المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

كيف تحظى بدعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم

محمد بن إبراهيم النعيم

صفحة ٦ من ١١

81 وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة (256). (3) وأورد ابن حجر رحمه الله تعالى (257) قصة إسلام عمر بن الخطاب عندما تقلد سيفا حينما سمع بإسلام أخته، فدخل عليها وهي تقرأ سورة طه وضربها، وعندما قرأ عمر الس ورة تغير ودخل الإيمان في قلبه وسأل عن رسول الله  ليعلن إسلامه أمامه، فخرج خباب وقال: أبشر يا عمر أرجو أن تكون دعوة رسول الله  لك، قال"اللهم أعز الإسلام بعمر أو بعمرو بن هشام "، وفي رواية الترمذي أن رسول الله  قال" اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب" قال: وكان أحبهما إليه عمر(258) . (4) وروى سلمة بن الأكوع قال كان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو قال ويقول: اللهم لو أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فاغفر فدى لك ما أتينا، وثب ت الأقدام إن لاقينا، وألقين سكينة علينا، إنا إذا صيح بنا أتينا، وبالصياح عولوا علينا، فقال رسول الله  : "من هذا الحادي؟" قالوا: ابن الأكوع قال: "يرحمه الله"، قال: فقال رجل: وجبت يا رسول الله لولا أمتعتنا به؟ قال: فأصيب، ذهب يضرب رجلا يهوديا فأصاب ذباب السيف عين ركبته، فقال الناس: حبط عمله قتل نفسه، قال: فجئت إلى رسول الله  بعد أن قدم المدينة وهو في المسجد فقلت: يا رسول الله يزعمون أن عامرا حبط عمله؟ قال: "ومن يقوله؟" قال قلت: رجال من الأنصار منهم فلان وفلان، قال: "كذب من قاله، إن له لأجرين –وجمع بين إصبعيه- وإنه لجاهد مجاهد، وقل عربي ما مشى بها يري دك عليه" (259) . قال ابن حجر رحمه الله تعالى: وما استغفر رسول  لإنسان يخصه إلا استشهد، وبهذه الزيادة يظهر السر في قول الرجل: لولا أَمْتَعْتنَا به اهـ (260) . (5) وروى فضالة قال: غزونا مع رسول  غزوة تبوك فجهد الظهر جهدا شديدا، فشكوا إلى رسول الله  ما بظهرهم من الجهد، فتحين بهم رسول الله  مضيقا سار الناس فيه وهو يقول: "مروا باسم الله"، فجعل ينفخ بظهرهم وهو يقول: " اللهم احمل عليها (256) سبق تخريجه في الحاشية رقم 127.) (257) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني7/59) (ح3684 .) (258 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (20/230)، والترمذي 3681)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ( 2907.) (259) رواه الإمام أحمد واللفظ له –الفتح الرباني - (17/329)، والبخاري4196)، ومسلم1802.) (260) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني7/532) (ح4196.)

عدد الصفحات ٨١

82 في سبيلك فإنك تحمل على القوي والضعيف والرطب واليابس في البر والبحر" وقال فضالة فلما بلغنا المدينة جعلت تنازعنا أزم تها(261)، فقلت دعوة رسول  في القوي والضعيف فما بال الرطب واليابس؟ فلما قدمنا الشام غزونا قبرس – أي قبرص - ورأيت السفن وما تدخل فيها عرفت دعوة رسول الله (262). (6) وروى المقداد بن عمرو قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله  ، فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي ، فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي: " احتلبوا هذا اللبن بيننا"، قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي  نصيبه، قال فيجيء من الليل، فيسلم تسليما، لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان، قال: ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار، فيتحفونه ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل، قال: ند مني الشيطان، فقال: ويحك، ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك؟ وعلي شملة، إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت، قال: فجاء النبي  فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه، فلم يجد فيه شيئا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو علي فأهلك، فقال: "اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني"، قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي ، وأخذت الشفرة، فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن، فأذبحها لرسول الله ، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد ، ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، قال فحلبت فيه حتى علته رغوة، فجئت إلى رسول الله ، فقال: "أشربتم شرابكم الليلة"؟ قال قلت: يا رسول الله اشرب، فشرب، ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله اشرب، فشرب ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي  قد روي وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى (261) أزمت ها: جمع زمام وهو الخيط الذي يشد في أنف البعير ثم يشد إليه المقود ثم سمي به المقود نفسه، والمعنى أن الإبل قويت حتى كانت تسرع في السير فكنا نمنعها من السرعة الشديدة بشد أزم تها اهـ، قاله الساعاتي في الفتح الرباني ( 21/194.) (262 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (21/194)، وابن حبان10/535)، والبزار، وقال الساعاتي في الفتح الرباني: وسند الإمام أحمد جيد وليس في رجاله علة ومن الغريب أن الحافظ الهيثمي لم يعزه للإمام أحمد مع أن رواية الإمام أحمد أجود سندا وأكثر معنى ومتنا اهـ (21/195.)

عدد الصفحات ٨٢

83 الأرض، قال: فقال النبي : "إحدى سوآتك يا مقداد"، فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا، فقال النبي : "ما هذه إلا رحمة من الله، أفلا كنت آذنتني، فنوقظ صاحبينا، فيصيبان منها"؟ قال: فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أبالي إذا أصبتها، وأصبتها معك من أصابها من الناس (263). (7) وروى أبو هريرة  قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله  ما أكره، فأتيت رسول  وأنا أبكي قلت: يا رسول الله إن ي كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله  :"اللهم اهد أم أبي هريرة"، فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله  فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أب ا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله  فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوت ك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا، قال: قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا، قال فقال رسول الله : "اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين"، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني (264). (8) وروى أبو هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول  فقال: إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله  القبلة ورفع يديه، فقال الناس هلكوا، فقال: "اللهم اهد دوسا وأت بهم، اللهم اهد دوسا وأت بهم"(265)، وفي رواية عند ابن حبان عن أبي هريرة  قال: جاء رجل إلى رسول الله ، فذكر دوسا، فقال: إنهم ... فذكر رجالهم ونساءهم ، فرفع النبي  يديه، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون! هَلَكَتْ دوسٌ ورب الكعبة، فرفع النبي  يديه وقال: "اللهم اهد دوسا(266)، فتأمل يقين الصحابة رضي الله عنهم بإجابة دعاء النبي  حينما قالوا: هلكوا، وحينما استرجع ذلك الآخر (9) وروى عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى قال: قال لي ابن عباس ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى قال هذه المرأة السوداء أتت النبي  فقالت: إني أصرع وإني أتكشف (263 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (22/32)، ومسلم2055)، والترمذي 2179.) (264 )سبق تخريجه في الحاشية رقم ( 208.) (265 )سبق تخريجه في الحاشية رقم 203.) (266) سبق تخريجه في الحاشية رقم 203) واللفظ لابن حبان

عدد الصفحات ٨٣

84 فادع الله لي، قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك"، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها (267) . (10) وروى أبو هريرة قال : جاءت امرأة إلى رسول الله  وبها لمَم ، (أي طرف من الجنون)، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني، قال: "إن شئت دعوتُ الله لك فشفاك، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك"، فقالت: بل أصبر ولا حساب علي (268). وإن رضا هذه المرأة بالثواب الآجل على الشفاء العاجل لدليل على إيمانها بإجابة الله عز وجل لدعاء نبيه  ، كما أن حرصها رضي الله عنها على ستر نفسها وعدم تكشفها أو تبرجها لدليل على عفتها بالرغم من رفع الحرج عنها وعن أمثالها وتبشير رسول الله  لها بدخول الجنة بلا حساب، فكيف بمن لم تبشر من النساء بالجنة؛ فما درجة الستر المطلوب منها؟ (11) وروى أبو عمرة الأنصاري  قال: كنا مع رسول  في غزاة فأصاب الناس مخمصة، فاستأذن الناس رسول الله  في نحر بعض ظهورهم وقالوا: يبلغنا الله به، فلما رأى عمر بن الخطاب أن رسول الله  قد هم أن يأذن لهم في نحر بعض ظهرهم قال يا رسول الله كيف بنا إذا نحن لقينا القوم غدا جياعا أرجالا، ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم فتجمعها، ثم تدعو الله فيها بالبركة، فإن الله تبارك وتعالى سيبلغنا بدعوتك، أو قال سيبارك لنا في دعوتك، فدعا النبي  ببقايا أزوادهم، فجعل الناس يجيئون بالحثية من الطعام وفوق ذلك، وكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر، فجمعها رسول الله  ، ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعو، ثم دعا الجيش بأوعيتهم فأمرهم أن يحتثوا، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملئوه وبقي مثله، فضحك رسول الله  حتى بدت نواجذه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله عبد مؤمن بهما إلا حجبت عنه النار يوم القيامة" (269) . (12) وروى عمر بن الخطاب قاللما كان يوم بدر نظر رسول الله  إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله  القبلة ثم مد يديه فجعل (267) سبق تخريجه في الحاشية رقم 165.) (268 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (19/135)، وابن حبان في موارد الظمآن 708)، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ( 585.) (269 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (22/57)، والنسائي في السنن الكبرى وفي عمل اليوم والليلة (1140)، والحاكم3/618)، وابن حبان221)، وقال الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: صحيح لغيره ( 221)

عدد الصفحات ٨٤

85 يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"، فما زال يه تف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل  إ ذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُ مِدُّكُم ب أَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ  [9] فأمده الله بالملائكة، قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أ مامه، فخر مستلقي،ا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه، كضربة السوط فاخْضَر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله  فقال: "صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين الحديث (270). (13) وكان ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهما يط لبان من عبد الله بن هشام  الاشتراك معه في الطعام الذي يشتريه، لأن رسول الله  دعا له في صغره بالبركة، ومسح على رأسه، فكان يجيبهما إلى ذلك، فعن عبد الله بن هشام  وكان قد أدرك النبي  وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله بايعه، فقال: "هو صغير"، فمسح رأسه ودعا له، وعن زهرة بن معبد، أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق، فيشتري الطعام، فيلقاه ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهما فيقولان له: أشركنا، فإن النبي  قد دعا لك بالبركة، فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي، فيبعث بها إلى المنزل (271). (14) وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: توفي أبي وعليه دين، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاء ، فأتيت النبي  فذكرت ذلك له، فقال: "إذا جددته فوضعته في المربد آذنت رسول الله "، فجاء ومعه أبو بكر وعمر، فجلس عليه ودعا بالبركة، ثم قال: "ادع غرماءك فأوفهم"، فما تركت أحدا له على أبي دين إلا قضيته، وفَضَلَ ثلاثة عشر وسقا سبعة عجوة وستة لون أو ستة عجوة وسبعة لون، فوافيت مع رسول الله  المغرب، فذكرت ذلك له، فضحك فقال: "ائت أبا بكر (270) رواه الإمام مسلم واللفظ له (1763)، والترمذي 3081.) (271) رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (13/85)، والبخاري واللفظ له 2503) و 7210)، وأبو داود (2942.)

عدد الصفحات ٨٥

86 وعمر فأخبرهما"، فقالا: لقد علمنا إذ صنع رسول الله  ما صنع أن سيكون ذلك(272) . فطالما أن دعاء رسول  مجاب بإذن الله تعالى، فينبغي الحرص على الدخول في دعائه واستغفاره  وأن لا نفوت علينا بركة ذلك، وأن نكون في مستوى يقين الصحابة رضي عنهم ببركة دعاء الرسول  وتحقق دعائه (272) سبق تخريجه في الحاشية رقم 47)، واللفظ للبخاري

عدد الصفحات ٨٦

87 الفصل الرابع طرق الفوز بدعاء النبي  المبحث الأول: حرص الصحابة رضي الله عنهم على طلب الاستغفار من النبي  في حياته المبحث الثاني: هل النبي  يستغفر لنا وهو في قبره؟ المبحث الثالث: الأعمال التي دعا النبي  للعاملين بها المبحث الرابع: الأعمال التي دعا النبي  على أصحابها

عدد الصفحات ٨٧

88 المبحث الأول حرص الصحابة رضي الله عنهم على طلب الاستغفار من النبي  في حياته لقد كان لصحابة رسول الله  قدم صدق في استجابتهم لله عز وجل وطاعتهم لرسوله ، فقد أوذوا في سبيل الله، وهاجروا مع رسوله  مخلفين وراءهم أوطانهم وأهليهم وأموالهم، ومضحين بأنفسهم، إرضاء لبارئهم جل وعلا ومحبة لنبيهم ، ولذلك أمر الله عز وجل نبيه في عدة مواضع من القرآن الكريم بالاستغفار لهؤلاء الأتباع الكرام ففي آية أمر الله تبارك وتعالى نبيه  أن يكون لين الجانب مع أصحابه، ومستغفرا لهم، وأن يجعلهم أهل مشورته حيث قال تعالى له فَب مَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْب لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاو رْهُمْ فِي الأَمْر فَإ ذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَ ى اللّهِ إ نَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَ كِّلِينَ  [159.] وفي آية أخرى أمره الله عز وجل إذا أخذ من أصحابه زكاة أموالهم أن يدعو ويستغفر لهم، فقال تعالى  خُذْ مِنْ أَمْوَالِه مْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيه م ب هَا وَصَلِّ عَلَيْه مْ إ نَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  [103] إذا جاءه قوم بزكاة أموالهم دعا واستغفر لهم استجابة لأمر الله عز وجل ، فعن عبد الله بن أبي أوفى  قال: كان النبي إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: " اللهم صل على آل فلان"، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (273)، ولهذا عقب تعالى في نهاية الآية بأنه سميع لدعائك يا محمد وعليم بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له. وفي آية ثالثة أمره تبارك وتعالى أن يستغفر لهم عندما رأى طاعتهم لرسوله  وعدم تركهم لمواقعهم في أرض القتال إلا بعد الاستئذان منه  بخلاف ما كان يفعله المنافقونحيث قال تعالى له  إ نَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا ب اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإ ذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَ تَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إ نَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ب اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَ إ ذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْض شَأْنِه مْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إ نَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  [62 .] كما طلب منه تبارك وتعالى في آية رابعة أن يسأل الغفران لهم كلما هم بالاستغفار لذنبه -وهو الذي كان يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة - فقال تعالى له  فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إ لَهَ إ لَّا اللَّهُ (273) سبق تخريجه في الحاشية رقم 60)

عدد الصفحات ٨٨

89 وَاسْتَغْفِرْ لِذَنب كَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [19]  على الاستغفار للمسلمين عنداستغفارنا لأنفسنا؛ لأن ذلك يرسخ مبدأ التآخي والرغبة في الخير لجميع المسلمين، فعن عبادة بن الصامت  أن رسول  قال: " من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة" (274). وفي آية خامسة أمره تبارك وتعالى أن يستغفر للمؤمنات بعد مبايعتهن، فق ال تعالـىيَا أَيُّهَا النَّب يُّ إ ذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَاي عْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْر كْنَ ب اللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْر قْنَ وَلَا يَزْنِ ينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ ب بُهْتَانٍ يَفْتَر ينَهُ بَيْنَ أَيْدِيه نَّ وَأَرْجُلِ ه نَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَاي عْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إ نَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  [12.] ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم كلما ألموا بذنب لا يكتفون بالاستغفار منه وإنما يهرعون إلى النبي  يطلبون منه أن يستغفر لهم،فيفعل ولا يردهم ، وقد جاءت عدة أخبار عنهم في ذلك وإليك بعضا منها: (1) طلب سبيعة بنت الحارث رضي الله عنها لاستغفاره  روت سبيعة بنت الحارث رضي الله عنها أنها وضعت بعد وفاة زوجها بخمسة وعشرين فتهيأت تطلب الخير، فمر بها أبو السنابل بن بعكك فقال: قد أسرعت، ا عتدي آخر الأجلين أربعة أشهر وعشرا، فأتيت النبي  فقلت: يا رسول الله استغفر لي، قال: وفيم ذاك؟ فأخبرته، فقال: إن وجدت زوجا صالحا فتزوجي (275). (2) طلب أسامة بن زيد لاستغفاره  وعن عروة بن الزبير  أن امرأة سرقت في عهد رسول  في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه، قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها، تلون وجه رسول الله  ، فقال: "أتكلمني في حد من حدود الله"؟ قال أسامة :استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي، قام رسول الله خطيبا، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فإنما أهلك الناس ق بلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، ثم أمر رسول الله  بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجت ها إلى رسول الله  (276). (274) رواه الطبراني وحسنه الألباني في صحي ح الجامع (6026) (275) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (17/43)، والبخاري3991)، ومسلم1484) وأبو داود2306)، والنسائي (3519)، وابن ماجه واللفظ له 2028.) (276) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (16/62)، والبخاري واللفظ له4304)، ومسلم1688)، والترمذي

عدد الصفحات ٨٩

90 (3) طلب أم هانئ رضي الله عنها لاستغفاره  وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت: كنت قاعدة عند النبي  فأتي بشراب فشرب منه، ثم ناولني فشربت منه، فقلت: إني أذنبت فاستغفر لي، فقال: "وما ذاك"؟ قالت كنت صائمة فأفطرت، فقال: "أمن قضاء كنت تقضين ه"؟ قالت: لا، قال: "فلا يضرك" (277). (4) طلب عمر بن الخطاب لاستغفاره  وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب  دخل بيت النبي فرفع بصره في أنحاء البيت وقال: فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر، غير أهبة ثلاثة، فقلت ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم وُسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، وكان متكئا فقال: "أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا"، فقلت: يا رسول الله استغفر لي.. الحديث (278) . (5) طلب ضمرة بن ثعلية  لاستغفاره  وعن ضمرة بن ثعلبة  أنه أتى النبي  وعليه حلتان من حلل اليمن فقال: "يا ضمرة أترى ثوبيك هذين مدخليك الجنة؟ –لأنهما كانتا من حرير - فقال: لئن استغفرت لي يا رسول الله لا أقعد حتى أنزعهما عني، فقال النبي : " اللهم اغفر لضمرة بن ثعلبة" فانطلق سريعا حتى نزعهما عنه (279). (6) طلب حذيفة بن اليمان وأُمه رضي الله عنهما لاستغفاره  وعن حذيفة بن اليمان قال: سألتني أمي منذ متى عهدك بالنبي؟ قال فقلت لها منذ كذا وكذا، قال: فنالت مني وسبتني، قال فقلت لها: دعيني فإني آتي النبي  فأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك، قال: فأتيت ا لنبي  فصليت معه المغرب فصلى النبي  العشاء ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه ثم ذهب، فاتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة، قال: ما لك؟ فحدثته بالأمر، فقال: غفر الله لك ولأمك.. الحديث" (1430)، وأبو داود4373)، والنسائي4899)، وابن ماجه2547)، والدارمي 2302.) (277) رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (22/439)، والترمذي 731)، وأبو داود 2456)، والدارمي (1735)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 584.) (278) سبق تخريجه في الحاشية رقم 94.) (279) رواه امام أحمد واللفظ له –الفتح الرباني - (18/314)، والطبراني في الكبير 8158)، وقال الساعاتي في الفتح الرباني: رجاله ثقات، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 3018.)

عدد الصفحات ٩٠

91 (280). (7) طلب عبيد أبي عامر وعبد الله بن قيس رضي الله عنهمالاستغفاره  وعن أبي موسى قال: لما فرغ النبي  من حنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرُميَ أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عم من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى، فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولى ، فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحيي، ألا تثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزا منه الماء، قال يا ابن أخي: أقرئ النبي  السلام وقل له: استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات، فرجعت، فدخلت على النبي  في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له استغفر لي، فدعا بماء، فتوضأ ثم رفع يديه فقال: " اللهم اغفر لعبيد أبي عامر"، ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس، فقلت: ولي فاستغفر، فقال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما" (281). (8) طلب رجل صلى في رحله ولم يُعِد الصلاة مع الجماعة لاستغفاره  وعن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: حججنا مع رسول  حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله  صلاة الصبح أو الفجر قال: ثم انحرف جالسا أو استقبل الناس بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: " ائتوني بهذين الرجلين"؟ قال: فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا مع الناس"؟ قالا: يا رسول الله إنا قد كنا صلينا في الرحال، قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه فإنها له نافلة، قال: فقال أحدهما: استغفر لي يا رسول الله، فاستغفر له، قال: ونهض الناس إلى رسول الله  ونهضت معهم، وأنا يومئذ أشب الرجال وأجلده، قال: فما زلت أزحم الناس حتى وصلت إلى رسول الله ، فأخذت بيده، فوضعتها إما على وجهي أو صدري، قال: فما وجدت شيئا أطيب ولا أبرد من يد رسول الله  ، قال: وهو يومئذ في مسجد الخيف (282) . (280) سبق تخريجه في الحاشية رقم 83.) (281) سبق تخريجه في الحاشية رقم 44.) (282) رواه الإمام أحمد واللفظ له–الفتح الرباني - (5/337)، والترمذي 219)، وأبو داود575)، والنسائي (858)، والدارمي 1367)، والحاكم1/245)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 181.)

عدد الصفحات ٩١

92 المبحث الثاني هل النبي  يستغفر لنا وهو في قبره؟ إن مما لا شك فيه بأن صلاتنا على النبي  تعرض على رسول  كل يوم جمعة لما رواه أوس بن أوس  قال: قال رسول  : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي، فقال رجل: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ -يعني بليت-، فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (283) . ولكن هل رسول  يستغفر لنا وهو في قبره؟ هذا مما لا نستطيع الجزم به، أما ما جاء عن بكر بن عبد الله  أن رسول  قالحياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم، تعرض علي أعمالكم، فإن رأيت خيرا حمدت الله، وإن رأيت شرا استغفرت لكم " فهذا الحديث رواه ابن سعد مرسلا والبزار في مسنده، وقد ضعفه جماعة من أهل العلم منهم العجلوني والألباني رحمهما الله تعالى (284). وعلى فرض صحة هذا الحديث فإنه لا يفيد طلب الاستغفار منه  بعد وفاته، لأنه سيستغفر لجميع الأمة كلما وجد في أعمالها تقصيرا دون طلب منه  فتنبه لذلك فالذي صح عنه  أنه طلب منا الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلتها، لأن هذه الصلاة ستعرض عليه يوم الجمعة، فعن أبي مسعود الأنصاري  أن رسول  قال "أكثروا الصلاة علي في يوم الجمعة، فإنه ليس يصلي علي أحد يوم الجمعة، إلا عرضت علي صلاته " (285) . كما رغبنا  من الإكثار من الصلاة عليه في أي وقت، وبين أن هناك ملك موكل يخبر نبينا محمد  بمن صلى عليه، فعن أبي بكر الصديق أن رسول  قالأكثروا الصلاة علي، فإن الله وكل بي ملكا عند قبري ، فإذا صلى علي رجل من أمتي، قال لي ذلك (283) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (6/9)، وأبو داود1047)، والنسائي1374)، وابن ماجه واللفظ له (1085)، والدارمي 1572)، وابن حبان، وابن خزيمة، والبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2212.) (284) انظر إلى كشف الخفا ومزيل الباس للعجلوني 1/442)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ على الأمة للألباني (975.) (285) رواه الحاكم2/421)، والبيهقي ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1208.)

عدد الصفحات ٩٢

93 الملك: يا محمد إن فلان بن فلان صلى عليك الساعة" (286). كماجاء عنه  أن روحه تُرد إليه حين يسلم عليه أحد، فعن أبي هريرة  عن رسول الله  قال: "ما من أحد يسلم علي؛ إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام(287). وعن أبي هريرة  أن رسول  قال: "من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نَائ ي ا بُل غْته" (288) . كما صح عنه أنه كلما صلى العبد على نبيه ، صلى الله عليه بها عشرا، بمعنى أن الله عز وجل هو الذي سيصلي على العبد المصلي، وليس النبي ، فعن أبي هريرة  قال: قال رسول  " من صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشرا(289). ومعنى ذلك أن النبي حي في قبره حياة برزخية، يسمع من صلى عليه عند قبره، ولا يسمع من صلى عليه نَائ ي ا عن قبره، وإنما يُبلغه ملك، وأنه  يرد السلام على من سلم عليه، و يصلي على من صلى عليه – والصلاة دعاء- وأن الله جل جلاله هو الذي سيصلي علينا ويثني علينا عشرة أضعاف ما صلينا على نبينا محمد ، وما سوى ذلك فغيب لا نعلمه ولا نحيط به لعدم صحة أحاديثه، ولذلك حري أن لا نخوض فيه. حكم طلب الاستغفار والدعاء من النبي  عند قبره لقد طلب الله عز وجل من المسلمين والمنافقين على حد سواء أن يتوبوا إليه، وأن يأتوا إلى رسوله محمد  ويطلبوا منه الاستغفار لهم، قال تعالىوَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إ لاَّ لِيُطَاعَ ب إ ذْن اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إ ذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّ اباً رَّحِيماً  [64] لذلك هل يمكن الاستدلال من هذه الآية الكريمة ب جواز الذهاب إلى قبر النبي  وطلب الاستغفار منه كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك معه  في حياته؟ اختلف العلماء على رأيين متباعدين، فمنهم من أجاز ذلك ومنهم من منعه واعتبره شركا أكبر، والذين أجازوه استدلوا بالحكاية المشهورة عن العتبي وقد رواها المجيز ون في كتبهم بأسانيد (286) رواه الديلمي في مسند الفردوس ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 1207.) (287) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (14/311)، وأبو داود2041)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 1666.) (288) رواه أبو الشيخ، وقال ابن حجر في فتح الباري: أخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب بسند جيد اهـ (6/562) (ح3441.) (289) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (14/310)، ومسلم384)، والترمذي 485)، وأبو داود523)، والنسائي (1297)، والدارمي 2772.)

عدد الصفحات ٩٣

94 مختلفة وضعيفة كمثل ابن قدامة الذي قال: رُو يَ عن العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي  فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول  وَلَوْ أَنَّهُمْ إ ذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَ رَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الأعرابي، فحملتني عيني ، فنمت، فرأيت النبي  في النوم فقال: يا عتبي الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له (290) . وأما غير المجيزين فرأوا أن طلب الاستغفار والدعاء من النبي  لا يصح إلا في حياته، وأن قصة العتبي غير صحيحة سندا ومتنا (291). وقال السعدي رحمه الله تعالى في تفسير الآية ال سابقة: وهذا المجيء إلى رسول الله  مختص بحياته، لأن السياق يدل على ذلك، لكون الاستغفار من الرسول لا يكون إلا في حياته، وأما بعد موته، فإنه لا يطلب منه شيء، بل ذلك شرك اهـ (292)، كما رأى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى أن معنى "إذ" في الآية يفيد الماضي وليس ا لمستقبل، كما أن الآية في قوم تحاكموا أو أرادوا التحاكم إلى غير الله ورسوله كما يدل على ذلك سياقها السابق واللاحق (293). وذكر أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوس ل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون (294)، بمعنى أنه لو جاز سؤال رسول  بعد وفاته لفعله عمر (295). (290) المغني لابن قدامة، تحقيق د. عبد الله التركي ود. عب د الفتاح الحلو (5/466.) (291) أنظر بتوسع: التوصل إلى حقيقة التوسل المشروع والممنوع لمحمد نسيب الرفاعي (صفحة 273- 289)، والتوسل أنواعه وأحكامه للألباني (292) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي 2/93.) (293) المجموع الثمين من فتاوى فضيلة الشيخ محمد العثيمين (1/67.) (294) رواه الإمام البخاري1010.) (295) قالالمباركفوري رحمه الله تعالى في تعليقه على حديث الأعمى السابق ذكره في الحاشية رقم ( 59): الحق عندي أن التوسل بالنبي في حياته بمعنى التوسل بدعائه وشفاعته جائز وكذا التوسل بغيره من أهل الخير والصلاح في حياتهم بمعنى التوسل بدعائهم وشفاعتهم أيضا جائز وأما التوسل به  بعد مماته وكذا التوسل بغيره من أهل الخير والصلاح بعد مماتهم فلا يجوز ، واختاره الإمام بن تيمية في رسالته التوسل والوسيلة ، وقد أشبع الكلام في تحقيقه وأجاد فيه، فعليك أن تراجعها ، ومن جملة كلامه

عدد الصفحات ٩٤

95 ونظرا لخلاف العلماء وتباعد الرأيين في ذلك، فإنه من الأهمية بمكان الحفاظ على حسناتنا قدر المستطاع وعدم المغامرة والمخاطرة بها خصوصا أن المسألة تتعلق بشرك وحبوط عمل على رأي لبعض أهل العلم المعتبرين، فلنحرص على سؤال الله تعالى وحده، خروجا من فيها: وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي  بعد موته من غير أن يكون النبي داعيا له ولا شافعا فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعا بعد مماته كما كان يشرع في حياته بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به فلما مات لم يتوسلوا به بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل سمنا حتى يخصب الناس ثم لما استسقى بالناس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون ، وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة لم ينكره أحد مع شهرته وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية ، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته لما استسقى بالناس فلو كان توسلهم بالنبي  بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما ونعدل عن التوسل بالنبي  الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته ، وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي  ودعائه لا بذاته، وقال له في الدعاء: (قل اللهم فشفعه في)، وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة ر سول الله  وكان المخالف لعمر محجوجا بسنة رسول الله  وكان الحديث الذي رواه عن النبي حجة عليهلا له وقال فيها: فأما التوسل بذاته في حضوره أو مغيبه أو بعد موته مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم فليس هذا مشروعا عند الصحابة والتابعين بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من أصحاب رسول الله  والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا أو استشفعوا بمن كان حيا كالعباس ويزيد بن الأسود ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبي  لا عند قبره ولا غير قبره بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد بل كانوا يصلون عليه في دعائهم وقد قال عمر اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فجعلوا هذا بدلا عن ذاك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك ويقولوا في دعائهم بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله عز وجل أو السؤال به فيقولون نسألك أو نقسم عليك بنبيك أو بجاه نبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس اهـ (تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ( 10/37.))

عدد الصفحات ٩٥

96 هذا الخلاف، فإن السلامة لا يعدلها شيء وإذا كنت حريصا على نيل دعاء رسول الله  واستغفاره بطرق ليس فيها خلاف؛ فهناك طرقا مشروعة لنيل دعوة من دعوات النبي ، فما هذه الطرق؟ اقرأ الأحاديث النبوية الشريفة المزبورة في المبحث الثالث من هذا الفصل، وتأملها، واعمل بها، تنل دعاءه واستغفاره  بإذن الله تعالى. حرص السلف على طلب الدعاء من الصالحين بوفاة النبي  لا يمكن طلب الدعاء منه مباشرة، ولذا كان بعض السلف يحرص على طلب الدعاء من إخوانه الصالحين، وعلى الدخول في دعاء من يُرجى دعاؤه، امتثالا بحديث أبي الدرداء  أن رسول  قال: "إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة: آمين ولك بمثل" (296)، وإليك بعض الأمثلة في ذلك (1) روى أسير بن جابر قال كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمدادأهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم قال: سمعت رسول الله  يقول: " يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبر ئ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل"، فاستغفرْ لي، فاستغفرَ له، فقال له عمر أين تريد؟ قال الكوفة، قال ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال أكون في غبراء الناس أحب إلي، .... الحديث (297) . (2) وقال صفوان رحمه الله تعالى -وكانت تحته الدرداء - قال: قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير، فإن النبي  كان يقول: "دعوة المرء المسلم لأخيه ب ظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل" (298). (3) وعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: كنا عند أبي هريرة  ليلة فقال: اللهم اغفر لأبي هريرة ولأمي ولمن استغفر لهما، قال محمد: فنحن نستغفر لهما حتى ندخل في دعو ة (296 )سبق تخريجه في الحاشية رقم 1)، واللفظ لأبي داود (297) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (22/444)، ومسلم2542.) (298) سبق تخريجه في الحاشية رقم 1.)

عدد الصفحات ٩٦