلات جديدة بقدر ما تحققه من مزايا تقريبا. فمشكلات اليوم نجمت عن نجاحات الأمس

عدد الصفحات ١٣

14 التكنولوجية، وسوف تؤديحلول مشكلات اليوم التكنولوجية إلى مشكلات جديدة غدا. وهذا التوس ع الدوراني لكل من المشكلات والحلول يُ خفي تراكما مستمرا من الفوائد الضئيلة الصافية مع مرور الزمن. فمنذ عصر النهضة واختراع العلم، استطعنا خلق ما يزيد قليلا على ما دمرناه كل سنة. وتراكم ذلك الفرق الإيجابي الصغير عبر العقود فيما يمكننا تسميته حضارة. وهو خفي لا ي تألق كما يتألق نجوم الأفلام. و البروطوبيا صعبة الرؤية لأنها تحو ل. إنها سيرورة تُ غيِّ ر باستمرار كيفية تغي ر الأشياء الأخرى، وبتغييرها لنفسها، تنمو وتتطور. وا نه لمن الصعب التهليل لسيرورة ناعمة تُ غيِّ ر الأشكال، ومع ذلك من الضروري أن نراها. لقد أصبحنا اليوم على درجة عالية من الإدراك لجوانب الإبداعات السلبية، وعلى درجة عالية من الخيبة من الوعود الطوباوية السابقة إلى حد أننا نجد أن من الصعب أن نعتقد حتى بمستقبل بروطوبي معتدل، مستقبل يكون فيه الغد أفضل قليلا من اليوم. إننا نجد أن من الصعب جدا أن نتخيل أي نوع من المستقبل نرغب فيه ، مهما كان. هل تستطيع تحديد مستقبل واحد من الخيال العلمي على هذا الكوكب يتصف بكونه معقولا ، ومرغوبا في نفس الوقت؟ (لا يُحتسب مسلسل درب النجوم Star Trek هنا لأنه في الفضاء وليس ثمة من مستقبل سعيد ذي سيارة طائرة يغرينا. وخلافا للقرن السابق، ليس ثمة من يريد الانتقال إلى المستقبل البعيد. فكثيرون يفزعون منه. وهذا يجعل من الصعب أخذ المستقبل على محمل الجد. ولذا نحن ملتصقون باللحظة القصيرة الحالية، أي بالوقت الراهن من دون منظور عابر للأجيال. لقد تبنى البعض منظور المؤمنين بالمتفرد 7 الذين يدعون أن تصور المستقبل خلال 100 سنة مستحيل عمليا. وهذا يجعلنا عميانا عن المستقبل. وقد يكون هذا العمى عن المستقبل ببساطة محنة لا مفر منها لعالمنا الحديث. وربما نكون في هذه المرحلة من الحضارة والتقدم التكنولوجي قد دخلنا في حاضر دائم لا ينتهي، من دون ماض أو مستقبل حيث تختفي اليوطوبيا والديسطوبيا والبروطو بيا جميعا، ويبقى الحاضر الأعمى فقط. أما البديل الآخر فهو احتضان المستقبل و تحو لاته. فالمستقبل الذي نتوجه إليه هو ناتج تحو ل نستطيع رؤيته منذ الآن، فنحن قادرون على احتضان التغيرات التي تحصل حاليا و التي سوف تصبح هي المستقبل. لكن المشكلة الكامنة في التحو ل المتواصل (خاصة في الزحف البروط وبي) هي أن التغير الذي لا

عدد الصفحات ١٤

15 يستكين يمكن أن يعمينا عن تغيراته التراكمية. وفي حالة الحركة المتواصلة ، نحن نتوقف عن رؤية الحركة. لذا يكون التحو ل هو فعل ذاتي الانحجاب لا يُرى غالبا إلا بعد حصوله. وأهم من ذلك، نحن نميل إلى رؤية الأشياء الجديدة من منظور الأشياء القديمة، إضافة إلى أننا نوسِّع منظورنا الحالي لنضفيه على المستقبل، وهذا ما يشوِّ ه الجديد عمليا كي يتوافق مع ما نعرفه فعلا. لهذا السبب جرى تصوير أولى الأفلام على شكل مسرحيات، و أولى بيئات الواقع الافتراضي على شكل أفلام. و ليست هذه المواءمة القسرية سيئة دائما. فالقصاصون يستغلون هذه الاستجابة البشرية من أجل ربط الجديد مع القديم. لكن عندما نحاول معرفة ما سوف يحصل أمامنا، فإن هذا التصرف يمكن أن يخدعنا. فنحن نواجه صعوبة كبيرة في تمييز التغي ر الحاصل الآن. وأحيانا يبدو المسار الظاهري لذلك التغي ر مستحيلا أو غير معقول أو سخيفا، ولذا نستبعده. ومع ذلك نتفاجأ دائما بأشياء ما زالت تحصل منذ 20 سنة أو أكثر وأنا لست منيعا من هذا الإرباك . فقد انغمست عميقا في ولادة عالم الإنترنت قبل 30 عاما، وفي ظهور الو ب بعد ذلك بعشر سنوات. ومع ذلك، و في كل مرحلة، كان من الصعب علي رؤية ما كان يحصل في لحظته. وغالبا ما كان من الصعب تصديقه. و أحيانا لم نر ما كان يحصل لأننا لم نكن نريد ه أن يحصل بتلك الطريقة. ونحن لا نر يد أن نكون عميانا عن هذه السيرورة المستمرة. ف قد كانت وتيرة التغي ر في الحقبة الأخيرة غير مسبوقة، وهذا ما أدهشنا. لكننا نعرف الآن أننا مبتدئون أبديون، و أننا سوف نبقى كذلك دائما. و علينا أن نؤمن بأشياء غير محتملة أحيانا كثيرة. فكل شيء متبدل، والأشكال الجديدة سوف تكون إعادة خلط غير مريح ة للقديم. لكن ببذل الجهد والتخيل، نستطيع تعل م تمييز ما ينتظرنا على نحو أوضح من دون عصابات على العيون. دعني أقدم مثالا عما يمكن أن نتعلمه عن مستقبلنا من تاريخ الو ب الحديث جدا. قبل أن يُضيء متصفح نتسكيب البياني8 الوب في عام1994، لم تكن إنترنت النصوص موجودة بالنسبة إلى مع ظم الناس. وكانت صعبة الاستعمال، فقد كان عليك كتابة برامج لها، ولم تكن ثمة صور فيها. فمن كان يرغب في إضاعة وقته على شيء ممل من هذا النوع؟ إذا اعتبرنا أن الإنترنت كانت معترفا بها في ثمانينات القرن العشرين من حي ث المبدأ، فقد اعتُ برت متدنية القيمة كالبريد الإلكتروني لشركة ما أو كناد لليافعين (لا تزيد إثارتها عن إثارة ربطة العنق). فبرغم أنها كانت موجودة، فقد كانت مغفلة كليا. وثمة لكل اختراع جديد واعد معارضون . وكلما كان الوعد أكبر، كانت اللاءات أقوى. إنه ليس من

عدد الصفحات ١٥

16 الصعب أن تجد أشخاصا أذكياء يقولون أشياء سخيفة عن الإنترنت صبيحة ولادتها ففي أواخر عام 1994، شرحت صحيفة تايم Time سبب أن الإنترنت لن تصبح شائعة أبدا: «إنهاليست مصممة للأعمال التجارية ، و هي لا تستوعب بلباقة واصلين جُدُد9» .ووضعت صحيفةنيوزويك Newsweek الشكوك في عنوان رئيسي في عام 1995 على نحو أشد فظاظة: «الإنترنت؟ تبا لها 10» .أماالشخص الذي كتب المقالة فهو عالم الفيزياء الفلكية وخبير الشبكات كليف ستول Cliff Stoll الذي جادل بأن التسوق عبر الإنترنت ومجتمعات الإنترنت هو مجرد خيال غير واقعي يتناقض مع الحس العام. وادعى قائلا: «في الواقع، لن تحل قاعدة بيانات في الإنترنت محل صحيفتك. ومع ذلك فقد تنبأ نيكولاس نيغروبونتي Nicholas Negroponte، مدير مخبر وسائل الإعلام لدى معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، بأننا سوف نشتري الكتب والصحف قريبا مباشرة عبر الإنترنت. وطبعا هذا لن يحصل» . وقد عب ر ستول عن الشكوك التي كانت شائعة حينئذ بشأن العالم الرقمي المفعم بـ «المكتبات التفاعلية والمجتمعات الافتراضية والتجارة الرقمية » بكلمة واحدة هي: «هراء ». وخي م هذا الموقف المناوئ للإنترنت على لقاء جمعني مع مسؤولي شركة الإذاعة الأمريكية American Broadcasting Company (ABC) الكبار في عام1989. فقد كنت هناك لتقديم عرض لهم عن ’أدوات الإنترنت ‘ تلك. وما يُحسب لهم هو أنهم أدركوا أن ثمة شيئا ما يحصل. لقد كانت شركة الإذاعة الأمريكية واحدة من أقوى ثلاث شبكات تلفزيونية في العالم، وكانت الإنترنت في ذلك الوقت مجرد بعوضة مقارنة بها. لكن الناس الذي كانوا يعيشون في الإنترنت (من أمثالي) كانوا يقولون أنها يمكن أن تطيح بأعمالهم. ومع ذلك لم أستطع قول شيء يقنعهم بأن الإنترنت ليست هامشية، وليست مجرد كتابة على لوحة مفاتيح، و أنها بالتأكيد ليست لليافعين فقط. إلا أن التشارك عبر الإنترنت، والحصول على المادة التي توفرها مجانا ، بدوا غير ممكنين نهائيا للمدراء التنفيذيين. و استهزأ نائب مدير الشركة ستيفن وايسْ واس ر Stephen Weiswasser في الختام بقوله لي: «سوف تكونالإنترنت قناة هواة راديوية في تسعينات القرن العشرين 11»، وذلك ادعاء كرره فيما بعد أمام الصحافة. ولخص وايسْ واس ر حجة الشركة بخصوص إغفال هذا الوسط الجديد بقوله: «لن تستطيع تحويل المستهلكين الخاملين إلى متصيدي جنس نشطاء في الإنترنت ». وصُرفتُ من اللقاء. إلا أنني قدمت إليهم نصيحة قبل مغادرتي: «انتبهوا، لقد علمْ ت بالمصادفة أن العنوان abc.com لم يُسجل بعد. انزلوا إلى قبوكم وابحثوا عن أفضل تقني حاسوب لديكم واطلبوا إليه أن يسجل العنوان فورا. لا تفكروا بالأمر. سوف يك و ن مفيدا لكم» .وشكروني ببرود. ودققت في الأمر بعد أسبوع، ووجدت أن العنوان كان لا يزال غير مسجل.

عدد الصفحات ١٦