97 أبي هريرة (299) . (4) وعن غضيف بن الحارث أنه مر بعمر بن الخطاب فقال: نعم الفتى غضيف، فلقيه أبو ذر، فقال: أي أخي استغفر لي، قال: أنت صاحب رسول الله وأنت أحق أن تستغفر لي، فقال: إني سمعت عمر بن الخطاب يقول: نعم الفتى غضيف، وقد قال رسول الله "إن الله عز وجل ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه" (300). (5) ومر معروف الكرخي بسق اء يقول: رحم الله من يشرب ، فتقدم فشرب ، فقيل له: ألم تك صائما ؟ قال: بلى، ولكن رجوت دعاءه (301) . فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم والعلماء من بعدهم رحمهم الله تعالى يحرصون على نيل دعاء الصالحين رج اء قبول دعائهم، فكيف بدعاء رسول الله ؟ فلا شك أنه آكد وأحرى بالإجابة. فلذلك فلنحرص كل الحرص على التنقيب عن هذه الأعمال التي دعا رسول الله لأصحابها، وأنه يتأكد الاعتناء بها للدخول في دعوة هذا النبي المبارك ، وسيأتي ذكرها في المبحث التالي. المبحث الثالث الأعمال التي دعا النبي للعاملين بها فضل هذه الأعمال على غيرها تمتاز الأعمال التي سيتم ذكرها في هذا المبحث عن غيرها من فضائل الأعمال بدعائه لأصحابها، إضافةإلى ما جاء في ثوابها في نصوص أخرى، بمعنى أن هذه الأعمال زادت على غيرها بدعاء النبي لفاعلهاإما بالرحمة أو المغفرة أو البركة أو الرشاد ونحو ذلك، فهنيئا لمن سيتشبث بهذه الأعمال، ويمارسها بإخلاص وحسن طوية، لأن دعاء النبي مستجاب عند ربه عز وجل كما مر علينا خلال فصول الكتاب ومباحثه. سل حاجتك (299) رواه البخاري في الأدب المفرد37)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد 28.) (300) رواه الإمام أحمد واللفظ له –الفتح الرباني - (23/71)، وأبو داود 2962)، وابن ماجه 108)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1834.) (301) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي1/498.)
عدد الصفحات ٩٧98 هناك العديد من الأعمال التي دعا النبي لأصحابها بالرحمة والنضرة والرشاد والمغفرة وبركة الوقت ونحو ذلك، إلا أن معظم دعوات المصطفى كانت الدعاء بالرحمة لكل من قام بالأعمال التي سيرد ذكرها في هذه المبحث، وهل هناك أعظم وأفضل من حصولك على رحمة الله عز وجل؟ فهي الباقية والنافعة، وخير لك من متاع الدنيا الزائل. فلئن كان رسول الله قد دعا لبعض أصحابه بالتوفيق والبركة في حياتهم العامة، فإنه خص كل من يعمل بمعظم الأعمال التي سيرد ذكرها بالرحمة، وهذا خير ثواب لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فافطن إلى ذلك يا رعاك الله ولا تزهد فيه، ولا يكن همك متاع الدنيا فقط. سأل أحد الصحابة رضي الله عنهم رسول الله شيئا من متاع الدنيا، ولم يسأله شيئا من أمر الآخرة، فماذا رد عليه النبي ؟ روى أبو موسى الأشعري قال: أتى النبي أعرابيا فأكرمه، فقال له: "ائتنا"، فأتاه فقال له رسول الله : "سل حاجتك"،قال ناقة نركبها وأعنز يحلبها أ هلي، فقال رسول الله "أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل ؟ قالوا يا رسول الله وما عجوز بني إسرائيل ؟ قال: إن موسى عليه السلام لما سار ببني إسرائيل من مصر ؛ ضلوا الطريق ، فقال: ما هذا ؟ فقال علماؤهم: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: و من يعرف موضع قبره ؟ قال: عجوز من بني إسرائيل ، فبعث إليها، فأتت فقال: دليني على قبر يوسف، قالت: حتى تعطيني حُ كمي، قال وما حكمك؟ قالت: أكونُ معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك ، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ما ء، فقالت: انضبوا هذا الماء ، فأنضبوه، فقالت: احتفروا ، فاحتفروا، فاستخرجوا عظام (302) يوسف، فلما أقلوه إلى الأرض ، فإذا الطريق مثل ضوء النهار " (303). أهم الأعمال التي دعا النبي لأصحابها إن مكانة المصطفى عند الله تبارك وتعالى عظ يمة، ودعاؤه في الجملة لا يرد، فعندما طلب المشركون ذات يوم من الرسول أن يدعو ربه عز وجل ليحول لهم جبل الصفا ذهبا فيؤمنوا، سارع إلى سؤال الله تبارك وتعالى أن يفعل ذلك؛ ليقينه بإجابة الله عز وجل له، (302) أي بدنه، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، لقول النبي " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، قاله الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ( 2/453) (ح2064.) (303 )رواه ابن حبان في صحيحه (723)، والحاكم2/404)، وأبو يعلى7254)، والطبراني في الأوسط، وقال الألباني في صحيح موارد الظمآن: صحيح لغيره ( 2064.)
عدد الصفحات ٩٨99 فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش للنبي : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك، قال: "وتفعلون"؟ قالوا: نعم، قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة، قال: "بل باب التوبة والرحمة" (304)، فما ظنك بأعمال دعا المصطفى لأصحابها بالخير، فهل تظن أن يرد الله دعاءه فيها؟ هناك العديد من الأعمال التي دعا النبي بالرحمة لأصحابها كمثل دعائه للمتسرولات من النساء، وللمتخللين من الوضوء والطعام، وللعين الباكية من خشية الله والساهرة في سبيل الله، وللوالد الذي أعان ولده على بره، وللمتسحرين، ومن غسلته امرأته بعد وفاته، ولحارس الحرس، ولمن اكتسب طيبا وأنفق قصدا وقدم فضلا، ولمن علق في بيته سوطا يؤدب به أهله، ولمن أحسن صنعته، ونظرا لضعف هذه الأحاديث أكتفي بذكر الأحاديث ا لتي صححها وحسنها العلماء رحمهم الله تعالى، فإنه ينبغي الاعتناء بها للدخول في دعوة النبي والتي من أهمها تسعة عشر عملا هي على النحو التالي: العمل الأول: الموت على التوحيد سأل النبي ربه عز وجل أن لا يلقاه أحد يوم القيامة موحدا غير مشرك؛ إلا أدخله الجنة وحرم عليه الخلود في النار، فأعطاه ذلك. فعن عوف بن مالك أن النبي قال: " أعطيت أربعا لم يعطهن أحد كان قبلنا، وسألت ربي الخامسة فأعطانيها: كان النبي يبعث إلى قريته ولا يعدوها، وبعثت كافة إلى الناس، وأُرهب منا عدونا مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طهورا ومساجد، و أحل لنا الخُمُس ولم يحل لأحد كان قبلنا، وسألت ربي الخامسة، سألته أن لا يلقاه عبد من أمتي يوحده إلا أدخله الجنة فأعطانيها" (305). إن أعظم أمان من غضب الجبار جل وعلا؛ هو أن تلقاه موحدا غير مشرك به، ولقد وعد الله عز وجل أن يغفر لمن شاء من عباده ممن مات متلطخا بدنس الذنوب إلا ذنب الشرك، فقال تعالى إ نَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ ب هِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْر كْ ب اللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَ لاَلاً بَعِيداً [116 .] (304) رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (20/223)، والحاكم 2/314)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3388.) (305) رواه ابن حبان في موارد الظمآن إلى زوائد بن حبان ( 2125)، وقال الألباني في صحيح موارد الظمآن صحيح لغيره ( 1781.)
عدد الصفحات ٩٩100 فحري بكل مسلم يسعى لفكاك رقبته من النار، أن يحفظ جناب التوحيد، ويتجنب كل الأعمال التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم في كونها شركا أم لا، كالحلف بالنبي ، والتوسل به بعد وفاته، والاستغاثة بالصالحين من الأموات، وغير ذلك من أعمال يعملها بعض الناس مستدلين بشرعيتها من أحاديث غير صحيحة - أو لنقل اختلف في صحتها - فها هو رسول الله يسأل ربه عز وجل أن يدخل الجنة كل من مات موحدا، فهل نسعى لذلك، وندخل في دائرة الأمان التي ليس فيها خلاف، ونخرج من دائرة الشبهة كي لا نجازف بحسناتنا؟ العمل الثاني: الصلاة قبل العصر أربعا الصلاة قبل صلاة العصر أربع ركعات سببا لنيل دعوة النبي بالرحمة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال" رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعا " (306). هذه جملة دُعائية بمعنى الطلب، جاءت بصيغة الماضي الذي يدل على تحقق القبول ترغيبا في هذا العمل، وهي مستحبة عند الجمهور وليست من السنن الرواتب، وقال اب ن حبان عند ذكر هذا الحديث: ذكر دعاء النبي بالرحمة لمن صلى قبل العصر أربعا، ونقل المناوي عن الغزالي في فضل هذه الصلاة قوله: يستحب استحبابا مؤكدا رجاء الدخول في دعوة النبي فإن دعوته مستجابة لا محالة اهـ (307)، فينبغي العناية بهذا الثواب العظيم قدر الإمكان. إن بعض الناس لا يكترث لفوات مثل هذه الفضائل عنه، ولا يتحسر عليها، إما لجهله بفضلها، أو لزهده بها نظرا لضعف إيمانه ، بينما لو فاته شيء من حظوظ الدنيا لرأيته مغتما سائر يومه. لقد أعجبني صنيع والدي رحمه الله تعالى عندما كان في ضيافة رجل فقدم له فاكهة بعد أذان العصر، فاستعجل في الأكل قائلا أريد أن أدرك دعوة النبي حيث دعا بالرحمة لمن صلى قبل العصر أربعا. ورأيته رحمه الله تعالى ذات يوم صلى قبل العصر ركعتين وحان وقت الإقامة، فقام يطلب من المؤذن تأخير الإقامة دقيقتين ليتمكن من أداء ركعتين أخريين ليدرك دعوة النبي بالرحمة لمن فعل ذلك، وكان من حرصه رحمه الله تعالى على هذه الفضيلة التي سمعها من إمام مسجد أنه كان يكثر على بعض أئمة المساجد بضرورة حث الناس على هذا الثواب المغفول (306 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (4/203)، والترمذي 430)، وأبو داود1271)، وابن حبان، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 588.) (307 )فيض القدير شرح الجامع ا لصغير للمناوي (4/24.)
عدد الصفحات ١٠٠101 عنه لعل هذا الثواب قُ د م لنا رحمة وشفقة بنا لأداء صلاة العصر كاملة في جماعة، خصوصا أن الله عز وجل أكد على أهمية المحافظة على هذه الصلاة في قوله تعالى حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [238] بالتحذير من تفويتها، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال" الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله " (308)، ولذلك عدها بعض أهل العلم أنها أفضل الصلوات الخمس، ومع ذلك يفرط بعض الناس بهذه الصلاة وينامو ن عنها غير مكترثين بما فاتهم من أجر. ماذا سيكسب من حافظ على هذه الركعات الأربع قبل العصر؟ (1) الدعاء له بالرحمة للحديث السابق، ودعاء رسول الله مستجاب (2) إدراك صلاة العصر كاملة في جماعة وضمان عدم تفويت وقتها (3) شهادة الملائكة الكرام له بأداء الصلاة حينما يسألهم رب العالمين وهو أعلم بذلك ، فعن أبي هريرة أن رسول قال" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون " (309). (4) البشارة له بالجنة لما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن رسول قال"من صلى البردين دخل الجنة " (310)، والبردان هما صلاة الفجر وصلاة العصر (5) له ثواب مضاعف وذلك للحديث الذي رواه أبو بَصْرَةَ الْغ فَار ي قال: صلى بنا رسول الله ب الْمُخَم ص فقال " إن هذه الصلاة (يعني صلاة العصر) عُرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد" (311)، والشاهد هو النجم (6) أنه لن يحرم رؤية الله عز وجل يوم القيامة لما ثبت في الصحيحين عن جرير أن رسول الله قالإنكم سترو ن ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن (308 )رواه الإمام مالك21)، وأحمد–الفتح الرباني - (2/263)، والبخاري واللفظ له552)، ومسلم626 ) ، والترمذي 175)، وأبو داود414)، والنسائي478)، وابن ماجه685)، والدارمي 1230.) (309 )رواه الإمام مالك في الموطأ413)، وأحمد–الفتح الرباني – (2/221)، والبخاري555) ، ومسلم (632) ، والنسائي485.) (310) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (2/220)، والبخاري574)، ومسلم635)، والدارمي 1425.) (311) رواه الإمام مسلم830)، والنسائي521.)
عدد الصفحات ١٠١102 استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا " (312) . فحري بك أخي المسلم أن تخبر غيرك ممن يصلي معك في المسجد عن هذا الثواب ثم تتسابق معه لأدائها، فإن ذلك من التواصي والتعاون على البر والتقوى. العمل الثالث: الحرص على الصف الأول أو الثاني الحرص على الصف الأول أو الثاني في صلاة الفريضة سببا لنيل استغفار النبي لك، فعن العرباض بن سارية قال: كان رسول يستغفر للصف المقدم ثلاثا وللثاني مرة (313)، وفي رواية للنسائي عنه: أن رسول كان يصلي على الصف الأول ثلاثا وعلى الثاني واحدة. قال السندي رحمه الله تعالى: أي يدعو لهم بالرحمة ويستغفر لهم ثلاث مرات كما فعل بالمحلقين والمقصرين، والظاهر أنه دعا لهم أعم من أن يكون بلفظ الصلاة أو غيره ويحتمل خصوص لفظ الصلاة أيضا والله تعالى أعلم اهـ(314) . وروى أبو أمامة قال: قال رسول : "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني؟ قال: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني؟ قال: وعلى الثاني" (315) . إن التأخر عن الصلاة والزهد في الصف الأو ل بات ظاهرة يشتكي منها معظم أئمة المساجد، في حين أن أكثر ما فصل فيه النبي من أمر الدين هو أحكام الصلاة، فأكثر أبواب الحديث هي أبواب الصلاة ترغيبا وترهيبا وتعليما، ومع ذلك فإن معظم الناس لا يزالون يجهلون عظم قدر الصلاة والثواب المناط بها، ولهذا لا يحرص أك ثرهم على التبكير إليها، ولو تأخر أحدهم عنها لا تبدو عليه علامات الحزن والندم لجهله بالثواب الذي فاته، وقد أخبر النبي بنفي علم الناس لهذا الفضل، فعن أبي هريرة أن رسول قاللو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير – (312) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (2/222)، والبخاري545)، ومسلم633)، والترمذي 2551)، وأبو داود (4729)، وابن ماجه177.) (313) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (5/319)، والترمذي 224)، وابن ماجه996)، والنسائي817)، والحاكم ( 1/214)، والدارمي 1265)، وابن حبان في صحيحه ، والبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 490.) (314) شرح سنن النسائي للسندي 2/427) (ح817.) (315) رواه الإمام أحمد والفظ له–الفتح الرباني - (5/320)، وأبو داود664)، وابن ماجه997)، والدارمي (1264)، والطبراني ، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن لغيره 491.)
عدد الصفحات ١٠٢103 أي التبكير- لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة –أي صلاة العشاء- والصبح لأتوهما و لو حبوا " (316). فلماذا لا يستهم أكثر الناس على النداء والصف الأول؟ لأنهم يجهلون ثواب ذلك، ومتى جهل الناس ثواب العمل ثقل عليهم أداؤ ه وفرط وا في التسابق إليه، ولو أيقنوا به لتسابقوا وكانت بينهم قرع كما قال النبي ، ولهذا جاء عن أبي هريرة أن النبي قال: "لو تعلمون ما في الصف الأول ما كانت إلا قرعة " (317)، وقال عبد الله البراثي رحمه الله تعالى: من لم يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه في جميع الأحوال (318) . وإنك ترى أحدهم إذا دخل المسجد ورأى في طرف الصف فرجة ومكانا، تلفت يمنة ويسرة، لعله يرى رجلا شهما يذهب بدلا منها، راضيا عن نفسه أن يقف في صف متأخر وجاهلا ما فاته من ثواب وأجر كان الصحابة يتسابقون إليه. لقد حذر النبي من تكرار التأخر عن الصف الأول حيث روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله : " لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار(319). لذلك يجب على أئمة المساجد القيام بدور فاعل في تعليم الناس مثل هذه الفضائل ولا يفتروا عن تكرار ذلك لهم، وأن يكونوا خير قدوة في ذلك. لا ترضى لنفس ك الاكتفاء بإدراك صلاة الجماعة لتحظى بثوابها فقط، وإنما عود نفسك أن تكون من أهل الصف الأول في كل صلاة، ولن يتأتى لك ذلك إلا بالتعود على التبكير والذهاب إلى المسجد متى ما سمعت النداء، وإذا فعلت ذلك فإنك ستحوز على فضائل أخرى جمة أجملها لك فيما يلي: أولا: ستنال دعاء المصطفى بالرحمة للحديث السابق، ودعا ؤ ه مستجاب لا محالة ثانيا: أنك في صلاة ما انتظرت الصلاة، وتحظى بدعاء الملائكة بالرحمة، ولا شك أن دعاءهم مستجاب بإذن الله، فعن أبي هريرة أن رسول قال: "لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة وتقول الملائكة اللهم اغفر له اللهم ارحمه حتى ينصرف أو يحدث "، قلت ما يحدث قال يفسو أو يضرط (320). (316) رواه الإماممالك في الموطأ ( 151)، وأحمد –الفتح الرباني - (5/318)، والبخاري 615)، ومسلم (437)، والترمذي 225)، والنسائي540.) (317) رواه الإمام مسلم واللفظ له439)، وابن خزيمة 1555.) (318) صفة الصفوة لابن الجوزي1/566.) (319) رواه أبو داود679)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (7699.) (320) رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (2/210)، والبخاري 176)، ومسلم واللفظ له 649)، وأبو
عدد الصفحات ١٠٣104 ثالثا: يمكنك أداء السنن الرواتب التي حث عليها المصطفى ووعد بمن حافظ عليها ببيت في الجنة. رابعا: سيكون لديك متسع من الوقت لختم القرآن دون تكلف كل شهر وذلك إذا قرأت أربع صفحات فقط قبل كل فريضة، وهو ما يعادل جزء واحدا كل يوم. خامسا: ستدرك وقت إجابة الدعاء لما رواه أنس بن مالك أن رسول قال: "الدعاء يرد بين الأذان والإقامة " (321)، فكثير من الناس محرومون من هذا الوقت المبارك الذي تستجاب فيه الدعوات، لأنهم لا يأتون إلا متأخرين. سادسا: ستدرك تكبيرة الإحرام، ومتى ما فعلت ذلك في سائر الصلوات ولمدة أربعين يوما ستحصل على شهادتي تزكية من الله عز وجل: الأولى براءة من النار والثانية براءة من النفاق، لما روى أنس بن مالك أن رسول قال من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان : براءة من النار وبراءة من النفاق " (322)، فكم شهادة من هاتين الشهادتين حصلت عليها حتى الآن؟ سابعا: ستدرك تأمين الإمام والملائكة فيغفر ذنبك مرتين داخل الصلاة الجهرية لما روى أبو هريرة أن رسول قال: " إذاقال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " (323). ثامنا ستدرك تسميع الإمام والملائكة فيغفر ذنبك بعدد مرات ذلك لما روى أبو هريرة أن رسول الله قال: " إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " (324). تاسعا: ستضمن صحة صلاتك إن شاء الله تعالى، وذلك لأن بعض الناس إذا صلوا بمفردهم أو فاتتهم بعض الركعات سرقوا من صلاتهم وأتموها نقرا فتبطل صلاتهم من حيث لا يشعرون، وقد روى أبو سعيد الخدري أن رسول قال: " إن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته داود(471.) (321) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/12)، والترمذي 212)، وأبو داود521)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3408.) (322) رواه الترمذي 241)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6365.) (323) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/203)، ومالك في الموطأ196)، والبخاري782) ، وأبو داود (935)، والنسائي927. ) (324) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/272)، ومالك في الموطأ198)، والبخاري796) ، ومسلم (409)،والترمذي ( 267)، وأبو داود848)، والنسائي1063)، وابن ماجه876. )
عدد الصفحات ١٠٤105 قالوا: يا رسول الله وكيف يسرقها؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها (325) ، كما روى أبو هريرة أن رسول قال: " إن الرجل ليصلي ستين سنة وما تقبل له صلاة ، لعله يتم الركوع و يتم السجود ، ويتم السجود ولا يتم الركوع " (326) . عاشرا: بالتبكير المستمر إلى الصف الأول، سيتعلق قلبك بالمسجد، وتكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله بإذن الله تعالى، وهنيئا لمن وصل إلى هذه الرتبة. العمل الرابع: الإمامة أو التأذين الإمامة والتأذين إحدى الوظائف ا لدينية الهامة في المجتمع الإسلامي، وقد دعا المصطفى للإمام بالرشاد وللمؤذن بالمغفرة؛ ترغيبا في هذين العملين، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال" الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين " (327)، وفي رواية لابن خزيمة أن رسول الله قال" اللهم اغفر للمؤذنين، وسدد الأئمة " (ثلاث مرات). ومعنى ضامن: أي أن صلاة المقتدين به في عهدته وصحتها مقرونة بصحة صلاته فهو ضامن لهم صحة صلاتهم، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه ولا عليهم، ومعنى مؤتمن: أي أن المؤذن أمين الناس على أوقات صلاتهم وصيامهم. فالحديث يحث على طلب الإمامة لمن كان كفؤا لها لنيل السداد والرشاد، ولا شك أن كل مسلم يأمل أن يكون مسددا وراشدا في حياته العامة، والحديث يحث أئمة المساجد على الاستمرار والبقاء في إمامتهم، وعدم الضجر من هذا العمل وتكاليفه المناطة به، لأنهم على خير عظيم وعلى ثغر هام من ثغور الدعوة. ومن جانب آخر فإن كل إمام عليه أن يكون عند مستوى المسؤولية لهذه الوظيفة الدينية العظيمة، بأن يكون قادرا على إفادة المأمومين وتعليم جاهلهم ولا يتأتى له ذلك إلا بمخالطتهم والتعرف على أحوالهم، كما عليه أن يحفظ شيئا كافيا من القرآن الكريم ل يؤم به الناس ويفضل أن لا يقتصر حفظه على بعض قصار السور لئلا يحرم المصلين سماع القرآن، والذي يرى نفسه غير أهل أو غير قادر على أداء هذه الوظيفة ولا يستطيع إصلاح حاله لها فعليه أن يتخلى (325) رواه الإمام مالك403)، وأحمد واللفظ له–الفتح الرباني – (3/268)، والحاكم1/229)، والدارمي (1328)، وصححه الألباني في صحيح الجامع986.) (326) رواه أبو القاسم الأصبهاني، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 529.) (327) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/8)، والترمذي 207)، وأبو داود517)، وابن خزيمة 1528)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2787.)
عدد الصفحات ١٠٥106 عنها قال الشاعر: إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع كما أن الحديث يحث على طلب التأذين والتسابق إليه لعظم ثوابه عند الله عز وجل، فالمؤذن يتكبد الكثير من العناء والمرابطة بالحضور مبكرا والجلوس في المسجد طويلا انتظارا للوقت وتهيئته للناس ومن ثم انتظارهم حتى ينصرفوا منه. ومن لم يستطع أن يكون مؤذنا فيمكنه أن يقول كما يقول المؤذن ليدرك ثوابه بإذن الله تعالى، فعندما غبط بعض الصحابة رضي الله عنهم المؤذنين حينما سمعوا عظم الثواب الذي يخصهم، قال أحدهم وهو عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما لرسول الله : إن المؤذنين يفضلوننا فقال له النبي "قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه"(328) ، يعني فما تأمرنا به من عمل نلحقهم بسببه؟ فأمره رسول الله أن يقول كما يقول المؤذن-إلا عند الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله - ليحصل له نفس الثواب، ثم أفاد زيادة في الجواب بقوله : "فإذا انتهيت فسل تعطه"، أي اطلب من الله ما تريد فيقبل الله دع اءك ويعطيك سؤالك (329) . العمل الخامس: أداء الحج أداء الحج وسيلة لنيل دعاء النبي بالمغفرة، فعن أبي هريرة أن رسول قال" اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج " (330) . لا يخفى على مسلم ثواب الحج عند الله عز وجل، فهو الركن الخامس من أركان (328 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/30)، وأبو داود524)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4403.) (329 )عون المعبود شرح سنن أبي داود2/172) بتصرف (330 )رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي1/441)، والبيهقي في شعب الإيمان4112)، وابن خزيمة في صحيحه ( 2516)، وصححه السيوطي في الجامع الكبير 1451)، وقال ابن علان صديقي في الفتوحات الربانية على الأذكار الن واوية (5/177): قال الحافظ: حديث حسن أخرجه البزار وابن خزيمة والحاكم من طريق شريك عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم، قال الحافظ: إنما أخرج مسلم لشريك في المتابعات وقد قيل انه شذ بذلك والمحفوظ عن منصور بهذا السند حديث " من حج البيت فلم يرفث .." وهو في الصحيح، قال الحافظ: وقد وجدت لحديث شريك هذا شاهدا من حديث جابر عن مجاهد عن النبي فذكر مثله وقال هذا حديث مرسل وجابر هو الجعفي لكن يكتب حديثه في المتابعات اهـ ، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1177.)
عدد الصفحات ١٠٦107 الإسلام، والفريضة التي تجب على العبد في العمر مرة؛ إن استطاع إليها سبيلا، ولفضل الحج عند الله عز وجل؛ رغب رسول الله أمته بأدائه؛ بل وتكراره، وسأل الله عز وجل أن يغفر لكل حاج، وبين أن تكراره ينفي الفقر والذنوب، فعن عبد بن مسعود قال: قال رسول " تابعوا بين ا لحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة" (331) . إن المرء الذي هدفه من هذه الحياة أن يعيش فيها فقط، إذا رأى طفلا صغيرا أو مولودا جديدا ولد لتوه، غبطه وقال: ليتني مثله، أو في مثل عمره ؛ كي أبدأ حياتي من جديد، وإن المرء الذي همه الآخرة، إذا رأى ذلك الطفل، غبطه لأنه لم تسجل عليه خطيئة واحدة، هل تريد أن تحقق أمنية الرجل الآخر؟ بإمكانك ذلك بالذهاب إلى الحج، فمن حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي يقول: " من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " (332). وإذا أردت مزايا تفصيلية عن ثواب الحاج منذ خروجه من بيته حتى رجوعه إليه، فاقرأ ما ذكره عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، حيث قال: كنت جالسا مع النبي في مسجد منى، فأتاه رجل من الأنص ار ورجل من ثقيف فسلما ، ثم قالا: يا رسول الله جئنا نسألك ، فقال: إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت ، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت ، فقالا: أخبرنا يا رسول الله ، فقال الثقفي للأنصاري : سل، فقال: أخبرني يا رسول الله ، فقال: "جئتني تسألني عن مخرجك من ب يتك تؤم البيت الحرام وما لك فيه ، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه ، وعن رميك الجمار وما لك فيه ، وعن نحرك وما لك فيه مع الإفاضة "، فقال: والذي بعثك بالحق، لعن هذا جئت أسألك، قال: فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفا ولا ترفعه ، إلا كتب الله لك به حسنة، ومحا عنك خطيئة، وأما ركعتاك بعد الطواف ؛ كعتق رقبة من بني إسماعيل عليه السلام، وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة ، وأما وقوفك عشية عرفة ؛ فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول: عبادي جاءوني شعثا من كل فج عميق يرجون جنتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل ، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر ؛ لغفرتها ، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له ، وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من (331 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (11/9)، والترمذي 810)، والنسائي2630)، وابن ماجه2887)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 1105.) (332) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (11/6)، والبخاري واللفظ له1521)، ومسلم1350)، والترمذي (811)، والنسائي2627)، وابن ماجه2889)، والدارمي 6179.)
عدد الصفحات ١٠٧108 الموبقات، وأما نحرك فمذخو ر لك عند ربك ، وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ، ويمحى عنك بها خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك ، فإنك تطوف ولا ذنب لك ، يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول: اعمل فيما مضى تستقبل؛ فقد غفر لك ما مضى(333) . العمل السادس: حلق الرأس أو تقصيره بعد أداء الن سك ولنيل ثلاث دعوات من النبي بالرحمة والمغفرة؛ فاحرص على حلق شعر رأسك بعد أداء النسك، فعن أبي هريرة أن رسول قال"اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: وللمقصرين "، وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: "رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين" (334). والظاهر من هذا الدعاء أنه لا يخص الحجاج فقط بل ويشمل المعتمرين لأن النبي قال هذا الدعاء في عمرة الحديبية حين صُد عن البيت ثم كرره في حجة الوداع، وقد أيد هذا القول الإمام النووي والقاضي عياض وابن دقيق وابن حجر رحمهم الله تعالى (335) . فذكر ابن حجر رحمه الله تعالى بأن الوقت الذي قال فيه رسول ذلك الدعاء هو يوم الحديبية حين صُد عن البيت وفي حجة الوداع، وأن سبب دعا ؤ ه في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم الحزن لكونهم مُنعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبي وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم النبي بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو قبلهم ففعل، فتبعوه فحلق بعضهم وقصر بعضهم، وكان من بادرإلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس المشار إليه قبل فإن في آخره عند ابن ماجه وغيرهم أنهم قالوا: يا رسول الله ما (333) رواه الطبراني في الكبير، والبزار واللفظ له، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب حسن لغيره (1112.) (334 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (12/194)، والبخاري1728)، ومسلم1301)، والترمذي 913)، وابن ماجه (3044.) (335) فتح الباري بشرح صحيح البخاريبن حجر العسقلاني (3/659) (ح1728.)
عدد الصفحات ١٠٨109 بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة؟ قال: "لأنهم لم يشكوا" اهـ (336). وأما سبب تكرير النبي الدعاء للمحلقين في الحج فقال الخطابي رحمه الله تعالى: وإنما خص المحلقين بالدعاء وقدمهم أولا، لأنه كان أكثر من أحرم مع رسول الله من الصحابة ليس معهم هدي، وكان النبي قد ساق الهدي، ومن كان معه هديٌ فإنه لا يحلق حتى ينحر هديه، فلما أمر من ليس معه هدي أن يحلق ويحل ، و جدوا من ذلك في نفوسهم، وأحبوا أن يأذن لهم في المقام على إحرامهم حتى يكملوا الحج، وكانت طاعة رسول الله أولى بهم، فلما لم يكن لهم بدٌ من الإحلال، كان التقصير في نفوسهم أخف من الحلق، فمالوا إلى التقصير، فلما رأى رسول الله ذلك أخ رهم في الدعاء، وق دم ع ليهم من حلق وبادر إلى الطاعة، ثم جمعهم بعد في الدعاء اهـ (337). ينبغي للمسلم أن يستشعر ثواب العمل ويوقن به، لقد فرح مالك بن ربيعة كثيرا عندما سمع أن النبي قد دعا للمحلقين ثلاثا، وكان قد حلق رأسه فقال : فما يسرني بحلق رأسي حُمر النعم(338). وقد جاءت عدة أحاديث نبوية في فضل حلق شعر الرأس عند أداء النسك، منها ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال للأنصاري الذي جاء سائلا عن فضل الحاج منذ خروجه من بيته: "وأما حلاقك رأسك؛ فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، ويمحى عنك بها خطيئة" (339)، وعن عبادة بن الصامت أن النبي قال: "وأما حلقك رأسك؛ فإنه ليس من شعرك شعرةٌ تقع في الأرض؛ إلا كانت لك نورا يوم القيامة" (340) . العمل السابع: طلب الاستغفار من الحاج حث الإسلام على أن يدعو المسلم لأخيه بظهر الغيب وبين بأن هناك ملك ا موكلا بالتأمين على ذلك الدعاء، كما حث على طلب الدعاء من الصالحين رجاء استجابة دعائهم، ومن ذلك طلب الاستغفار من الحاج أثناء أدائه مناسكه أو بعد رجوعه من الحج، وجعل طلب الاستغفار من الحاج سببا لنيل دعوة النبي بالرحمة، فعن أبي هريرة أن رسول (336) المرجع السابق (337 )جامع الأصول لابن الأثير3/298)، وطرح التثريب في شرح التقريب للعراقي 4/1295.) (338) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني -(12/194)، والطبراني، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1160.) (339) سبق تخريجه في الحاشية رقم ( 333.) (340) رواه الطبراني في الأوسط، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب حسن لغيره 1113.)
عدد الصفحات ١٠٩110 قال" اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج " (341) . قال المناوي: وهو تشريف عظيم للحاج، فيتأكد طلب الاستغفار من الحاج؛ ليدخل في دعاء المصطفى ، وظاهره ندب طلب الاستغفار منه سائر الأوقات اهـ (342) . وقد منح الله عز وجل المغفرة للحاج ولمن شفع له الحاج، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما سابق الذكر (343) قال: "أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له "، أي: ما دعوتم له بالمغفرة وسائر مصالح الدين والدنيا، مما يدل على استحباب طلب الدعاء من الحاج خصوصا في يوم عرفة. العمل الثامن: الصلاة على النبي تعد الصلاة على النبي محمد من أيسر العبادات التي يحظى بها العبد على العديد من الفضائل والأجور، منها: أنها وسيلة لنيل دعوته بأن يثني الله عليك، فعن عمار بن ياسر أن رسول قال" إن لله تعالى ملكا أعطاه سمع العباد، فليس من أحد يصلي علي إلا أبلغنيها، وإني سألت ربي أن لا يصلي علي عبد صلاة إلا صلى عليه عشر أمثالها " (344)، فإنها لفرصة عظيمة أن تكثر من الصلاة على النبي ل تُرد عليك بعشر أضعافها من الله جل وعلا. وصلاة الله عز وجل على العبد تعني: ثناؤه عليه، ورفع ذكره وتقريبه، وقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه هذا التعريف معلقا لأبي العالية، حيث قال تحت بـاب إ نَّ اللَّهَ وَمَ لَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّب يِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ :56] صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، قال ابن عباس يصلون: يبركون اهـ (345)، أي يدعون له بالبركة. أما ما اشتهر عند الكثيرين أن صلاة الله على رسوله تعني: رحمته ومغفرته له فهو قول ضعيف من خمسة عشر وجها ذكرها ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى (346)، ومعنى صلاتنا (341 )سبق تخريجه في الحاشية رقم 330.) (342 )فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي2/101.) (343 )سبق تخريجه في الحاشية رقم 333.) (344 )رواه الطبراني، وحس نه الألباني في صحيح الجامع (2176.) (345) رواه البخاري تحت باب إن الله وملائكته يصلون على النبي من كتاب التفسير 8/392) (ح 4797.) (346) انظرها في: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام لابن قيم الجوزية (صفحة
عدد الصفحات ١١٠111 نحن على رسول :أي سؤالنا الله تعالى أن يثني على نبيه وأن يرفع ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا وقربا، ومعنى صلاة الرسول علينا فتعني: دعاءه لنا واعلم أننا أُمرنا أن لا ندع مجلسا نجلس فيه إلا ونذكر فيه نبينا محمدا ونصلي عليه، وإن لم نفعل ذلك سنتحسر على ذلك يوم القيامة، لما روى أبو هريرة أن رسول قال: "ما قعد قوم مقعدا لا يذكرون فيه، ويصلون على النبي إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة للثواب" (347). ألا تعلم أنه بلغ من فضل الصلاة على النبي أن من جعل دعاءه الله عز وجل صلاة على النبي فقط، فإن الله عز وجل سيجيب دعاءه ويغفر ذنبه؟ روى أُبي بن كعب قال: كان رسول إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: "يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه، قال أُبي : قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: "ما شئت"، قال: قلت: الربع؟ قال: " ما شئت فإن زدت فهو خير لك"، قلت: النصف؟ قال: "ما شئت فإن زدت فهو خير لك"، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: "ما شئت فإن زدت فهو خير لك"، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال:" إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك" (348) . ألا تريد أن يصلي عليك رب العالمين الآن عشر مرات؟ فقل: اللهم صل وسلم على سيدنا ونبينا محمد، أو أي صيغة أخرى تحبها (349)، يثني عليك الباري جل وعلا في الم الأعلى، وكفى ذلك شرفا، افعل ذلك الآن فإنك لن تندم. 122.) (347 )رواه ابن حبان في صحيحه591)، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن 1976.) (348 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (24/6)، والترمذي 2457)، والحاكم2/421)، وقال ابن حجر في الفتح : أخرجه أحمد وغيره بسند حسن ( 11/172) (ح6358)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (954.) (349) لك أنْ تُصَل ي على النبي بأي صيغة كانت، وأما إنْ سألت عن أفضل صيغة، فهي ما عل مه النبي أصحابه ، وجاءت بعدة صيغ وروايات، منها ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي ؟ فقلت: بلى فأهدها لي ، فقال: سألنا رسول الله فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد عل منا كيف نسلم؟ قال "قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صل يت على إبراهيم وعلى آل إبراهيمَ، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وع لى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" [ .رواهالإمام مالك (397)، وأحمد –الفتح الرباني - (4/24)، و البخاري واللفظ له (3370)، ومسلم 406)، وأبو داود (976)، والترمذي 3220)، والنسائي1289)، وابن ماجه905]) .
عدد الصفحات ١١١112 العمل التاسع: الاعتناء بالأعمال الموجبة لشفاعة النبي إن الاعتناء بالأعمال الموجبة لشفاعة النبي أحد الأسباب المهمة لنيل دعوة النبي يوم القيامة، وشفاعة المصطفى للمؤمنين ما هي إلا دعاؤ ه لله عز وجل يوم القيامة لهم لتثقيل موازينهم، أو رفع درجاتهم في الجنة، أو إنقاذ من سقط منهم في النار، أو تفريج كربات عنهم يوم القيامة والتي من أشدها كرب المرور على الصراط حيث سيقف الن بي على هذا الصراط يدعو الله بنجاة المؤمنين عن السقوط منه قائلا "رب سلم سلم". فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة........ فيأتون محمدا فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق قال: قلت: بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفا) (350). وهذا النوع من الدعاء أهم ما ينبغي الاعتناء به لنحظى بدعائه يوم القيامة، أي لنحظى بشفاعته في ذلك اليوم العصيب، فعن أبي هريرة أن رسول قال: "لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة" (351). فمن أراد أن يشفع له رسول - أي يدعو له يوم القيامة- فعليه الاعتناء بالأعمال الصالحة خصوصا الموجبة لشفاعته يوم القيامة والتي منها أولا: سؤال الوسيلة لرسول الله فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول قال" سلوا الله لي الوسيلة فإنه لا يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة " (352). وتسأل هذه الوسيلة لرسول بعد سماع الأذان، لما روى جابر أن رسول قال"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا (350 )رواه الإمام مسلم195.) (351) رواه الإمام مالك في الموطأ492)، وأحمد–الفتح الرباني - (24/117)، والبخاري6304)، ومسلم (199)، والترمذي 3602)، وابن ماجه4307.) (352 )رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع 3637.)
عدد الصفحات ١١٢