177 واستبداله‘ تشجع الإبداع. وسوف تكون البيئات الغامرة وبيئات الواقع الافتراضي قادرة في المستقبل على العودة إلى الوراء إلى حالات أبكر. وفي الواقع، كل ما هو رقمي سوف يت ضمن إلغاء للسابق واستبداله، مع إمكانية إعادة التشغيل و ا عادة المزج. وفي المستقبل، من المرجح أن ننزعج من عدم وجود أزرار العودة إلى السابق كما في حالة وجبة الطعام. في الواقع، لا يمكننا إعادة طعم ورائحة الوجبة. و لو استطعنا فعل ذلك، لتغي ر أسلوب الطبخ بالتأكيد. لقد استُقصيت المسموعات والمرئيات استقصاء جيدا من حيث النسخ الدقيق. أما استقصاؤها من حيث إعادة التشغيل فهو أقل. عندما نبدأ بالتدوين الحاسوبي لأنشطتنا اليومية، وبالتقاط صور لها، يصبح المزيد من حياتنا قابلا للعودة إليه. فأنا مثلا أتفحص عادة بريدي الوارد والصادر عدة مر ات في اليوم، وأعود إلى بعض الحلقات الماضية من حياتي. و ا ذا كنا نتوقع العودة إلى الوراء، فإن هذا سوف يجعلنا نفكر بما نفعله كل مرة. إن المقدرة على العودة إلى الوراء بسهولة ودقة وعمق يمكن أن ت غير من طبيعة حياتنا في المستقبل. وفي المستقبل القريب، سوف يكون لدينا خيار تسجيل ال مقدار الذي نشاؤه من محادثاتنا. وسوف تكون تكلفة ذلك معدومة إذا حملنا (أو ارتدينا) جهاز تسجيل، حيث سوف يكون من السهل جدا إعادة تشغيل التسجيل. وسوف يسجل بعض الناس كل شيء من أجل مساعدة ذاكرتهم ، ومن ذلك ما يخص الآخرين . وحينئذ سوف تصبح القواعد الاجتماعية للذكريات عرضة للتغير المستمر ، وسوف يصبح الاحتفاظ بالذكريات الخاصة محدودا . والكثير مما يحصل في العلن سوف يُسج ل، وسوف يكون قابلا لإعادة المشاهدة، وذلك بواسطة كمرات الهاتف وكمرات الوب المثبتة على لوحة السا ئق في كل سيارة ، وكمرات الاستطلاع المثبتة على أعمدة إنارة الشوارع. وسوف يقتضي القانون أن يسجل أفراد الشرطة كل الأنشطة بواسطة التجهيزات التي يرتدونها أثناء وجودهم في الخدمة. وسوف تغير إعادة تشغيل تسجيلات الشرطة الرأي العام من حيث تبرير إجراءات الشرطة. وسوف تكون الأنشطة اليومية للسياسيين والمشاهير عرضة لإعادة التشغيل من وجهات نظر متعددة، وهذا ما يؤدي إلى نشوء ثقافة جديدة يكون فيها ماضي الجميع قابلا للاستحضار. Immersive environment. البيئة الغامرة هي بيئة رقمية تفاعلية مصطنعة حاسوبيا على شكل مشهد أو عالم يمكن للشخص أن يغمر نفسه فيها. المترجم
عدد الصفحات ١٧٧178 إن قابلية إعادة التشغيل وقابلية العثور على الأشياء في الإنترنت ليستا سوى تغي ر تخضع له الصور المتحركة على غرار ما فعلته مطبعة غوتنبرغ بالنصوص المكتوبة. و ينطبق عاملا إعادة المزج هذان وما شابههما على جميع الوسائط المرقمنة حديثا، ومن أمثلتها الواقع الافتراضي والموسيقى والإذاعة والعروض المسرحية وغيرها. لكن إعادة المزج، أي إعادة ترتيب واستعمال القطع الموجودة، تُسبب اضطرابا في المصطلحات التقليدية الخاصة بالمقتنيات والملكية. إذا كان لحن جزءا من شيء تمتلكه، على غرار بيتك ، فإن حقي في استعماله من دون استئذانك، أو من دون دفع تعويض لك، محدود جدا. أما البتات الرقمية ، فمن المعروف أنها غير ملموسة وغير منافسة، وفقا لما شرحناه آنفا. فالبتات أقرب إلى الأفكار منها إلى الملكية العقارية. في عام 1813،رأى توماس جيفرسون Thomas Jefferson أن الأفكار ليست ملكية حقيقية، أو إذا كانت ملكية، فإنها تختلف عن الملكية العقارية. فقد كتب: «إن الذي يأخذ فكرة مني يأخذ معلومات لنفسه من دون إنقاص أفكاري. وذاك الذي يُوقد شمعة من شمعتي، يحصل على ضوء من دون أن يتركني في الظلام 295» .إذا أعطاك جيفرسون بيته الموجود في مونتيشيلو، حصلت عليه وبقي هو من دون بيت. أما إذا أعطاك فكرة، أصبحت الفكرة بحوزة كل منكما. وهذه المفارقة هي مصدر ارتيابنا في طبيعة الملكية الفكرية اليوم. إن منظومتنا القانونية تقوم بمعظمها على مبادئ الملكية العقار ية الزراعية حيث تكون الملكية حقيقية. إنها لم تواكب الحقبة الرقمية، ليس بسبب عدم المحاولة، وا نما بسبب صعوبة تحديد كيفية عمل الملكية في عالم تُعتبر فيه الملكية أقل أهمية. كيف يمكن لشخص أن يمتلك لحنا؟ عندما تعطيني لحنا، يبقى بين يديك. وكيف يمكن أن يكون ملكك إذا كان مختلفا بنوتة واحدة عن لحن مشابه عمره أ لف سنة؟ هل يمكن لأحد أن يمتلك نوتة واحدة؟ إذا بعتني نسخة منها، فما الذي يُعتبر نسخة؟ وما هو شأن النسخة الاحتياطية، أو شأن تلك التي تنساب في الوب أمامنا؟ ليست هذه أسئلة نظرية مقتصرة على النخبة. فالموسيقى هي واحدة من الصادرات الرئيسية في الولايات المتحدة تصل قيمتها إلى عدة مليارات دولار 296. والمأزق المتمثل بماهية الجانب غير الملموس منها الذي يمكن امتلاكه، وبكيفية إعادة مز جه، يقع في صميم ومقدمة الثقافة الحالية.
عدد الصفحات ١٧٨179 إنثمة نزاعات قانونية حول حقوق أخذ مقتطفات من الموسيقى أو إعادة مزجها، خاصة عندما تحقق الأغنية المقت ب س منها أو المقتب سة كثيرا من الربح. وتمثل ملاءمة إعادة مزج أو استعمال مادة من مصدر أخبار ما مع مادة من مصدر آخر عائقا كبيرا أما م الوسائط الصحفية الجديدة. وقد كان الارتياب القانوني بإعادة استعمال غوغل لمقتطفات من الكتب التي مسحها 297 سببا رئيسيا لإيقاف برنامجه الطموح لمسح الكتب (برغم أن المحكمة حكمت على نحو متأخر لمصلحة غوغل في أواخر عام 2015 .)إن الملكية الفكرية عالم زلق. وثمة جوانب كثيرة معطلة من قوانين الملكية الفكرية المعاصرة، وذلك من ناحية كيفية عمل التكنولوجيا التي تقوم عليها. على سبيل المثال، يعطي قانون حقوق النشر الأمريكي المؤلف حق الاحتكار المؤقت لما ألفه، وذلك بغرض تشجيع مزيد من الإبداع، وقد مُدِّد ذلك الاحتكار مدة 70 سنة على الأقل بعد وفاة المؤلف298، أي بعد مدة طويلة منزوال إمكان تحفيز جسم المؤلف الميت بأي شيء. وفي كثير من الحالات، مُدِّد هذا الاحتكار ’المؤقت‘ غير المنت ج مئة سنة، وما زال يُمد د، وبذلك لا يكون مؤقتا على الإطلاق. لكن في عالم يعمل بسرعة الإنترنت، تمثل القيو د القانونية المفروضة مدة قرن ض ررا بالغا للابتكار والإبداع. إن هذا التمديد عبء عديم الفائدة موروث من حقبة سابقة قائمة على الذرات ، لا على البتات. لكن الاقتصاد العالمي برمته يتحرك مبتعدا عن عالم المادة نحو البتات غير الملموسة. إنه يبتعد عن الملكية متجها نحو الولوج . وهو يلتف بعيدا عن قيمة الن س خ باتجاه قيمة الشبكات، نحو حتمية إعادة مزج متزايدة دائمة لا ت هدأ. أما القوانين فسوف تبقى بطيئة في مواكبته، ومع ذلك سوف تلحق به. فما الذي يجب على القوانين الجديدة أن تفضله في عالم من إعادة المزج؟ إن الاستحواذ على المادة الموجودة في الوب عمل مشروع وضروري. فوفقا لما يذكِّ رنا به الاقتصاديان رومر وآرثر، تُمثِّل إعادة التركيب المصدر الوحيد للإبداع والثروة فعلا. وأنا أقترح طرح السؤال التالي: «هل حصل تغيير المادة المقتبسة من الوب من قبل المقتبس؟» .هل غيرت إعادة المزج والخلط والاقتطاف و الاستحواذ والاستعارة المادة الأصلية بدلا من مجرد نسخه ا؟ هل غي ر آندي وورهول Andy Warhol علبة شوربة كامبل؟ إذا كان الجواب ’نعم‘، فإن المشتق ليس ’نسخة‘ تامة، بل مادة حصل تغييرها وتحويرها وتحسينها وتطويرها. و يبقى الجواب في كل مرة رأي ا شخصيا، ويبقى السؤال عن إنْ كان المشتق قد تغي ر هو السؤال الصحيح.
عدد الصفحات ١٧٩180 ويُعتبر التغيير اختبارا جيدا ، لأن الكلمة ’تغيير‘ هي تعبير آخر عن التحو ل. إن ’التغيير‘ ينطوي على أن الأشياء التي نصنعها اليوم سوف تصبح غدا شيئا آخر، ويجب أن يحصل ذلك. ليس ثمة ما يمكن أن يبقى على ما هو عليه، وأقصد بذلك أن كل شيء نصنعه ذا قيمة، مهما كانت، سوف يتغير حتما في النهاية، بصيغة ما، ليصير شيئا مختلفا. فبالتأكيد، سوف يبقى الكتاب هاري بوتر الذي نشر ته مؤلفته جوآن راولينغ في عام 1997 متوفرا دائما، إلا أن من ال محتوم أيضا أن ألف نسخة أخر ى منه سوف يكتبها هواة متحمسون في العقود القادمة. وكلما كان الاختراع أو الإبداع أقوى، كان أكثر أهمية، وأعلى أرجحية في أن آخرين سوف يغيِّرونه. وفي غضون 30 سنة،سوف تكون أهم الأعمال الثقافية وأقوى الوسائط هي تلك التي حصلت إعادة مزجها أكبر عدد من المرات.
عدد الصفحات ١٨٠181 9 التفاعل INTERACTING الواقع الافتراضي هو عالم وهمي يبدو أصيلا كليا. وبإمكانك أخذ فكرة عن ه عندما تشاهد فلما بالأبعاد الثلاثة على شاشة سينمائية عريضة وأنت مغمور بصوت مضخم تُصدره ثلاثة مكبرات أو أكثر. فخلال لحظات، تنغمر كليا في عالم مختلف، وهذا ما يهدف إليه الواقع الافتراضي. لكن تجرب ة الفلم هذه لا تمثل واقعا افتراضيا كاملا، لأنه في الوقت الذي ينتقل فيه خيالك إلى مكان آخر ف ي المسر ح، فإن جسمك لا ينتقل، بل تشعر بأنك على كرسي. وبالفعل، عليك أن تبقى في المسرح جالسا في نفس البقعة محدقا إلى الأمام مباشرة من دون حركة كي يفعل سحر الغمر فعله. أما الشعور بالواقع الافتراضي الأكثر تطورا فيشابه العالم الذي يواجه ن يُو Neo في فلمالحاضنة . فحتى عندما يجري ن يُو ويقفز ويحارب مئة مستنس خ في عالم محوسب، فإنه يشعر بأن ذلك حقيقي بالنسبة إليه. وربما أكثر من حقيقي. فالعالم المصطن ع يخطف بصره وسمعه ولمسه كليا إلى حد أنه لا يستطيع اكتشاف أنه مصطنع. وثمة نمط للواقع الافتراضي أكثر تطورا هو المنصة الهولوغرام ية في فلم درب النجوم . هنا تبدو إسقاطات الأشياء والأشخاص الهولوغرام ية حقيقية إلى درجة أنها تبدو صلبة الملمس. إن بيئة المحاكاة هذه التي يمكنك دخولها حينما تشاء تمثل حلما متكررا في الخيال العلمي طال انتظاره . و يقع العالم الافتراضي اليوم بين الشعور الوجودي الحقيقي الذي يُحدثه فلم ثلاثي الأبعاد، و بين ذاك الذي يحصل في محاكاة للمنصة الهولوغرام ية المثالية. ويمكن لتجربة واقع افتراضي أن تتضمن مثلا عبور ك لقصر ملياردير في ماليبو متنقلا من غرفة ممتلئة بالأثاث إلى أخرى ، وأنت تشعر كما لو كنت هناك فعلا، في حين أنك تقف على بعد آلاف الأميال بعيدا عنه مرتديا خوذة في مكتب عقاري يعرضه للبيع. و تلك تجربة خضتها أنا فعلا. أو يمكن أن تكون في عالم خيالي ساحر ممتلئ بخيول وحيدة القرن متبخترة، حيث تشعر بأنك تطير حقا فور ارتدائك لنظارات خاصة. أو يمكن أن تكون نسخة بديلة للمكتب الصغير الذي تجلس من حيث احتوائها على شاشات لمس عائمة مع أفاتار يجسد شريكا يعمل معك من بعد ويتكلم إلى جانبك. وفي كل حالة، يكون لديك إحساس قوي بأنك موجود ماديا في هذا العالم الافتراضي، لأنك تستطيع على الأغلب فعل أشياء من مثل النظر حولك والتحرك بحرية في أي اتجاه يُ قنعك بأنك ’هناك حقا‘. The Matrix Star Trek
عدد الصفحات ١٨١182 وقد حظيتُ في الآونة الأخيرة بفرصة لغمر نفسي في كثير من نماذج العوالم الافتراضية التي يحقق أفضلها إحساسا قويا بالوجود فيها. إن الهدف المعتاد لزيادة درجة الواقعية حينما تروي رواية هو التشويق وتصديق ما لا يُصد ق. و هدف الواقع الافتراضي هو تعزيز التصديق، لا تقويضه، أي أن تكون في مكان آخر، أو حتى ربما شخصا آخر. وحتى لو كان عقلك الذكي قادرا على تحديد أنك جالس فعلا على كرسي دوار، فإن ’الأنا‘ المتضمنة فيك سوف تقتنع بأنك تخوض في مستنقع. لقد اتفق الباحثون الذين يطورون الواقع الافتراضي خلال العقد الفائت على استعراض ممقيس لهذا الحضور القوي. يقف الزائر الذ ي ينتظر العرض في مركز غرفة انتظار حقيقية عديمة المعالم اللافتة. وتوجد على طاولة صغيرة أمامه نظارة كبيرة عاتمة. وعندما يرتدي النظارة ينغمس فورا في نسخة افتراضية من نفس الغرفة التي يوجد فيها، مع نفس اللوحات والكراسي ا لعديمة المعالم اللافتة. وبذلك لا يتغير شيء من وجهة نظره وهو ينظر حوله باستثناء أن المشهد يبدو أكثر خشونة بقليل من خلال النظارة. ثم تبدأ أرضية الغرفة بالنزول ببطء تاركة إياه واقفا على عارضة تطفو فوق الأرضية التي تهبط بمقدار 30 مترا. ثم يُطلب إليه أن يمشي إلى الأمام على العارضة المعلقة فوق حفرة حقيقية. لقد تحسنت واقعية المشهد مع مرور السنين وأصبحت استجابة الزائر الآن قابلة جدا للتنبؤ بها. فراحتا يديه تتعر قان، إما لأنه لا يستطيع تحريك قدميه، أو لأنه يرتجف وهو يتحرك إلى الأمام. وعندما غمست نفسي في هذا المشهد، تصرفت بالطريقة نفسها. أصيب دماغي بالد وار، واستمر ذهني الواعي بالهمس بأنني كنت في غرفة خافتة الإضاءة في مختبر بحوث ستانفورد 299، لكن عقلي الفطري اختطف جسدي. لقد أصر على أنني كنت على حافة عارضة ضيقة جدا وعالية جدا في السماء، وأن علي التراجع عن العارضة فورا: الآن. وبدأ خوفي من الارتفاعات الشاهقة بالظهور. وأخذت ركبتاي بالارتعاد. وكدت أتقيأ تقريبا. ثم فعلت شيئا ينطوي على شيء من الغباء. فقد قررت القفز من على العارضة إلى الأسفل قليلا على صخرة قريبة ضمن العالم الافتراضي. طبعا ، لم يكن ثمة ’تحت‘، ولذا سقط جسدي الحقيقي على الأرض. و لما كنت واقفا فعلا على الأرض، التقطني شخصان قويان في الغرفة الحقيقية كانا وا قفين هناك لهذا الغرض بالتحديد. لقد كان رد فعلي طبيعيا جدا، فالكل يقعون تقريبا. إن الواقع الافتراض ي القابل للتصديق كليا على وشك النضج فعلا، لكنني كنت مخطئا بحقه قبلئذ. ففي عام 1989، دعاني صديق صديقي إلى مختبره في مدينة ردوود بكاليفورنيا من أجل رؤية بعض الأشياء التي اخترعها. وتبين لي أن المختبر مؤلف من غرفتين خاليتين تقريبا . وكانت الجدران مغطاة بمجموعة من ألبسة كملابس الغواصين مصنوعة من مادة بوليمرية مطاطية مقاومة للحرارة والزيوت
عدد الصفحات ١٨٢183 وعوامل الطبيعة، ومطرزة بأسلاك، مع مكونات إلكترونية لقفازات رياضية كبيرة، وصفوف من نظارات السباحة ذات الشريط اللاصق العريض. و كان الشخص الذي ذهبت لرؤيته، جارون ل نيير Jaron Lanier،يرتدي شعرا أشقر مفتولا مدلى على كتفيه. ولم أعلم إلى أين سوف يقودني ذلك، لكن جارون وعدني بتجربة جديدة، هي شيء يسمى بالواقع الافتراضي. وبعد بضع دقائق ناولني ل نيير قفازا أسود ذا دزينة من الأسلاك ال ممتدة من أصابعه إلى حاسوب شخصي عبر الغرفة . وارتديت القفاز. ثم وضع ل نيير نظارة سوداء معلقة بشبكة من الأشرطة على ر أسي. وتدلى كبل أسود ثخين على ظهري من النظارة إلى الحاسوب. وعندما ركزت بصري داخل النظارة، أصبحت في الداخل. لقد أصبحت داخل مكان مغطى باللون الأزرق الفاتح. وتمكنت من رؤية نسخة كرتونية لقفازي في نفس المكان الذي شعرت بوجود يدي الحقيقية فيه. و تحرك القفاز الافترا ضي متزامنا مع يدي، وأصبح الآن ’قفازي ‘. و تولد لدي شعور قوي في جسمي، وليس في رأسي فقط، بأنني لست في مكتب. ثم تسلق لنيير بذاته ضمن ما صنعه هو نفسه. ومستعملا خوذته وقفازه، بدا في عالمه الذاتي على شكل أيقونة بنت، لأن جمال منظومته يأتي من إمكان تصميمك لأيقونتك بحيث تبدو كما تريد. وقطن كلانا الآن فضاء الأحلام المشترك الأول ذاك، وذلك في عام 1989. وأشهر ل نيير مصطلح ’الواقع الافتراضي ‘، لكنه لم يكن الوحيد الذي يعمل في المحاكاة الغامرة في ذلك الوقت من أواخر ثمانينات القرن العشرين. فقد كان ت ثمة نماذج مشابهة لدى عدة جامعات و بضع شركات ناشئة، ولدى الجيش الأمريكي ، و اعتمد بعضها على طرائق مختلفة قليلا من أجل تحقيق نفس الظاهرة. وشعرت بأنني رأي ت المستقبل أثناء انغماسي في كون ل نيير الصغير، ووددت لو يخوض أكبر عدد ممكن من أصدقائي وزملائي الخبراء هذه التجربة. وبمساعدة المجلة التي كنت أحررها حينئذ (Whole Earth Review)، نظمت أول عرض علني لكل أجهزة الواقع الافتراضي التي كانت موجودة في خريف عام 1990. وطوال24 ساعة، من ظهر يوم السبت حتى ظهر يوم الأحد، أمكن لكل من اشترى بطاقة أن يقف في الصف من أجل تجريب أكبر عدد ممكن من نحو 24 نموذجا للواقع الافتراضي. وفي الساعات الأولى من الليل، رأيت المختص بمعالجة إدمان المخدرات تيم ليري Tim Leary وهو يقارن بين الواقع الافتراضي وشاشات الكريستال السائل. وكان الانطباع المهيمن الذي ول دته آلية الواقع الافتراضي تلك تصديقا تاما. فقد كانت عمليات المحاكاة عمليات حقيقية، إلا أن المشاهد كانت خشنة، و كانت الرؤية مشتتة، لكن المفعول المقصود كان غير قابل للنقاش: لقد ذهبتُ إلى مكان آخر. وفي الصباح التالي، سُئل ويليام غيبسون William Gibson، كاتب روايات الخيال العلمي الصاعد الذي قضى الليل وهو يختبر الفضاء السيبيري لأول مرة، عن رأيه بالبوابات الجديدة
عدد الصفحات ١٨٣184 للعالم المصطنع. فتمتم بملاحظته التيغدت الآن شهيرة : «المستقبل موجود هنا فعلا. لكنه ليس موزعا بتجانس ». لقد كان الواقع الافتراضي حينئذ غير متجانس إلى حد جعله يتلاشى. ولم تحصل الخطوات التالية قط. لقد اعتقد الجميع، وأنا منهم، أن تكنولوجيا الواقع الافتراضي سوف تنتشر في غضون خمس سنوات أو نحو ذلك، أو بحلول عام 2000 على الأكثر. إلا أنه لم يحصل أي تقدم حتى عام 2015، أي بعد 25 سنة من عمل لنيير الرائد. فقد كانت المشكلة الفعلية في الواقع الافتراضي أن القريب جدا لم يكن قريب ا جدا. فالبقاء مدة طويلة تزيد على 10 دقائق في الواقع الافتراضي، والخشونة وتشتت الحركة كانت تؤدي إلى الغثيان. وكانت تكلفة التجهيزات السريعة والمريحة و ذات الأداء الجيد الذي يدرأ الغثيان عدة عشرات من آلاف الدولارات. ولذا بقي الواقع الافتراضي بعيدا عن متناول المستهلكين، وعن متناول كثير من مطوري الشركات الناشئة أيضا الذين احتاجوا إلى دفعة قوية من أجل الإقلاع بتكوين محتوى واقع افتراضي يقدح شراء التجهيزات الخاصة به. وبعد 25 سنة، ظهر أقل المنقذين توق عا: الهاتف الذكي! فالنجاح السريع الشامل للهواتف الذكية زاد كثيرا من جودة شاشاتها العالية الميز، وقلص كثيرا من تكلفتها. ومك ن مقاس تلك الشاشة وميزها من استعمالها شاشة لنظارة ال واقع الافتراضي ، ولذا أصبحت مجموعة الواقع الافتراضي الرأسية اليوم تُصنع أساسا بواسطة تكنولوجيا شاشة الهاتف الرخيصة. وفي نفس الوقت، اتبعت مُح س ات الحركة في الهواتف نفس مسار تزايد جودة الأداء وتناقص التكلفة، فأمكن لشاشات الواقع الافتراضي أن تستعيرها لتعق ب وضعيات الرأس واليد والجسم مقابل تكلفة قليلة جدا. وفي الواقع، استُعمل في نماذج الواقع الافتراضي الاستهلاكية الأولى لدى سامسونغ وغوغل هاتف ذكي عادي حُشر ضمن علبة شاشة الرأس 300. ارتد جهاز واقع افتراض ي من سامسونغ تجد نفسك تنظر إلى هاتف. ويتعق ب الهاتف حركاتك، فيرسلك إلى عالم آخر. ليس من الصع ب أن ترى كيف أن الواقع الافتراضي سوف ينتصر قريبا في أفلام المستقبل السينمائية، وخاصة منها أفلام الغرائز التي من مثل أفلام الرعب أو الإثارة الجنسية أو الجريمة. ومن السهل أيضا تخيل الواقع الافتراضي وهو يحتل مركزا رئيسيا في ألعاب الفيديو. ومما لا شك فيه أن مئات ملايين اللاعبين المتحمسين سوف يرتدون بدلات وقفازات وخوذ ثم ينتقلون افتراضيا إلى مكان بعيد للاختباء وا طلاق النار والقتل والتفجير، منفردين أو ضمن عصابات من الأصدقاء. وبالطبع، فإن الممول الرئيسي لتطوير الواقع الافتراضي الخاص بالمستهلكين اليوم هي صناعة الأل عاب، مع أن الواقع الافتراضي أكبر من ذلك بكثير.
عدد الصفحات ١٨٤185 ثمةسمتان تدفعان التطور السريع الحالي للواقع الافتراضي ، هما الحضور والتفاعل. و ’الحضور‘ هو ما يبيع الواقع الافتراضي. فجميع التوجهات التاريخية في تكنولوجيا السينما تنحو نحو واقعي ة متزايدة، بدءا من الصوت، ثم الألوان و الأبعاد الثلاثة، وانتهاء بمعدلات الأطر السريعة . وقد جر ى تسريع هذه التوجهات الآن ضمن الواقع الافتراضي. فمن أسبوع إلى آخر، يتزايد الميز، وي زداد معدل الأطر، ويتعمق التباين، ويتوسع فضاء الألوان، وتتحسن نقاوة الصوت، ويحصل كل ذلك على نحو أسرع مما يحصل على الشاشات الكبيرة. أ ي إن الواقع الافتراضي يغدو أكثر ’واقعية‘ من الأفلام. وفي غضون عقد من السنين، حينما تنظر إلى شاشة واقع افتراضي من آخر ما تُوُصِّل إليه، سوف تنخدع عيناك من حيث الاعتقاد بأنك تنظر عبر نافذة حقيقية إلى عالم حقيقي. وسوف يتألق ما تنظر إليه من دون وميض و من دون بكسلات مرئية. وسوف تشعر فعلا بأن ذلك حقيقي بالتأكيد. باستثناء أنه ليس كذلك. ويعتمد الجيل الثاني من الواقع الافتراضي على تقنية جديدة مبتكرة هي ما يسمى بإسقاط ’حقل الضوء‘301 (أول وحدات تجارية لحقل الضوء 302 هي هولول نز HoloLens التي صنعتها شركة مايكروسوفت، وماجيك ليب Magic Leap التي مولتها غوغل). في هذا التصميم، يُسق ط الواقع الافتراضي على قناع نصف شفاف على نحو مشابه جدا للهولوغراف . ويمكِّن ذلك من انطباق ’الواقع‘ المُسق ط على الواقع الذي تراه عادة من دون النظارات. إذ بإمكانك مثلا أن تقف في مطبخك وأن ترى الروبوت D2-R2 أمامك مباشرة بميز عال. ويمكنك المشي حوله والاقترا ب منه، وحتى تحريكه من أجل تفحصه وكأنه حقيقي. يسمى هذا الانطباق بالواقع المعز ز augmented reality. ونظرا إلى أن الجزء المصطنع يُضاف إلى المشهد الطبيعي الذي تراه، فإن عينيك تركِّزان النظر فيه على نحو أشد مما تفعلانه بالنسبة إلى شاشة بالقرب منهما، ولذا يمتلئ هذا الوهم التكنولوجي بالحضور، وتكاد تُقس م أنه حقيقي وموجود أمامك. أما رؤية مايكروسوفت للواقع الافتراضي ذي حقل الضوء فهي بناء مكتب المستقبل. فبدلا من جلوس العاملين في أحياز صغيرة ضمن غرف ة مقس مة مقابل جدار من شاشات مراقبة، يجلسون في light field. حقل الضوء هو تابع يصف مقدار الضوء الذي يتدفق في كل اتجاه عبر كل نقطة في الفضاءالمترجم شخصية روبوتية في فلم حرب النجوم. المترجم
عدد الصفحات ١٨٥186 مكتب مفتوح مرتد ين هولول نزات يرون عليها جدرانا ضخمة من الشاشات الافتراضية حولهم. أو ينقرون على أزرار من أجل نقلهم إلى غرفة مؤتمرات ثلاثية الأبعاد مع عشر ات العاملين الآخرين المقيمين في مدن مختلفة، أو لنقلهم إلى غرفة تدريب حيث يمكن لمدرب واحد أن يمشِّيهم عبر صف إسعافات أولية موجها أفاتاراتهم وفقا لإجراءات معينة. «هل ترى هذا؟ افعله الآن » .وفي معظم الحالات، سوف يكون صف الواقع الافتراضي أفضل من صف العالم الحقيقي . يعود تقدم الواقعية السينمائية في الواقع الافتراضي بسرعة أكبر من تقدمها في السينما نفسها إلى حيلة ذكية تنفِّ ذها الشاشات المثبتة على الرأس. إن ملء شاشة سينما عملاقة عريضة بالميز والسطوع المناسبين، من أجل إقناعك بأنها نافذة تطل على الواقع، يتطلب مقدارا هائلا من الحساب والإضاءة. أما ملء شاشة مسطحة مقاسها 60 إنشا150 سم) بنفس واقعية وضوح النافذة الطبيعية فهو أقل صعوبة، ومع ذلك يبقى محب طا. إنه لمن الأسهل كثيرا أن تحصل على قناع صغير أمام وجهك بنفس تلك الجودة. ونظرا إلى أن الشاشة المثبتة على الرأس تُتابع تحديقك مهما كانت الجهة التي تنظر إليها، لأنها موجودة دائما أمام عينيك، فإنك ترى واقعية كاملة في كل الوقت. لذا إذا صنعت مشهدا ثلاثي الأبعاد له نفس وضوح النافذة الحقيقية وأبقيته أما ناظريك مهما كانت الجهة التي تنظر إليها، أمكنك تكوين شاشة سينمائية عريضة افتراضي ة داخل الواقع الافتراضي. حدِّق في أي اتجاه على الشاشة، تلاحق الواقعية تحديقك ، وذلك لأن التكنولوجيا مثبتة فيزيائيا على وجهك. وبالفعل، يبدو العالم الافتراضي بأسره، على كامل الـ 360 درجة ، بنفس الميز المثالي الذي أمام ناظريك. ونظرا إلى أن ما هو موجود أمام عينيك هو مجرد سطح صغير المساحة، فإن من الأسهل والأرخص كثيرا أن ت حقِّق تحسينات صغيرة في الجودة. و هذه المساحة الضئيلة يمكن أن تؤدي إلى حضور هائل باهر. ومع أن ’الحضور‘ سوف يروِّ ج مزايا الواقع الافتراضي، فإن تلك المزايا تتحدد بمقدار التفاعل الممكن معه. فمقدار عدم الارتياح الذي سوف ينجم عن أعباء أجهزة الواقع الافتراضي ، ليس واضحا. فحتى في نظارة غوغل الانسياب ية (التي قمت بتجريبها أيضا)، أدت شاشة واقع معز ز لطيفة جدا، و ليست أكبر من الن ظارة الشمسية، إلى كثير من الإزعاج لمعظم الناس في نسختها الأولى. إن ’الحضور‘ هو الذي يجر المستعملين إلى الداخل، أما نسبة التفاعل مع الواقع الافتراضي فهي التي تُبقيه قائما. و التفاعل بكل أشكاله سوف ينتشر إلى بقية العالم التكنولوجي.
عدد الصفحات ١٨٦187 قبل نحو10 سنوات، كان عال م الوب الافتراضي س ك نْد لايف (الحياة الثانيةمكانا مقصودا في الإنترنت. و قد كو ن أعضاء ذلك العالم أفاتارات بجسم كامل في عالم حاكى مرآتيا ’الحياة الأولى‘، وقضوا كثيرا من أوقاتهم وهم يعيدون صنع أفاتاراتهم على شكل أناس جميلين بملابس أنيقة لافتة، ويقيمون علاقات اجتماعية مع أفاتارات آخرين شديدة الجمال. وكر س الأعضاء حياتهم لبناء منازل فائقة الجمال وحانات ومراقص أنيقة. وجرى تكوين البيئة والأفاتارات بثلاثة أبعاد كاملة، لكن نظرا إلى القيود التكنولوجية، لم يستطيعوا رؤية العالم إلا مسطحا ببعدين على شاشات مكاتبهم (انطلق س ك نْد لايف مرة أخرى بالأبعاد الثلاثة في عام 2016 تحت اسم مشروع سانسا ). وتواصلتالأفاتارات بواسطة بالونات نصية يكتبها مالكوها و تحوِّم فوق رؤوسها. وكان الأمر كالتجوال ضمن كتاب فكاهي. لكن هذا الإنترفاس الثقيل المجهد أبعد أي شعور عميق بالحضور. أما الجاذبية الرئيسية في س ك نْد لايف فقد تمثلت في الفضاء المفتوح لتشييد بيئة شبه ثلاثية الأبعاد. و مشت الأفاتارات في مستو ى خال يشابه الحقل الفارغ في مهرجان الرجل الذي يحترق ، وبدأت ببناء أجمل وأغرب المباني والغرف والأماكن المهجورة. ولم تكن للفيزيا ء في هذا العالم أهمية، وكانت المواد مجانية، وكان كل شيء ممكنا. إلا أن السيطرة على الأدوات الثلاثية الأبعاد السرية الغامضة استغرقت ساعات عديدة. وفي عام 2009، أطلقت شركة الألعاب السويدية ماينكرافت عال م تشييد مشابه شبه ثلاثي الأبعاد مع كتل أبنية سهلة التركيب على غرار الليغو. ولم تكن ثمة حاجة إلى التعل م. وانتقل كثير من الذين يرغبون في أن يصبحوا بنائين إلى ماينكرافت. لقد قام نجاح س ك نْد لايف على مقدرة أشخاص خلاقين، يعرفون بعضهم، على التواصل الاجتماعي، لكن عندما انتقلت القوة الاجتماعية السحرية إلى عالم الهاتف النقال، لم يكن أي هاتف يحتوي على طاقة حسابية كافية من أجل التعامل مع الأبعاد الثلاثة المعقدة لس ك نْد لايف، ولذا غادر ه معظم الجمهور. وأكثر من ذلك أنهم توجهوا إلى ماينكرافت الذ ي سمحت بكسلاته المنخفضة الميز بتشغيله في الهواتف. Second Life .سكند لايف هو عالم افتراضي مجاني ثلاثي الأبعاد طورته شركة أمريكية وأطلقته في الإنترنت في عام 2003. وبحلول عام2013 وصل عدد مستعمليه إلى نحو مليون مستعمل. المترجم first life. الحياة الأولى هو مسلسل وثائقي تلفزيون قدمته هيئة الإذاعة البريطانية في عام 2010، وهو يهتم بمنشأ الحياة على الأرض. المترجم Project Sansa Burning Man festival. تجم ع سنوي يحصل في مدينة تُبنى مؤقتا في نيفادا بالولايات المتحدة ويوصف بأنه تجربة اجتماعية فنية تنطوي على عشرة مبادئ رئيسية منها الاعتماد على الذات والتعاون الاجتماعي والمسؤولية المدنية والمشاركة..إلخ. المترجم
عدد الصفحات ١٨٧188 ومع ذلك بقي ملايين الأعضاء مخلصين لس ك نْد لايف، واليوم، ثمة في كل ساعة 50 ألفأفاتار يتجول في نفس الوقت في العوالم الخيالية الثلاثية الأبعاد التي بناها المستعملون303. ونصف أولئك المستعملين موجودون هناك من أجل الجنس الافتراضي 304 الذي يعتمد علىالبيئة الاجتماعية أكثر من اعتماده على الحاجة الواقعية. و قبل بضع سنوات، أنشأ فيليب روزد يْل Phil Rosedale، مؤسس س ك نْد لايف، شركة واقع افتراضي أخرى ، محاولا استغلال الفرص الاجتماعية لعالم مُحاكى مفتوح ، واختراع واقع افتراضي أكثر إقناعا. و قد زرت في الآونة الأخيرة مكاتب شركة ر وزد يْل الناشئة، هاي فيديليتي. ووفقا لما ينطوي عليه الاسم، فقد هدف المشروع إلى زيادة الواقعية في العوالم الافتراضية التي تقطنها آلاف، وربما عشرات آلاف الأفاتارات في نفس الوقت. ابن مدينة افتراضية واقعية مزدهرة. لقد سمح واقع جارون ل نيير الافتراضي الطليعي ل قاطن يْن اثن ين بالحضور في نفس الوقت، والشيء الذي لاحظته هنا (ويمكن لأي شخص أن يلاحظه) هو أن الناس الآخرين في الواقع الافتراضي كانوا لافتين للانتباه أكثر بكثير من الأشياء الأخرى. وبالتجريب مرة أخرى في عام 2015، وجدت أن أفضل عروض العوالم المصطنعة هي تلك التي تُحد ث حضور ا قويا، ليس بعدد البكسلات الكبير في الإنش، بل بالانغماس الأكبر للناس الآخرين. ولهذا الغرض، تلجأ هاي فيديليتي إلى حيلة ذكية. فبالاستفادة من مقدرة المُح س ات الرخيصة على الملاحقة، يمكن تكوين صورة مرآتية لاتجاه تحديقك ف ي كلا العالمين. وليس فقط حيث تُدير رأسك، بل حيث تُدير عينيك أيضا. إذ تنظر كمرات صغيرة جدا مخفية في مجموعة الرأس خلفيا إلى عينيك الحقيقيتين وتنقل تحديقك الفعلي إلى أفاتارك . وهذا يعني أنه إذا تكلم أحد معه، حدقت عيناه في عينيك، وحدقت عيناك في عينيه. حتى لو تحركت وطلبت إليهم تدوير رؤوسهم، تستمر عيونهم بالنظر إلى عينيك. إن هذا التماس بالعيون مغنطيسي جدا، وهو يحرك المشاعر ويُشع حضور ا محسوسا. و في تسعينات القرن الفائت، أبدى نيكولاس نيغروبونتي Nicholas Negroponte، رئيس مختبر وسائط العرض لدى معهد MIT، ملاحظة أشارفيها إلى أن المبولة الجدارية في غرفة مراحيض الرجال كانت أذكى من حاسوبه 305 لأنهاتعرف أنه واقف أمامها وتقوم بشطف نفسها حين مغادرته، في حين أنه لم تكن لدى حاسوبه أي فكرة عن أنه جالس أمامه طوال يومه. وما زال ذلك صحيحا اليوم إلى حد ما. فالحواسيب المحمولة، وحتى اللويحية منها والهواتف تجهل استعمال مالكها لها. لكن ذلك بدأ بالتغي ر بظهور الآليات الرخيصة لتعق ب العين التي من مثل تلك المستعملة في مجموعات الواقع الافتراضي الرأسية. فهاتف سامسونغ غالاكسي الأحدث يحتوي على تكنولوجيا تعق ب العين،
عدد الصفحات ١٨٨189 وبذلك يعرف بدقة بقعة الشا شة التي تنظر إليها. لذا يمكنه استعمال ملاحقة التحديق في كثير من الحالات، ويستطيع تسريع تجوالك في الشاشة لأنك غالبا ما تنظر إلى الشيء قبل أن تتحرك إصبعك أو الفأرة لتأكيده. وبقياس مدد تحديق آلاف الناس في الشاشة، يمكن للبرمجيات أن ترسم مخططات تحدد المناطق التي تلقى انتباها أكثر أو أقل. ويستطيع مالكو مواقع الوب حينئذ معرفة الجزء الذي ينظر إليه الناس من صفحتهم الرئيسية، والأ شياء التي تُلقى عليها نظرة سريعة، و من ث م استعمال تلك المعلومات من أجل تحسين تصاميمهم. ويمكن لشخص ما يصنع تطبيقا أن يستعمل أنماط تحديق الزوار لتحديد أجزاء إنترفاس التطبيق التي تتطلب انتباها قويا و توحي بوجود صعوبة يجب حلها. وبوضع تكنولوجيا التحديق في لوحة السائق في السيارة، يمكنها أن تكتشف متى يغفو السائق أو يشرد. ويمكن تدريب العيون الكمراتية الضئيلة التي تحدِّق الآن فينا من أي شاشة لإكسابها مهارات إضافية. في البداية، دُرِّبت تلك العيون على كشف وجه ذي معالم عامة يُستعمل للمساعدة على التبئير في الكمرات الرقمية. ثم عُلِّ مت كشف وجوه معينة، كوجهك مثلا، من أجل استعمالها كلمات سر. فحاسوبك ينظر إلى وجهك، وعميقا في قزحيتي عينيك، وذلك للتأكد من هويتك قبل السماح لك بالدخول. وعل م الباحثون في الآونة الأخيرة لدى معهد MIT العيون التي في حواسيبنا كشف المشاعر البشرية. فعندما ننظر إلى الشاشة، تنظر هي إلينا أيضا وترى أين ننظر وكيف نتصرف. وقد طو رت روزاليند بيكارد Rosalind Picard ورنا القليوبي Rana el Kaliouby لدى مختبروسائط العرض لدى MIT برمجيات م توافقة مع المشاعر البشرية إلى حد أنهما تدعيان أنها تستطيع كشف إن كان المرء مكتئبا، و تمييز أكثر من عشرين من المشاعر المختلفة. وقد سنحت لي الفرصة لتجريب نسخة من هذه ’التكنولو جيا العاطفية‘، وفقا لما تسميها بيكارد، على حاسوب ها المحمول نفسه. لقد استطاعت العين الضئيلة الموجودة أعلى غطاء الحاسوب، والتي حد قت في وجهي، أن تحدِّد على نحو صحيح إن كنت مرتبكا أو منغمسا في نص صعب. ومي زت إن كنت شاردا أثناء مشاهدة فيديو طويل. ونظرا إلى أن هذا التمييز يحصل في الزمن الحقيقي، يمكن لتلك البرمجيات الذكية أن تطبِّقه على ما أشاهده. افترض أنني أقرأ كتابا ، و ر أت تلك العين قسمات العبوس على وجهي و أنني تلكأت عند كلمة معينة. حينئذ، يمكن للنص أن يعرض تعريف ا لها. أو إذا أدرك ت أنني أُعيد قراءة نفس الفقرة، أمكنها اقتراح حاشية عن تلك الفقرة. وعلى نحو مشابه، إذا أدرك ت أنني ض ج ر من مشهد في فيديو، أمكنها تسريع الفيديو أو جعله يقفز إلى الأمام. إننا نجهِّز تجهيزاتنا بحواس البصر والسمع والحركة بحيث نستطيع التفاعل معها. وحينئذ، لن تع رف أننا موجودون فحسب، بل سوف تعرف م نْ هناك وا نْ كان مزاج ه جيدا. طبعا، يود المسوِّ قون معرفة
عدد الصفحات ١٨٩190 المقادير الكمية لمشاعرنا، لكن هذه المعرفة سوف تخدمنا مباشرة أيضا، فهي تمكِّن تجهيزاتنا من الاستجابة لنا ’بحساسية‘ على غرار ما نأمل أن يفعله صديق جيد. أجريتُ في تسعينات القرن العشرين محادثة مع الموسيقار برايان إينو Brian Eno عن التغيرات السريعة في تكنولوجيا الموسيقى، خاصة ما يخص قفزها من التماثلية إلى الرقمية. لقد بنى إينو س معته على اختراعه ما يمكن أن نسميه اليوم الموسيقى الإلكترونية، ولذا كان من المفاجئ لي أن أسمعه يستبعد كثيرا من الآلات الموسيقية الرقمية. فقد حصلت خيبته الرئيسية من ضآلة إنترفاسات الآلا ت التي من مثل المقابض والمنزلقات والأزرار الصغيرة المثبتة على علب سوداء مربعة. فقد كان عليه أن يتفاعل معها بتحريك أ صابعه فقط. بالمقارنة، كانت الأوتار الحسية ولوحات المفاتيح التي بحجم الطاولة وجلود الطبول الحيوانية في الآلات التماثلية توفر له تفاعلات جسدية أكثر رهافة مع ال موسيقى. وقال لي: «المشكلة مع الحواسيب هي أنه ليسفيها ما يكفي من إفريقيا 306» .وقصد بذلك أن التفاعل مع الحواسيب باستعمال أزرار فقط كان كالرقص على رؤوس الأصابع فقط، بدلا من تحريك الجسد بكامله أثناء الرقص كما يفعل الأفارقة. لكن الميكر فونات والكمرات ومقاييس التسارع المضمنة في الحواسيب تُدخ ل فيها شيئا من الأفرق ة. إنها توفر تجسيدا يمكِّنها من أن تسمعنا وترانا وتشعر بنا. لوِّ حْ بيدك لتحريك محتويات الشاش ة. دوِّرْ أو أم لْ الهاتف. دعنا نُقحم أقدامنا وأذرعنا وجذوعنا ورؤوسنا، إضافة إلى رؤوس أصابعنا في ال تعامل مع الشاشة. هل ثمة من طريقة لاستعمال أجسامنا بأسرها من أجل القضاء على طغيان لوحة المفاتيح؟ من الأجوبة على ذلك ما أتى به فلم تقرير الأقلية في عام2002 أول مرة . فقد كان المخرج ستيفن سبيلبرغ Steven Spielberg تواقا إلى تقديم سيناريو معقول للعام 2050، ولذا اجتمع مع مجموعة من التكنولوجيين والمستقبليين من أجل تحريض أفكار عن الحياة اليومية بعد 50 عاما. وكنت واحدامن تلك المجموعة، وكانت مهمتنا وصف غرفة نوم مستقبلية، أو ما يمكن أن تبدو عليه الموسيقى، وعلى وجه الخصوص كيفية العمل بالحاسوب في العام 2050. وكان ثمة إجماع على أننا سوف نستعمل أجسامنا وحواسنا جميعا من أجل التواصل مع آلاتنا، و سوف نضيف إليها نكهة إفريقية بالوقوف ب دلا من الجلوس، و سوف نفكر بطريقة مختلفة ونحن على أقدامنا، وربما يمكن أن نضيف إليها شيئا من النكهة الطليانية بالتحدث إلى الآلات بواسطة أيدينا. وكان أحد أفراد مجموعتنا، و هو جون أندركوفلر John Underkoffler من مختبروسائط العرض في MIT، متقدما في السيناريو الذي طرحه . فقد طو ر نموذجا حقيقيا باستعمال حركات الي د من أجل التحكم في عرض البيانات. وحُب كت منظومة أندركوفلر Minority Report.
عدد الصفحات ١٩٠191 ضمن الفلم حيث يقف الممثل توم كروز Tom Cruise ويرفع يديه المزودتين بقفاز مثل قفاز الواقع الافتراضي، ويحرك مجموعات من بيانات استطلاع الشرطة كما لو كان يقود فرقة موسيقية. ويتمتم بتعليمات صوتية وهو يرقص مع البيانات. وبعد ست سنوات، اقتبس ت أفلام الرجل الحديدي تلك الطريقة. واستعمل بطل الفلم توني ستارك Tony Stark ذراعيه أيضا من أجل السيطرة على شاشات افتراضية ثلاثية الأبعاد أسقطت حواسيب بيانات عليها، حيث التقط البيانات وكأنها كرة شاطئ، ودو ر حزم المعلومات كما لو كانت أشياء مادية. كان ذلك سينمائيا جدا، لكن إنترفاسات المستقبل الحقيقية سوف تستعمل على الأرجح الأيدي بال قرب من الجسم. فإبقاء الذراعين ممدودين أمامك أكثر من دقيقة هو تمرين رياضي. أما في حالة الاستعمال المديد، فسوف يشابه التفاعل لغة الإشارة إلى حد بعيد. لن ينقر العامل في المكاتب على لوحات مفاتيح في المستقبل، ولا حتى على لوحة مفاتيح هولوغراف ية متألقة خيالية، بل سوف يتحدث إلى الجهاز بإيماءات يدوية جرى تطويرها حديثا، مشابهة لتلك التي نستعملها الآن لتقليص حجم الشكل على الشاشة أو تكبيره بإصبع يْنا، أو للإمساك بحاضنتي تأشير لهما شكل L من أجل تأطير واختيار شيء ما على الشاشة. ثم إن الهواتف قريبة جدا من استمثال التعرف على ال كلام اليوم (وما يتضمنه ذلك من ترجمة فورية في الزمن الحقيقي)، ولذا سوف يمثل الكلام جزءا كبيرا من التفاعل مع التجه يزات. إذا رغبت في أن تكون لديك صورة واضحة لشخص يتفاعل مع جهاز محمول في عام 2050، تخيل أنه يستعمل عينيه لكي ’يختار‘ بصريا من مجموعة خيارات تومض بسر عة على الشاشة، ويؤكد ما يختاره بصوت منخفض ، ثم يضع يديه بسرعة على حضنه أو حول خصره. وسوف يمثل الشخص الذي يتمتم لنفسه في المستقبل، ويداه ترقصان أمامه ، إشارة إلى أنه يعمل على حاسوبه. و لن يقتصر الأمر على الحواسيب فقط، بل إن كل التجهيزات سوف تكون بحاجة إلى التفاعل. وا ذا لم يتفاعل الشيء، سوف يُعتبر معطلا. خلال بضع السنوات السابقة، قمت بجمع قصص عما يمكن أن تكون عليه النشأة في العصر الرقمي. على سبيل المثال، لم يكن لدى أسرة أحد زملائي تلفزيونا، بل شاشات حواسيب فقط، وذلك على غرار كثير من الأسر هذه الأيام. وفي زيارة قامت بها ابنته عندما كانت في الخامسة من عمرها إلى أسرة أخرى ت ص اد ف أن لديها تلفزيونا، انجذبت إلى شاشته الكبيرة. وذهبت إلى التلفزيون، وبحثت تحته ثم خلفه عن شيء. وسألت: «أين الفأرة؟ » .يجب أن تكون ثمة طريقة للتفاعل مع الشاشة. وكان مسموحا لابن إحدى معارفي الدخول إلى الحاسوب منذ أن كان في سن السنتين. ومرة عندما كانت تتسو ق مع ابنها في متجر بقالة، توقفت لتفك رموز لصاقة على Iron Man
عدد الصفحات ١٩١192 أحد المنتجات. فاقترح الولد قائ «انقري عليها فقط » .وطبعا، يجب أن تكونالعلب تفاعلية كي تستجيب للنقر. وكانت لدي صديقة شابة أخر ى تعمل في منتزه. وفي إحدى المرات، التقطت بنت صغيرة صورة لنفسها، ثم قالت لعاملة الحديقة: «هذه ليست كمرة حقيقية، لأنها تُري صورة في خلفها» .وترك صديق آخر طفلته التي كانت في بداية نطقها تعبث بالآيباد الخاص به. فتمكنت من أن ترسم بسهولة أشياء معقدة قبل أن ت تعلم المشي. وطبع أبوها مرة صورة عالية الميز على و رقة تصوير وتركها على طاولة القهوة. ولاحظ أن طفلته قد حاولت تكبير الصورة باستعمال إبهامها وا صبعها. وكررت المحاولة عدة مرات من دون نجاح. فنظرت إليه مرتبكة وقالت: «بابا إنها خربانة » . أجل، إذا لم يكن الشيء تفاعليا، كان خربانا يمكن لأغبى الأشياء التي نستطيع تخيلها اليوم أن تتحسن كثيرا بتزويدها بمُح س ات وجعلها تفاعلية. كان لدينا مقياس حرارة عادي قديم يقيس درجة حرارة الفرن في البيت. وفي عملية تغيير للأثاث استبدلناه بمقياس حرارة ذكي صممه فريق من العاملين السابقين لدى أبل واشترته غوغل في الآونة الأخيرة. ويستطي ع المقياس الجديد إدراك وجودنا، ويتحس س متى نكون في البيت، ومتى نكون مستيقظين أو نائمين، أو في عطلة. ويتنبأ دماغه الموصول بالسحابة بتصرفاتنا المعتادة، ويبني مع مرور الوقت نموذجا لحياتنا بحيث يُدفِّئ البيت (أو يبرِّده) قبل وصولنا ببضع دقائق، ويفصل التدفئة أو التبريد بعد مغادرتنا. وا ذا أحس بأننا أتينا إ لى البيت على نحو غير متوقع، غي ر نفسه على نحو يتوافق مع ذلك. و بهذه المراقبة التي يقوم بها ، و بتفاعله مع سلوكنا يستمثل فاتورة الوقود الذي نستهلكه. إحدى عواقب التفاعل المتزايد بيننا وبين مصطنعاتنا هي ابتهاجنا بتج سيد تلك المصطنعات. فكلما كانت تفاعلية، بدت أكثر جمالا. ونظرا إلى أننا قد نقضي ساعات معها، كانت للح ر فية أهميتها. لقد كانت أبل أول من أدرك أن هذه الشهية تنطبق على السلع التفاعلية. فالزينة الذهبية الموجودة على ساعة أبل هي للإحساس بها. ونحن نلمس الآيباد برفق ، ونمسح سطحه السحري بأيدينا بلطف، ونحدِّق فيه ساعات طويلة وأياما وأسابيع. والملمس الحريري لسطح الجهاز، و سلاسة وميضه، ووجود دفئه أو انعدامه، وجودة بنيانه، ودرجة سطوع شاشته تعني جميعا الكثير بالنسبة إلينا. لكن ماذا يمكن أن يكون أكثر حميمية وتفاعلية من شيء ترتديه فيستجيب لك؟ إن الحواسيب تتجه نحونا بخطى ثابتة. في البداية، كانت الحواسيب معلبة في أقبية مكي فة بعيدا عنا، ثم انتقلت إلى غرف صغيرة مجاورة لنا، ثم زحفت مقتربة منا وجلست فوق مكاتبنا، ثم قفزت إلى أحضاننا، وأخيرا تسللت إلى جيوبنا. والخطوة التالية الواضحة لها هي التوض ع على جلدنا. أي إنها تصبح قابلة للارتداء.
عدد الصفحات ١٩٢