113 الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة " (353). ثانيا: الصلاة على النبي محمد بعدد معين أوبصيغة معينة فعن أبي الدرداء أن رسول قال" من صلى علي حين يصبح عشرا وحين يمسي عشرا أدركته شفاعتي يوم القيامة " (354). وعن رافع بن ثابت الأنصاري أن رسول قال"من قال: اللهم صل على محمد، وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتي " (355). ثالثا: الإكثار من النوافل فعن زياد بن أبي زياد مولى بني مخزوم عن خادم للنبي رجل أو امرأة قال: كان النبي مما يقول للخادم: ألك حاجة؟ قال حتى كان ذات يوم ، فقال يا رسول الله: حاجتي، قال: " وما حاجتك"؟ قال حاجتي أنْ تشفع لي يوم القيامة، قال ومن دلك على هذا؟ قال ربي، قال إم ا لا (أي إنْ كان لا بد) فأعن ي بكثرة السجود "(356). رابعا: الصبر على ضيق العيش في المدينة المنورة عن يحنس مولى الزبير رحمه الله تعالى أنه كان جالسا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الفتنة، فأتته مولاة له تسلم عليه فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن، اشتد علينا الزمان، فقال لها عبد الله: اقعدي لَكَاع(357) ، فإني سمعت رسول يقول: " لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة" (358). (353 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/31)، والبخاري614)، ومسلم384)، والترمذي 211)، وأبو داود (529)، والنسائي678)، وابن ماجه722.) (354 )رواه الطبراني، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 6357.) (355) رواهالإمام أحمد -الفتح الرباني - (14/311)، و الطبراني في الكبير واللفظ له (4480)، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (10/163)، والسيوطي في البدور السافرة ف ي أمور الآخرة ( 1108)،ووافقه الوادعي في كتاب الشفاعة (صفحة 235 )وقال : لكن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى الحسن ا هـ، وقال الساعاتي في الفتح (14/311): رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط وقال المنذري وبعض أسانيدهم حسن ا هـ، وضعفه الألباني في تخريج ك تاب السُنة لأبي عاصم (827). (356) رواهالإمام أحمد - الفتح الرباني - (2/219) و 24/132)، وقال الساعاتي في الفتح الرباني (2/219): لم أقف عليه بهذا اللفظ وله شاهد عند مسلم وأبي داود من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي اهـ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2102). (357) لكاع أي غبي وقليل العلم. (358 )رواه الإمام مالك في الموطأ1638)، وأحمد–الفتح الرباني 23/260)، ومسلم واللفظ له1377)،
عدد الصفحات ١١٣114 وروى أبو هريرة أن رسول قال: " لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحدُ، إلا كنت له شفيعا – أو شهيدا- يوم القيامة" (359). قال الباجي رحمه الله تعالى: واللأواء هو الجوع وتعذر التكسب، والشدة يُحتمل أن يريد بها اللأواء، ويحتمل أن يريد بها كل ما يشتد به سكناها وتعظم مضرته اهـ (360). خامسا: الموت بالمدينة المنورة فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال" من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها " (361). العمل العاشر: تعاون الزوجين على قيام الليل يحرص الإسلام على إقامة مجتمع مسلم يسود بين أفراده التعاون على الخير، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال صلاح أفراد الأسرة وبالأخص الزوجين، وقد حث المصطفى كل زوجين على التعاون على قيام الليل، ومتى ما سعا إلى ذلك نالا دعوة المصطفى بالرحمة، فعن أبي هريرة أن رسول قال"رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ور حم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء " (362). فتأمل يا رعاك الله إلى الحياة السعيدة كيف تدوم وعلى ماذا تبنى؟ إن تعاون الزوجين على طاعة الله عز وجل من أقوى الوسائل التي تديم الألفة والمحبة بينهما، ومتى ما فعل الزوجان ذلك كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ، لما روى أبو هريرة وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما أن رسول الله قال إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ أهله وصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات "(363) . والترمذي 3918.) (359 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (23/260)، ومسلم1378)، والترمذي 3924.) (360 )المنتقى شرح موطأ مالك 1638.) (361 )رواه ا مام أحمد -الفتح الرباني -(23/259)، والترمذي 3917)، وابن ماجه 3112)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير (8404)، ووافقه الألباني في صحيح الجامع6015.) (362 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (2/233)، وأبو داود 1308)، والنسائي 1610)، والحاكم (1/309)، وابن حبان ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3494.) (363 )رواه أبو داود1309)، وابن ماجه1335)، والبيهقي4420)، والحاكم2/416)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 626.)
عدد الصفحات ١١٤115 كما أن الحديث يعلمنا أن من أصاب خيرا ينبغي أن يحب لغيره مثل هذا الخير وبالأخص لرفيق الدرب وشريك الحياة كالزوجين، فهذا الرجل وهذه المرأة أحب كل منهما الخير لصاحبه، فهذه عائشة رضي الله عنها تحكي عن رسول الله حرصه على إيقاظها في آخر الليل لتوتر فقالت: كان رسول الله يصلي من الليل، فإذا أوتر قال: "قومي فأوتري يا عائشة" (364) . إن سمات البيت المسلم تعاون أفراده على طاعة الله عز وجل، كتعاون اليدين في غسل إحداهما الأخرى، فتكاسل الزوج عن الطاعة، أو ضعف إيمانه، قد تقويه زوجته، ولا قدح في ذلك، كما أن تكاسل الزوجة، أو ضعف إيمانها، قد يقويه زوجها، فالكل يعمل على إصلاح صاحبه، وحثه على طاعة الله عز وجل، وبهذا التعاون تدوم الألفة والمودة بين الزوجين، ولا تجد لشياطين الإنس والجن إليهما سبيلا. العمل الحادي عشر: طهارة البدن ظاهرا وباطنا إن طهارة البدن ظاهرا وباطنا سبب لنيل دعوة النبي بالطهارة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال" طهروا هذه الأجساد طهركم الله، فإنه ليس عبد يبيت طاهرا إلا بات معه ملك في شعاره، لا يتقلب ساعة من الليل إلا قال: اللهم اغفر لعبدك فإنه بات طاهرا " (365). في هذا الحديث بيان بأن النائم متطهرا يحصل على دعوتين: دعوة النبي له بالطهارة ودعوة الملك له بالمغفرة، والطهارة تكون لظاهر البدن بالوضوء من الحدث الأصغر، وبالغسل من الحدث الأكبر، وتكون لباطن البدن بالتوبة من المعاصي، وذلك أن المؤمن عند نومه عليه أن يتوب من جميع معاصيه، وأن لا يحمل في قلبه على أحد غلا أو حسدا. قال المناوي رحمه الله تعالى: والطهارة عند النوم قسمان: طهارة الظاهر وهي معروفة وطهارة الباطن وهي بالتوبة وهي آكد من الظاهرة فربما مات في نومه وهو متلوث بأوساخ الذنوب فيتعين عليه التوبة وأن يزيل من قلبه كل غش وحقد ومكروه لكل مسلم اهـ (366). وقد بشر الرسول بالجنة صحابيا كان سبب فعله هذا عند نومه، فعن أنس بن مالك قال كنا جلوسا مع رسول فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل (364 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (4/311)، والبخاري512)، ومسلم واللفظ له744)، وأبو داود (711.) (365 )رواه الطبراني في الكبير 13620)، وحسنه الهيثمي، ووافقه الألباني في صحيح الجامع3936.) (366 )فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي4/271.)
عدد الصفحات ١١٥116 من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي مثل مقالته أيضا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال أنس وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثم، ولكن سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، قال: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق (367). العمل الثاني عشر: السماحة في البيع والشراء والاقتضاء يختلط الناس مع ببعضهم البعض في مواطن عديدة منها الأسواق حيث البيع والشراء، ويتفاوت سلوكهم في مثل تلك المواطن لاختلاف أهدافهم، فالمشترون يرغبون خفض أسعار السلع ليشتروا، والبائعون يرغبون في رفع أسعارها ليزدادوا ربحا، وقد تعلو الأصوات وتسوء التصرفات بسبب ذلك، ومن شفقة المصطفى أن دعا لكل من كان سمحا في البيع والشراء والاقتضاء بالرحمة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله قال" رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى " (368). قال المناوي رحمه الله تعالى في معنى قوله "رحم الله " أي دعاء أو خبر وقرينة (367) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (19/237)،وأورده ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم وقال: ورواه النسائي في اليوم والليلة عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن معمر به وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري عن رجل عن أنس فالله أعلم اهـ ( 6/143)،وصححه الأرناؤط في تحقيقه لشرح السنة للبغوي (13/114)، وصححه الألباني في مقدمة السلسلة الضعيفة (1/25)، ثم ضعفه في ضعيف الترغيب والترهيب 1728). (368 )رواه الإمام البخاري2076)، وابن ماجه2203.)
عدد الصفحات ١١٦117 الاستقبال المستفاد من إذا تجعله دعاء اهـ(369) . ومعنى "إذا اقتضى" أي إذا طلب دينا له على غريم أن يطلبه بالرفق واللطف لا بالعنف كي ينال دعاء النبي بالرحمة وعن عثمان بن عفان أن رسول قال: "أدخل الله الجنة رجلا كان سه مشتريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا" (370) . ذكر المناوي رحمه الله تعالى أن معنى قوله " أدخل الله " بصيغة الماضي دعاء وقد يجعل خبرا ، وعبر عنه بالماضي إشعارا بتحقق الوقوع اهـ(371). بعض الناس شحيح بطبعه لا يحب إلا منفعة نفسه ولا يحب نفع الآخرين، فإذا أراد شراء سلعة ماكس البائع وأطال معه الجدال ليبخسه حقه وينقصه ربحه، ولا شك أن ذلك من الأخلاق المذمومة التي تفضي إلى التباغض وكثرة الجدال ورفع الصوت والحلف في البيع. وتتأكد هذه الآداب في حق النساء، فلا ينبغي لهن المماكسة ومجادلة البائع وإكثار الكلام معه في غير حاجة. قال المناوي رحمه الله تعالى: فيه حث على المسامحة وترك المشاححة والتضييق في الطلب والتخلق بمكارم الأخلاق، وقال القاضي: رُتب الدعاء على ذلك ليدل على أن السهولة والتسامح سبب لاستحقاق الدعاء ويكون أهلا للرحمة والاقتضاء والتقاضي وهو طلب قضاء الحق اهـ(372). وقال الباجي رحمه الله تعالى: تستحب المسامحة ف ي البيع والشراء، وليس هو ترك المكايسة فيه إنما هي ترك الْمُوَارَبَة والمضاجرة وَالْكَزَازَة والرضا بالإحسان ويسير الربح، وحسن الطلب بالثمن... الخ - إلى أن قال - : والمسامحة من المبتاع في أن يقضي أفضل مما يجد، ولذلك قال "فإن أفضلكم أحسنكم قضاء"، ويعجل القضاء ولا يبلغ المطل فهو قوله "سمحا إن قضى"، ولا يُعَن فُ في سرعة الاقتضاء اهـ (373) . ويتمثل هذا التسامح في صور كثيرة، منها إنظار المدين المعسر، وكل ما فيه أجل من التعاملات بإمداد الأجل، ما دام بالإمكان الانتظار، فإن الله جل وعلا يقول: وَإ ن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ (369 )فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي4/26.) (370 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (15/23)، والنسائي4696)، وابن ماجه2202)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (243.) (371 )فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي1/226.) (372 )المرجع السابق 4/27.) (373 )المنتقى شرح موطأ مالك 1395.)
عدد الصفحات ١١٧118 فَنَظِرَةٌ إ لَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إ ن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [280]وقد روى حذيفة وعقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري رضي الله عنهم أن رسول الله قالأتى الله عز و جل بعبد من عباده آتاه الله مالا فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال: ما عملت من شيء يا رب إلا أنك آتيتني مالا فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي أن أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال الله تعالى: أنا أحق بذلك منك تجاوزا عن عبدي" (374). وفي رواية عن حذيفة قال: قال رسول : " تلقت الملائكة روح رجل ممن ك ان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئا؟ قال: لا، قالوا: تذكر، قال: كنت أداين الناس، فآمر فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوزوا عن الموسر، قال: قال الله عز وجل: تجوزوا عنه" (375). ومن صور التسامح أيضا إقالة البيع، أي: الاستجابة إلى فسخه إذا رغب المشتري أو البائع فسخ العقد لأي سبب، فعن أبي هريرة أن رسول قال: "من أقال مسلما أقال الله تعالى عثرته "(376)، والجزاء من جنس العمل، وهذا خلاف ما يفعله كثير من الباعة الذين يعلقون لوحة في متجرهم مكتوب فيها: البضاعة لا ترد ولا تستبدل. فكلما ذهبت إلى السوق لشراء سلعة تذكر هذا الحديث الشريف، وأجهد نفسك على العمل به، لتعود بسلعتك وبدعوة من رسول الله لك بالرحمة العمل الثالث عشر: قول الخير والسكوت عن قول السوء قول الخير والسكوت عن قول السوء سبب لنيل دعوة النبي بالرحمة، فعن خالد بن عمران أن رسول قال" رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن سوء فسلم " (377). وعن أنس بن مالك أن رسول قال" رحم الله امرأ تكلم فغنم أو سكت فسلم " (378). عود نفسك ألا تقول إلا خيرا ودع عنك اللغو لأن الملائكة الكرام تسجل ما يلفظه لسانك، واعلم بأن معظم خطايانا مصدرها هذا اللسان استنا دا لما رواه عبد الله بن مسعود مرفوعا أن (374 )رواه الحاكم2/306)، وصححه الألباني في صحيح الجامع125.) (375 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (15/25)، والبخاري (2077)، ومسلم واللفظ له 1560)، وابن ماجه (2420)، والدارمي 2546.) (376 )رواه الإمام أحمد –لفتح الرباني - (19/83)، وأبو داود 3460)، وابن ماجه 2199)، والحاكم (2/45)، والبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع6071.) (377 )رواه ابن المبارك، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3496.) (378 )رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني في صحيح الجامع3492.)
عدد الصفحات ١١٨119 رسول قال" أكثر خطايا ابن آدم في لسانه " (379). لا يدرك كثير من الناس قيمة الكلام الذي يتلفظون به إلا إذا كانوا يدفعون ثمنه في مثل المكالمات الدولية أو عند كتابة برقية، فترى الواحد يختصر الكلام اختصارا ولا يقول إلا المفيد، لأنه يرى النقود المعدنية تتسابق في السقوط في صندوق هاتف العملة، ولو كنا نرى الملائكة الكاتبين وهم يسجلون علينا ما نتكلم به للزم أكثرنا الصمت عن اللغو ولأكثرنا من التسبيح والكلام النافع، لذلك جاء دعاء الرسول بالرحمة لكل من حفظ لسانه عن قول السوء ولم يتكلم إلا بما يرضي الله تعالى، قال الله عز وجل وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إ نَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إ نَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإ نْسَان عَدُوّاً مُّب يناً [53.] فكلما هممت بالتكلم تذكر هذا الحديث المبارك ودعوة النبي بالرحمة لمن قال خيرا أو سكت عن سوء. فلو تأمل هذا الحديث معظم الكتاب والصحفيين لتقلص عدد المتهجمين على أهل الإسلام، ولو عمل بهذا الحديث كل الناس لرأيت تحسنا ملحوظا في معظم مجالسهم. ولاحظ أن سكوتك عن السوء، وعدم تلفظك به، تكسب من وراءه أيضا دعاء الرسول لك بالرحمة؟ فتأمل فضل الله الواسع، واغتنمه لتربح الكثير بالعمل اليسير، فعود لسانك على قول الخير والإمساك عن الشر، فإن اللسان إن أطلقت له العنان ولم تلجمه بلجام التقوى قد يوردك المهالك، وكم كلمة قالت لصاحبها دعني، فالمرء مادام ساكتا فهو س الم، وإذا تكلم فليأخذ حذره، فما يقوله إما له أو عليه. العمل الرابع عشر: الرفق بمن ولاك الله رعايته إن تحمل المسؤولية تشريف للعبد وتكليف، ولا يفطن إلى ذلك إلا من راقب الله عز وجل ولم يغتر بقوته ولا بدنياه، وأيقن بعدم بقائه ومحاسبة الله له يوم القيامة، فكل ر اع مسؤول عن رعيته، إن من شفقة المصطفى بالأمة أنه دعا لمن رفق بها أن يرفق الله به، وجعل ذلك سببا لنيل دعوته بالرفق، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول قال" اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به " (380) . وهذا الحديث يشمل كل من تولى عملا يتعلق بالناس، قال المناوي رحمه الله تعالى على قول النبي "شيئا" أي: من الولاية كخلافة وسلطة وقضاء وإمارة ونظارة ووصاية وغير (379 )رواه الطبراني، والبيهقي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 1201.) (380 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (19/85)، ومسلم1828)، وابن حبان553.)
عدد الصفحات ١١٩120 ذلك، نكرة مبالغة في الشيوع وإرادة للتعميم..اهـ (381) . فينبغي على كل مسلم تولى أمر مسؤولية أن يرفق بمن ولاهم الله أمرهم، وأن لا يغتر بسلطته ومكانته، فالجزاء من جنس العمل، فمن رَفق بالناس رُفق به في الدنيا أو في الآخرة، ومن شَق عليهم فسيُشقق عليه واقع ذلك لا محالة، لأن الله عز وجل لن يرد دعاء نبيه فليحذر المسلم من ذلك كل الحذر قال المناوي : وهذا دعاء مجاب وقضيته لا يشك في حقيقتها عاقل ولا يرتاب فقلما ترى ذا ولاية عسف وجار وعامل عيال الل بالعتو والاستكبار وإلا كان آخر أمره الوبال وانعكاس الأحوال فإن لم يعاقب بذلك في الدنيا قصرت مدته وعجل بروحه إلى بئس المستقر سقر، ولهذا قالوا: الظلم لا يدو م وإن دام دمر، والعدل لا يدوم وإن دام عمر، وهذا كما ترى أبلغ زجر عن المشقة على الناس وأعظم حث على الرفق بهم، وقد تظاهرت على ذلك الآيات والأخبار اهـ (382). العمل الخامس عشر: استغلال أول النهار استغلال أول النهار تنال به دعوة النبي بالبركة، فعن ابن عباس وا بن مسعود وعبد الله بن سلام وعمران بن حصين وكعب بن مالك والنواس بن سمعان وصخر الغامدي رضي الله عنهم أن رسول الله قال" اللهم بارك لأمتي في بكورها " (383). فينبغي للمسلم استغلال وقته فيما ينفعه، ومن أفضل الأوقات التي ينبغي عدم التفريط فيها هي أول النهار لأنه وقت مبارك بفضل دعوة النبي لمن استغله، ولما في هذا الوقت من الهدوء ولطف الجو والراحة بعد النوم. كثير من الناس محرومون من بركة هذا الوقت نظرا لطول سهرهم ليلا، وإذا وفقوا للاستيقاظ لصلاة الفجر ثقل عليهم الاستمرار في يقظتهم لاستغلال باكورة يومهم. كان الصحابة رضي الله عنهم يعملون بما يقولون وبما يحدثون عن رسول الله ، فقد روى هذا الحديث أيضا صخر الغامدي ، فقال البغوي رحمه الله تعالى معلقا عن هذا الراوي وكان صخر رجلا تاجرا وكان يبعث تجارته من أول النهار فكثر ماله اهـ (384). (381 )فيض القدير شرح ال جامع الصغير للمناوي (2/106.) (382 )المرجع السابق 2/107.) (383 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (23/303)، والترمذي 1212)، وأبو داود 2606)، وابن ماجه (2236) والدارمي 2435)، وصححه الألباني في صحيح الجامع1300.) (384 )شرح السنة للبغوي11/20.)
عدد الصفحات ١٢٠121 قال المناوي رحمه الله تعالى: قال النووي: يسن لمن له وظيفة من نحو قراءة أو علم شرعي وتسبيح أو اعتكاف أو صنعة: فعله أول النهار وكذا نحو سفر وعقد نكاح وإنشاء أمر لهذا الحديث اهـ (385). العمل السادس عشر: رد المظالم قبل الوفاة عن أبي هريرة أن رسول قال" رحم الله عبدا كانت له عند أخيه مظل مة في عرض أو مال فجاءه فاستحله قبل أن يؤخذ وليس ثم دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته، وإن لم تكن له حسنات حملوا عليه من سيئاتهم " (386). إن من رحمة رسول وشفقته بنا، أن دلنا على ما ينجينا من عذاب الله عز وجل وذلك بحثنا إلى المبادرة إلى رد المظالم وطلب الاستحلال من أهلها قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، بل ودعا بالرحمة لمن بادر إلى ذلك. فينبغي عليك يا عبد الله محاسبة نفسك، والمبادرة إلى رد مظالم العباد إن كان عليك شيء منها، قبل أن ينقضي أجلك وأنت لا تدري، لتنال بركة دعاء الرسول ، فتفوز بخيري الدنيا والآخرة، ومن لم يفعل ذلك كان من المفلسين يوم القيامة، إذ روى أبو هريرة أن رسول الله قال" أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" (387) . كم من صاحب مؤسسة أو شركة استغنى من أموال لا تحل له، فتراه يتاجر برواتب عماله المغلوب على أمرهم ويؤخره ا عنهم الشهور العديدة، ومطل الغني ظلم، وكم من إنسان أكل أموال الناس بالمماطلة وعدم سداد الديون التي عليه، أو بالتوقيع على شيكات دون رصيد، وما علم هؤلاء ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: من مات وعليه دينارٌ أو درهم قضي من حسناته، لي س ثم دينار ولا درهم" (388)، فليتق الله كل مسلم ربه ولا يأكل (385) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (1/104.) (386 )رواه الترمذي 2419)، وابن حبان 7362)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير 4433)، والألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (7318.) (387 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (24/150)، ومسلم واللفظ له2581)، والترمذي 2418)، وابن حبان (4411)، والطبراني في الأوسط، وأبو يعلى (388 )رواه البيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع6546.)
عدد الصفحات ١٢١122 أموالا لا تحل له، وليحذر بخس الناس حقوقهم، فإن الحساب غدا عسير والناقد بصير وعندما علم الصحابة رضي الله عنهم أن الحقوق ستؤدى إلى أهلها يوم القيامة؛ حتى الشاة الجماء سيقتص لها من الشاة القرناء نطحته ا؛ بلغ خوف أحدهم أن أعتق كل عبيده الذين أساءوا طاعته ولم ينصحوا له، خشية معاملتهم بالمثل فيظلمهم، فيكون من المفلسين يوم القيامة، روت عائشة رضي الله عنها: أن رجلا قعد بين يدي النبي فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضر بهم فكيف أنا منهم؟ قال: "يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل"، قال: فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف، فق ال رسول الله : "أما تقرأ كتاب الله ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين؟" فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم، أشهدكم أنهم أحرار كلهم (389) . إن من الناس من يحتج بحديث " إن المفلس من أمتي" سابق الذكر بأهمية أداء حقوق الناس ويغلبها على حقوق الله عز وجل، فإذا نصحوا بأداء الواجبات وترك المنهيات، قالوا أهم شيء أن لا تظلم أحدا ولا تبخسه حقوقه، -وهي كلمة حق أرادوا بها باطلا وتهربا من أداء حقوق الله عز وجل- وما علم هؤلاء المقصرون أن الذي يلقى الله عز وجل وهو محسن إلى الناس ومؤد حقوقهم، ولكنه مقصر في حقوق الله فيضيع الصلاة ويفرط في الزكاة، فهو أشد من أولئك المفاليس الذين ذكروا في الحديث، لأن هذه الكبائر كفيلة بأن تردي صاحبها في النار عند مروره على الصراط، إذ ليس ف يها قصاص مع أحد من البشر، لأن القصاص بالحسنات لا يكون إلا بعد جواز الصراط، فينبغي للمسلم أن يعمل بأوامر الإسلام جميعها ولا يأخذ جانب ا ويترك آخر. العمل السابع عشر: حفظ وتبليغ حديث النبي إن حفظ حديث رسول وتبليغه للناس مما يحفظ به الدين وتقوم به الدعوة إلى الله عز وجل، وقد جعل المصطفى فعل ذلك سببا لنيل دعوته بالنضارة، حيث أورد أصحاب السنن عن جبير بن مطعم وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله عنهم أن رسول الله قال" نَض ر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وحفظها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، إخلاص (389 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (14/148)، والترمذي 3165)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ( 2531.)
عدد الصفحات ١٢٢123 العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحوط من ورائهم " (390). كما جاء في رواية لزيد بن ثابت أن النبي دعا بالرحمة لمن فعل ذلك، فقال : "رحم الله امرءا سمع مني حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره... الحديث" (391). قوله "نَض ر " قال المنذري وابن الأثير والخطابي معناه: الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة والحسن ويكون تقديره: جم له الله وزينه. وبوب ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه جامع بيان العلم وفضله: ب ابا سماه: دعاء الرسول لمستمع العلم وحافظه ومبلغه ثم أورد الحديث قال القاري رحمه الله تعالى: قيل وقد استجاب الله دعاءه، فلذلك تجد أهل الحديث أحسن الناس وجها وأجملهم هيئة، وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال: ما من أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نضرة أي بهجة صو رية أو معنوية اهـ (392) وقال الق سطلا ني رحمه الله تعالى: لا يوجد أحد من طلاب الحديث إلا وقد منحه تعالى نشاطا وقوة في جسمه وصفاء في لونه، وبهجة في صورته ووجاهة بين الناس، وإنما دعا له النبي بهذه الدعوة المباركة لأنه سعى في تجديد سنة المصطفى فكان جزا ؤ ه من جنس عمله اهـ(393). وقال القاري رحمه الله تعالى: خُص مُبل غ الحديث كما سمعه بهذا الدعاء، لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة فجازاه بالدعاء بما يناسب حاله، وهذا يدل على شرف الحديث وفضله ودرجة طلابه حيث خصهم النبي بدعاء لم يشرك فيه أحد ا من الأمة، ولو لم يكن في طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة سوى أن يستفيد بركة هذه الدعوة المباركة لكفى ذلك فائدة وغنما، وجل في الدارين حظا وقسما.. اهـ (394) . ورأى ابن حبان رحمه الله تعالى أن هذه النضارة تكون يوم القيامة حيث قال في صحيحه عند ذكر هذا الحديث: ذكر إثبات نضارة الو جه في القيامة من بَل غ للمصطفى سنة صحيحة (390 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني – (1/165)، والترمذي 2656)، وأبو داود3660)، وابن ماجه (236)، والدارمي 228)، والحاكم1/87)، والبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع6766) (391 )رواه ابن حبان في صحيحه67)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (67.) (392 )مرقاة المفاتيح شرح مشكاة ا لمصابيح لعلي القاري (1/485.) (393 )منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري لحمزة قاسم1/10.) (394) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لعلي القاري1/488. )
عدد الصفحات ١٢٣124 سمعها(395). والجمع بين القولين أولى، فإن الحديث فيه الدعاء بالنضارة على وجه العموم فلم يخص الدنيا أو الآخرة. مَن منا حفظ حديثا واحدا ثم وعظ به غيره لينال دعوة النبي بالنضارة ويكون مع الدعاة إلى الله عز وجل؟ إن أ عظم الشرف أن تسلك وظيفة الأنبياء لتعلم الناس الخير، فادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ودع مليارات النمل والحيتان في البحار تستغفر لك، وهل هناك أفضل م ن مَن تشتغل المخلوقات بالاستغفار والدعاء له؟ لقد أمر رسول الله بالأخذ عنه ولو آية واحدة وتبليغها للناس فقال : "بلغوا عني ولو آية"(396)، فاحرص كل الحرص على الدخول في دعائه عن طريق حفظ شيء من حديثه الشريف ثم قم بتبليغه بأسلوب حسن، فإن من دعا له رسول الله بالنضارة سيتحقق له ذلك بإذن الله تعالى لأن دعاءه مستجاب كما مر عليك في ثنايا الكتاب من الطرق السهلة والسريعة اليوم لتبليغ حديث رسول الله هو كتابته وإرساله عبر الهاتف الجوال، لقد أعجبني أحدهم حينما أرسل رسالة جوال كتب فيها: ( هل تريد قصرا في الجنة؟ فعن معاذ بن أنس أن رسول قال: " من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات، بنى الله له بيتا في الجن ة "(397). رواه الإمام أحمدوصححه الألباني، اعمل به ثم أرسله لكل أحبابك ). فمثل هذه الرسالة لا تكلفك شيئا، وإنما ترفعك إلى مقام الدعاة إلى الله عز وجل، وتحظى بدعاء رسول الله لك بالنضارة وتنال ثواب كل من عمل بهذا الحديث العمل الثامن عشر: استخدام المكيال والميزان النبوي يحتاج الناس إلى ما يضبطون به أمور معاشهم، ومن ذلك اتخاذهم موازين ومكاييل معروفة لديهم يضبطون بها مبيعاتهم ونحوها، وإن الناس لم يزالوا من فجر الإسلام لهم مكاييل وموازين مخصوصة هي الصاع والمد في المدينة المنورة تكال بها الحبوب والثمار، والمث قال في مكة يوزن به الذهب، ولقد دعا النبي بالبركة باستخدام المكاييل والموازين النبوية، فعن أبي (395 )صحيح ابن حبان69.) (396) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني – (1/177)، والبخاري3461)، والترمذي 2669)، والدارمي ( 542)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. (397 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني – (18/347)، والدارمي 3429)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6473)
عدد الصفحات ١٢٤125 سعيد الخدري أن رسول قال" اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا واجعل مع البركة بركتين " (398)، وجاء في رواية أبي هريرة قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءو ا به إلى النبي فإذا أخذه رسول قال" اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه " ، قال ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر(399) . وعن أنس بن مالك أن رسول قال: "اللهم بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في صاعهم ومدهم" يعني أهل المدينة (400) . وقد ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى تحقق بركة مد أهل المدينة أن أصبح هو المعيار في غالب الكفارات فقال: وقد وجد مصداق الدعوة بأن بورك في مدهم وصاعهم بحيث اعتبر قدرهما أكثر فقهاء الأمصار ومقلدوهم إلى اليوم في غالب الكفارات اهـ (401) . وقال في موضع آخر: قال ابن بطال عن المهلب دعاؤه لأهل المدينة في صاعهم ومدهم، خصهم من البركة ما اضطر أهل الأفاق إلى قصدهم في ذلك الم عيار المدعو له بالبركة، ليجعلوه طريقة متبعة في معاشهم، وأداء ما فرض الله عليهم اهـ (402). فهل لو رجعنا إلى هذه الموازين والمكاييل تكون أكثر بركة علينا وعلى اقتصادنا؟ لعله يكون ذلك. لقد نشر الاستعمار أفكاره وتقاليده وموازينه في البلاد التي استعمرها، ولكن الم سلمين تقاعسوا عن نشر مبادئهم وتعاليم دينهم، إنك تجد كل دولة من الدول الصناعية لها مقاييسها وموازينها الخاصة التي تعتز بها وتسعى إلى نشرها، فالولايات المتحدة الأمريكية لها مقياس الرطل (الباوند) والجالون الأمريكي، وفرنسا لها مثل ذلك كالمتر والكيلو، وبريطانيا لها مثل ذلك كالقدم واليارد، والغريب أن هذه الدول تأبى أن تتنصل عن موازينها بينما المسلمون يتغربون عن دينهم وموازينهم ويرون الكفاية في غيره، وإنما وفر لنا ديننا ما يغنينا ويميز شخصيتنا أمام الحضارات الأخرى حتى في الموازين والمكاييل، فهل من عودة إلى ذلك؟ لا سيما أن هذه (398 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (23/255)، ومسلم1374)، والترمذي 3914.) (399 )رواه الإمام مالكفي الموطأ (1637)، ومسلم1373)، والترمذي 3454)، وابن ماجه3329.) (400 )رواه الإمام مالك في الموطأ1636)، والبخاري2130)، ومسلم1368)، والدارمي 2575.) (401 )فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني11/599) (ح6714.) (402 )المرجع السابق 13/321) (ح3317.)
عدد الصفحات ١٢٥126 الموازين فيها بركة محققة بفضل دعاء رسول (403). العمل التاسع عشر: حب سيدي شباب أهل الجنة من حكمة الله عز وجل وتقديره أن رفع قدر أناس وشرفهم، ومن ذلك الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وإن من تفضيل هذين الشابين سبطي رسول الله وريحانتيه أن ه دعا لمن أحبهما أن يحبه الله عز وجل، فعن أسامة بن زيد قال: طرقت النبي ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبي وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو؟ فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه فإذا هو حسن وحسين على وركيه فقال: "هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما " (404). فإذا أردت أن يدع و لك رسول الله بأن يحبك الله عز وجل- ومن منا لا يتمنى ذلك؟- فأحب الحسن والحسين رضي الله عنهما، واصنع كما صنع أبو هريرة حيث قال كنت مع رسول الله في سوق من أسواق المدينة، فانصرف،فانصرفت، فقال: "أين لكع ثلاثا؟ ادع الحسن بن علي"، فقام الحسن بن علي يمشي وفي عنقه الس خَاب (405)، فقال النبي بيده (403) ونحن اليوم بحاجة إلى مثل هذا المكيال، ولو على المستوى المحلي، خصوصا بعد انتشار أوعية مختلفة الأحجام والأشكال، مجهولة الوزن، من صناديق وسلال وأواني، يباع فيها محصول الرطب وغيره من محاصيل زراعية، مما جعل كثير من الناس يتذمرون من عدم توحد هذه الأوعية من جهة، وجهلهم بوزنها من جهة أخرى، فلو حددت صناديق أو أوعية بلاستيكية أو فلينية، موحدة بحجم صاع وصاعين ومضاعفات الصاع النبوي على هؤلاء الباعة، لكان أكثر بركة في أرزاقنا، وأدعى للراحة النفسية للبائع والمشتري على حد سواء، كما أن فيه نشرا للصاع النبوي في أسواق المسلمين وفي بلاد المسلمين، فيعرفه الناس؛ صغيرهم وكبيرهم، ويرونه بأعينهم، ويتداولونه فيما بينهم، بل ويستخدموه بأنفسهم في كيل زكوات فطرهم وكفاراتهم وغير ذلك، فإننا لا نزال نرى الناس، يسألون العلماء بين فترة وأخرى، عن مقدار الصاع بالكيلوجرام من الأرز وغي ره، إذا أرادوا أداء كفارة يمين أو زكاة فطر، فلماذا نبقى على هذا الجهل، ولا نستخدم مكاييل هي من تراثنا، بل ودعا النبي لها بالبركة؟ وأين المحافظون على التراث، فلماذا ينادون بإحياء مثل هذا التراث؟ (404 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (22/200)، والبخاري3747)، والترمذي واللفظ له 3769 )، وابن حبان. (405 ) ذكر النووي رحمه الله تعالى: معنى الس خَاب جمعه سُخُب، وهو قلادة من القرنفل والمسك والعود ونحوها من أخلاط الطيب، يُعملُ على هيئة السُّبْحَة، ويُجعل قلادة للصبيان والجواري، وقيل: هو خيط فيه خرز سُم يَ س خَ اب ا لصوت خرزه عند حركته من الس خَب... ، -ثم قال- وفي هذا الحديث جواز إلباس الصبيان القلائد وَالس خَب ونحوها من الزينة اهـ، صحيح مسلم بشرح النووي ( 15/201) (ح2421.)
عدد الصفحات ١٢٦127 هكذا، فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه، فقال: " اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه"، وقال أبو هريرة فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي بعد ما قا ل رسول الله ما قال(406)، قال النووي رحمه الله تعالى: فيه حث على حبه وبيان لفضيلته اهـ(407). لقد أعلى الله عز وجل منزلة الحسن والحسين رضي الله عنهما حتى جعلهما سيدي شباب أهل الجنة وهما أهل لذلك، وقد استأذن أحد الملائكة الكرام من الله عز وجل أن يتوجه إلى النبي في الأرض ويتشرف بالسلام عليه ويبشره بمنزلة حفيديه في الجنة، فعن حذيفة بن اليمان قال: سألتني أمي منذ متى عهدك بالنبي؟ قال فقلت لها: منذ كذا وكذا، قال فنالت مني وسبتني، قال فقلت لها: دعيني فإني آتي النبي فأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك، قال: فأتيت النبي فصليت معه المغرب فصلى النبي العشاء ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه ثم ذهب، فاتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة، قال: ما لك؟ فحدثته بالأمر، فقال: "غفر الله لك ولأمك"، ثم قال: "أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل"؟ ق ال قلت: بلى، قال: "فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة، فاستأذن ربه أن يسلم علي، ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنهم " (408). علامات حب الحسن والحسين رضي الله عنهما إن من علامات حب الحسن والح سين رضي الله عنهما: ميل القلب بحبهما، وذكر سيرتهما، والترضي عنهما، والتأسي بأعمالهما، والتسمي باسميهما، ونشر فضائليهم ا، وشرفهما بقربهما من النبي ، فهذا هو الحب المشروع، لا غير ذلك مما يفعله بعض أهل البدع فعن ابن أبي نعم قال: كنت شاهدا لابن عمر، وسأله رج ل عن دم البعوض، فقال: ممن أنت؟ فقال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي ، وسمعت النبي يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا (409). (406 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (23/166)، والبخاري واللفظ له5884)، ومسلم3421)، وابن ماجه (142)، وابن حبان6963.) (407 )صحيح مسلم بشرح النووي15/201) (ح2421.) (408) سبق تخريجه في الحاشية رقم 83.) (409) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (23/178)، والبخاري واللفظ له5994)، والترمذي 3770.)
عدد الصفحات ١٢٧128 المبحث الرابع الأعمال التي دعا النبي على أصحابها يخاف كثير من الناس دعوة المظلوم، لعلمهم بأن دعوته مستجابة ولو كان كافرا، فعن خزيمة بن ثابت أن رسول قالاتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين " (410). وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول بعث معاذا إلى اليمن فقال"اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب" (411). ومما اشتهر في كتب السير أن سعيد بن زيد دعا على امرأة ظلمته فأجاب دعاءه، فعن سعيد بن زيد أن أروى خاصمته في بعض داره فقال: دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله يقول: "من أخذ شبرا من الأرض بغير حق ه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة"، اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها" (412) . لقد دعا النبي على من يقوم ببعض المعاصي زجرا وردعا لهم، وهو مما ينبغي الحذر منه كل الحذر، لأن دعاءه مستجاب لا محالة، وهذا لا يشمل ما اشترطه على ربه (410 )رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع 117.) (411 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (1/81)، والبخاري واللفظ له2448)، ومسلم19)، وأبو داود (1584)، والترمذي 2014)، والنسائي2522)، وابن ماجه1783.) (412 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (15/145)، والبخاري 3198)، ومسلم 1610)، والترمذي (1418)، والدارمي ( 2606.)
عدد الصفحات ١٢٨