المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحتميات في تكنولوجيا المعلومات

غير معروف

صفحة ١٠ من ١٨

145 طبعا يجب أن نحاول تقليص هذه الوفرة إلى حجم مُرض ، ولذا دعنا نبدأ بسلوك المسار المثالي إلى ذلك. وسوف أجعل ذلك شخصيا. كيف يمكن أن اختار ما أهتم به؟ أولا ، أنا أرغب في أن يُرس ل إلي معظم ما أعرف أنني أحبه. وهذا المرشِّ ح الشخصي موجود فعلا، وهو ما يسمى بمحرك التوصيات. وهو مستعمل على نطاق واسع لدى أمازون ونتفليكس وتويتر ولينكدإن وسبوتيفاي وبيتس وباندورا وغيرها. فتويتر يستعمل منظومة توصيات لاقتراح من يمكن أن أتبعه بناء على توصية من شخص أتبعه فعلا. ويستعمل باندورا منظومة مشابهة للتوصية بالموسيقى التي سوف أحبها بناء على ما أحبه فعلا. وأكثر من نصف الارتباطات التي تحصل في لينكدإن تنشأ عن توصيات الأتباع. وتقع على عاتق محرك توصيات أمازون مسؤولية اللافتة الشهيرة ’الآخرون الذين أُعجبوا بهذه المادة أُعجبوا أيضا بهذه المادة الأخرى ‘. ويستعمل نتفليكس الشيء نفسه للتوصية بالأفلام لي. وتخترق خوارزميات ذكية التاريخ الغني لسلوك الجميع من أجل التنبؤ بدقة بسلوكي. ويقوم هذا التخمين جزئيا على سلوكي الشخصي السابق، ولذلك يجب أن تقول لافتة أمازون: ’بناء على تاريخك أنت وتاريخ آخ رين مشابهين لك، يجب أن تُعج ب ب هذا‘. وتلك الاقتراحات مول فة بشدة مع ما اشتريته ، وحتى مع ما فكرت بشرائه سابقا (إنهم يراقبون المدة التي أبقى فيها أفكر بالصفحة، حتى لو لم أخترها). فحساب التشابهات بين مليارات المشتريات السابقة يجعل تنبؤاتهم تبدو وكأنها آتية من عالم الغيب. إن مرشحات التوصيات هذه هي واحدة من آليات الاكتشاف الرئيسية لدي. فأنا أجدها أكثر وثوقية في المتوسط من توصيات الخبراء أو الأصدقاء. وفي الواقع، كثير من الناس يجدون هذه التوصيات المرشِّ حة مفيدة إلى درجة أن العروض التي من نوع ’المزيد من مثل هذا‘ مسؤولة عن ثلث مبيعات أمازون234، وذاكمقدار وصلت قيمته إلى نحو 30 مليار دولار في عام 2014235 .وللتوصيات قيمة كبيرة ل دى نتفليكس إلى درجة أن 300 شخص236 يعملون لديها في منظومة توصيات ذات موازنة تساوي 150 مليون دور. طبعا، ليس ثمة عاملون بشريون ي نغمسون في توجيه هذه المرشحات بعد تشغيلها. فتزويدها بالذكاء يقوم على تفاصيل دقيقة عن سلوكي وسلوك الآخرين لا تلاحظها سوى آلة دؤوبة لا تنام. إلا أن مخاطر أن يُقد م إليك ما تحبه دائما تكمن في أنك يمكن أن تدوِّم ضمن حلزون الغرور والأنانية، وتعمى عن الأشياء المختلفة قليلا حتى لو كنت تحبها. ويسمى هذا بفقاعة المرشِّ ح. أما المصطلح التقني لذلك فهو ’الإفراط في المطابقة 237‘، حيث تُؤسر عند قمة أخفض من القمة المثالية لأنك تتصرف وكأنك قد وصلت إليها ناسيا البيئة المجاورة. وهناك كثير من الأدلة على أن هذا يحصل

عدد الصفحات ١٤٥

146 في عالم السياسة أيضاالذين يقرؤون خطا سياسيا معينا بالاعتماد على المرشِّ ح البسيط ’المزيد من مثل هذا‘، نادرا ما يقرأون كتبا خارج خطهم. وينزع هذا الإفراط في المطابقة إلى جعل عقولهم تت حج ر. ويحصل هذا النوع من التقوية الذاتية الناجمة عن الترشيح أيضا في العلم و الفن والثقافة عموما. فكلما كان مرشِّ ح ’المزيد من المادة الجيدة التي من هذا النوع ‘ أعلى كفاءة، أصبح من الهام جدا مزجه مع أنواع أخرى من المرشح ات. على سبيل المثال، هندس بعض باحثي ياهو طريقة لكي يحدِّ د الشخص موقعه آليا238 ضمن حقل الخيارات بصريا ، وذلك من أجل جعل الفقاعة مرئي ة، وهذا ما سه ل على البعض الخروج من فقاعة مرشِّ حهم بإجراء بعض التعديلات باتجاهات معينة. وثانيا في النهج المثالي، أود أن أعرف ما الذي يحبه أصدقائي وأنا لا أعرفه. من نواح عدة، يستعمل تويتر وفيسبوك هذا المرشِّ ح. باتباعك لأصدقائك، تحصل من دون بذل أي جهد على تحديثات تخص أشياء يجدون أنها تستحق المشاركة فيها. فالتوصية بواسطة نص أو صورة عبر الهاتف على درجة من السهولة تجعلنا نتفاجأ عندما يُعجب أحد بشيء جديد ولا يُشارك في ه. لكن الأصدقاء يمكن أن يقوموا بدور فقاعة المرشح أيضا إذا كانوا يشبهونك كثيرا. ويمكن للأصد قاء المقربين أن يكوِّنوا حجرة صدى تضخِّم نفس الخيارات. وتبين الدراسات أن الانتقال إلى الدائرة التالية، أي إلى دائرة أصدقاء الأصدقاء، كاف أحيانا لتوسيع نطاق الخيارات إلى ما هو أبعد من المتوقع 239 . والعنصر الثالثفي المرشح المثالي هو توصية تقترح مادة لا تعجبني لكنني أرغب في أن تعجبني. وهذا يشبه حالتي عندما أجرب من حين إلى آخر جبنة أو خضارا لرؤية إن كان مذاقها قد تغير. أنا متيقن من أنني لا أحب الأوبرا، لكنني جربت حضور واحدة قبل بضع سنوات هي أوبرا كارمن التي عُرضت بالإسقاط من بُ عْ د مع شرح نصي واضح على شاشة ضخمة. و قد سُررت لأنني ذهبت. وقد يكون المرشِّ ح المكرس لتقصي ما لا يحبه المرء معقدا، إلا أنه يمكن أن يُ بنى أيضا على أساس قواعد بيانات تعاونية كبيرة من منطلق أن ’الناس الذين لم يعجبهم ذاك، تعلموا أن يُعجبوا بهذا‘. وعلى نفس النحو إلى حد ما، أنا أريد أحيانا شيئا من مادة لا أحبها ، لكن علي أن أتعلم أن أحبها. بالنسبة إلي، يمكن لذلك أن يكون أي شيء ذا صلة بالمتممات الخاصة بالحمية الغذائية، أو بتفاصيل تشريعات سياسية، أو بموسيقى الهيب هوب. إن المعلمين العظماء يمتلكون موهبة إيصال المعلومات غير المستساغة إلى غير الراغبين فيها بطريقة لا تخيفهم منها. ويمكن للمرشِّ حات العظيمة فعل الشيء نفسه أيضا. لكن هل ثمة من يرغب في التعامل مع مرشِّ ح من هذا النوع؟ في هذا الوقت بالذات، ليس ثمة من يرغب في السعي إلى اقتناء أي من تلك المرشِّ حات، لأن المنصات هي التي تأتي بها بشكل رئيسي . فالمئتا صديق العاديون لعضو عادي في الفيسبوك يرسلون

عدد الصفحات ١٤٦

147 في الواقع كميات فجائية كبيرة من التحديثات تجعل الفيسبوك يشعر بأنه يجب أن يحذف ويحرِّر ويختصر ويرشِّح أخبارك لتصبح أكثر قابلية للتعامل معها240 .وأنت لا ترى جميع الإرس الات التي أرسلها أصدقاؤك، وما الذي رُشِّح منها، ووفقا لأي معيار 241 .وفيسبوك وحده هو الذي يعرف، وهو يعتبر معايير التوصية أسرارا تجارية. وحتى إنه لا يفشي ما يقوم بالاستمثال من أجله. بل إن الشركة تتحدث عن زيادة رضى جميع الأعضاء، لكن ما أراه هو أنها ترشِّ ح تيار أخبارك من أجل استمثال طول المدة التي تقضيها على الفيسبوك، وهو شيء قياسه أسهل من قياس مقدار سرورك . وقد يكون ذلك شيئا لا ترغب في استمثال الفيسبوك من أجله. وتستعمل شركة أمازون مرشِّ حات من أجل تعظيم مبيعاتها، وهذا يتضمن ترشيح المحتوى الموجود في الصفحات التي أنت تراها. ولا يقتصر ذلك على المواد التي يوصى بها، بل يتضمن المواد الأخرى التي تظهر في الصفحة، ومن ضمنها الصفقات والعروض والرسائل والمقترحات. وعلى غرار فيسبوك، تُ جري أمازون آلاف التجارب يوميا ، وتغيِّ ر مرشحاته ا من أجل المقارنة الثنائية في محاولة لشخصنة المحتوى استجابة للاستعمال الفعلي من قبل ملايين الزبائن. وتقوم بالتوليف الدقيق للأشياء الصغيرة عند مقاسات تجعل النتائج مفيدة جدا (مئة ألف شخص في نفس الوقت). وأنا، بصفتي زبونا، أعود باستمرار إلى أم ازون لأنها تحاول تعظيم نفس الشيء الذي أريده: وصول رخيص إلى أشياء سوف أحبها. إلا أن تلك الإمكانية ليست موجودة دائما، لكن عندما توجد نعود إلى أمازون. أما شركة غوغل، فهي أهم وأشهر مرشِّح في العالم، إذ إنه ا تقوم باتخاذ جميع أنواع القرارات المعقدة بشأن نتائج البحث التي تراها أنت. وا ضافة إلى ترشيح الو ب، ت عالج غوغل 35 مليار بريد إلكتروني يوميا242 وتُ رشِّح من ها السبامات على نحو كفوء جدا، وتحدد الترابطات بينها وأفضلياتها. وهي أيضا أكبر مرشِّح تعاوني جماعي في العالم، إذ إنه ا تتضمن ألوفا من الغرابيل الديناميكية التي تعتمد بعضا على بعض. و ا ذا شئت، فإنه ا تشخصن نتائج البحث من أجلك وتفصِّ لها وفقا لموقعك في وقت سؤالك. وهي تستعمل مبادئ الترشيح التعاوني الجماعي المعت مدة حاليا: الأشخاص ا لذين وجدوا أن هذا الجواب ذو مغزى وجدوا الجواب التالي جيدا أيضا (لكنهم لا يضعون علامة الترابط عليه بتلك الطريقة). وترشِّح غوغل محتوى 60 تريليو ن صفحة243 حوالي مليوني مرة كل دقيقة 244،ومع ذلك فإننا لا نتساءل غالبا عن الطريقة التي ت وصي بها. فعندما أطرح عليه ا استفسارا، هل عليه ا أن تُ ريني أكثر الإجابات شعبية، أو أكثرها وثوقية، أو أكثرها وحدانية، أو تلك التي ترضيني على الأرجح؟ أنا لا أعرف ما تفعله. وأنا أقول لنفسي قد أرغب في أن تكون لدي حرية اختيار ترتيب النتائج وفقا لكل من تلك الطرائق الأربع، لكن غوغل ت عرف أن كل ما يمكن أن أفعله هو النظر إلى بضع النتائج الأولى

عدد الصفحات ١٤٧

148 والنقر عليها. ولذا تقول: «هاك بضعة النتائج التي نعتقد أنها هي الفضلى بناء على خبرتنا العميقة في الإجابة عن 3 مليارات سؤال يوميا »245. ولذا أنقر على أولى النتائج، لأن غوغل تحاول استمثال فرصة عودتي إليها لكي أسألها ثانية. ومع نضوج منظومات الترشيح ، فإنها سوف تُ وس ع لتشتمل على منظومات لامركزية أخرى غير وسائط الوب، منها خدمات مثل أوبر وا ير بي إن بي. وحينئذ، يمكن أن تُنقل أفضلياتك الشخصية المتعلقة بطراز الفندق ومكانته وخدمته بسهولة إلى منظومة أخرى من أجل زيادة رضاك حين حجز غرفة لك في مدينة البندقية مثلا. ويمكن تطبيق مرشحات مذك اة جدا على أي مجال مليء بخيارات يمكن أن تؤدي إلى مزيد من ال مجالات الأخرى. وحيثما أردنا الشخصنة، س وف يتبعنا الترشيح. قبل عشرين عاما، توقع كثير من النقاد ظهور الشخصنة الواسعة النطاق. وقد مه د لذلك كتاب نشره جوزيف باين Joseph Pine في عام 1992 بعنوانالتفصيل الواسع النطاق وفق الطلب Mass Customization. وبدا من المعقولتوسيع العمل المفص ل وفقا لمتطلبات معينة ليشتمل على الطبقة الوسطى باستعمال التكنولوجيا المناسبة، بعد أن كان يوما ما حكرا على الأغ نياء. على سبيل المثال، يمكن لمنظومة ذكية للمسح الرقمي والتصنيع الروبوتي المرن أن تصنِّع قمصانا مفصلة على مقاسات أشخاص الطبقة المتوسطة، بدلا من القمصان المفصلة لأفراد الطبقات الغنية. و قد حاولت بضع شركات ناشئة تنفيذ ’التفصيل الواسع النطاق وفق الطلب‘ لسراويل الجينز والقمصان وألعاب الأطفال في أواخر تسعينات القرن السابق، لكنها أخفقت في الانتشار. وكانت العقبة الرئيسية في وجهها أنه كان من الصعب جدا إنتاج مواصفات فريدة من دون رفع الأسعار كثيرا ، باستثناء الحالات البسيطة التي من قبيل اختيار اللون أو الطول. لقد كانت فكرة التصنيع تلك متقدمة كثيرا على التكنولوجيا التي كانت متوفرة. أما الآن، فقد نضجت التكنولوجيا بعد أن أصبحت الأجيال الأخير ة من الروبوتات قادرة على التصنيع الرشيق، و أصبحت الطابعات الثلاثية الأبعاد تُنت ج بسرعة قطعة واحدة فقط. إن عمليات التعقب والتفاعل والترشيح الواسعة الانتشار تعني أننا نستطيع تصنيع نماذج متعددة الأبعاد لأجسامنا بتكلفة منخفضة من أجل استعمالها في أي خدمة تفصيل نرغب فيها لأنفسنا. وا ليك المشهد الذي سوف تقودنا إليه تلك الإمكانية. سوف يشتمل يومي في المستقبل القريب على عمل روتيني من الشكل التالي: لدي في المطبخ آلة لصنع أقراص دوائية، وهي أصغر قليلا من آلة تحميص الخبز. وتوجد ضمنها عشرات من القوارير الصغيرة التي يحتوي كل منها على دواء أو متمم غذائي على شكل مسحوق. وكل يوم، تكوِّن الآلة خلطة معينة من جميع المساحيق بكميات محددة وتضغطها على شكل قرص واحد م شخصن لي لكي أتناوله (أو ربما قرصين ). وأثناء النهار، يجري

عدد الصفحات ١٤٨

149 تحصيلبياناتي الحيوية كل ساعة بواسطة مُ حس ات قابلة للارتداء، ثم ترس ل تلك البيانات إلى السحابة من أجل تحليلها. وفي اليوم التالي تُعد ل جرعة الدواء بناء على نتائج الأربع وعشرين ساعة السابقة ، ويُنت ج قرص جديد مشخصن لي. ويتكرر ذلك كل يوم. إن هذه الآلة، التي تُنت ج بالملايين، تُنت ج دواء مشخصنا على نطاق واسع. إن أفاتاري avatar246 الشخصي (نموذج جسدي) مخزون في الوب، وهومتاح لجميع الباعة. وهو يتضمن المقاسات الدقيقة لجميع أعضاء ومنحنيات جسدي. فحتى لو ذهبت إلى متجر ملابس حقيقي، فإنني أجرب كل قطعة في غرفة قياس افتراضية قبل المغادرة لأن المخازن لا تحتوي إلا على الألوان والتصاميم الأساسية فقط. وباستعمال المرآة الافتراضية، أحصل على منظر واقعي إلى حد مدهش للكيفية التي سوف تبدو بها الملابس علي حين ارتدائي لها. وفي الواقع، نظرا إلى أنني أستطيع تدوير صورتي وأنا مرتد الثياب، فإن تلك المرآة تُفصح عن أكثر مما تفعله مرآة حقيقية في غرفة القياس. (و يمكن أن تكون أفضل منها في التنبؤ بدرجة الراحة التي توفرها الملابس الجديدة). وتطابق الملابس مقاسي اعتمادا على مواصفاتي المخزونة في الو ب (والتي تتغير إلى حد ما مع مرور الزمن) . وتولِّد خدمة ملابسي أشكالا جديدة من الطرازات بناء على ما لبسته في السابق، أو على ما أقضي معظم وقتي أحدق فيه وأتمناه، أو على ما لبسه أقرب أصدقائي. لقد ول دتُ عبر السنين هيئة غنية شاملة لسلوكي يمكنني استعمالها من أجل أي شيء أرغب فيه. و يُدير الموقع يونيفرسال يو أفضلياتي واختياراتي على غرار إدارته لأفاتاري . فهو يعرف أ نني أحب حجز غرفة غير غالية في فندق عندما أذهب في عطلة، وأنني أريدها مع حمام مس تقل، و مع وصلة إنترنت عالية السرعة، في أقدم جزء من المدينة ، على ألا تكون بالقرب من محطة باصات. ويستعمل الموقع ذكاء صنعيا للبحث عما يناسبني و يحجزه بأفضل سعر. لكن الأمر أكثر من مجرد أفضليات مخزونة لي، فثمة مرشح دائم تكي ف باستمرار مع كل ما فعلته، ومع الصور التي التقطتها، والتغريدات التي قمت بها أثناء زياراتي السا بقة. و هو يخمِّ ن اهتماماتي الجديدة بالقراءة والأفلام، لأن الكتب والأفلام تكون مرغوبة فيها عادة أثناء السفر. و يعير الموقع كثيرا من الا نتباه إلى سفريات أفضل أصدقائي وأصدقائهم، ومن ذلك المخزن الكبير من البيانات يقترح علي غالبا مطاعم وفنادق معينة لزيارتها. وأنا مسرور عموما من توصياته. ونظرا إلى أن أصدقائي يسمحون ليونفرسال يو ب تعق ب مشترياتهم ووجباتهم الخارجية وارتيادهم للنوادي والأفلام التي يأتون بها من الوب والأخبار التي يشاهدونها وأنشطتهم الرياضية ورحلاتهم خلال عطلة نهاية الأسبوع، فإنه يستطيع أن يقدم لي توصيات كثيرة التفاصيل بأقل جهد ممكن. وعندما

عدد الصفحات ١٤٩

150 أستيقظ في الصباح، يرشح يونفرسال يو تيار الأخبار الجديد ليقدم لي أهم الأخبار التي من النوع الذي أفضله صباحا. فهو يُرشِّح ها اعتمادا على الأشياء التي أُ رس لها عادة إلى الآخرين، أو التي أعلِّمها أو أرد عليها. وأجد في خزانتي نوعا جديدا من الحبوب المشبعة بالمتممات الغذائية التي يجرب أصدقائي تناولها هذا الأسبوع، والتي طلبها يونفرسال يو من أجلي يوم أمس. إنها جيدة. وترصد شركة السيارات التي تخدمني أماكن ازدحام حركة المرور هذا الصباح، ولذا تجدول سيارتي على نحو متأخر عن المعتاد وتحاول تحديد مسار غير المسار المألوف إلى المكان الذي سوف أعمل فيه اليوم، وذلك بناء على تنقلات زملائي المتعددة باكرا. وأنا لا أعرف أين سوف يكون مكتبي ، لأن شركتنا الناشئة تجتمع في أي حيز متاح للعمل المشترك في ذلك اليوم. وينقل جهازي الش خصي شاشات المكان إلى شاشتي. ويشتمل عملي أثناء النهار على تعديل بضعة تجهيزات ذكاء صنعي تقوم بمطابقة حالات المرضى مع أنماط المعاينة والتطبيب. ووظيفتي هي مساعدة آلة ذكية على فهم بعض الحالات الشاذة (التي من مثل الأشخاص الذين يعتقدون بالإيمان الشافي) من أجل زيادة كفاءة تشخيص ها وتوصياتها. و عندما أعود إلى البيت، أتطلع إلى مشاهدة مجموعة الفيديوهات الثلاثية الأبعاد الممتعة والألعاب المسلية التي حض رها ألبرت لي. ألبرت هو الاسم الذي أ طلقته على أفاتاري لدى يونيفرسال يو. إنه يقوم بترشيح المحتوى من أجلي، ويأتي دائما بأجمل المواد، لأنني دربته جيدا عمليا. فمنذ أيام المدرسة الثانوية، أنا أقضي 10 دقائق يوميا على الأقل وأنا أصحح ما ينتقيه، وأضيف مؤثرات لا يعرفها، منقحا بذلك المرشحات. وبهذه الطريقة أصبح ت لدي الآن قناة محتوى لا نظير لها تعتمد على وجود خوارزميات الذكاء الصنعي الجديدة ، و على نتائج أصدقاء أصدقاء أصدقائي. وثمة كثير من الناس يتبعون ألبرت يوميا، وبذلك أصبحت في أعلى لائحة قادة ترشيح عوالم الواقع الافتراضي. وغدت مختاراتي رائجة إلى حد أنني أكسب مالا من يونيفرسال يو يكفيني لتسديد أجور جميع اشتراكاتي لديه على الأقل. ••• ما زلنا في مراحل مبكرة من الكيفية التي نرشح بها، و من ماهية ما نرشحه. إذ يمكن تطبيق هذه التكنولوجيات الحاسوبية القوية على إنترنت كل شيء ، وهي سوف تُطب ق عليها فعلا. ويمكن لأكثر المنتجات أو الخدمات بساطة أن تُشخص ن إذا أردنا لها ذلك (لكننا في كثير من الحالات لا نريده ). وفي الثلاثين سنة القادمة، سوف تُرش ح السحابة برمتها، وهذا ما يزيد من درجة الشخصنة.

عدد الصفحات ١٥٠

151 لكن كل المرشحات تستبعد أشياء جيدة. فالترشيح هو نوع من الرقابة، والعكس صحيح . إذ يمكن للحكومات أن تستعمل الترشيح على مستوى الدولة لاستبعاد الأفكار السياسية غير المرغوب فيها ، و لتقييد حرية ال تعبير. وعلى غرار فيسبوك وغوغل، لا تُ فصح الحكومات عما ترشحه. وخلافا لوسائط التواصل الاجتماعية، ليس لدى المواطنين حكومات بديلة للانتقال إليها. و حتى في حالة الترشيح غير الجائر، فإن تصميم ذلك الترشيح لا يسمح لنا برؤية سوى جزء ضئيل مما هو موجود وتُمك ن رؤيته. وهذه هي لعنة عالم ما بعد الندرة: لا نستطيع الاتصال إلا بخيط رفيع من كل ما هو موجود هناك. في كل يوم، توسِّع التكنولوجيات الودودة للمصنِّعين، التي من مثل الطباعة الثلاثية الأبعاد والتطبيقات القائمة على الهاتف وخدمات السحب، سماء الإمكانات ببضع درجات أخرى. ولذا ثمة حاجة كل يوم إلى مرشحات أوسع من أجل الوصول إلى هذه الوفرة على المستوى البشري. ليس ثم من مناص من المزيد من الترشيح، ومن غير الممكن معالجة سوء الترشيح بإلغاء المرشحات. إن سوء الترشيح لا يعال ج إلا بتطبيق ترشيح عليه ذي مفعول معاكس. من وجهة نظر الناس، المرشِّ ح يركِّز المحتوى. و بالنظر إليه من الجهة المعاكسة، أي من وجهة نظر المحتوى، فإن الترشيح يركِّز الانتباه البشري. وكلما توس ع المحتوى، وجبت زيادة تركيز الانتباه. في عام 1971، لاحظ هربرت سايمون Herbert Simon، الحائز على جائزة نوبل للعلوم الاجتماعية، أنه «في العالم الغني بالمعلومات، يعني الغنى بالمعلومات الشح في شيء آخر: شح كل شيء تستهلكه تلك المعلومات. أما ما تستهلكه المعلومات فهو واضح: إنها تستهلك انتباه المتلقين لها. لذا فإن الغنى بالمعلومات يخلق فقرا في الانتباه 247» .وتُختزل رؤية سايمون غالبا بالقول : «في عالم الوفرة، النادر الوحيد هو الانتباه البشري ». إن انتباهنا هو المورد الثمين الوحيد الذي نُنتجه شخصيا من دون تدريب. وهو شحيح، والجميع يحتاجون إلى شيء منه. بإمكانك التوقف عن النوم كليا، ومع ذلك لا يتوفر لك سوى 24 ساعةمما هو ممكن من الانتباه في اليوم. وليس ثمة من شيء، سواء أكان مالا أو تكنولوجيا، يمكنه أن يزيد من ذلك المقدار. لذا كان الانتباه الأعظمي الممكن محدو دا. و توليده محدود بطبيعته، في حين أن كل شيء آخر يصبح وفيرا. ونظرا إلى أن ه الشيء الشحيح الأخير248، فإنه حيثما تدفق، تدفق المال. لكن ومع كون انتباهنا نادرا ونفيسا إلى هذا الحد، فإنه ليس غاليا نسبيا. فهو رخيص جزئيا لأن علينا أن نقدمه يوميا. و لا يمكننا اقتصاده أو خزنه، بل علينا صرفه ثانية بثانية، في الزمن الحقيقي. في الولايات المتحدة، ما زال التلفزيون مستحوذا على معظم انتباهنا 249، يليه الراديو، ثم الإنترنت

عدد الصفحات ١٥١

152 إنتلك الأشياء الثلاثة تستحوذ على معظم انتباهنا، في حين أن الأشياء الأخرى، التي من مثل الكتب والصحف والمجلات والموسيقى والفيديوهات المنزلية والألعاب، لا تستهلك سوى القليل من الكعكة الكلية. لكن ليست كل أشكال الانتباه متكافئة. ففي مجال الدعاية والإعلان، يُعب ر عن مقدار الانتباه غالبا بما يسمى تكلفة الألْ ف250، وهي التكلفة التي يدفعها المعلن مقابل لفت انتباه ألف مشاهد أو قارئ أو مستمع. و تتباين تكلفة الألف التقديرية الوسطية لمنصات الإعلام المختلفة تباينا كبيرا 251. فالتكلفة التقديرية الوسطى للوحات إعلانات الطرقات الرخيصة تساوي 3.5 دولار، وللتلفزيون 7 دولار، وتتقاضى المجلات 14 دولار، و تتقاضى الصحف 32.5 دولار وثمة طريقة أخرى لحساب قيمة انتباهنا. إذ يمكن حساب العوائد السنوية الكلية التي تجنيها شركات الإعلام الرئيسية، والمدة الكلية التي تُخص ص في كل وسيلة إعلام للإعلان، ثم نحسب مقدار العائد الذي تولِّده كل ساعة من الانتباه بالدولار لكل ساعة. وقد أدهشني الجواب. أولا، مقدار ذلك العائد قليل. تُري نسبة الدولار ات التي تجنيها صناعة الإعلام من كل ساعة انتباه يصرفها المستهلكون أن الان تباه لا يساوي الكثير بالنسبة إليها . ففي حين أن نصف تر يليون ساعة تُخصص للتلفزيون سنويا 252 (في الولايات المتحدة فقط)، فإنها تولِّد لمالكي المحتوى فيها 20 سنتا فقط وسطيا في الساعة. فإذا دُف عت لك أجرة بهذا المقدار من أجل مشاهدة التلفزيون، فإنك سوف تحصل على الأجرة الساعية الخاصة بالعالم الثالث. إن مشاهدة التلفزيون هي صنعة من لا صنعة له. أما الصحف فتحتل شريحة أصغر من انتباهنا، لكنها تولِّ د عائدا أكبر لكل ساعة تصرف عليه ، أي نحو 93 سنتا لكل ساعةوأما الإنترنت، فهي أغل ى على نحو ملحوظ، وهي تزيد من نوعية الانتباه كل سنة، وتولِّد وسطيا 3.6 دولار لكل ساعة من الانتباه 253. تعبِّر قيمة الـ 20 سنتاالبخسة للساعة من انتباهنا التي ’تكسبها‘ شركات التلفزيون منا نحن المشاهدون ، أو حتى قيمة الدولار في الساعة التي تكسبها صحف الطبقات الراقية، ع ن قيمة ما أسميه ’انتباه السلعة‘. و قيمة الانتباه، الذي نوليه لسلع التسلية التي تُنسخ وتُنقل بسهولة، والواسعة الانتشار والمتوفرة دائما تقريبا ، ليست كبيرة. فعندما ندقِّق بما علينا دفعه مقابل شراء محتوى سلعي، أي المحتوى الذي يمكن نسخه بسهولة من كتب و أفلام وموسيقى وأخبار إلخ..، نجد أن المعدلات أعلى، لكنها لا تعكس حقيقة أن انتباهنا هو آخر الأشياء النادرة. خذ كتابا، على سبيل المثال. تستغرق قراءة كتاب ذي غلاف صلب 4.3 ساعة وسطيا254، ويبلغ ثمن شرائه 23 دولار 255. لذا تساوي التكلفة الوسطية

عدد الصفحات ١٥٢

153 التي يدفعها المستهلك خلال مدة القراءة تلك 5.34 دولار للساعة أما الاستماع إلى محتويات قرص موسيقى متراص CD فيحصلعشرات المرات على مدى حياته، ولذا يُقسم سعره التجاري على مدة سماعه الكلية للحصول على تكلفته الساعية. و أما الفلم السينمائي الذي تساوي مدته ساعتين ، فلا يُشاه ده الشخص الواحد إلا مرة واحدة، ولذا فإن تكلفته الساعية بالنسبة إلى ذلك الشخص تساوي نصف ثمن بطاقة الدخول إلى صالة السينما. و يمكن النظر إلى تلك التكاليف على أنها مرآة تعكس القيمة التي نعطيها، نحن المستمعون والمشاهدون، لانتباهنا. في عام 1995، حسبتُ التكاليف الساعية الوسطية لمنصات و ب مختلفة، ومنها منصات الموسيقى والكتب والصحف والأفلام السينمائية. وكانت ثمة بعض الاختلافات بينها، لكن السعر بقي ضمن نفس مرتبة الكبر، وقارب قيمة وسطية مقدارها 2 دولار للساعة. لقد كنا ندفع في عام 1995 دولارين في الساعة مقابل استعمال تلك الوسائط. وبعد خمس عشرة سنة، أي في عام 2010، ثم مرة ثانية في عام 2015، أعدت حساب تلك القيم من أجل مجموعة مشابهة من الوسائط باستعمال نفس الطريقة. وعندما أخذت أثر التضخم في الحسبان وحو لت النتائج إلى دولار عام 2015، وجدت أن التكلفة الوسطية لاستهلاك ساعة واحدة من تلك الوسائط كانت 3.08 دولار للساعة في عام 1995، و 2.69 دولار للساعة في عام 2010، و 3.37 دولار في عام 2015 .وهذا يعني أن قيمة انتباهنا كانت مستقرة استقرارا جيدا على مدى عشرين عاما ويبدو أن لدينا إحساسا فطريا بما ’يجب‘ أن يكلفه الاستمتاع بالمحتوى الذي تحمله تلك الوسائط، وأننا لا نبتعد كثيرا عن ذلك. ويعني ذلك أيضا أن الشركات التي تكسب من انتباهنا (ومنها كثير من شركات التكنولوجيا المتطورة) لا تكسب سوى 3 دولار من ساعة انتباه الفرد ، إذا قدمت محتوى عالي الجودة. وفي العقدين القادمين، تتمثل التحديات والفرص في استغلال الترشيح لتحقيق انتباه ملائم عالي الجودة. أما اليوم، فيقوم معظم اقتصاد الإنترنت على تريليونات من ساعات انتباه السلعة المنخفض القيمة. فقيمة الساعة الواحدة بحد ذاتها لا تساوي الكثير، لكن الكثير منها يمكن أن يحرك جبالا. إن انتباه السلعة كالريح أو موجة البحر: قوة موزعة يجب التقاطها بأجهزة كبيرة. ••• يمثل الذكاء الاستثنائي الذي يقف وراء النجاح الهائل لغوغل وفيسبوك ، وغيرهما من منصات الإنترنت ، بنية تحتية ضخمة ترشح انتباه السلعة هذا. تستعمل تلك المنصات طاقة حاسوبية كبيرة من

عدد الصفحات ١٥٣

154 أجل مطابقة عالم المعلنين المتوسِّ ع مع عال م المستهلكين المتوسِّ ع. ويسعى ذكاؤها الصنعي إلى الإعلان الأمثلي في الوقت الأمثلي والمكان الأمثلي و الوتير ة الأمثلية لتحقيق الاستجابة الأمثلية. وفي حين أن هذا النوع من الدعاية ي وص ف أحيانا بالدعاية المشخصنة، فإنه في الو اقع أكثر تعقيدا من مجرد توجيه إعلانات إلى أفراد. إنه يمثل بيئة حيوية للترشيح لها عواقب أبعد من مجرد الدعاية. يمكن لأي شخص أن يسجل نفسه معلنا لدى غوغل، وذلك بملئه لاستمارة في الإنترنت (مع ظم الإعلانات هي نصوص على غرار إعلانات الصحف المبوبة). و هذا يعني أن عدد المعلنين المحتملين يمكن أن يبلغ المليارات. يمكن أن تكون رجل أعمال صغيرا يعلن عن كتاب طبخ للرحالة النباتيين ، أو عن قفاز جديد اخترعْ ت ه للبيسبول. وفي الجانب الآخر من المعادلة، يمكن لأي شخص يمتلك صفحة وب لأي غرض أن يسمح لمعلن بو ضع إعلان في صفحته وأن يجني مالا من هذا الإعلان. ويمكن لصفحة الوب أن تكون مدونة شخصية أو صفحة رئيسية لشركة. و قد شغ لتُ أنا على مدى ثماني سنوات إعلانات غوغل آدس نْ سْ في مدوناتي الشخصية. وكانت المئة دولار أو نحوها التي كنت أجنيها كل شهر من عرض الإعلا نات شيئا تافها بالنسبة إلى شركة مليار دولار من مثل غوغل، ولم يكن الحجم الضئيل لتلك البالغ ذا أهمية بالنسبة إلى غوغل لأن كل شيء كان مؤتمتا، في حين أن تلك المبالغ الضئيلة يمكن أن تتراكم. وتحتضن شبكة آدس نْ سْ جميع من يأتون إليها مهما كانوا صغارا، ولذا فإن عدد الأمكنة التي يمكن لإعلان أن يظهر فيها يمكن أن يتضاعف ليبلغ المليارات. لكن من أجل موافقة تلك المليارات من الإمكان ات رياضيا تيا، أي مليارا ت الأشخاص الذين يريدون الإعلان مع مليارات الأمكنة التي تريد عرض الإعلانات، ثمة حاجة إلى عدد فلكي من الحلول الممكنة. يضاف إلى ذلك أن الحلول المثلى يمكن أن تتغير تبعا للوقت من اليوم أو للموقع الجغرافي، ولذا ت حتاج غوغل (وشركات البحث الأخرى التي من مثل ياهو ومايكروسوفت) إلى قيام سحابة حواسيبها العملاقة بفرز تلك الحالات وترتيبها. ومن أجل مطابقة المعل ن مع القارئ، تتجول حواسيب غوغل في الوب مدة 24 ساعة في اليوم وتجمع محتوى جميع الـ 60 تريليون صفحة الموجودة فيها 256 وتخزن تلك المعلومات في قاعدة بياناتها الضخمة. وتلك هي الطريقة التي ت قدم بها غوغل إليك جوابا فوريا عندما تستعلم منه ا عن شيء. فقد فهرس ت في الواقع موقع كل كلمة وعبارة وفكرة في الوب. وحينما يرغب مالك صفحة في الوب في السماح بعرض إعلان آدس نْ سْ صغير على صفحته، تستدعي غوغل سجلها الذي يحتوي على ال مادة الموجودة في تلك الصفحة ثم تستعمل دماغها الهائل للعثور على شخص يريد في تلك اللحظة وضع إعلان يخص تلك المادة في تلك الصفحة. وعندما تحصل المطابقة، يعكس الإعلان الموجود في

عدد الصفحات ١٥٤

155 صفحة الوب المحتوى التحريري للصفحة. افترض أن موقع الوب يخص فريق سوفتبول 257 في بلدة صغيرة. حينئذ سوف يكون إعلان لقفاز بيسبول مبتكر ملائما جدا لذلك السياق، ومن المرجح أن ينقر القراء عليه بدلا من النقر على إعلان يخص أنبوب تنفس للسباحة تحت سطح الماء. لذا، بناء على ملائمة المادة للمحيط258، يضع غوغل إعلانات القفازات في مواقع السوفتبول لكن ذلك ليس سوى بداية ال تعقيد، لأن غوغل سوف تحاول جعل عملية المطابقة ثلاثية الجوانب. من الناحية المثالية، لا تُطاب ق الإعلانات سياق صفحة الوب فحسب، بل اهتمام القارئ الذي يزور الصفحة أيضا 259 .إذا وصلت إلى موقع أخبار عامة، مثل موقع الـ CNN، وكانت غوغل تعلم أنك تلعب ضمن مجموعة فرق سوفتبول، فإنك سوف ترى في ذلك الموقع إعلانات لتجهيزات رياضية أكثر من إعلانات الأثاث المنزلي . فكيف تعرف غوغل معلومات عنك من هذا النوع ؟ صحيح أنك غير معروف لدى معظم الناس، لكنك عندما تصل إلى موقع وب، تصل مع مجموعة من الإشارات غير المرئية المتدلية من رقبتك والتي تُري من أين أتيت. وتلك الإشارات (المعروفة بالكوكيات cookies ) يمكن تُقرأ ليس من قبل موقع الوب الذي أتيت إليه فقط، بل من قبل كثير من المنصات الكبيرة، التي من مثل غوغل، التي تتغلغل أصابعها في كامل الوب. ونظرا إلى أن كل موقع وب تجاري تقريبا يستعمل منتجات غوغل، فإن غوغل قادر ة على تعقب رحلتك أ ثناء زيارتك الصفحات واحدة تلو أخرى في كافة أنحاء الوب. وطبعا، إذا غوغلت أي شيء، أمكن لغوغل أن تتعقبك من هناك أيضا. لا تعرف غوغل اسمك أو عنوانك أو بريدك الإلكتروني (حت ى الآن)، لكنها تتذكر سلوكك في الوب. ومن ث م إذا وصلت إلى موقع أخبار بعد زيارتك لصفحة فريق سوفتبول، أو بعد غوغلة ’قفاز سوفتبول‘، أمكنها القيام ببعض الافتراضات. وتأخذ تلك التخمينات وتضيفها إلى حسابات تحديد الإعلانات التي سوف تضعها في الصفحة التي وصلت لتوِّك إليها. إنه شيء سحري، لكن الإعلان الذي تراه في موقع اليوم لا يُضاف إليه إلا بعد لحظة دخولك الموقع. لذا فإن غوغل وموقع الأخبار ينتقيان في الزمن الحقيقي الإعلان الذي سوف تراه، و من ث م ترى إعلانا مختلفا عما أراه. وا ذا كانت بيئة الترشيح الحيوية بأسرها في حالة عمل، عكس الإعلان الذي تراه تاريخ زياراتك الأخيرة لصفحات الوب، ومال باتجاه اهتماماتك على نحو أشد. لكن انتظر، فثمة المزيد! إذ إن غوغل نفسها تصبح طرفا رابعا في هذه السوق المتعددة الأطراف. فإضافة إلى إرضاء المعلنين وأصحاب صفحات الوب والقراء ، تحاول غوغل أيضا استمثال نتائجها. إن قيمة انتباه بعض الناس يمكن أن تكون أعلى بالنسبة إلى معلن ما من غيره . فانتباه قر اء بعض مواقع الوب ذات الصلة بالصحة مثلا ذو قيمة كبيرة لأنهم ينفقون على الأرجح كثيرا من المال على

عدد الصفحات ١٥٥

156 الدواء والعلاج مدة طويلة من الزمن، في حين أن قر اء موقع نادي المشي لا يشترون أحذية إلا من وقت إلى آخر فقط. لذا يوجد وراء كل عرض لإعلان في موقع وب مزاد شديد التعقيد لمطابقة قيم كلمات السياق المفتاحية (تكلفة الكلمة ’ربو ‘ أكبر بكثير من تكلفة الكلمة ’مشي‘) مع السعر الذي يقبل المعلن دفعه في ضوء مستوى استجابة القراء الذين ينقرون على الإعلان فعلا. يدفع المعلن بضعة سنتات إلى مالك صفحة الوب (أو إلى غوغل) إذا نقر شخص ما على الإعلان، ولذا تحاول الخوارزمية استمثال مكان وض ع الإعلان والأجرة التي سوف تستوفى والوتيرة التي يُ شاه د بها. فقيمة إعلان الـ 5 سنتات لقفاز السوفتبول الذي يُنقر عليه12 مرة تساوي أكثر من قيمة إعلان الـ 65 سنتا لم نْ ش قة ربو يُنقر عليه مرة واحدة. و في اليوم التالي تعرض مدونة فريق السوفتبول تحذيرا يخص كميات كبيرة من غبار الطلع هذا الربيع، وفجأة تصبح قيمة إعلانات الم نْ ش قة في مدونة فريق السوفتبول 85 سنتاوقد يكون على غوغل التعامل مع مئات ملايين العوامل في نفس الوقت في الزمن الحقيقي من أجل تحديد الإجراءات المثلى لتلك الساعة. وعندما يعمل كل شيء في هذه المطابقة الرباعية الأطراف الشديد الانسياب، تُستمثل عائدات غوغل أيضا. في عام 2014، أتى21 بالمئة من عائدات غوغل الكلية، أي 14 مليار دولار، من خلال منظومة إعلانات آدس نْ سْ 260. لقد كانت هذا الحالة الغابة المتشابكة من أنواع الانتباه المختلفة المتفاعلة معا غير قابلة للتفكير بها تقريبا قبل عام 2000. فدرجة التذكية والحوسبة اللازمة لتعقب وفرز وترشيح كل شيء في الوب كانت بعيدة المتناول عمليا. لكن مع استمرار منظومات التعقب والتذكية والترشيح بالنمو، غدا المزيد من طرائق تنظيم الانتباه ممكنا. وهذه الحقبة شبيهة بالحقبة الكامبرية 261 من التطور، عندما أصبحت الحياة متعددة الخلايا. فخلال مدة وجيزة جدا (من الناحية الجيولوجية)، جس دت الحياة كثيرا من الإمكانات التي لم تجر ب سابقا، و جم عت كثيرا من تر اكيب الحياة الجديدة والغريبة أحيانا بسرعة كبيرة إلى حد أننا نسمي هذه الحقبة التاريخية من الإبداع الحيوي بالانفجار الكامبري. ونحن الآن عند عتبة انفجار كامبري في ت كنولوجيا الانتباه تتمثل بإتاحة تجربة نسخ مبتكرة من الانتباه والترشيح شديدة الغرابة . على سبيل المثال، ماذا يحصل لو اتبع ت الإعلانات نفس توجه اللامركزية مثل غيرها من القطاعات التجارية الأخرى؟ ماذا يحصل لو قام الزبائن أنفسهم بإعداد الإعلانات ووضعها في صفحات الوب ودفع رسومها؟ هاك إحدى طرائق التفكير بهذا الإجراء الغريب . على كل مشروع مدعوم بالإعلان، وهذا هو حال معظم شركات الإنترنت حاليا، أن يقنع المعلنين بوضع إعلاناتهم لديه على وجه الخصوص. والحجة

عدد الصفحات ١٥٦

157 التي يقدمها المعلن إلى الشركات ، سواء أكان ناشر ا أو مؤتمر ا أو مدونة أو منصة، هي أنه ما من أحد آخر يستطيع الوصول إلى جمهور معين كما يفعل هو، أو أن يصل إليه من خلال علاقة جيدة به. ويمتلك المعلنو ن المال، ولذا لا يفعلون إلا ما يحبون، و من الصعب إقناعهم بمن يقوم بعرض إعلاناتهم. وفي حين أن الشركات ت حاول إقناع معظم المعلنين المرغوب فيهم بعرض إعلاناتهم لديه ا، فإنها لا تتدخل في انتقاء الإعلانات التي سوف تعرض ها. أما المعلنون ووكلاؤهم، فيفعلون ذلك. و المجلة الممتلئة بالإعلانات، أو برنامج التلفزيون المزدحم بالدعايات التجارية ، يعتبر ان نفسيهما محظوظين إنْ جرى اختيار هما لعرض الإعلان . لكن ماذا يحصل لو استطاع أي شخص لديه جمهور اختيار الإعلانات التي يرغب في عرضها من دون أن يكون عليه طلب السماح بذلك؟ لنقل مثلا أنك رأيت إعلانا جميلا حقا لحذاء جري وأردت عرضه على صفحتك من أجل أن يُدفع لك مقابل ذلك على غرار ما تفعله محطة تلفزيون. ماذا يحصل لو استطاعت أي منصة أن تجمع ببساطة أفضل الإعلانات التي تروق لها ثم تحصل على أجور تلك التي تعرض ها، والتي تحصل مشاهدتها، وفقا لنوعية وكمية الحركة التي ترد إليها؟ إن الإعلانات التي هي فيديوهات وصور ساكنة وملفات صوتية تحتوي على رموز مضم نة فيها تعمل على تعق ب الأمكنة التي تُعرض فيها وعدد مرات مشاهدتها. لذا، و بقطع النظر عن عدد المرات التي تُنسخ فيها، يجري الدفع للمضيف حين عرضها. وأفضل شيء يمكن أن يحصل لإعلان هو أن ينتشر في كافة أرجاء الإنترنت ويجري وضعه وعرضه على أكبر عدد ممكن من المنصات. ونظرا إلى أ ن الإعلان الذي يُعرض في موقعك يمكن أن يولِّد بعض العائد لك، فإنك سوف تتر ص د إعلانات قابلة لتذك رها من أجل استضافتها. تخي ل أن بينتر ست قام بتجميع إعلانات ضمن مجموعة صور. يمكن لأي إعلان منها يجري عرضه وتحصل مشاهدته أن يولِّد عائدا للمجمِّع. فإذا أُحس ن صنعه، أمكن للجمهور أن يأتي ليس من أجل المحتوى الجميل فقط، بل من أجل الإعلانات الجميلة أيضا، بالطريقة التي يشاهد بها ملايين الناس بطولة كرة القدم السنوية من أجل مشاهدة الدعايات التجارية في المقام الأول. في المحصلة يمكن أن تظهر منصة ترعى الإعلانات إضافة إلى المحتوى. ويمكن للمحررين فيها أن يقضوا مددا طويلة وهم يتصي دون إعلانات لافتة غير معروفة قليلة المشاهدة، كالمدد التي يقضو نها للعثور على مقالات الأخبار. لكن الإعلانات الرائجة جدا قد لا تأتي بعائد بقدر ما تأتي به الإعلانات المتخصصة، في حين أن الإعلانات الرديئة قد تأتي بعائد أكبر مما تأتي به الإعلانات المرحة. لذا سوف تكون ثمة مقايضة بين الإعلانات التي تبدو أنيقة و لا تأتي بعائد، و الإعلانات البسيطة غير المعقدة، لكنْ الرابحة. و تُعر ض الإعلانات الطريفة التي تدفع رسوما أعلى كثيرا طبعا، وهذا ما يقلص

عدد الصفحات ١٥٧

158 منجاذبيتها وربما من سعرها. وقد تكون ثمة مجلات ومنشورات ومواقع وب لا تحتوي إلا على إعلانات مرتبة على نحو فني، ويمكن أن ت كون رابحة . وثمة اليو م مواقع وب لا تعرض سوى دعايات أفلام أو دعايات تجارية كبيرة، لكنها لا تكسب شيئا من مصادر تلك الدعايات لقاء استضافتها. إلا أنها سوف تربح قريبا جدا . وتغيِّر هذه الإجراءات من قوة صناعة الإعلان الراسخة تغييرا جذريا . فعلى غرار أوبر والمنظومات اللامركزية الأخرى، تأخذ ما كان سابقا مهمة عالية المستوى يقوم بها بضعة حرفيين ، وتنشرها عبر شبكة لامركزية من الهواة. ليس ثمة من محترف إعلانات في عام 2016 يصدق أنها يمكن أن تنجح، وحتى الناس المنطقيو ن يرون أن ذلك يبدو جنونيا، لكن ثمة شيء واحد نعرفه عن الثلاثين سنة السابقة هو أن الأشياء التي تبدو مستحيلة يمكن أن تتحقق لامركزيا من قبل هواة إذا وُجدت شبكة تربط بينهم على نحو ذكي. و حاولت بضع شركات ن اشئة مستقلة في عام 2016 زعزعة منظومة الانتباه الحالية، لكن ذلك قد يحتاج إلى عدد من المحاولات قبل نضوج بعض الأنماط الجديدة الجوهرية. فالجزء المفقود بين هذه الحالة الخيالية والواقع هو تكنولوجيا تتعقب الزيارات وتزيل الغش وتعطي قيمة عددية للانتباه الذي يحصل عليه إعلان منسوخ، ثم تتبادل هذه البيانات على نحو آمن من أجل إجراء دفعة مالية صحيحة. وهذه مهمة حوسبية لا تستطيع القيام بها إلا المنصات الكبيرة المتعددة الأ طراف التي من مثل غوغل وفيسبوك. وهي تتطلب كثير ا من الضوابط لأن المال يمكن أن يجذب المحتالين و صن اع السبامات الم ه رة. أما بعد انطلاق المنظومة ووقوفها على قدميها، فيمكن للمعلنين أن يطلقوا إعلانات تنتشر عبر الوب برمتها. وتلتقط أنت واحدا منها وتضعه في موقع ك، فيحرض دفعة مالية لك إذا نقر عليه قارئ. تضع هذه القواعد المعلنين في موقف فريد. فصن اع الإعلانات ما عادوا يستطيعون تحديد المكان الذي سوف يظهر الإعلان فيه. لذا يجب التعويض عن حالة عدم التحديد تلك بطريقة ما بواسطة بنية الإعلان. فبعضها يمكن أن يُصم م بحيث يتضاعف بسرعة ويحرض أحداثا (شراءات) يقوم بها المشاهدون. ويمكن تصميم إعلانات أخرى لتبقى حيث هي كالصنم من دون حركة لتكوِّن ماركة ببطء. ونظرا إلى أن الإعلان يمكن أن يُستعمل نظريا كمقالة في صحيفة، فإنه يمكن أن يشابه مادة من ذلك النوع. ولا تُطلق جميع الإعلانات في كافة أنحاء الوب. بل إن بعضها، إن لم نقل كثير منها، يمكن أن يُحفظ من أجل التحكم في إطلاقه فيما بعد (لجعله نادرا). ونجاح هذه المنظومة قد لا يتحقق إلا بوجود أنماط إعلان تقليدية تمثل أساسا لها.

عدد الصفحات ١٥٨

159 وتملأ أمواج اللامركزية كل الأصقاع. إذا كان الهواة يستطيعون وضع إعلانات في الوب، فلماذا لا يقوم الزبائن والمعجبون بصنع إعلانات بأنفسهم؟ فالتكنولوجيا يجب أن تكون قادرة على دعم شبكة لامركزية لصنع الإعلانات. لقد جر ب عدد من الشركات نسخا محدودة من الإعلانات التي صنعها المستعملون. فشركة شرائح البطاطا دوريتوس طلبت إعلانات فيديوية من صنع الزبائن من أجل بثها أثناء بطولة كرة القدم الأمريكية في عام 2006 .فأتاها 2000 إعلان فيديوي ، وصو ت أكثر من مليوني شخص على أفضلها الذي جرى بثه بعدئذ. ومنذئذ، استقبلت كل سنة 5000 فيديو وسطيا من صنع الزبائن 262. وهي تقدم الآن جائزة مقدارها مليون دولار للفائز 263، وذاك مبلغ يقل كثيرا عما تكلفه الإعلانات التي من صنع المحترفين. وفي عام 2006، طلبت شركة جنرال موتورز إعلانات من صنع الجمهور لس يارتها الرباعية الدفع شيفي تاهو، فوردها 21 ألف إعلان (كان 4000 منها سلبيا ويحتج على السيارات الرباعية الدفع264 .)لكن هذه الأمثلة بقيت محدودةلأن الإعلانات الوحيدة التي عُرضت خضعت للموافقة وجرت معالجتها من قبل إدارات الشركة التي ليست لامركزية في الواقع. ويمكن لشبكة الإعلانات التامة اللامركزية أن تعهد إلى المستعملين صنع إعلاناتها، ثم تسمح للناشرين من المستعملين أن يختا روا الإعلانات التي يريدونها من أجل عرضها في مواقعهم، حيث تُعت مد الإعلانات التي يُنقر عليها أو يُتشارك فيها. أما تلك التي ليست فعالة فتهمل. ويصبح المستعملون وكلاء إعلان بنفس الطريقة التي أصبحوا بها سابقا أي شيء آخر . وعلى غرار الهواة الذين يرتزقون من التقاط صور للبيع، أو الذين يستغلون الفوارق الضئيلة في مزادات إيب يْ ، سوف يكون ثمة بالتأكيد كثير من الناس الذين يكسبون رزقهم من أنواع لا تحصى من إعلانات القروض العقارية. لكنْ ، من تختار لصنع إعلانك عمليا؟ هل تذهب إلى محترفي الاستديوهات الذين يتقاضون أجورا باهظة ويخرجون ب حملة إعلان وحيدة معتمدين على أفضل تقديراتهم ، أم إلى ألوف الأولاد البارعين الذين لا يتوقفون عن تعديل واختبار إعلانات منت جك؟ كالعادة، سوف يمثل ذلك مأزقا للجمهور: هل يصنعون إعلانا من أجل منت ج رائج موثوق، ويحاولون التفوق على ألوف آخرين ممن لديهم نفس الفكرة ؟ إن المعجبين بمنت ج يحبون صنع إعلان له. وطبعا، هم يعتقدون أن ما من أحد غيرهم يعرفه جيدا مثلهم، وأن الإعلانات الموجودة الخاصة به (إنْ وُج دت) ضعيفة، ولذا يثقون بأنهم سوف يصنعون إعلانا أفضل. هل من المعقول أن نتوقع من الشركات الكبرى أن تتخلى عن إعلاناتها؟ ليس كثيرا. فالشركات

عدد الصفحات ١٥٩

160 الكبرى لن تكون أول من يفعل ذلك. وفيما يخص حديثي النعمة الرعناء من الشركات الناشئة التي ليست لديها موازنة للإعلان، أو لديها موازنة صغيرة، والتي ليس لديها ما تخسره، فإنها سوف تستغرق سنوات عديدة لتحديد ذلك. وعلى غرار حالة آد س نْ سْ ، ليس الك بر هو مكمن القوة. بل إن هذه الزاوية الجديدة من فضاء الإعلان تحرِّر الشركات الصغيرة إلى المتوسطة، والتي تمثل مليارا من أصحاب الأعمال الذين لم يفكروا قط بالقيام بحملة إعلان متطورة ، ناهيك عن الالتفاف على المسألة. و بوجود منظومة لامركزية، يمكن صنع تلك الإعلانات من قبل مستعملين متحمسين (وجشعين) وا طلاقها في كافة المدونات حيث يزدهر أفضلها بالاختبار وا عادة التصميم إلى أن يصبح فعالا . و بتعقب مسارات انتباه بديلة، يمكن أن نرى أن ثمة كثيرا من أنماط الانتباه التي لم تُستغل بعد. لقد احتجت إستر دايسون Esther Dyson،رائدة الإنترنت والمستثمرة فيها، طويلا على عدم تناظر الانتباه في البريد الإلكتروني 265. فنظرا إلى نشاطها في مجال تشكيل سلطة الإنترنت وتمويل كثير من الشركات الناشئة الجديدة، كان صندوق بريدها الوارد يفيض برسائل من أناس لا تعرفهم. وبحسب قولها: «البريد الإلكتروني هو منظومة تسمح للآخرين بإضافة أشياء إلى لائحة الأعمال التي عليك القيام بها» .ليس ثمة من تكلفة لوضع ر سالة إلكترونية في صندوق الوارد الخاص ب شخص آخر، مع أن دايسون كانت قد اقترحت ، قبل عشرين سنة، منظومة تجعل المرس لين يدفعون لقاء قراءة المرس ل إليه لرسائلهم. بكلمات أخرى، عليك أن تدفع لإستر مقابل قراءتها لبريدك. فهي يمكن أن تتقاضى ما لا يزيد على 25 سنتا من بعض المرس لين، كالطلاب مثلا، أو أكثر من ذلك (دولارين، على سبيل المثال) من شركات العلاقات العامة. ويمكن للأصدقاء و أفراد العائلة ألا يدفعوا شيئا ، أما الرسالة المعقدة من رجل أعمال فقد يترتب عليها رسم مقداره 5 دولار ات. ويمكن الإعفاء من الرسوم بعد قراءة الرسالة. طبعا، تُعتبر إستر مستثمرا مرغوبا في استشارته ، ولذا يمكن لعتبة مرشِّ حها أن تكون عالية، 3 دولارات مث عن كل رسالة تقرأُها. أما الشخص العادي فلا يفرض نفس الرسم. طبعا، يعمل الرسم عمل المرشح. وأهم من ذلك أن رسم القراءة الكبير يمثل إشارة للمرس ل إليه تدل على أن الرسالة ’هامة‘. وليس ثمة من ضرورة كي يكون المستقب ل مشهورا مثل إستر ليستح ق أن يُدفع له رسم لقاء قراءة بريد ه الإلكتروني. ومع ذلك يمكن أن تكون للشهرة تأثيرات ضئيلة. ويمكن للاستعمال الكثيف جدا للسحابة أن يفك ترابط شبكات الأتباع والمتبوعين المترابطة. ويمكن للتذكية الواسعة النطاق أن تتعقب كل تشكيلة لمن يؤثِّر بمن. فالأشخاص الذين يؤثِّرون في عدد صغير من الناس، الذين بدورهم يؤثِّ رون في آخرين ، يحتلون مرتبة مختلفة عن مرتبة الناس الذين يؤثِّرون بك ثير من الناس الذين لا يؤثِّرون في أحد. إن الحالة التي من هذا القبيل محلية وخاصة جدا. فالفتاة المراهقة التي لديها كثير من الصديقات

عدد الصفحات ١٦٠