209 إلكترونيات البوصلة بحيث تهتز أجزاء مختلفة من الحزام تبعا لاتجاه الشمال، وذلك بدلا من إبرة البوصلة: الجزء من دائرة الحزام الذي يواجه الشمال يهتز دائما. وارتدى ف اختر الحزام على خصره وأصبح يحس بالشمال من خلال اهتزازاته. وفي غضون أسبوع من ارتداء حزام الشمال دائما، أصبح لديه إحساس لا يُخطئ بالشمال. وكان إحساسا غير واع. فقد استطاع أن يشير إلى الشمال من غير تفكير. كان يعرفه وحسب. وبعد عدة أسابيع، اكتسب إحساسا قويا إضافيا بالمكان، من مثل أين كان في المدينة، كما لو كان يحس بخريطة 315 .وهنا اندمج التكميم الناجم عن التعق ب الرقمي ضمن إحساس جسدي جديد كليا. على المدى الطويل، سوف يكون هذا هو مصير كثير من تيارات البيانات المستمرة ال تدفق من مُح س اتنا الجسدية. إنها لن تكون أرقاما، بل حواس جديدة. وهذه الحواس الصنعية الجديدة أكثر من آسرة . لقد تطورت حواسنا الطبيعية على مدى ملايين السنين من أجل ضمان بقائنا على قيد الحياة في عالم من الش ح. فقد بقي التهديد بعدم توفر ما يكفي من الحريرات أو الملح أو الدسم مستمرا دون توقف. ووفقا لما بي نه مالتوس وداروين، تتزايد أعداد كل الكائنات الحية حتى حدود جوعها بالضبط. أما اليوم، عندما أدت التكنولوجيا إلى شيوع الوفرة، أصبح تهديد البقاء كامنا في فرط توفر الأشياء الجيدة. فالخير الوفير يقذف باستقلابنا وحالاتنا النفسية بعيدا عن التوازن. لكن أجسادنا لا تستطيع تسجيل تلك ال لاتوازنات الجديدة جيدا. فنحن لم نتطور لنُحس بضغط دمنا أو مستوى سكرنا. أما تكنولوجيتنا، فتستطيع. على سبيل المثال، يبلغ حجم أداة للتعق ب الذاتي، اسمها سكاوت من شركة سكانادو ، حجم ميقاتية من طراز قديم. وهي حين وضعها جبهتك، تقيس ضغط دمك ومعدل نبضك المتغير وكهر باء وظائف قلبك ومستوى الأكسجين لديك ودرجة حرارتك وناقلية جلدك الكهربائية ، جميعا في نفس اللحظة. ويوما ما، سوف تقيس أيضا معدل السكر في دمك. وتطوِّر أكثر من شركة ناشئة في وادي السليكون أداة تراقب الدم دون جراحة أو ثقب الجلد، وذلك من أجل تحليل المؤشرات الدموية يوميا. وسوف يرتدي كل منا في النهاية تلك الأدوات. وبأخذ هذه المعلومات وا عادتها إلى أجسادنا، ليس على شكل أرقام، بل بصيغة نُ ح س بها، من قبيل اهتزاز في الر سغ أو ضغط على الورك مثلا، سوف يزودنا ذلك الجهاز بحاسة جديدة عن أجسادنا لم نطورها، ولكننا بحاجة ماسة إليها. إن التعق ب الذاتي أوسع كثيرا من مجرد تعق ب الحالة الصحية. فهو واسع كسعة حياتنا نفسها. إذ يمكن لأعين وآذان صنعية رقمية قابلة للارتداء أ ن تسجل كل ثانية من يومنا، و م ن رأينا و ماذا قلنا،
عدد الصفحات ٢٠٩210 وذلك من أجل مساعدة ذاكرتنا. وتمثل رسائل بريدنا ونصوصنا، حين خزنها، مفكرة مستمرة لعقولنا. وبإمكاننا أيضا تسجيل الموسيقى التي سمعناها، والكتب والمقالات التي قرأناها، والأماكن التي زرناها. ويمكن أيضا لأحداثنا الهامة وتحركاتنا واجتماعاتنا اليومية، إضافة إلى أعمالنا وأحداثنا غير الروتينية، أن تُحو ل إلى بتات وأن تُدمج معا ضمن دفق زمني واحد. يسمى هذا الدفق بتيار الحياة. وأول من وصف هذا التيار هو عالم الحاسوب ديفيد غ ل ر نْ ت ر David Gelernter،وذلك في عام 1999. فقد قال عنهأنه أكثر من مجرد أرشيف بيانات. و صو ر تيارات الحياة على أنها إنترفاس تنظيمي جديد للحواسيب. فعوضا عن حاسوب سطح المكتب القديم، ثمة تيار متسلسل جديد. وبدلا من متصفح الوب، ثمة متصفح تيار. وقد عر ف غ ل رنْت ر وتلميذه الخريج الجامعي إريك فريمان Eric Freeman بنيان تيار الحياة على النحو التالي تيار الحياة هو تيار زمني لوثائق تمثل مفكرة حياتك الإلكترونية. فكل وثيقة تصنعها، وكل وثيقة يرسلها إليك آخرون ، تُخزن ف ي تيار حياتك. ويحتوي ذيل تيارك على وثائق من الماضي (بدءا من شهادة ميلادك الإلكترونية). وبالابتعاد عن الذيل باتجاه الحاضر، يحتوي تيارك على وثائق أحدث من مثل الصور والمراسلات والفواتير والأفلام والبريد الصوتي والبرمجيات. وبالابتعاد عن الحاضر نحو المستقبل، يحتوي التي ار على وثائق سوف تحتاج إليها: مفكرات ومواعيد وأشياء عليك القيام بها316. بإمكانك أن تجلس وتشاهد وصول وثائق جديدة: فهي تأتي في مقدمة التيار. وتتصفح التيار بتحريك مؤشر الفأرة على طوله: المس وثيقة معروضة فتقفز صفحة أمامك بقدر يمكِّنك من إلقاء نظرة على محتوياتها. و تستطيع العودة إلى الوراء في الزمن أو الذهاب إلى المستقبل لترى ما يُفترض أن تفعله في الأسبوع أو العقد القادمين. إن حياتك المعلوماتية بأسرها موجودة هناك أمامك317. وكل شخص يولِّد تيار حياته. و عندما ألتقيك، يتقاطع تيار حياتك وتيار حياتي في الزمن. وا ذا كنا سنلتقي الأسبوع القادم، تقاطعا في المستقبل. وا ذا التقينا، أو حتى تشاركنا في صورة في السنة الفائتة، يكون تيار ا حياتينا قد تقاطعا في الماضي. ويصبح تيارانا مجدولين جدلا غنيا مع تعقيد شديد، لكن الطبيعة الزمنية الصارمة لكل م نهما تعني أنه من السهل تصفحهما. ونحن ننزلق بشكل طبيعي على طول خط الزمن للوصول إلى حدث ما. «حصل ذلك بعد رحلة عيد الميلاد، لكن قبل عيد ميلادي ». وتكمن مزية تيار الحياة ، بصفته استعارة مجازية تنظيمية بحسب قول غ ل رنْت ر ، في أن «للسؤال’أين
عدد الصفحات ٢١٠211 وضعت تلك القطعة منالمعلومات؟‘ جوابا واحدا دائما: إنها في تياري. إن فكرة خط الزمن ، أو التسلسل الزمني ، أو المفكرة أو المجلة اليومية أو دفتر المسودة ، أقدم كثيرا وأكثر تعضيا وتجذرا في الثقافة والتاريخ البشريين من فكرة هرمية الملفات » .وقد قال غ ل رنْت ر لممثل شركة الحو اسيب ص نْ : «عندما يصبح لدي مثلا ما أتذكره عن حديثي إلى م ليس ا بعد ظهر يوم مشمس خارج م طعم ر د باروت، ليس علي أن أعطيه اسما، أو تصنيفه في مجلد. فأنا أستطيع أن أستعمل أي شيء في الذاكرة كمفتا ح لاستعادته. ولن يكون علي تسمية الوثائق الإلكترونية أيضا، أو وضعها في مجلدات. ويمكنني نقل تيارات أخرى إلى تياري بقدر ما يُسم ح لي باستعماله منها. ويمكن لتياري الشخصي، ولقصة حياتي الإلكترونية، أن تُنقل إلى تيارات أخرى تخص مجموعات أو منظمات أنا جزء منها. وفي الختام، على سبيل المثال، سوف تكون ثمة تيارات من صحيفة أو مجلة تُنقل إلى تياري أيضا ». لقد حاولغ ل رنْت ر مرات عديدة منذ عام 1999 أن يُنت ج نسخة تجارية من برمجياته، إلا أن ذلك لم ي ر النور أبدا. فالشركة التي اشترت اختراعه اد عت على أبل بتهمة سرقة فكرته عن تيار الحياة واستعمالها في الدعم الاحتياطي لمنظومتها تايم ماشين (من أجل إصلاح ملف في تايم ماشين التي صنعتها أبل، تتحرك على خط الزمن حتى التاريخ الذي تريده حيث تجد ’صورة ‘ لمحتوى حاسوبك في ذلك التاريخ). وفي وسائط التواصل الاجتماعي، لدينا اليوم عدة أمثلة ناجحة لتيارا ت الحياة، منها فيسبوك أو ويتشات في الصين. فتيارك في فيسبوك هو تدفق مستمر من الصور والتحديثات والروابط والمؤشرات وغيرها من التوثيقات المأخوذة من حياتك. وتُضاف قطع جديدة باستمرار إلى مقدمة التيار. وا ذا كنت مهتما، تستطيع إضافة أدوات إلى فيسبوك تلتقط الموسيقى التي تستمع إليها أو الأفلام التي تحمِّلها. حتى إن فيسبوك يوفر إنترفاس مسار زمن ي من أجل مراجعة الماضي. إذ يمكن لتيارات أكثر من مليار شخص آخر أن تتقاطع مع تيارك. وعندما يُعج ب صديق أو شخص غريب بإرسالية أو يضع علامة على شخص في صورة، يتحد هذا ن التياران. ويُضيف فيسبوك كل يوم مزيدا من تيارات الأح داث الجارية وتحديثات الشركة إلى تيار العالم. إلا أن كل ذلك ليس إلا جزءا من الصورة، إذ يمكن النظر إلى تيارات الحياة على أنها تعق ب ن ش ط واع. فالناس يكوِّنون تياراتهم بفعالية عندما يلتقطون صورا بواسطة هواتفهم، أو يضعون علامات على صور أصدقائهم أو ي دخلون عمدا إلى مكان تتوفر فيه خدمة البحث والاستكشاف فورسكوير. وحتى بياناتهم التي تخص تمارين شركة فيتبت الرياضية ، والتي تمثل عدد الخطوات، هي بيانات ن ش طة من حيث أنها صُمِّمت كي يُنْتب ه إليها. إنك لا تستطيع تغيير سلوكك إلا إذا انتبهت إلى حد ما.
عدد الصفحات ٢١١212 وثمة مجال للتعق ب له نفس الأهمية، لكنه ليس واعيا أو ن ش طا، يسمى أحيانا سجل الحياة اليويمة . والفكرة هي أن تتعق ب كل شيء في حياتك كل الوقت تلقائيا وكليا من دون تفكير. سجِّ لْ كل ما يمكن تسجيله من دون تحي ز، طوال حياتك. ولا تهتم بما تسجله إلا في المستقبل حينما تحتاج إليه. يتصف تسجيل الحياة بأنه عملية هدر عديمة الكفاءة لأن معظم ما تسجله لا يُستعمل أبدا. لكن على غرار كثير من العمليات غير الكفوءة (ومنها التطو ر مثلا)، ينطوي سجل الحياة اليومية على عبقرية أيض ا، و لم يصبح ممكنا إلا بعد أن أصبحت الحوسبة والخزن والمُح س ات رخيصة إلى حد يسمح لنا ’بهدر‘ تكلفة قليلة عليها. لقد كان ’الهدر‘ الخلاق للحوسبة وصفة لكثير من أكثر المنتجات والشركات الرقمية نجاحا، حيث تكمن فوائد سجل الحياة اليومية في استعماله المفرط للحوسبة. من أوائل الذين سجلوا حياتهم ت دْ نلسون Ted Nelson في منتصف ثمانينات القرن العشرين (لكن ه لم يعط ها تلك التسمية). فقد سجل نلسون، الذي اخترع النص التشعبي، كل محادثة أجراها مع أي شخص على شريط مغنطيسي صوتي أو فيديوي، بقطع النظر عن المكان والأهمية. و قابل ألوف الناس وتحد ث إليهم، وملأ حاوية كبيرة بأشرطة مسجلة. أما الشخص الآخر الذي سجل حياته فهو ستيف مان Steve Mann في تسعينات القرن العشرين 318. فقد جه ز نفسه عندما كان لدى معهد ماساشوستس للتكنولوجيا MIT بكمرة تُثب ت على الرأس وسجل حياته اليومية على أشرطة فيديو، بكل ما فيها طو ال اليوم على مدار السنة. و أبقى الكمرة طوال 25 سنة في حالة عمل، أثناء استيقاظه. وكانت في كمرته شاشة صغيرة فوق إحدى العينين. وسجلت الكمرة وجهة نظره بصيغة المتكلم، مبشرا بنظارة غوغل قبل عقدين من السنين. وعندما تقابلنا أول مرة في شهر تموز (يوليو) عام 1996، كان يسمي مايفعل أحيانا بـ ’استشعار الذات كميا‘. ونظرا إلى تغطية الكمرة لنصف وجهه، وجدت صعوبة في أن أكون طبيعيا وأنا معه، ومع ذلك فإنه لا يزال يسجل حياته في كل الأوقات. أما غورد ن بل Gordon Bell،لدى مركز بحوث مايكروسوفت ، فقد يكون النموذج المثالي لمسجلي الحياة. فطوال 6 سنوات بدءا من عام2000، قام بتوثيق كل جانب من حياته العملية319 في تجربة كبرى أسماها ماي لايف ب تس. فقد ارتدى حول عنقه كمرة خاصة مفصلة له كانت تلاحظ سخونة جسم أي شخص قريب منه وتصوره كل 60 ثانية. وكانت الكمرة تلتقط أيضا صورة إذا اكتشفت تغي را في الضوء في الأمكنة الجديدة. وقد سجل بل وأرشف كل نقرة على لوحة مفاتيح حاسوبه، وكل رسالة بريد إلكتروني، وكل موقع وب زاره، وكل عملية بحث أجراها، وكل نافذة فتحها على حاسوبه ومدة life logging MyLifeBits
عدد الصفحات ٢١٢213 بقائها مفتوحة. وسجل أيضا كثيرا من محا دثاته، ومك نه ذلك من العودة إليها في كل مرة يحصل فيها خلاف على ما قيل. وصو ر أيضا جميع الأوراق التي وردته ووضعها في ملفات رقمية وحو ل جميع المكالمات الهاتفية إلى نصوص (بعد موافقة الأطراف الأخرى ). وكان أحد مقاصد هذه التجربة معرفة أنواع أدوات تسجيل الحياة التي يمكن أن ترغب شركة مايكروسوفت في اختراعها لمساعدة العاملين على إدارة بحر البيانات التي يولدها تسجيل الحياة هذا، لأن استخلاص المغزى من كل تلك البيانات يمثل تحديا أكبر كثيرا من مجرد تسجيلها. إن الغرض من تسجيل الحياة هو تكوين ذكريات كاملة. إذا احتوى سجل حياتك على كل شيء عشته، أمكنك استحضار أي شيء عايشته حتى لو نسيه عقلك اللحمي. وا ذا كانت حياتك مفهرسة ومحفوظة كليا، أمكنك البحث في سجلها كما تبحث في غوغل. فذاكراتنا البيولوجية على درجة من التفاوت وعدم التجانس تجعل من أي تعويض عن ذلك مكسبا كبيرا. و قد ساعدت نسخة غورد ن بل التجريبية للتذك ر التام على زيادة إنتاجيته. فقد تمك ن من التحقق من الوقائع من محادثات سابقة، أو من استذكار أفكار نسيها. لكن منظومته عانت من مشكلات قليلة في تسجيل حياته رقميا، وهذا عل مه أن استحضار البتات ذات المغزى يحتاج إلى أدوات أفضل. و عل قت أنا على قميصي جهازا ذا كمرة صغيرة مُ له ما بالكمرة التي ارتداها غورد ن بل . يبلغ الحيز الذي تحتله تلك الكمرة نحو 2.5 سنتيمتر مربع، و هي تلتقط صورة ثابتة كل دقيقة طوال اليوم عندما أرتديها. وبإمكان ي أيضا التقاط صورة بالنقر عليها مرتين. وتذهب الصور إلى السحابة حيث تعا ل ج، ثم تعاد إلى هاتفي أو إلى الوب. وتجمِّع برمجياتها الصور بطريقة ذكية ضمن مشاهد تغطي يومي برمته ، ثم تنتقي أكثر ثلاث صور تمثيلا لكل مشهد. وهذا يقلص تيار الصور. وباستعمال هذا الملخ ص المرئي، أستطيع تصفح 2000 صورة في اليوم بسرعة كبيرة، ثم أوسِّع تيار مشهد معين من أجل مزيد من الصور بغية العثور على اللحظة نفسها التي أريد استحضارها. وبذلك أستطيع بسهولة تصفح تيار الحياة ليوم كامل خلال أقل من نصف دقيقة. وقد وجدت ذلك مفيدا قليلا بصفته مفكرة مرئية شديدة التفصيل، وسجل حياة يمكن أن يكون عالي القيمة إذا أُجري بضع مرات فقط في الشهر لكي يكون ذا مغزى. و قد تبين أن المستعملين العاديين يستعملون مفكرة الصور تلك أثناء حضورهم مؤتمرات أو في عطلاتهم، أو حينما يرغبون في تسجيل تجربة عاشوها. إنها مثالية لاستحضار مؤتمر. وهي تلتقط باستمرار صور الأشخاص الجدد الكثيرين الذين تقابلهم. وبكونها أفضل من بطاقة الأعمال، تستطيع بسهولة كبيرة استحضارهم بعد سنوات، واستحضار ما تحدثوا عنه من خلال تصفح تيار حياتك. فتيار
عدد الصفحات ٢١٣214 الحياة ذو الصور يساعد كثيرا في العطلات والمناسبات العائلية. على سبيل المثال، استعملت الكمرة في الآونة الأخيرة أثناء حفل زفاف ابن أخي، حيث التقطت ليس اللحظات الكبرى التي يتشارك فيها الجميع فحسب، بل المحادثات التي أجريتها مع أناس لم أتحدث إليهم من قبل قط. لا يسجل هذا الإصدار من الكمرة صوتا، لكن الإصدار التالي سوف يسجل الصوت. وقد اكتشف بل في بحثه أن أفضل ما يمكن تسجيله من مصادر المعلومات هو الصوت المعزز والمفهرس بالصور. وقد أخبرني أنه إذا لم يُت ح له الحصول إلا على تسجيل واحد فقط، فإنه يفضل التسجيل الصوتي ليومه على التسجيل المرئي. يمكن للإصدار الموس ع من سجل الحياة أن يوفر المزايا الأربع التالية: مراقبة دائمة لمؤشرات الجسم الحيوية الأساسية طوال اليوم، طوال الأسبوع ، على مدار السنة. تخي ل كيف يمكن للصحة العامة أن تتغي ر إذا راقبنا سكر الدم في الزمن الحقيقي باستمرار . تخي ل كيف يمكن لسلوكك أن يتغي ر إذا استطعت، في شبه الزمن الحقيقي، كشف وجود كيماويات حيوية أو سموم في دمك التقطتها من بيئتك. (قد تستنتج قائلا: ’لن أعود إلى هناك ثانية‘). إن تلك البيانات يمكن أن تخدم بصفتها منظومة إنذار، إضافة إلى كونها قاعدة شخصية لتشخيص الأمر اض ووصف الدواء. ذاكرة تفاعلية موس عة للناس الذين قابلتهم والمحادثات التي أجريتها معهم والأماكن التي زرتها والمناسبات التي شاركت فيها . ويمكن لهذه الذاكرة أن تكون قابلة للبحث فيها والاستحضار منها والتشارك فيها. أرشيفا كاملا لكل شيء أنتجته أو كتبته أو قلته. يمكن لتحليل تفصيلي مقارن لأنشطتك أن يساعدك على زيادة و تحسين مقدرتك الإنتاجية والإبداعية. طريقة لتنظيم وتشكيل و’قراءة ‘ حياتك. وبالقدر الذي يحصل التشارك عنده في سجل الحياة هذا، يمكن تحسين أرشيف المعلومات ل مساعدة الآخرين على العمل وت عزيز التفاعلات الاجتماعية. وفي مجال الصحة، يمكن للسجلات الطبية المتشارك فيها أن تُسرِّع كثيرا من وتيرة الاكتشافات الطبية. وبرأي كثير من المتشككين، ثمة صعوبتان تقْصُران تسجيل الحياة على أقلية صغيرة. فأولا، يُ ري الضغط الاجتماعي الحالي أن التعق ب الذاتي هو أكثر ما يمكن أن تفعله إملالا. فمالكو نظارات غوغل سرعان ما أهملوها لأن منظرهم بها لم يعجبهم، و لأنهم شعروا بعدم الراحة وهم يسجلون بين أصدقائهم،
عدد الصفحات ٢١٤215 أو حتى غير مرتاحين لشرح سبب عدم قيامهم بالتسجيل. ووفقا لما قاله غاري وولف Gary Wolf : «يُنظر إلى التسجيل في المفكرة على أنه عمل حسن. أما التسجيل في وريقة جدولة فهو شيء فظيع » . لكنني أعتقد أننا سوف نبتكر بسرعة معايير اجتماعية وا بداعات تكنولوجية لتحديد الأوقات التي يكون تسجيل الحياة فيها ملائما أو غير ملائم. عندما ظهرت الهواتف الخلوية أول مرة في تسع ينات القرن العشرين، أدت أجرا سها إلى ضجيج عال. فقد أخذت بالرنين بأصوات عالية في القطارات والحمامات ودور السينما. وعندما كان الناس يتكلمون بواسطة هواتفهم الخلوية، كانوا يرفعو ن أصواتهم إلى مستويات أصوات الأجراس. فلو تخيلت حينئذ كيف كان سوف يبدو العالم في المستقبل القريب عندما يصبح لدى الجميع هواتف خلوية، لوجدت أنه سوف يصبح ممتلئا بضجيج لا يتوقف. لكن ذلك لم يحصل. بل اختُرعت رج اجات صامتة وبُنيت ضمن الهواتف، وتعل م الناس التراسل بالنصوص، وشاعت معاي ير اجتماعية ناظمة. إنني أستطيع الذهاب إلى السينما اليوم حيث يوجد بحوزة كل شخص هاتف خلوي دون أن أسمع رنة واحدة ، أو حتى أن أرى شاشة مضيئة واحدة. فذلك يُعتبر نقيصة. وسوف نطوِّر نفس النوع من الأعراف الاجتماعية والترتيبات التقنية التي سوف تجعل تسجيل الحياة مقبو لا. ثانيا، كيف يمكن لتسجيل الحياة أن يكون ناجحا إذا ول د كل شخص بتابايت، إن لم نقل إكسابايت، من البيانات كل سنة. فليس ثمة من طريقة لأي شخص للخوض في هذا البحر من البتات. سوف تغرق فيها من دون الحصول على فكرة واحدة منها. وهذا صحيح تقريبا مع برمجيات اليوم. فاستخلاص شيء مفيد من البيانات يمثل مشكلة عويصة مستنزفة للوقت. إذ عليك أن تكون ماهرا في استعمال التقنيات الحسابية، وملما بتقنيات البحث، ولديك دوافع قوية لاستخلاص المغزى من تيار البيانات التي تولِّدها. وهذا هو سبب أن التعق ب الذاتي ما زال رياضة للأقلية. لكن الذكاء الصنعي الرخيص سوف يتجاوز كثيرا من ذلك. فالذكاء الصنعي الموجود في مختبرات البحث قوي بقدر كاف لا ستقصاء مليارات السجلات والخروج بأنماط هامة ذات مغزى. على سبيل المثال، نفس الذكاء الصنعي الموجود لدى غوغل والذي يصف ما يحصل في صورة عشوائية يستطيع (عندما يكون رخيصا بقدر كاف) هضم الصور التي التقطتها كمرتي المعلقة بقميصي، ولذا أستطيع أن الطلب إليها شفهيا باللغة الطبيعية أن تبحث عن الشخص الذي كان مرتديا قبعة قرصان في حفلة حضرتها قبل بضع سنوات. و فورا ت قول لي هاك إياها، ويرتبط تياره بتياري. أو قد أطلب منها تحديد مواصفات الغرف ة التي يمكن أن تزيد من spetabyte .1510 بايت. المترجم exabytes .8110 بايت. المترجم
عدد الصفحات ٢١٥216 معدل نبضي. هل هو لونها، أم درجة حرارتها، أم ارتفاع سقفها؟ وبرغم أن ذلك يبدو ساحرا ولافتا اليوم، فإنه سوف يُعتبر طلبا عاديا جدا في غضون عقد من السنين، وغير مختلف عن الطلب من غوغل العثور على شيء، وهذا شيء كان من الممكن أن يبدو سحرا قبل عشرين سنة. لكن الصورة ما زالت غير كبيرة بقدر كاف . فنحن، إنترنت الناس، سوف نتعق ب أنفسنا ومع ظم حياتنا. لكن إنترنت الأشياء أكبر كثيرا، ومليارات الأشياء سوف تتعقب أنفسها أيضا. وفي العقود القادمة، سوف يحتوي كل شيء تقريبا يجري صنعه على قطعة صغيرة من السليكون متصلة بالإنترنت. وا حدى عواقب ذلك الاتصال الواسع النطاق هي أنه سوف يصبح من المجدي تعق ب كيفية استعمال كل شيء بدقة عالية. فمثلا، تحتوي كل سيارة صُنعت منذ عام 2006 على رقاقة تشخيص صغيرة مثبتة تحت لوحة السائق. وتسجِّل تلك الرقاقة كيف ية استعمالك لسيارتك. فهي تتعقب المسافة المقطوعة وعند أي سرعة، وأوقات الفرملة المفاجئة، والسرعة عند المنعطفات، واستهلاك الوقود. وقد كانت تلك البيانات قد صُمِّمت أصلا من أجل المساعدة على إصلاح السيارة. وتقوم بعض شركات التأمين بتخفيض رسم تأمينك للسيارة إذا سمحت لها بالوصول إلى سجل التشخيص الموجود في الرقاقة. فالسائقون الحذرون يدفعون رسوم تأمين أقل. ويمكن أيضا تعق ب مواقع الس يارات ب واسطة الجي بي إس بدقة كبيرة، ولذا من الممكن تحديد ضرائب السائقين تبعا للشوارع التي يستعملونها ولعدد مرات استعمالها. وبذلك يمكن اعتبار رسوم الاستعمال بمثابة رسوم مرور افتراضية أو ضرائب تلقائية. تُصم م إنترنت الأشياء ، وطبيعة السحابة التي تحوِّم فيها، من أجل تعق ب البيانات. فالـ 34 مليار جهاز المفعل بالإنترنت 320 التي نتوقع إضافتها إلى السحابة خلال السنوات الخمس القادمة، تُصنع من أجل إرسال واستقبال البيانات التي تُبنى السحابة من أجل الاحتفاظ بها. و كل شيء يلامس هذه السحابة وهو قابل للتعق ب سوف يُتعق ب. في الآونة الأخيرة، وبمساعدة الباحث كاميل هارتسل Camille Hartsell، أحصيتُ جميع التجهيزات والمنظومات الموجودة في الولايات المتحدة والتي تتعق بنا على نحو منتظم. والعبارة المفتاحية هنا هي ’على نحو منتظم‘. فقد استبعدت من القائمة التعق ب غير المنتظم الذي يقوم به، على نحو غير مشروع، المخترقون والمجرمون والجيوش الإلكترونية. واستبعدت أيضا الوكالات الحكومية التي تتعق ب أهدافا محددة في الأوقات والأمكنة التي تشاؤها. (تتناسب قدرات الوكالات الحكومية على التعق ب مع
عدد الصفحات ٢١٦217 موازناتها أما هذه القائمة فتتضمن التعق ب الذي يمكن أن يتعرض له الشخص العادي في يوم عا دي في الولايات المتحدة. وقد است قيت معلومات كل مثال من مصدر رسمي أو من المنشورات الرئيسية. حركة السيارات : تحتوي كل سيارة منذ عام 2006 على رقاقة تسجل سرعتك وفرم تك وانعطافاتك والمسافة التي تقطعها والحوادث التي تحصل معك أثناء قيادتك لسيارتك. حركة المرور على الطرقات العامة: تسجل الكمرات المثبتة على الأعمدة والمُح س ات المطمورة في الطرقات العامة مواقع السيارات بواسطة لوحات الترخيص وبطاقات السير على الطرقات السريعة. ويجري تسجيل سبعين مليون لوحة كل شهر. تكسي التشارك في الركوب: تسجل شرك تا التكسي أوبر وليفت وغيره ما تنقلاتك. السفر لمسافات بعيدة: يجري تسجيل خطط سفرك بالطائرات والقطارات. الاستطلاع بالطائرات المسيرة : تراقب طائرات بريديتور المسيرة الأنشطة التي تحصل على طول حدود الولايات المتحدة وتسجلها. البريد العادي: يجري مسح ورقمنة كل ورقة بريدية تُرسلها أو تستقبلها. مرافق الكهرباء والماء : تحتفظ مرافق الماء والكهرباء بسجلات لأنماط استهلاكك (لم يحصل تسجيل بيانات النفايات بعد). مواقع الهواتف الخلوية وسجلات المكالمات: تُخزن بيانات أمكنة وأوقات اتصالاتك وهويات من تتصل بهم (البيانات الأساسية) مدة شهور. وتخزن بعض شركات الهاتف على نحو منتظم محتويات المكالمات والرسائل مددا تمتد من أيام حتى سنوات. كمرات المراقبة : تسجِّل كمرا ت المراقبة أنشطتك على نحو مستمر بلا انقطاع في معظم مراكز المدن الأمريكية. الأمكنة التجارية والخاصة: يعيش اليوم تحت نظر الكمرات 68 بالمئة من العاملين الحكوميين، و 59 بالمئة من العاملين في القطاع الخاص، و 98 بالمئة من العاملين في المصارف، و 64 من الموجودين في المدارس الحكومية، و 16 بالمئة من أصحاب المنازل المنازل الذكية: يكشف مقياس الحرارة الذكي وجودك وأنماط سلوكك ويرس ل تلك البيانات إلى السحابة. وتراقب المقابس الكهربائية الذكية استهلاك الكهرباء وأوقات استعمالها وترس لها إلى السحابة أيضا.
عدد الصفحات ٢١٧218 استطلاع المنزل: تو ثِّق كمرات الفيديو المثبتة في منزل ك أنشطتك داخله وخارجه وتخزن بياناتها في السحابة. التجهيزات التفاعلية : تُسجِّ ل أوامرك الصوتية ورسائلك الصادرة عن هاتفك وشاشاتك وتلفزيونك الذكي والمكرفونات المزروعة في المحيط و ترسلها إلى السحابة لمعالجتها. بطاقات التشجيع على الشراء : تتعق ب المتاجر بواسطة هذه البطاقات المواد التي تشتريها و وقت شرائك لها . التجار الإلكترونيون: تتعق ب المتاجر الإلكترونية التي من مثل أمازون ليس مشترياتك فقط، بل ما تنظر إليه وتبحث عنه أيضا، وحتى ما تنوي شراءه. دائرة الإيرادات الد اخلية: تتعق ب حالتك المالية طوال حياتك. البطاقات الائتمانية: طبعا، يجري تعق ب كل عملية شراء. ويجري أيضا ، باستعمال ذكاء صنعي قوي، البحث عميقا عن أنماط تكشف عن شخصيتك وعرقك وخصوصياتك وسياساتك وأفضلياتك. المَحافظ الإلكترونية والمصارف الإلكترونية: يتعق ب تجار المفر ق حالتك المالية باستمرار من خلال قروضك العادية والعقارية واستثماراتك. وتتعقب ال م حافظ التي من مثل سكوير وب يْبال كل مشترياتك. تعرُّف صورة الوجه : يستطيع فيسبوك وغوغل تحديدك في صور التقطها آخرون وأرسلوها إلى الوب. ويمكن لمواقع الصور أن تحدد تو اري خ تنقلاتك. أنشطة الوب: تتعق ب كوكيات الإعلان في الوب حركتك عبر الوب. وأكثر من 80% منالألف موقع الكبرى في الوب يستعملون كوكيات تتعقبك كلما دخلت إلى الوب. ومن خلال اتفاقية مع شبكات الإعلان، فإن حتى المواقع التي لم تزُرها يمكن أن تحصل على معلومات عن ت و اريخ مشاهداتك. وسائط التواصل الاجتماعي : يم كن لهذه الوسائط أن تحدد أفراد عائلتك و أصدقائك وأصدقاء أصدقائك. وتستطيع تعق ب مستخد ميك السابقين وزملاءك الحاليين في العمل، إضافة إلى طريقة قضائك لأوقات فراغك. متصفحات البحث: يخزن غوغل تلقائيا وا لى الأبد كل سؤال تطرحه. خدمات البث في الإنترنت: يجري تعق ب كل الأفلام (نتفليكس) والموسيقى (سبوتيفاي) والفيديوهات (يوتيوب) التي تشاهدها أو تسمعها، إضافة إلى أوقات ذلك وكيفية تقييمك لها. وهذا يتضمن شركات
عدد الصفحات ٢١٨219 تلفزيون الكبل التي تسجل ت و اريخ مشاهدتك للتلفزيون. قراءة الكتب : تسجل المكتبات العامة استعاراتك للكتب لمدة شهر تقريبا. وتسجل شركة أمازون مشترياتك من الكتب إلى الأبد. وتراقب كندل أنماط قراءتك للكتب الإلكترونية: إلى أي صفحة وصلت في قراءتك، والمدة التي تستغرقها في قراءة كل صفحة، وأين تتوقف عن القراءة. متعقِّبات اللياقة: تتعق ب هذه التجهيزات أنشطتك البدنية وأوقات قيامك بها وأمكن تها أحيانا، وذلك طوال 24 ساعة غالبا، ومن ضمن ذلك متى تنام ومتى تستيقظ كل يوم إنه لمن السهل جدا أن تتخيل المقدرة التي يمكن أن تتراكم لدى أي جهة تستطيع مكاملة جميع ت لك التيارات معا. و الخوف من هيمنة الآخرين ينب ع مباشرة من مقدار السهولة التقنية التي يستطيعون بها حبكها معا. لكن حاليا، ما زال معظم تلك التيارات مستقلا بعضا عن بعض ، وبتاتها ليست متكاملة أو مترابطة معا. قد تكون بعض الخيوط متشا بكة (بطاقات الائتمان واستعمال الوسائط الرقمية ، مثلا)، لكن على الأرجح لا يوجد تيار وحيد تجمِّعه جهة مهيمنة واحدة. ونظرا إلى أن الحكومات بطيئة، ف إنها تتأخر كثيرا عما ي مكنها فعله تقنيا (أجهزة أمنها متراخية على نحو غير مسؤول ومتأخرة عقودا عن مواكبة المستجدات). ولم توحِّد الحكومة الأمريكية تلك التيارات أيضا لأن جدارا رقيقا من قوان ين السرية التي تطل ب وضعها جهدا كبيرا ي منعها من ذلك. وثمة بضعة قوانين تمنع الشركات من مكامل ة ما أمكنها من البيانات. لذا غدت الشركات وكلاء لجمع البيانات للحكومات. و بيانات الزبائن هي الذه ب الجديد في عالم الأعمال، ولذا فإن ثمة شيئا واحدا أكيدا هو أن الشركات (والحكومات على نحو غير مباشر) سوف تجمع المزيد منها. يصف فلم تقرير الأ قلية، القائم على قصة قصيرة لفيليب د كْ Philip K. Dick، مستقبلا ليسبعيدا يستعمل الملاحقة من أجل القبض على مجرمين قبل ارتكابهم جريمة. وسمى د كْ تلك المداخلة الكشف ’ما قبل الجريمة ‘. و كنت قد اعتقدت سابقا أن فكرة ’ما قبل الجريمة ‘ ليست واقعية. أما الآن فأراها واقعية. إذا نظرت إلى اللائحة الآنفة الذكر عن التعق ب المنتظم اليوم، لوجدت أنه ليس من الصعب أن تستقرئ منها ما سوف يحصل في الخمسين سنة القادمة. وكل ما كان سابقا غير قابل للقياس أصبح الآن كمِّيا ومرقمنا وقابلا للتعق ب. و سوف نستمر في تعق ب أنفسنا، وتعق ب أصدقائنا، وسوف يتعق بنا Minority Report
عدد الصفحات ٢١٩220 أصدقاؤنا. وسوف تزيد الشركات والحكومات من تعق بها لنا. وبعد 50 عاما من الآن، سوف يصبح التعق ب الشامل هو العرف السائد. ووفقا لحجتي التي قدمتها في الفصل 5 (الولوج)، تُعتبر الإنتر نت أكبر وأسرع آلة نسخ في العالم. فكل شيء يلامسها سوف يُنسخ. والإنترنت تريد أن ت نسخ. و لأول وهلة، تُقلق هذه الحقيقة منتجي المحتوى، أفراد ا وشركات، جدا، لأن موادهم سوف تُنسخ دون تمييز، وغالبا مجانا، في حين أنها كانت سابقا نادرة وثمينة. و قد قاوم البعض، وما زالوا يقاومون، بقوة الانحياز نحو النسخ (وهنا تخطر على البال ستوديوهات الأفلام والموسيقى)، واختار بعضهم، و ما زال يختار العمل بوجود هذا الانحياز. لكن أولئك الذين يحتضنون م يْ ل الإنترنت إلى النسخ ، ويسعون إلى قيمة لا يمكن نسخها بسهولة (من خلال الشخصنة والتجسيد والاستيقان.. إلخ) يزدهرون ، في حين أن أولئك الذين يرفضون النسخ ويمنعونه ويحاولون القضاء على الاهتمام به في الإنترنت ، تخلفوا ليلحقوا بالركب فيما بعد. أما المستهلكو ن فيحبون طبعا النسخ المتعدد المصادر غير المقيد، و لذا يغذ ون آلة النسخ الكبرى ببياناتهم من أجل الحصول على مزاياها . وهذا الميل إلى النسخ تكنولوجي ، وليس اجتماعيا أو ثقافيا فحسب. وقد يكون صحيحا لدى أمة أخرى، حتى في الاقتصاد الموجه، وحتى لو كانت من أصل مختلف أو على كوكب آخر. وهو حتمي. وفي حين أننا لا نستطيع إيقاف النسخ، فإن ثمة أهمية كبيرة لنوع الأنظمة القانونية والاجتماعية التي تحكم النسخ الشامل. فكيفية تعاملنا مع مكافآت الإبداع، وحقوق الملكية الفكرية ، والمسؤوليات وملكية الن س خ، والسماح بالولوج إليها ، كل ذلك ذو تأثير كبير في ازدهار المجتمع وسعادته. إن النسخ الشامل حتمي، ومع ذلك توجد لدينا خيارات كثيرة بشأن طبيعته. ويخضع التعق ب إلى نفس الخصائص الحركية . وبالفعل، يمكننا مبادلة كلمة ’تعق ب‘ التي وردت في الفقرات السابقة ب كلمة ’نسخ‘ في الفقرتين التاليتين من أجل أ خذ فكرة عن توازيهما: تُعتبر الإنترنت أكبر وأسرع آلة ت عق ب في العالم، وأي شيء يلمسها ويمكن تعق به سوف يُتعق ب. إن ما تريده الإنترنت هو تعق ب كل شيء. ونحن سوف نتعق ب باستمرار أنفسنا وأصدقاءنا، وسوف يتعقب نا أصدقاؤنا والشركات والحكومات. وهذا مقلق جدا لل مواطنين، وللشركات أيضا إلى حد ما، لأن التعق ب كان يُرى فيما مضى نادرا ومكلفا. ويقاوم بعض الناس بقوة الميل إلى التعق ب، وبعضهم سوف يعمل مع هذا الميل في النهاية. وأولئك الذين يفكرون بكيفية ترويض التعق ب من أجل جعله متمدنا ومنتجا، سوف ينجحون، في حين أن أولئك الذين يحاولون كبحه واعتباره خروجا على القانون سوف يبقوا في
عدد الصفحات ٢٢٠221 المؤخرة و يقول المستهلكون أنهم لا يريدون أن يُتعق بوا، لكنهم في الواقع يستمرون في تغذية تلك الآلة ببياناتهم، لأنهم يريدون الحصول على مزاياها. وهذا الميل إلى التعق ب ذو طبيعة تكنولوجية، لا طبيعة اجتماعية أو ثقافية فحسب. و هو يمكن أن يكون صحيحا لدى أمم مختلفة، حتى في الاقتصادات الموجهة، و حتى ذات المنشأ المختلف، وحتى لو كانت على كوكب آخر. وفي حين أننا لا نستطيع إيقاف التعق ب، فإن ثمة أهمية كبيرة لنوع الأنظمة القانونية والاجتماعية التي تحكم التعق ب. إن التعق ب الشامل حتمي، مع أن لدينا خيارات كثيرة بشأن طبيعته. إنأسرع المقادير نموا على هذا الكوكب هو كمية المعلومات التي نولِّدها. فهي تتزايد (كما كانت في السابق) على نحو أسرع من أي شيء آخر نستطيع قياسه على مدى عقود. وهي تتراكم بوتيرة أسرع من الوتيرة التي نبني بها بالإسمنت المسلح (التي تزداد بنسبة 7 بالمئة سنويا)، وأسرع من وتيرة تزايد أعداد الهواتف الذكية أو الرقاقات الم يكروية التي نصنعها، وأسرع من وتيرة تزايد أي منت ج ثانوي نقوم بتوليده، من مثل الملوثات أو ثاني أكسيد الكربون. وقد ح س ب اثنان من الاقتصاديين لدى جامعة كاليفورنيا ببركلي الإنتاج الكلي العالمي للمعلومات ، وبي نا أن المعلومات الجديدة تنمو بمعدل 66 بالمئةسنويا. ومع ذلك من الصعب اعتبار تلك النسبة كبيرة مقارنة بالزيادة التي تبلغ 600 بالمئة في أعداد الآيباد321 التي وُزِّعت في عام 2005. إلا أن ذلك النوع من الفورة قصير الأجل ولا يدوم عقود ا (تراجع إنتاج الآيبا د في عام 2009322). أما نمو المعلومات فقد بقي متزايدا باستمرار بوتيرة مذهلة طوال قرن على الأقل. وليس من قبيل المصادفة أن تكون نسبة الـ 66 بالمئة هي نفسها نسبة التضاعف كل18 شهرا، و هي النسبة التي ينص عليها قانون مور. فقبل خمس سنوات، خزن البشر عدة مئات الإكس ابايت من المعلومات، وهذا ما يعادل اقتناء كل شخص على الكرة الأرضية 80 ضعفا من محتويات مكتبة الإسكندرية. أما اليوم، ف يبلغ وسطي ما يمتلكه الشخص منا 320 مكتبة و ثمة طريقة أخرى للنظر إلى هذا النمو: انفجار في المعلومات. ففي كل ثانية من كل يوم، نصنع على مستوى العالم 6000 متر مربع من مواد خزن المعلومات، ومنها الأقراص والرقاقات والأقراص المتراصة والورق والأفلام، التي نملؤها فورا بالبيانات. وتلك الوتيرة، أي 6000 متر مربع في الثانية،
عدد الصفحات ٢٢١222 هي السرعة التقريبية لموجة الصدمة التي تنجم عن انفجار نووي. إن المعلوما ت تتوسع بوتيرة توسع انفجار نووي. لكن خلافا للانفجار النووي الحقيقي الذي يدوم ثوان فقط، يتصف انفجار المعلومات هذا بأنه مستمر، وكأنه انفجار نووي يدوم عقودا كثيرة. ونحن نولِّد في حياتنا اليومية كثيرا من ال معلومات التي لا نلتقطها أو نسجلها. وبرغم الان فجار في التعق ب والخزن، فإن معظم شؤون حياتنا اليومية لا يُرقمن. وتلك المعلومات التي لا يُحسب لها حساب هي معلومات ’شاردة ‘ أو ’شبحية‘. وترويض تلك المعلومات الشاردة سوف يضمن استمرار تضاعف المقدار الكلي من المعلومات التي نجمعها على مدى كثير من العقود القادمة. وتتزايد المعلومات التي نحصِّلها كل عام بنسبة تخص المعلومات التي نولِّدها عن تلك المعلومات. ونسمي تلك المعلومات بالمعلومات الواصفة. فكل بت رقمية نحصل عليها تشجعنا على توليد بت أخرى ذات صلة بها. عندما يلتقط سوار مراقبة أنشطتي الموجود على ذراعي خطوة واحدة أخطوها، يُضيف فورا إلى بياناته بيانات زمني ة تدل على وقت الحدث، ثم يكوِّن مزيدا من البيانات الجديدة التي تربطها ببتات خطوة أخرى، ثم تتول د من ذلك أطنان من البيانات الجديدة حين رسمها على مخطط بياني. وعلى غرار ذلك، تصبح البيانات الموسيقية ، التي تُلتقط من بث فيديوي حي لمقطوعة موسيقية تعزفها فتاة صغيرة على غيتارها الإلكتروني ، أساسا لتوليد بيانات فهرسة لذلك الفيديو، إذ تولِّد بتات للـ ’إعجابات‘ أو لرزم البيانات المعقدة الكثيرة اللازمة للتشارك بها مع أصدقائها. وكلما كانت البيانات الملتقطة أكثر، ول دنا مزيدا من البيانات المضافة إليها. وهذه البيانات الواصفة تتزايد على نحو أسرع حتى من البيانات الأساسية، وهي غير محدودة الحجم تقريبا. و تمثل البيانات الواصفة ثروة جديدة، لأن قيمة بتاتها تتزايد حين ربطها ببتات أخرى. إن مدة الحياة المنت جة للبت تكون في أدنى قيمها عندما تبقى منفردة لوحدها. فحياة البت التي لا تُنسخ أو لا يُتشارك فيها، أو لا تُربط مع غيرها من البتات ، قصيرة الأجل. وأسوأ مستقبل للبت هو أن تُرك ن في سردا ب بيانات مظلم منعزل. لكن ما تريده البت فعلا هو أن تقضي وقتا طويلا مع بتات أخرى ذات صلة بها، وأن تُنسخ على نطاق واسع، وأن تصبح ربما بتا واصفة، أو بت حدث في جزء من برنامج دائم. إذا أمكننا شخصنة البتات، أمكننا القول أن: البتات تريد أن تتحرك. data-meta, information-meta. المعلومات أو البيانات الواصفة هي معلومات تصف معلومات أخرى، أو هي معلومات عن معلومات أخرى. المترجم
عدد الصفحات ٢٢٢223 البتات تريد أن ترتبط ببتات أُخ ر . البتات تريد أن تُرى في الزمن الحقيقي. البتات تريد أن تُنسخ وتُضاعف. البتات تريد أن تكون واصفة. طبعا، هذا مجرد إضفاء للصفة البشرية عليها، ف ليس لدى البتات إرادة، وا نْ كان لديها ميول. فالبتات ذات الصلة ببتات أخرى سوف تميل نحو النسخ عددا أكبر من المرات. و بالضبط على غرار الجينات المغرورة التي تنزع إلى التضاعف، تنزع البتات إلى التضاعف أيضا. وعلى غرار الجينات التي ’تريد ‘ حمل رموز الأجسام التي تساعدها على التضاعف، فإن البتات المغرورة ’ترغب ‘ أيضا في المنظومات التي تساعدها على التضاعف والانتشار. إن البتات تتصرف كما لو كانت تريد أ ن تتكاثر وتتحرك ويُتشارك فيها. فإذا كنت تعتمد على البتات من أجل أي شيء، فإن معرفة ذلك شيء جيد. ونظرا إلى أن البتات تريد التضاعف والا ر تباط مع غيرها والتشارك فيها، فإنه ليس ثمة ما يُوقف انفجار المعلومات ومستويات روايات الخيال العلمي عن التعق ب. وكثير من المزايا التي نشتهيها نحن البشر تأتي من تيارات البيانات 323. وخيارنا المركزي الآن هو: ما هو نوع التعق ب الكلي الذي نريده؟ هل نريد رقابة وحيدة الاتجاه حيث ’هم‘ يعرفون عنا كل شيء دون أن نعرف عنهم شيئا؟ أو هل نستطيع إقامة نوع متبادل شفاف من ’المراقبة الفردية ‘ التي تنطوي على مراقبة المراقبين؟ طبعا، الخيار الأول سيئ جدا، أما الثاني فهو سهل التعامل معه والتحكم فيه. في الماضي القريب، كانت البلدات الصغيرة هي الشائع ة. وكانت السيدة التي تقيم في الجانب المقابل لك من الشارع تتعق ب كل شاردة وواردة من شؤونك. فقد اختلست النظر من نافذتها ورأتك عندما ذهبت إلى الطبيب، و كيف جلبت تلفزيونا جديدا إلى بيتك، و عرف ت م نْ أقام معك خلال عطلة نهاية الأسبوع. وأنت راقب تها أيضا من خلال نافذتك، و عرفت ماذا فعلت في ليالي الخميس، ورأيت ماذا وضعت في سلتها في دكان مواد التجميل المجاورة. وكانت ثمة منافع متبادلة من هذه المراقبة المتبادلة. إذا دخل شخص إلى بيتك بعد مغادرتك وهي لا تعرفه، أخبرت الشرطة بذلك. وعندما تغادر هي، تقوم أنت بجلب البريد من صندوق بريدها. وقد نجحت تلك المراقبة المتبادلة ف ي البلدات الصغيرة لأنها كانت متناظرة. فقد كنت تعرف من يُراقبك، وتعرف ماذا يفعلون بالمعلومات. وكنت تستطيع تحميلهم مسؤولية دقتها واستعمالها. وكنت تحصل على مزايا أن تكون مراق با. وقد راقبت مراقبيك في نفس
عدد الصفحات ٢٢٣224 الظروف إننا نشعر اليوم بعدم الراحة من تعق بنا لأننا لا نعرف الكثير عمن يراقبنا. ولا نعرف ما يعرفون عنا. وليست لنا كلمة في كيفية استعمالهم للمعلومات الخاصة بنا. وهم غير مسؤولين عن تصحيحها. إنهم يصورون أفلاما عنا، ونحن لا نستطيع تصويرهم. أما منافع أن تكون تحت المراقبة فهي ضبابية ومخفية. والعلاقة معهم غير متواز نة وغير متناظرة. لكن التعقب الشامل شيء حتمي. ونظرا إلى أننا لا نستطيع منع التعق ب، فإن جل ما نستطيع فعله هو جعل العلاقات أكثر تناظرا. وهذه طريقة لتمدين المراقبة المتبادلة، وهي تشتمل على حل المشكلات التكنولوجية ووضع معايير اجتماعية جديدة. و يُسمي كاتب الخيال العلمي ديفيد برين David Brin ذلك بـ’المجتمع الشفاف‘، وهذا عنوان كتابه الذي أصدره في عام 1999 والذي يقترح الفكرة فيه. ومن أجل الحصول على فكرة عن كون هذا السيناريو ممكن ا، خذ بتكُويْن مثلا، وهي العملة اللامركزية المفتوحة المصدر المذكورة في الفصل 6 (التشارك). تسج ل بتكُويْن على نحو شفاف كل مبادلة تحصل في اقتصادها في سجل عمومي، وبذلك تجعل كل المبادلات المالية عمومية. ويجري التحق ق من صحة كل مبادلة بمراقبة متبادلة مع ا لمستعملين الآخرين بدلا من رقابة المصرف المركزي. وفي مثال آخر، يُستعمل في التشفير التقليدي مفتاح سري خاص يخضع لحراسة مشددة. لكن ثمة طريقة تشفير ذكية محس نة تسمى التشفير بالمفتاح العلني أو العمومي (ومن أمثلتها الخوارزمية ’خصوصية جيدة جدا PGP )‘وتعتمد على مفتاح علني يمكن لأي شخص أن يطلع عليه، ولذا يمكن لأي شخص أن يثق به والتحق ق منه. لكن ليس من بين هذه الابتكارات ما يعال ج اللاتناظرات الموجودة في المعرفة، لكنها تستعرض كيفية هندسة المنظومات التي تقوم على الحذر المتبادل. و في مجتمع المراقبة المتبادلة ، يمكن أن ينشأ شعور بالتخويل: لكل شخص حق إنساني في الولوج إلى البيانات التي تخصه وحق الاستفادة منها. لكن كل حق يتطلب واجبا في مقابله، ولذا على كل شخص واجب إنساني تجاه احترام سلامة معلومات الآخرين ، والمشاركة فيها على نحو مسؤول، والقبول بأن يُراقبه من يقوم هو بمراقبهم. أما بدائل المراقبة المتبادلة فليست واعدة. فجعل توس ع التعق ب السهل غير قانوني قد يكون غير فعال كجعل النسخ السهل غير قانوني. أنا من أنصار كاشف الأسرار إدوارد سنودن Edward Snowden الذي سرب مئات ألوف الملفات السرية الخاصة بوكالة الأمن القومي الأمريكية ، والتي كشفت دور تلك الوكالة في التعق ب السري للمواطنين. فالإثم الكبير الذي ترتكبه حكومات كثيرة، ومنها
عدد الصفحات ٢٢٤