241 أو فعل وهمي. لكن مقارنة بماذا؟ مقارنة بالاستهلاك غير التفاعلي مع التلفزيون؟ أم بالوقت المصروف على الضحك في ثرثرة في حانة؟ أم بالمشي البطيء إلى مكتبة عامة فقط من أجل عدم العثور على أجوبة لمئات الأسئلة التي تدور في ذهني؟ تخي ل ألوف ملايين الناس المتصلين بالإنترنت في هذه اللحظة بالذات. إن ما يدهشني هو أنهم لا يهدرون الوقت على روابط غبية، بل هم منغمسون بنوع منت ج من التفكير حيث يحصلون على أجوبة فورية ويبحثون ويستجيبون ويحلمون أحلام يقظة ويتصفحون ويواجهون أشياء مختلفة جدا ويكتبون أفكارهم ويرسلون آراءهم حتى لو كانت صغيرة. قارن هذا بما يكافئ مئات ملايين الناس قبل 50 سنة وهم يشاهدون التلفزيون أو يقرأون جريدة وهم جالسو ن على مقعد وثير. إن هذا النمط الجديد من الحياة، الذي نركب فيه الموج ونغطس ونسرع ونقفز من مكان إلى آخر ونغرد ونزقزق ونغرف من الج د ة بسهولة ونحلم أحلام يقظة ونستجوب كل حقيقة، ليس عيبا. بل هو مستقبل. إنه استجابة صحيحة لطوفان البيانات والأخبار والحقائق التي تُغرقنا. وعلينا أ ن نكون منسابين ورشيقين كي نتدفق من فكرة إلى فكرة، لأن ذلك التدفق يعكس البيئة المعلوماتية الشديدة التغير التي تحيط بنا. و هذا النمط ليس إخفاقا ناجما عن كسل، ولا هو ترف آت بيسر. إنه ضرورة من أجل الازدهار. من أجل قيادة زورق فردي في مياه نهر سريعة مزبدة، عليك أ ن تجدف بسرعة تساوي سرعة الماء على الأقل. وا ذا أملت في الإبحار في الإكسابايتات من المعلومات والتغيرات والاضطرابات القادمة إلينا، عليك التدفق بسرعة لا تقل عن سرعة تدفق ال مقدمة. لكن لا تخلط بين هذ الدفق والأشياء الضحلة. يتيح لنا التدفق والتفاعل أيضا أن نولي مزيدا من الانتباه الفوري إلى أعمال أكبر وأشد تعقيدا من أي شيء سابق. فالتكنولوجيات التي زو دت الجمهور بالمقدرة على التفاعل مع القصص والأخبار، من حيث الإزاحة الزمني ة والتشغيل اللاحق وا عادة التشغيل والسبر والربط والحفظ والقص واللصق، مك نت أيضا من صيغ طويلة و صيغ قصيرة أيضا. وبدأ مخرجو الأفلام بإنتاج أفلام ليست مسلسلات هزلية، بل قصص ا طويلة مستديمة احتاجت إلى سنوات لروايتها. فتلك الملاحم الهائلة، التي من مثل الضائع و نجم المعركة غالاكتيكا و السوبرانوس و كنسية مركز المدينة و السلك تضمنت حبكة متعددة الخطوط ومتعددة الأبطال وعددا كبيرا من الشخصيات، وتطلبت انتباها مستمرا ليس أكثر من الانتباه الذي تطلبته أفلام التلفزيون التي سبقتها والأفلام التي بلغت مدتها 90 دقيقة فحسب، بل كان من الممكن أن تصدم ديكنز والروائيين الآخرين قبل مدة طويلة. وكان ديكنز سوف يتعجب حينئذ: «تعني أن الجمهور يمكن أن يتابع كل ذلك ثم يطلب المزيد؟ وعلى Battlestar Galactica, Sopranos, Downtown Abbey and The Wire, Lost
عدد الصفحات ٢٤١242 مدى كم من السنين؟» .لم أكن لأصدق أبدا أنني قادر على الاستمتاع بقصص معقدة من هذا النوع، أو على الاهتمام بها بقدر كاف لتخصيص جزء من وقتي لها. لقد ازداد انتباهي. وعلى نحو مشابه، فإن عمق و تعقيد وطلب ألعاب الفيديو يمكن أن يضاهي طلب أفلام الماراثون أو أي كتاب عظيم. من أجل أن تصبح محترفا في أي لعبة ، أنت بحاجة إلى 50 ساعة لكن أهم شيء يؤدي إلى تغيير طريقة تفكيرنا في هذه التكنولوجيات الجديدة هو أنها أصبحت شيئا واحدا. فالأمر يبدو كما لو كنت تصرف عددا لا متناهيا من النانو ثانية على سلسلة من التغريدات، أو عددا لا متناهيا من الميكرو ثانية على تصفح صفحات الوب، أو ساعات وأنت تتنقل بين قنوات اليوتيوب، ثم تحوِّم مجرد دقائق فقط في قراءة مقتطف ات كتب، واحدا تلو آخر، ثم تلتفت في الختام إلى وريقات جدولة في عملك أو تقلِّ ب صفحات شاشة هاتفك. وهذا يعني أنك تقضي في الواقع 10 ساعات يوميا مهتما بشيء غير محسوس. وهذه الآلة، هذه المنصة الضخمة، هذه التحفة العملاقة تتخفى على شكل تريليون قطعة موصولة معا على نحو مرن . ووحدتها غير مرئية . و مديرو مواقع الوب ذوو الرواتب العالية، وحشود المعلِّ قين في الإنترنت، وأثرياء الأفلام الذين يترددون في السماح لنا بتحميل أفلامهم، كلهم لا يؤمنون بأنهم مجرد نقاط بيانات في مسرحية عالمية كبيرة، مع أنهم كذلك. عندما ن دخُل أيًّا من الأربعة مليارات شاشة مضاءة اليوم 327، فإننا نشارك في سؤال واحد مفتو ح نحاول جميعا الإجابة عنه: ما هي تلك الآلة؟ تُقدِّر شركة صناعة الحواسيب سيسكو أنه سوف يكون ثمة 50 مليار جهاز مرتبط بالإنترنت بحلول عام 2020328، إضافة إلى عشرات مليارات الشاشات. وتتوقع صناعة الإلكترونيات صنع مليار جهاز قابل للارتداء في غضون خ مس سنوات من أجل تعق ب أنشطتنا و بث بياناتنا في الإنترنت. ويمكن أن نتوقع 13 مليار أداة منزلية أخرى 329 تبعث الحياة في بيوتنا الذكية، ومن أمثلتها مقياس درجة الحرارة . وسوف يكون ثمة 3 مليارات جهاز مثبتة ضمن سيارات مرتبطة بالإنترنت 330، و 100 مليار رقاقة تعريف بالترددات الراديوية RFID مضم نة في السلع على رفوف المتاجر إنها إنترنت الأشياء، أرض الأحلام البازغة لكل شيء نصنعه، أي منصة غير المحتملات الجديدة. وهي تبنى بالبيانات. والمعرفة، ذات الصلة بالمعلومات ، لكن غير المماثلة لها، تتفجر بنفس وتير ة تفجر المعلومات، متضاعفة مرة كل سنتين. و قد أخذ عدد المقالات العلمية التي تُنشر كل سنة بالتزايد بوتيرة حتى أسرع من ذلك خلال العقود السابقة. وخلال القرن الفائت، ازداد العدد السنوي لطلبات تسجيل الاختراعات في العالم ازديادا أسِّيا.
عدد الصفحات ٢٤٢243 ونحن نعرف عن الكون الآن أكثر بكثير مما كنا نعرفه قبل مئة سنة. وقد وضعنا معرف تنا الجديدة بقوانين الكون الفيزيائية في الاستعمال العملي في سلع استهلاكية من مثل الجي بي إس والآيباد، مع زيادة منتظمة في أع مارنا. ومكنتنا التلسكوبات والمجاهر ورواسم الإشارة وشاشات رؤية صور الأشع ة السينية من الرؤية بطرائق جديدة. و عندما نظرنا ب الأدوات الجديدة حصلنا فجأة على كثير من الأجوبة الجديدة. إلا أن الأمر المحيِّر في العلم هو أن كل جواب يفرِّخ سؤالين على الأقل. والمزيد من الأدوات يؤدي إلى مزيد من الأجوبة، ومن ث م إلى مزيد من الأسئلة. ف قد وس عت التلسكوبات الضوئية والراديوية والمسرِّعات النووية و المحطِّ مات الذرية ليس ما كنا نعرفه فحسب، بل ول دت ألغازا جديدة ووس عت ما كنا لا نعرفه أيضا. و ساعدتنا الاكتشافات السابقة على أن نُدرك في الآونة الأخيرة أن 96 بالمئة من كل المادة والطاقة في كوننا موجود خارج نطاق رؤيتنا. فالكون لا يتألف من الذرات والأ شعة الحرارية التي اكتشفناها في القرن الماضي فحسب، بل هو يتألف بصورة رئيسية من مكوِّنين مجهولين نقول عنهما أنهما ’خفي ان :‘الطاقةالخفية والمادة الخفية. والصفة ’خفية‘ هي تعبير عن جهلنا. إذ ليست لدينا أي فكرة عما تتكو ن منه بنية الكون الرئيسية. ونجد نسبة مشابهة من الجهل عندما نسبر أغوار الخلية أو الدماغ. فنحن لا نعرف شيئا عنهما مقارنة بما تُمك ن معرفته. لكن اختراعات نا تسمح لنا بالتجسس على جهلنا. إذا كانت المعرفة تنمو أسِّيا بسبب الأدوات العلمية، فإن الأحاجي يجب أن تنضب من بين أيادينا بسرعة. إلا أن ما يحصل هو أننا مستمرون في اكتشاف مزيد من المجاهيل. لذا، وبرغم من أن معرفتنا تتوسع أسِّيا، فإن أسئلتنا تتوسع أُسِّيا على نحو أسرع. ووفقا لما سوف يقوله لك الرياضياتيون، فإن الفجوة الفاصلة بين منحنيين أسِّيين تتزايد أسِّيا أيضا. وتلك الفجوة بين الأسئلة والأجوبة هي جهلنا، وهي تتزايد أسِّيا. بكلمات أخرى، العلم هو طريقة تقوم بصورة رئيس ية بتوسعة جهلنا بدلا من معرفتنا. وليس لدينا من مبرر لتوقع انعكاس ذلك في المستقبل. فكلما كانت التكنولوجيا أو الأدوات مزعز عة، كانت الأسئلة التي تفرِّخها أكثر زعز عة. إننا نستطيع أن توقع أن تطل ق تكنولوجيات من مثل الذكاء الصنعي والتعديل الجيني والحوسبة الكمومية (وهي بضعة مما في الأفق القريب) عددا كبيرا من dark. شاع فيالعربية استعمال ’مادة مظلمة‘ ترجمة للعبارة الإنكليزية ’dark matter‘، لكن هذه الترجمة لا تعبِّر عن المعنى الفعلي للعبارة الإنكليزية التي تعني المادة الخفية فعلا. من ناحية أخرى، ’خفي‘ هي من معاني كلمة ’dark .‘المترجم
عدد الصفحات ٢٤٣244 الأسئلة الجديدة الكبيرة، أسئلة لم نكن لنفكر فيها أبدا من قبل. وفي الواقع، إنه لرهان آمن أننا لم نطرح أسئلتنا الكبرى بعد. ••• و كل سنة يسأل الناس الإنترنت تريليوني سؤال، وكل سنة تجيب محركات البحث بتريليوني جواب. ومعظم تلك الأجوبة جيدة إلى حد ما. وفي كثير من الأحيان تكون الأجوبة مذهلة. وهي مجانية! في حقبة ما قبل البحث الفوري في الإنترنت، لم يكن بالإمكان الإجابة عن معظم التريليوني سؤ ال مقابل أي سعر معقول. طبعا، ومع أن الأجوبة مجانية للمستعملين عادة، فإنها تكلف شركات البحث التي من مثل غوغل وياهو وبينغ وب يدو شيئا من أجل تكوينها. في عام 2007، حسبتُ التكلفة التي تتكبدها غوغل من أجل الإجابة عن كل استعلام ووجدت أنها تبلغ 0.3 سنت، وتلك قيمة يمكن أن تكون قد انخفضت منذئذ. ووفقا لحساباتي، تكسب غوغل نحو 27 سنت منكل عملية بحث عن جواب، وذلك من الإعلانات التي توضع حول الأجوبة. ولذا باستطاعتها تقديم أجوبتها مجانا بسهولة. لقد كانت لدينا أسئلة دائما. قبل ثلاثين عاما، كانت أكبر خدمة استعلام هي خدمة استعلامات الأرقام الهاتفية. و قبل غوغل، كان ثمة الرقم 411 (في الولايات المتحدة)، وهو رقم الاستعلامات العام الذي كان مشتركو الهاتف يطلبونه نحو 6 مليارات مرة في السنة 331. وكانت الصفحات الصفراء آلية البحث الأخرى في الماضي، وهي النسخة الورقية. ووفقا لقول جمعية الصفحات الصفراء، استعمل 50 بالمئةمن البالغين الأمريكيين الصفحات الصفراء الورقية مرة واحدة في الأسبوع على الأقل، وأجروا عمليتي بحث في الأسبوع في تسع ينات القرن العشرين 332. ونظرا إلى أن عدد البالغين آنئذ كان نحو 200 مليون نسمة، كان ثمة200 مليون عملية بحث في الأسبوع، أو كان يُطرح نحو 104 مليار سؤال في السنة. وذاك مقدار يسترعي الانتباه. والمكان التقليدي الآخر للا ستعلامات كان المكتبات العامة. وقد أحصت المكتبات الأمريكية العامة نحو مليار زيارة في السنة في تسع ينات القرن العشرين 333. ومن هذا المليار، كان ثمة نحو 300 مليون سؤال أو عملية تخص البحث عن معلومات. و برغم عمليات البحث عن أجوبة تلك التي تجاوزت المئة مليار عملية في السنة (في الولايات المتحدة وحدها)، لم يكن أحد يُصدِّق قبل 30 سنة أن ثمة أعمالا تجارية بقيمة 82 مليار دولار 334 للإجابة عن استفسارات الناس بتكلفة منخفضة أو مجانا. لم يكن ثمة كثير من حم لة الإجازة في إدارة الأعمال يحلمون بخطط لسد هذه الحاجة. وكان الطلب على الأسئلة والأجوبة كامنا غير ظاهر. ولم
عدد الصفحات ٢٤٤245 يعرف الناس قيمة الأجوبة الفورية حتى أصبحوا قادرين على الحصول عليها. وبينت إحدى الدراسات التي أُجريت في عام 2000 أن البالغ الأمريكي العادي كان يسعى إلى أجوبة عن أربعة أسئلة في اليوم من الإنترنت 335. وا ذا اعتبرت حياتي أنا مؤشرا، فإنني أطرح كثيرا من الأسئلة كل يوم. وقد أعلمني غوغل أنني طرحت 349 سؤالا في شهر واحد في عام2007، أي بمعدل10 أسئلة في اليوم (وكانت ذروة استفساراتي تحصل في الساعة الحادية عشر ة من صباح كل أربعاء). و سألت غوغل عن عدد الثواني في السنة، فأجابني على الفور: 31.5 مليون ثانية. وسألته عن عدد عمليات البحث التي تقوم بها جميع محركات البحث في الثانية، وكان جوابه 600 ألف عملية في الثانية، أي بمعدل 600 كيلو هرتز. ومع أن الإجابات تقد م مجانا، فإن قيمتها هائلة. لقد أجرى ثلاثة باحثين لدى جامعة ميشيغان تجربة صغيرة في عام 2010 لرؤية إنْ كانوا يستطيعون معرفة ما يمكن للناس العاديين أن يدفعوه مقابل عمليات البحث336. وانطوت طريقتهم عل ى الطلب إلى طلاب موجودين في مكتبة الجامعة الممتلئة بالمراجع الإجابة عن بعض الأسئلة التي طُرحت على غوغل، لكن بالبحث عنها في المواد الموجودة في المكتبة فقط. وقاسوا المدة التي يستغرقها الطلاب في الإجابة عن سؤال باستعمال كتب موجودة على الرفوف. و استغرقت الإجابة 22 دقيقة وسطيا. أي بزيادة مقدارها 15 دقيقة على مدة الـ7 دقائق التي يستغرقها البحث عن جواب لنفس السؤال وسطيا باستعمال غوغل. بافتراض أن أجرة ساعة العمل الوسطية تساوي 22 دولار، فإن ذلك يكافئ اقتصاد 5.5 دولار لكل عملية بحث و في عام 2011، حسب هال فاريان Hal Varian، كبير الاقتصاديين لدى غوغل، القيمة الوسطى للإجابة عن سؤال بطريقة مختلفة 337. فاكتشف حقيقة مفاجئة مفادها أن المستعمل الوسطي لغوغل (الذي جرى تحديده من الكوكيات الراجعة وغيرها) يقوم بعملية بحث واحدة وسطيا في اليوم. وهذا لا يشملني طبعا. لكن استعمالي الكثير شبه المستمر لغوغل يتوازن باستعمال أمي له مثلا، فهي يمكن أن تقوم بعملية بحث واحدة كل بضعة أسابيع. وأجرى فاريان مزيدا من الحسابات للتعويض عن حقيقة أننا نطرح الكثير من الأسئلة لأن الإجابة عنها الآن رخيصة. لذا، عندما أخذ هذا العامل في الحسبان، وجد أن غوغل يقلص مدة بحث الشخص العادي بمقدار 3.75 دقيقة في اليوم. وباستعمال نفس أجرة الساعة الوسطية، يقتصد الناس 1.375 دولار في اليوم. حتى إنه يمكننا تدوير هذا المبلغ إلى 1.5 دولار في اليوم إذا كان وقتك أثمن أفلا يدفع معظم الناس دولارا ونصف في اليوم، أو نحو 500 دولار في السنة من أجل البحث إذا وجب عليهم ذلك؟ إنهم يدفعون على الأرجح (أنا أدفع حتما). وربما يدفعون دولارا ل كل عملية بحث، وهذه طريقة أخرى لدفع نفس المقدار. و قد سأل عالم الاقتصاد مايكل
عدد الصفحات ٢٤٥246 كوكس طلابه عن المقدار الذي يقبلون به لقاء التنازل عن الإنترنت كليا، فأج ابوه بأنهم لا يتنازلون عن الإنترنت حتى مقابل مليون دولار. وكان ذلك قبل أن تصبح الهواتف الخلوية شائعة. لقد بدأنا لتونا باكتساب المهارة في إعطاء أجوبة عظيمة. تُ قدِّ م سيري ، وهي خدمة المساعدة الصوتية الخاصة بالآيفون لدى شركة أبل، جوابا منطوقا حينما ت طرح عليها سؤالا بالإنكليزية. وأنا أستعمل تلك الخدمة على نحو متكرر. فعندما أريد معرفة أحوال الطقس، أطرح السؤال: «سيري، ما هي أحوال طقس الغد؟» .ويستطيع مستعملو أندرويد طرح سؤال شفهي على خدمة Google Now بخصوص معلومات عن مفكراتهم. وأثبتت منظومة واتسون الخاصة ب الشركة آي بي إم أن الذكاء الصنعي يستطيع العثور على أجوبة لمعظم الأسئلة المرجعية الواقعية بسرعة ودقة. ويكمن جزء من السهولة المتزايدة في تقديم الأجوبة في حقيقة أن الأسئلة السابقة التي أُجيب عنها على نحو صحيح تزيد من احتمال الإجابة الصحيحة عن سؤال آخر. وفي نفس الوقت، تزيد الإجابات الصحيحة السابقة من سهولة تكوين الجواب التالي، ومن قيمة حصيلة الأجوبة عموما. إن كل سؤال نطرحه على محرك بحث، وكل جواب نقبله بصفته جوابا صحيحا، يُنقِّحان ذكاء العملية، ويرفعان من قيمة المحرك بالنسبة إلى الأسئلة المستقبلية. وبإضفائنا الذكاء على مزيد من الكتب والأفلام وا نترنت الأشياء، تصبح الأجوبة أكثر شيوعا. ونحن متجهون نحو مستقبل سوف نسأل فيه عدة مئات من الأسئلة كل يوم. ومعظم تلك الأسئلة سوف يخصنا ويخص أصدقاءنا. «أين جيني؟ متى يأتي الباص التالي؟ هل هذا النوع من الوجبات الخفيفة جيد؟» .إنتكلفة ’صنع كل جواب‘ سوف تساوي بضعة نانو سنتات تقريبا، و لن تكون عملية البحث التي من مثل ’أعطني جوابا‘ ترفا في العال م المتقدم، بل سوف تصبح ضرورية لكل الناس. وقريبا جدا سوف نعيش في عالم نستطيع فيه أن نطرح على السحابة شفهيا أي سؤال مهما كان. وا ذا كان لذلك السؤال جواب معروف، سوف تشرحه الآلة لنا. من فاز بجائزة الروكي في عام 1974؟ لماذا كان لون السماء أزرق؟ هل سوف يستمر الكون بالتوسع إلى الأبد؟ ومع مرور الوقت، سوف تتعلم السحابة، أو آلة الذكاء الصنعي، كيف تشرح وتعبر عما هو معروف وما هو مجهول. في البداية، قد يكون من الضروري أن تقحمنا في حوار لإيضاح الالتباسات (على غرار ما نفعله نحن البشر حينما نجيب عن سؤال)، لكن خلافا لنا، لن تتردد الآلة في تقديم معرفة واقعية عميقة معقدة عن أي موضوع تُسأل عنه.. إنْ كان موجودا. لكن المزية الرئيسية للأجوبة الفورية الموثوقة ليست مجرد الرضى. بل إن الأجوبة الوفيرة تولِّد مزيدا من الأسئلة! وبحسب خبرتي، كلما كان طرح السؤا ل أسهل وكان الجواب أكثر فائدة، أصبح لدي مزيد
عدد الصفحات ٢٤٦247 من الأسئلة. وفي حين أنالآلة تستطيع توسيع الأجوبة بلا تناه، فإن المدة المتاحة لنا لصياغة السؤال التالي محدودة جدا. فثمة عدم تناظر بين العمل اللازم لتوليد سؤال جيد والعمل اللازم لاستيعاب الجواب. وتصبح الأجوبة رخيصة ، وتغدو الأسئلة ثمينة، على النقيض من الحالة الراهنة. وقد توقع بابلو بيكاسو Pablo Picasso على نحو ذكي هذاالانعكاس في عام 1964 عندما قال للكاتب ويليام فيفيلد William Fifield :«الحواسيب عديمة الفائدة، فهي لا تعطيك سوى أجوب ة فقط». أخيرا، يشجع عالم الإجابات الوفيرة الفائقة الذكاء البحث عن السؤال الأمثلي. فما الذي يجعل السؤال أمثليا؟ المفارقة هي أن أفضل الأسئلة لي ست هي التي تؤدي إلى إجابات، لأن الإجابات في طريقها لتصبح رخيصة ووفيرة. إن السؤال الجيد يستحق مليون جواب جيد. يشابه السؤال الجيد السؤال الذي طرحه ألبرت آينشتاين على نفسه عندما كان صبيا صغيرا: «ماذا كنت سترى لو كنت مسافرا على شعاع من ضوء؟ » .وأدى ذلك السؤال في النهاية إلى نظرية النسبية، وا لى المعادلة 2mcE=، وا لى العصر الذري السؤال الجيد لا يهتم بجواب صحيح. السؤال الجيد غير قابل للإجابة عنه فورا. السؤال الجيد يتحدى الإجابات الموجودة. السؤال الجيد هو سؤال تريد بإصرار جوابا له فور سماعك إياه، وليست لديك أي معرفة بأنك اكترثت له قبل طرحه. السؤال الجيد يخلق مناخا جديدا من التفكير. السؤال الجيد يعيد تأطير أجوبته. السؤال الجيد هو بذرة إبداع في العلم والتكنولوجيا والفن والسياسة والأعمال. السؤال الجيد هو مسبر أو سيناريو استقصائي. السؤال الجيد يلتف على حافة ما هو معروف وغير معروف، وليس تافها أو عديم الأهمية. السؤال الجيد لا يمكن التنبؤ به. السؤال الجيد يدل على عقل مثقف. السؤال الجيد هو السؤال الذي يولد كثيرا من الأسئلة الجيدة الأخرى. السؤال الجيد هو ربما آخر مهمة سوف تتعلم الآلة الإجابة عنه. السؤال الجيد هو عن الغرض من وجود البشر.
عدد الصفحات ٢٤٧248 ••• ما هوالشيء الذي نصنعه بآلتنا الخاصة بالسؤال والجواب؟ إن مجتمعنا يبتعد عن انتظام الهرمية الصارم إلى انسياب اللامركزية. إنه ينتقل من الأسماء إلى الأفعال، ومن المنتجات الملموسة إلى التحو لات اللاملموسة، ومن الوسائط الثابتة إلى وسائط إعادة المزج الفوضوية، ومن المخازن إلى التيارات في الإنترنت. وينتقل محرك القيمة من يقينية الأجوبة إلى ريبة الأسئلة. و الحقائق والانتظام والأجوبة سوف تكون دائما مطلوبة ومفيدة، ولذا لن تتلاشى، و على غرار الحياة الجرثومية والمواد الصلبة، سوف تستمر الحقائق بتعزيز حضارتنا . إلا أن التكنولوجيا الجديدة، إضافة إلى أثمن جوانب حياتنا وأكثرها تغيرا وأعلاها قيمة وأكثرها إنتاجا، سوف تكون في المقدمة وعند حواف الضبابية والفوضى والانسياب والأسئلة. وسوف تبقى تكنو لوجيات توليد الأجوبة أساسية إلى حد أن الأجوبة سوف تنتشر مجانا تقريبا في كل مكان وعلى نحو فوري وموثوق . أما التكنولوجيات التي تساعد على توليد الأسئلة فسوف تكون أعلى قيمة. و قد يُنظر إلى صانعي الأسئلة على أنها المحركات التي تولِّد حقولا وصناعات وماركات وا مكانا ت وقارات جديدة يستطيع جنسنا الشديد النشاط استقصاءها. إن التساؤل ببساطة أقوى من الإجابة.
عدد الصفحات ٢٤٨249 12 البداية BEGINNING بعد آلاف السنين من الآن، عندما يراجع المؤرخون الماضي، سوف يُرى زماننا الحالي القديم في بداية الألفية الثالثة على أنه لحظة مذهلة. فهذا هو الوقت الذي ربط فيه سكان هذا الكوكب نفسهم أول مرة معا بواسطة شيء كبير جدا. وفيما بعد، سوف يصبح هذا الشيء الكبير جدا أكبر، أما أنت وأنا فقد كنا حي يْ ن في اللحظة التي استيقظ فيها أول مرة. وسوف يحسد نا أناس المستقبل ويتمنون أن يكونوا قد شهدوا الميلاد كما رأيناه. إن هذه السنوات هي التي بدأ البشر فيها بإضفاء الحياة على الأشياء الخاملة مع قدر ضئيل من الذكاء، و بحبكها في سحابة من الآلات الذكية، رابطين مليارات من عقولهم معا من أجل تكوين هذا العقل الفائق الواحد. وسوف يُرى هذا التقارب على أنه أكبر الأحداث وأعقدها وأكثرها إدهاشا على الكرة الأرضية حتى هذا الزمن. و بجدل أعصاب من الزجاج والنحاس و الأمواج الراديو ية، بدأ جنسنا بالربط بين جميع المناطق والعمليات والناس والتحف والمُح س ات والحقائق والأمم ضمن شبكة عظمى من التعقيد الذي لم يتخيله أحد من قبل. ومن هذه الشبكة الوليدة وُل د إنترفاس تعاوني لحضارتنا، وهو جهاز استشعار واستعراف ذو مقدرة تفوق مقدرة أي اختراع سابق. وهذا الاختراع العظيم، أو هذا المتعضي أو هذه الآلة، إنْ أردنا تسميته كذلك، يشتمل على جميع الآلات التي صُنعت، ولذا سوف يكون ثمة في المحصلة شيء واحد فقط ينتشر في حياتنا إلى حد أنه يصبح ضروريا لهويتنا. ويوفر هذا الشيء الكبير الهائل طريقة جديدة من التفكير (بحث مثالي، استذكار تام، رؤية شاملة) وعقلا جديدا لجنس قديم. إنه البداية. وهذه البداية هي عملية عمرها قرن من السنين، وتخب طها في تقدمها رتيب ، وقواعد بياناتها واتصالاتها الكثيفة مملة. أما هذا العقل الشامل البازغ في الزمن الحقيقي فيبدو أنه ذو أوجه إما سخيفة ولا قيمة لها أو مروعة. وثمة فعلا كثير ممن تساورهم مخاوف مشروعة عليها ، لأنه لم يُترك جانب واحد من الثقافة أو الطبيعة البشرية دون أن يلمسه إيقاع هذا النبض. لكن نظرا إلى أننا أجزاء شيء بدأ العمل في مستوى أعلى منا، فإن شكل هذا الشيء البازغ الكبير جدا مبهم وغامض . وكل ما نعرفه ه و أنه من بدايته الأولى يزعزع ال نظام القديم. ولذا يجب توقع ردة فعل عنيفة. ماذا نسمي هذه التحفة الكبير ة جدا؟ هل هي حية أكثر من آلة؟ ثمة في لبها 7 مليارات نسمة، وسوف يصبحون 9 مليارات قريبا، يغطون أنفسهم بسرعة بطبقة من الاتصالات في حالة عمل دائم و تقترب من الربط المباشر لأدمغتهم بعضا ببعض. قبل مئة سنة، تخي ل هربرت جورج و ل ز Herbert George Wells هذا الشيء الكبير على أنه دماغ العالم. وسماه تيلارد دي تشارد ن Teilhard de
عدد الصفحات ٢٤٩250 Chardin كرة الأفكار البشرية. وسماه البعض عقل العالم، و شب هه آخرون بكائن كوني فائق يتألف من مليارات العصبونات السليكونية المصن عة. ومن أجل التبسيط والإيجاز، أنا أسمي هذه الطبقة من العالم هولوز holos، وأضمِّن فيه الذكاء الجماعي لجميع البشر، إضافة إلى السلوك الجماعي لجميع الآلات، و ا لى ذكاء الطبيعة وأي سلوك ينبثق من ذلك الكل. وهذا الكل هو الهولوز. وببساطة، فإن حجم ما نحن صائرين إياه صعب الاستيعاب. إنه أكبر شيء صنعناه. ولنأخذ العتاد فقط، على سبيل المثال. ثمة اليوم 4 مليارات هاتف نقال ، ومليارا حاسوب موصولة معا ضمن قشرة خالية من الانقطاعات تلف الكرة الأرضية. ويُضاف إلى كل ذلك مليارات الرقاقات المحيطية والتجهيزات المرتبطة بها، من الكمرات حتى السيارات والتوابع الصنعية. في عام 2015، كان ثمة فعلا ما مجموعه 15 مليار جهاز، جميعها متصلة معا ضمن دارة كبيرة واحدة. ويحتوي كل من تلك الأجهزة على مليار حتى أربعة مليارات ترانزستور. لذا فإن الهولوز يعمل بسكستيليون ترانزيستور 2110). ويمكن النظر إلى تلك الترانزستورات على أنها عصبونات في دماغ ضخم. إن الدماغ البشري يحتوي على نحو 86 مليار عصبون، وهذا مقدار أصغر بتريليون مرة من عدد عصبونات الهولوز. ومن حيث التعقيد، ي تفوق الهولوز على أدمغتنا كثيرا . و في حين أن حجوم أدمغتنا لا تتضاعف كل بضع سنوات، فإن عقل الهولوز يتضاعف. ويعمل عتاد الهولوز اليوم كحاسوب افتراضي كبير جدا مصنوع من كثير من الرقاقات الحاسوبية التي يضاهي عددها عدد الترانزيستورات في الحاسوب. وتعمل وظائف المستوى الأ على في الحاسوب الافتراضي بسرعة الحواسب الشخصية القديمة تقريبا. فهي تعالج مليو ن بريد إلكتروني كل ثانية، ومليون رسالة كل ثانية، وهذا يعني أن الهولوز من حيث الجوهر يعمل حاليا بسرعة 1 ميغا هرتز ويساوي حجم ذاكرة التخزين الخارجية فيه نحو 600 إكسابايت اليوم. وفي أي ثانية، تعبُ ر أعصاب هيكله الأساسي 10 ترا بت. وهو يحتوي على منظومة مناعة قو ية تلتقط السبامات من خطوط الاتصالات الأساسية وتلتف على الأعطال في نوع من التعافي الذاتي. لكن من سوف يكتب البرمجيات التي تجعل هذه المنظومة العالمية مفيدة ومنتجة؟ إننا نحن من يفعل ذلك. نحن نظن أننا نهدر الوقت عندما نتصفح الإنترنت بغباء ، أو نرسل شيئا إلى أصدقائنا، لكن في كل مرة ننقر فيها على وصلة نقوِّي عقدة في مكان ما من عقل الهولوز، وبذلك نقوم ببرمجته من خلال استعماله. تخي ل المئة مليار مرة في اليوم التي ينقر فيها الناس على صفحة وب والتي تُعتبر sextillion
عدد الصفحات ٢٥٠251 طريقة لت عليم الهولوز ما نعتقد أنه هام. في كل مرة نكوِّن فيها رابطا بين كلمات، نعلِّ م هذه الآلة فكرة. هذه هي المنصة الجديدة التي سوف نحيا حياتنا عليها: ساحة دولية دائمة العمل. عند وتائر التبني التكنولوجي الحالية، أُقدِّر أن كل شخص حي على الأرض سوف يكون قادرا بحلول عام 2025 على الوصول إلى هذه المنصة من خلال جهاز ما مجاني تقريبا. وسوف يكون الجميع عليها أو فيها، أو ببساطة سوف يكون كل شخص جزءا منها. لن تكون هذه المنظومة الكبيرة الشاملة مدينة خيالية فاضلة. حتى بعد ثلاثة عقود من الآن، س وف تبقى الحواجز المناطقية موجودة في هذه السحابة. وسوف تكون في بعض الأجزاء جدران نار، وسوف تُراق ب وتُخصخص. وسوف تتحكم الشركات الاحتكارية بجوانب من البنية التحتية برغم كون احتكارات الإنترنت هشة ومؤقتة وعرضة ل لتغيير المفاجئ من قبل المنافسين. ومع أن الولوج الأصغري سوف يكون عاما، فإن سرعة نقل البيانات العالية سوف تكون غير متجان سة، بل سوف تترك ز في المناطق المدنية. وسوف يحصل الأغنياء على إمكانات الولوج الرئيسية. وباختصار، سوف يشابه توز ع الموا رد بقية مناحي الحياة. لكن ذلك حاسم وتحويلي، وحتى أقلنا سوف يكون جزءا منه . في الوقت الراهن، أي في البداية، تغطي هذه الشبكة غير الكاملة 51 مليار هكتار، وتلامس15 مليار آلة، وتتعامل مع4 مليارات من العقول البشرية في الزمن الحقيقي، وتستهلك 5 بالمئة من كهرباء الكرة الأرضية، وتعمل بسرعات تفوق كثيرة السرعات ال بشرية، وتتعق ب نصف عدد ساعات يومنا، وتمثِّ ل مجرى تدفق معظم أموالنا. أما مستوى تنظيمها فهو أعلى بدرجة من مستوى تنظيم أكبر الأشياء التي صنعناها حتى الآن، وهي المدن. وتذكِّر هذه القفزة في المستويات بعض الفيزيائيين بالانتقال الطوري الذي يمثل الانقطاع المفاجئ في الحالة الجزيئية بين الجليد والماء، أو الماء والبخار، على سبيل المثال. يتصف فرق درجة الحرارة أو الضغط بين طورين متجاورين بأنه ضئيل جدا تقريبا، لكن إعادة الترتيب الجوهرية التي تحصل عبر العتبة تجعل المادة تتصرف بطريقة جديدة كليا. فالماء هو بالتأكيد حالة مختلفة عن الجليد. و يبدو الترابط الشامل الواسع النطاق لهذه المنصة الجديدة أول وهلة وكأنه م جرد امتداد لمجتمعنا المعهود. ويبدو أنه يضيف مجرد علاقات رقمية إلى علاقاتنا الحالية القائمة على التقابل مباشرة وجها لوجه. ونحن نضيف بضعة أصدقاء آخرين، ونوسع شبكة معارفنا ومصادر أخبارنا، ونرقمن حركاتنا. لكن في الواقع، ومع استمرار هذه الأشياء بالتزايد المستمر ، على غرار الضغط ودرجة الحرارة اللذين 1 هكتار 10000 متر مربع = 10 دونم. المترجم
عدد الصفحات ٢٥١252 يتزايدان ببطء، فإننا نعبر نقطة انعطاف أو عتبة تعقيد يصبح عندها التغير غير مستمر، بل يحصل على شكل مفاجئ كالانتقال الطوري، ونصبح فجأة في حالة جديدة، أي في عالم مختلف ذي معايير جديدة. إننا في بداية تلك العملية، أي عند نقطة التغير الطوري المفاجئ بالضبط. وفي هذه المنظومة الجديدة، تتلاشى القوى الثقافية القديمة التي من مثل السلطة المركزية والتجانس، وتأخذ قوى جدي دة، من مثل تلك التي أصفها في هذا الكتاب ومنها التشارك والولوج والتعق ب، بالهيمنة على هيئاتنا وحياتنا الشخصية. ومع تر س خ الطور الجديد، تستمر تلك القوى بالاشتداد. لكن التشارك ما زال في بدايته فقط، مع أنه يبدو للبعض أن ثمة إفراطا فيه . والانتقال من التملك إلى الولوج يكاد يكون قد بدأ. وال تدفق والبث في الإنترنت ما زالا ضحلين. وفي حين أن نا نبدو وكأنه يجري تعق بنا كثيرا بالفع ل، فإننا سوف نقوم بالتعق ب أكثر من ذلك بألوف المرات في العقود القادمة. فكل من تلك الوظائف سوف تُسر ع بتذكية عالية الجودة وُل دت في الآونة الأخيرة وسوف تجعل أذكى الأشياء التي نصنعها اليوم تبدو شديدة الغباء. وليس أي منها نهائي. فتلك التحو لات ليست سوى الخطوة الأولى في عملية التحو ل. إنها البداية. انظر إلى صورة أقمار صنعية للأرض في الليل من أجل أخذ فكرة عن هذا الكائن الكبير جدا فثمة تجمعات ساطعة من أضواء المدن الوامضة التي تترك آثارا من أنماط عضوية على الأرض العاتمة. وتخفت أنوار المدن عند أطرافها تاركة ذيولا من طرقات مضاءة رفيعة طويلة تصل تجمعات المدن البعيدة. وتتفرع مسارات الأضواء الصادرة كغصون الأشجار. إن الصورة مألوفة جدا، فالمدن تشابه عقد الخلايا العصبية، والطرقات المضاءة تشابه المحاور الع صبية المتصلة بالوصلات العصبية. إن المدن هي عصبونات الهولوز. ونحن نعيش داخل هذا الشيء. و هذا الوليد الكبير جدا في حالة عمل مستمر منذ 30 عاما على الأقل. أنا أعرف آلة أخرى من أي نوع عملت مدة كهذه من دون تعط ل. وفي حين أن أجزاء منها يمكن أن تتعطل مؤقتا يوما ما بسبب انقطاع الكهرباء أو عدوى فيروسية، فإنه من غير المحتمل للمنظومة أن تتعطل برمتها في العقود القادمة. لقد كانت أكثر الأشياء التي صنعناها وثوقية، وسوف تبقى كذلك على الأرجح.
عدد الصفحات ٢٥٢253 تذكِّر صورة هذا الكائن الفائق البازغ بعض الع لماء بمفهوم ’المتفرد .‘و ’المتفرد ‘ هو مصطلح مستعار من الفيزياء ويصف أفقا من غير الممكن معرفة ما وراءه. وثمة نوعان منه في الثقافة العامة: متفرد صلب ومتفرد لين. والمتفرد الصلب هو مستقبل يأتي من خلال انتصار الذكاء الفائق. عندما تخلق ذكاء صنعيا قادرا على جعل ذكاء أذكى من نفسه، فإن من الممكن صنع أجيال من الذكاء الصنعي أكثر ذكاء. و بالمحصلة، يمكن للذكاء الصنعي أن يحسِّن نفسه من خلال دورات تسريع لانهائية بحيث أن كل جيل أذكى يُستكمل على نحو أسرع من الجيل السابق له إلى أن تصبح الذكاءات الصنعية فجأة جدا على درجة من الذكاء تستطيع معها حل كل المشكلات الق ائمة بحكمة كحكمة الآلهة، وتتركنا، نحن بني البشر، وراءها. وتسمى متفردا لأنها أبعد مما نستطيع استيعابه. ويدعو البعض ذلك بـ ’اختراعنا الأخير ‘. لكنني أرى أن هذا السيناريو غير محتمل لسباب مختلفة. أما المتفرد اللين فهو أعلى أرجحية. في هذا السيناريو المستقبلي، لا تصبح الذكاءات الصنعية ذكية إلى حد أن تستعبدنا (على غرار النسخ الشيطانية من البشر الأذكياء)، بل يحصل تقارب بين الذكاء الصنعي والروبوتات والترشيح والتعق ب وكافة التكنولوجيات التي أشرت إليها في هذا الكتاب، وا لتي تشتمل على البشر والآلات، وننتقل معا إلى اعتماد متبادل معقد. وعند هذا المستوى، يحصل العديد من الظواهر على نطاقات أعظم من حياتنا الر اهنة، وأعظم مما نستطيع استيعابه. وذاك من معالم المتفرد. إنه نظام جديد تجعلنا مخلوقاتنا فيه بشرا أفضل، لكننا لا نستطيع العيش من دونها. لو كنا نعيش ضمن جليد صلب، لكان هذا سائلا في حالة طورية جديدة. لقد بدأ هذا التغي ر الطوري فعلا، ونحن مندفعون بقوة نحو ربط كل الب شر والآلات معا على نحو وثيق ضمن حاضنة شاملة. وتلك الحاضنة ليست شيئا مصطنعا، بل هي عملية. إن شبكتنا الفائقة الجديدة هي موجة من التغي ر تُبرز بثبات إلى الوجود تشكيلات جديدة من احتياجاتنا ورغباتنا. و المنتجات والماركات والشركات التي سوف تحيط بنا في غضون الثلاثين سنة غير قابلة للتنبؤ بها على الإطلاق. وسوف تعتمد التفاصيل حينئذ على الاتجاه الذي تهب منه رياح الحظ والمصادفة. لكن الاتجاه العام لهذه العملية، المفعمة بالحيوية الواسعة النطاق، واضحة وجلية. وسوف يتابع الهولوز في الثلاثين سنة القادمة الميل نحو نفس الاتجاه الذي اتخذه طوال الثلاثين سنة السابقة: نحو تزايد التدفق والت شارك و التعقب والولوج والتفاعل والعرض والمزج والترشيح والتذكية والتساؤل وال تحو ل. ونحن نقف في هذه اللحظة عند البداية. والبداية طبعا قد بدأت لتوها. singularity
عدد الصفحات ٢٥٣254 كلمة شكر أنا مدين لبول سلوفاك Paul Slovak، محرري ل دى فيكينغ الذي دعم طويلا جهودي في إضفاء معنى على التكنولوجيا، ولوكيلي جون بروكمان John Brockman الذي اقترح هذا الكتاب. وقد اعتمدت في النصائح التحريرية لأول مسودة من الكتاب على ج يْ شيفر Jay Schaefer، مرشد تحرير الكتب المقيم في سان فرانسيسكو. وقامت المختصة بالمكتبات كاميل هارتسل Camille Hartsell بمعظم أعمال البحث عن المعلومات وأعدت الملاحظات الختامية الكثيرة. وساعدتها كلوديا لامار Claudia Lamar في أعمال البحث والتحق ق من صحة الوقائع والصياغة وتنسيق النص. وتكبد اثنان من زملائي السابقين لدى مجلة واير، وهما ر سْ ميتشل Russ Mitchell وغاري وولف Gary Wolf، عناء قراءة المسودة الأولى وقدما مقترحات هامة ضمن تها في الكتاب. وخلال السنوات التي كتبت فيها هذا الكتاب، استفدت من الوقت الثمين لكثير ممن أجريت مقابلات معهم، ومنهم جون باتيل John Battelle ومايكل نيمارك Michael Naimark وجارون لنييرJaron Lanier وغاري وولف ورودني بروكس Rodney Brooks وبروستر كالهBrewster Kahle وألان غرين Alan Grene وهال فاريان Hal Varian وجورج ديسون George Dyson وا يتان زوكرمان Ethan Zuckerman. وأشكر محرري مجلة و اير ومجلة نيويورك تايمز الذين كانوا فعالين في تشكيل نسخ أولى من أجزاء من الكتاب. وأهم شيء هو أنني أهدي هذا الكتاب إلى أسرتي: جيامين وك يْلين وتينغ وتيوين الذين ساعدو ني على الاستقرار والاستمرار في التطلع إلى الأمام. شكرا لكم.
عدد الصفحات ٢٥٤255 نتسكيب البياني graphic Netscape كويد Quid بل يْستيشن ناوْ PlayStation Now سكاندو Scanadu سلاشدوت Slashdot أدوبي Adobe جنرال موتورز General Motors فول كابس موتلي Motley Fool Caps كْر يْغْليست Craigslist ب يْشنتس لايك مي PatientsLikeMe بينْتر ست Pinterest ريثينك روبوتيكس Rethink Robotics ب ت رمنت Betterment ويلثفرانت Wealthfront ديغ Digg ستامبل أب ن StumbleUpon ردِّيت Reddit ت نْسنت TenCent ب يدو Baidu ديبمايند DeepMind سيري Siri ياهو Yahoo! بينغ Bing ب يدو Baidu سيسكو Cisco الجغرافيا الوطنية National Geographic تي إي دي TED
عدد الصفحات ٢٥٥256 لينُكس Linux نوبيديا Nupedia ي لب Yelp ب زْفيد BuzzFeed كريغليست Craigslist آي تيون iTunes آي فون iPhone آردوينو Arduino ب يْبال PayPal وايبو Weibo إم-بيزا M-Pesa سكوير Square أليب يْ Alipay رد هات Red Hat أباتشي Apache بت تورنت BitTorrent نابستر Napster أبل ب يْ Apple Pay فيتبت Fitbit فورسكوير Foursquare صن Sun سكانادو Scanadu سكاوت Scout هاي فيديليتي High Fidelity ماينكرافت Minecraft ماجيك ليب Magic Leap 99دزاين 99Designs
عدد الصفحات ٢٥٦