65 رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِر ينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [104 .] كما كانوا يدعون عليه بالموت، وكان يرد عليهم بمثل ذلك، ولكن بأدب النبوة الذي أدبه عليه ربه عز وجل، فعن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله فقالوا: السام عليكم، قالت: عائشة ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله : "مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله"، فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله : "قد قلت وعليكم(211)، وفي رواية عنها رضي الله عنها أن اليهود أتوا النبي فقالوا: السام عليك، قال: "وعليكم"، فقالت عائشة السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول الله : "مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف أو الفحش"، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: "أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في" (212). ودعا عليهم لأنهم كانوا يتحايلون على أوامر الله عز وجل، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: "قاتل الله يهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها (213). كما دعا عليهم لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، وكأنه يحذر الأمة أن تقع في مثل ذلك، فعن أبي هريرة أن رسول قال: "قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (214) . (3) دعاؤه على الكفار حين يخاف منهم فعن عبد الله بن قيس أن النبي كان إذا خاف قوما دعا عليهم، بقوله: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم" (215)، والمعنى كما قال آبادي رحمه الله تعالى في عون المعبود: نسألك أن تصد صدورهم وتدفع شرورهم وتكفينا أمورهم تحول بيننا وبينهم. (4) دعاؤه على المشركين الذين صوروا إبراهيم وإسماعيل عليهما (211) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (18/299)، والبخاري6024)، ومسلم2165.) (212) رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (21/124)، وال بخاري ( 6401)، ومسلم 2165)، والترمذي (2701)، وابن ماجه3698.) (213) رواه الإمام مالك1732)، وأحمد–الفتح الرباني - (15/28)، و البخاري2223)، ومسلم1583)، والترمذي ( 1297)، وأبو داود3488)، والنسائي4257)، وابن ماجه2167.) (214) رواه الإمام مالك1650)، وأحمد –الفتح الرباني - (8/151)، والبخاري437)، ومسلم530)، وأبو داود (3227)، والنسائي2046.) (215 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (14/262)، وأبو داود 1537)، والحاكم 2/142)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4706.)
عدد الصفحات ٦٥66 الصلاة والسلام فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال النبي : " قاتلهم الله، لقد علموا ما استقسما بها قط"، ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم يصل فيه (216). وكان الكفار يخافون دعاءه عليهم ليقينهم باستجابة الله عز وجل له، وإليك بعض الأمثلة التي سطرتها كتب الحديث في تحقق دعائه على الكفار (1) دعاؤه على قومه بالجوع دعا النبي على قومه بالجوع لما رأى منهم إعراضا، فعن مسروق رحمه الله تعالى قال كنا عند عبد الله فقال: إن النبي لما رأى من الناس إدبارا قال: " اللهم سبع كسبع يوسف" ، فأخذتهم سنة حص ت كل شيء ، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف ، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع ، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد إنك تأمر بطاعة الله ، وبصلة الرحم ، وإن قومك قد هلكوا ، فادع الله لهم ، قال الله تعالى فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين إلى قوله إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون فالبطشة يوم بدر، وقد مضت الدخان والبطشة واللزام وآية الروم (217) . (2) دعاؤه على مجموعة من زعماء المشركين ودعا قبل الهجرة على مجموعة من المشركين آذوه وسخروا منه ، فمات أغلبهم في معركة واحدة، فعن عبد الله بن مسعود قال: بينما رسول يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعه طرحته عن ظهر رسول الله ، والنبي ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي صلاته، رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا عليهم ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا، ثم قال (216 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (21/315)، والبخاري واللفظ له4289)، وأبو داود2027.) (217 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (18/268)، والبخاري واللفظ له1007) ومسلم2798) ، والترمذي (3254)، وابن حبان6585.)
عدد الصفحات ٦٦67 اللهم عليك بقريش ، ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته، ثم قال: اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي بعث محمدا بالحق، لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم ب در، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر(218) . وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن مسعود قال: استقبل رسول البيت، فدعا على ستة نفر من قريش فيهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر قد غير تهم الشمس، وكان يوما حارا. ولم يكتف النبي بذلك الدعاء عليهم، بل كرر مثله بعد هجرته إلى المدينة؛ لأنهم أخرجوه من مكة، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: "اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء" (219) . (3) دعاؤه على أهل مدائن كسرى وقيصر ودعا على أهل مدائن كسرى وقيصر وأن يجعلهم غنيمة للمسلمين، فعن أبي سكينة رجل من المحررين –أي رجل من المعتقين - عن رجل من أصحاب النبي قال: لما أمر النبي بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام رسول وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال: "تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم"، فندر ثلث الحجر، وسلمان الفارسي قائم ينظر، فبرق مع ضربة رسول الله برقة، ثم ضرب الثانية وقال: "تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم" ، فندر الثلث الآخر فبرقت برقة، فرآها سلمان ثم ضرب الثالثة وقال: "تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم"، فندر الثلث الباقي، وخرج رسول الله فأخذ رداءه وجلس، قال سلمان: يا رسول الله رأيتك حين ضربت ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة، قال له رسول الله : "يا سلمان رأيت ذلك؟" فقال: إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله، قال: "فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني"، قال له من (218 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (20/218)، والبخاري240)، ومسلم1794)، والنسائي (307)، وابن حبان (6570 .) * قال النووي في شرحه على صحيح مسلم12/394): يقصد: برأيت الذين سمى صرعى، أي رأى أكثرهم، لأن عقبة بن أبي معيط لم يقتل في بدر بل حمل منها أسيرا وإنما قتله النبي صبرا بعد انصرافه من بدر اهـ. (219 )رواه الإمام مالك1648)، وأحمد –الفتح الرباني - (23/257)، والبخاري1889) ، ومسلم1376.)
عدد الصفحات ٦٧68 حضره من أصحابه: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ديارهم ويخرب ب أيدينا بلادهم، فدعا رسول الله بذلك، "ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني"، قالوا يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ديارهم ويخرب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول الله بذلك، "ثم ضربت الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وم ا حولها من القرى حتى رأيتها بعيني"، قال رسول الله عند ذلك: "دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم" (220)، ومعلوم بأن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا تلك المدائن وحطموا عروش الدول العظمى التي كانت في عهدهم، واستبدلوا الظلم الذي ساد فيها بعدل الإسلام. (4) دعاؤه على مَلِك الفرس ودعا على مَلك الفرس كسرى بن هرمز بتمزيق ملكه، حينما بعث له كتابا مع عبد الله بن حذافة السهمي يدعوهإلى الإسلام، فلما قُرأ عليه الكتاب رفضه ومزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله قال: "اللهم مزق ملكه"، فاستجاب الله لنبيه، حيث سلط شيرويه ابن كسرى فقتل أباه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد بن حذافة السهمي فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله أن يمزق وا كل ممزق" (221) . (5) دعاؤه على الأحزاب دعا رسول الله على الأحزاب الذين تآلبوا عليه يوم الخندق، فأرسل الله عليهم الريح، فقلعت خيامهم، وزلزلت قلوبهم، ورجعوا خاسرين، فعن ابن أبي أوفى قال: دعا رسول على الأحزاب فقال "اللهم منزل الكتاب، سريع الحسا ب، اهزم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم " (222). كما دعا على المشركين يوم الخندق عندما أخروه عن صلاة العصر، فعن علي بن أبي طالب أن النبي قال يوم الخندق: "حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، م الله قبورهم وبيوتهم أو أجوافهم -شك يحيى- نارا" (223) . وأجاب ابن حجر رحمه الله تعالى عن هذا الشك من الراوي فقال: وقد استشكل هذا الحديث بأنه تضمن دعاء صدر من النبي على من يستحقه وهو من مات منهم مشركا، ولم (220 )رواه أبو داود4302)، والنسائي واللفظ له3176) ، وحسنه الألباني في صحيح النسائي2976.) (221) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (22/159)، والبخاري واللفظ له4424.) (222 )رواه الإمام أحمد –الفتح الربان ي- (21/80)، والبخاري 6392)، ومسلم 1742)، والترمذي (1678)، وابن ماجه2796.) (223) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (21/79)، والبخاري واللفظ له4533)، ومسلم627)، وابن ماجه (686)، والدارمي 1232.)
عدد الصفحات ٦٨69 يقع أحد الشقين وهو البيوت، أما القبور فوقع في حق من مات منهم مشركا لا محالة، ويجاب بأنْ يُحمل على سُك انهَا، وبه يتب ين رُجحان الرواية بلفظ: قلوبهم أو أجوافهم اهـ (224) . (6) دعاؤه على لهب بن أبي لهب ودعا على لهب بن أبي لهب لأنه كان يسبه، فعن أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: كان لهب بن أبي لهب يسب النبي فقال النبي: اللهم سلط عليه كلبك"، فخرج في قافلة يريد الشام ف نزل منزلا فقال إني أخاف دعوة محمد، قالوا: كلا ، فحطوا أمتعتهم حوله وقعدوا يحرسونه ، فجاء الأسد فانتزعه منهم فذهب به (225) . (7) دعاؤه على من تكبر على أمره ودعا النبي على رجل كذب في اعتذاره متكبرا ورافضا الاستجابة لأمره فشلت يمينه، فعن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه أن رجلا أكل عند رسول بشماله فقال"كل بيمينك"، قال: لا أستطيع، قال: "لا استطعت"، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه " (226)، وقد ذكر ابن حبان في صحيحه بأن ذلك الرجل كان من المشركين (227)، بينما رأى النووي أنه كان من الصحابة متعقبا قول القاضي عياض الذي كان يرى أنه كان من المنافقين. وذكر القاري رحمه الله تعالى بأن قوله: ما منعه إلا الكبر، هي قول الراوي، ورد استئنافا لبيان موجب دعاء النبي عليه كأن قائلا قال: ل مَ دعا عليه بلا استطعت وهو رحمة للعالمين؟ فأجيب: بأن ما منعه من الأكل باليمين العجز، بل منعه الكبر (228). بذلك نخلصإلى أن النبي ما كان يدعو على الكفار ابتداء، كما أنه لم يكن من هديه الدعاء عليهم جميعا، وإنما كان يخص المعتدين عليه أو على أتباعه رضي عنهم، ومن هذا ينبغي التأسي به في ذلك بأن يقتصر دعاؤنا على الكفار على من أضر بالمسلمين وحاربهم أو ظلمهم، وأن تعميم الدعاء على كل الكفار فيه من الظلم وعدم العدل والله لا يحب المعتدين. (224) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني8/46) (ح4533.) (225 )رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي2/588)، وحسنه ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري (4/48) (ح1829.) (226 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (17/95)، ومسلم واللفظ له2021) ، والدارمي 2032)، وابن حبان (6512.) (227) صحيح بن حبان9/238.) (228) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لعلي القاري (10/233.)
عدد الصفحات ٦٩70 ثالثا: أدعيته في أمور متفرقة (1) دعاؤه أن لا يجعل قبره وثنا يُعبد دعا المصطفى أن لا يُجعل قبره وثنا يعبد، فعن أبي هريرة أن رسول قال:" اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(229)، وقد استجاب دعاءه كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في قصيدته النونية فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجـدران حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان وقال عبد الرحمن بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ودل الحديث على أن قبر النبي لو عُبد لكان وثنا، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه اهـ(230). وقال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: صحيح أنه يوجد أناس يغلون فيه–أي بالنبي - ولكن لم يصلواإلى جعل قبره وثنا، ولكن قد يعبدون الرسول ولو في مكان بعيد، فإن وُجد من يتوجه له بدعائه عند قبره؛ فيكون قد اتخذه وثنا، لكن القبر نفسه لم يجعل وثنا اهـ(231). (2) دعاؤه لشيطانه بالهداية ودعا المصطفى على شيطانه، فأعانه الله عليه فأسلم، حيث روت عائشة رضي عنها قالت: فقدت رسول الله ، وكان معي على الفراش ، فوجدته ساجدا راصا عقبيه ، مستقبلا بأطراف أصابعه للقبلة ، فسمعته يقول : "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبعفوك من عقوبتك ، وبك منك ، لا أثني عليك ، لا أبلغ كل ما فيك"، فلما انصرف قال رسول الله : يا عائشة أحْرَبَك شيطانك (وفي رواية: أخذك شيطانك) ؟ فقلت: أوَ معي شيطان؟ فقال: ما من آدمي إلا وله شيطان، فقلت: وأنت يا رسول الله ؟ قال: وأنا، ولكن دعوت الله عليه فأسلم" (232)، ومعنى أحْرَبَك شيطانك : أي أغضبك شيطانك. (229 )رواه الإمام مالك في الموطأ 416)، وأحمد –الفتح الرباني - (8/153)، وأبو نعيم في الحلية (7/317)، وقال الساعاتي في الفتح الرباني 8/153): لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الإمام أحمد وسنده جيد اهـ ، وصححه عبد القادر الأرناؤط في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (صفحة 269.) (230) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن بن عبد الوهاب النجدي (صفحة 270.) (231) القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح العثيمين1 /423.) (232 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (14/063)، ومسلم 2815) ، وأبو داود 879) ، والنسائي (3960) ، وابن حبان في موارد الظمآن واللفظ له 1930) ، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (414.)
عدد الصفحات ٧٠71 واختلف العلماء في معنى قوله "فأسلم" فهل يعني أنه دخل في الإسلام، أم أن رسول الله يسلم من شره فقط؟ قال النووي: فأسلم برفع الميم وفتحها وهما روايتان مشهورتان ، فمن رفع قال معناه أسلم أنا من شره وفتنتة ، ومن فتح قال: إن القرين أسلم من الإسلام وصار مؤمنا لا يأمرني إلا بخير، واختلفوا في الأرجح منهما فقا ل الخطابى الصحيح المختار الرفع ، ورجح القاضي عياض الفتح وهو المختار لقوله فلا يأمرن ي إلا بخير واختلفوا على رواية الفتح قيل أسلم بمعنى استسلم وانقاد، وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم فاستسلم، وقيل معناه صار مسلما مؤمنا وهذا هو الظاهر اهـ (233). (3) دعاؤه للمدينة المنورة بالبركة والحفظ من الطاعون ودعا بالبركة للمدينة المنورة ولثمرها ومكيالها، فعن أنس بن مالك أن رسول قال: "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة (234) . وعن أبي هريرة أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى النبي فإذا أخذه رسول الله قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه" قال ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر(235) . قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه في الثمر وللمدينة والصاع والمد، وإعلاما له بابتداء صلاحها لما يتعلق بها من الزكاة وغيرها وتوجيه الخارصين اهـ (236) . وقال المباركفوري رحمه الله تعالى: وقد استجاب دعاءه عليه الصلاة والسلام بأن وسع نفس المسجد وما حوله من المدينة وكثر الخلق فيها حتى عُد من الفرس الْمُعَد للقتال الْمُهَي أ بها في زمن عمر أربعون ألف فرس، والحاصل أن المراد بالبركة هنا ما يشمل الدنيوية والأخروية والحسية اهـ (237) . (233 )صحيح مسلم بشرح النووي17/163) (ح2815.) (234) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (23/256)، والبخاري (1885)، ومسلم1369.) (235) رواه الإمام مالك1637)، وأحمد–الفتح الرباني - (23/254)، والبخاري2889)، ومسلم واللفظ له (1373)، والترمذي 3454)، وابن ماجه3329)، والدارمي 2072.) (236) صحيح مسلم بشرح النووي9/419) (ح1373.) (237) تحفة الأحوذي بشرح جامع ا لترمذي للمباركفوري (9/419) (ح3454.)
عدد الصفحات ٧١72 وقال ابن حجر رحمه الله تعالى: قال النووي: الظاهر أن البركة حصلت في نفس المكيل بحيث يكفي المُد فيها من لا يكفيه في غيرها، وهذا أمر محسوس عند من سكنها، وقال القرطبي: إذا وُجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدعوة ولا يستلزم دوامها في كل حين ولكل شخص اهـ (238). كما دعا للمدينة المنورة أن لا يدخلها الطاعون، وأن ينقل حماها إلى الجحفة التي كانت تسكنها اليهود، وتحقق له ذلك ، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما قدم رسول الله المدينة، وعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله و الموت أدنى من شراك نعله، وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل، قال: "اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أر ض الوباء، ثم قال رسول الله : "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة"، قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، قالت: فكان بطحان يجري نجلا تعني ماء آجنا (239)، أي من شدة الوباء، وقال ابن حجر رحمه الله تعالى: فكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبي لها بالصحة اهـ(240) . (4) دعاؤه للأمة أن لا تهلك بالقحط ولا بالغرق ولا بعدو يستبيح بيضتهم دعا النبي لأمته أن لا تهلك جميعا بقحط أو غرق أو بعدو يستبيح بيضتهم، فعن سعد أن رسول قال" سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالس نة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم شديد فمنعنيها "(241) . وعن ثوبان قال: قال رسول : " إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح (238) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني4/117) (ح1885.) (239 )سبق تخريجه في الحاشية رقم 219) واللفظ للبخاري (240) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني10/201) (ح5731.) (241 )رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني - (23/215)، ومسلم 2890)، والترمذي 2176)، وأبو داود (4252)، والنسائي1638)، وابن حبان7236.)
عدد الصفحات ٧٢73 بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك متك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا" (242). بذلك نخلص من الأحاديث سابقة الذكر بأن دعاء النبي مستجاب عند الله عز وجل، وأن الله تبارك وتعالى لا يرد دعاء نبيه ، إلا ما سيتم ذكره في المبحث القادم، وقد رأى صحابته رضي الله عنهم ذلك في واقعهم، بل وقد امتد ذلك إلى الكفار أنفسهم حيث كانوا يرون أثر دعاء رسول الله فيهم، ولكن منعهم الكبر عن متابعته وتصديق ما أُنزل عليه المبحث الثاني أدعية لم تُستجب للنبي أو نُهي عنها هناك العديد من الأحداث التي سجلها لنا الرواة في تحقق دعاء رسول الله كما مر آنفا في المبحث السابق، ولم َي ردْ أن رُد دعاءه إلا في حالات قليلة ونادرة، لحكم يعلمها عز وجل، ولذلك قال بعض أهل العلم أنه يجوز أن يتخلف بعض دعائه عن بعض، ويمكن حصر أغلب هذه الأدعية التي لم تستجب لرسول الله أو نهي عنها في الآتي (1) سؤال الله جل وعلا أن لا يجعل بأس الأمة فيما بينها شديد ا أنه سأل الله عز وجل أن لا يجعل بأس الأمة فيما بينها شديدا، فلم يستجب له، فعن سعد أن رسول قال" سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالس نة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم شديد فمنعنيها "(243) . (2) الاستغفار لعمه أبي طالب ونهي عن الاستغفار لعمه أبي طالب ولسائر المشركين، فعن ابن المسيب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي وعنده أبو جهل فقال: " أي عم قل لا إله إ الله، كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخ ر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب فقال النبي : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنه"،-وفي رواية قال: "أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنه (242 )رواه الإمام أحمد-الفتح الرباني - (24/31)، ومسلم2889)، والترمذي 2176)، وأبو داود4252.) (243 )سبق تخريجه في الحاشية رقم 241.)
عدد الصفحات ٧٣74 عنك- فنزلت مَا كَانَ لِلنَّب يِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْر كِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم [113] إ نَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [56 ](244). (3) الاستغفار لأمه آمنة بنت وهب ولم يؤذن له في الاستغفار لأمه، وأذن له بزيارتها فقط، فعن أبي هريرة قال: زار النبي قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله فقال:"استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت " (245) . وروى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: لما فتح رسول مكة أتى حرم قبر فجلس إليه، فجعل كهيئة المخاطب، وجلس الناس حوله، فقام وهو يبكي، فتلقاه عمر وكان من أجرأ الناس عليه، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الذي أبكاك؟ قال: هذا قبر أمي، سألت ربي الزيارة فأذن لي، وسألته الاستغفار فلم يأذن لي، فذكرتها فذرفت نفسي فبكيت، قال: فلم ير يوما كان أكثر باكيا منه يومئذ (246). (4) الاستغفار للمنافقين ونُهيَ عن الاستغفار للمنافقين في قوله تعالىسَوَاء عَلَيْه مْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إ نَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [6]بارك تعالى بأنه لو استغفر الرسول للمنافقين فإنه عز وجل سيرد عليه دعاءه ولن يقبله، وقد أكد جل وعلا ذلك في سورة التوبة؛ معللا ذلك بكفرهم، حيث قال تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إ ن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةا فَلَن (244 )رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني - (18/165)، والبخاري واللفظ له3884) و1360)، ومسلم24)، والنسائي (2035)، وابن حبان982.) (245) رواه الإمام أحمد-الفتح الرباني - (8/159)، ومسلم976) والترمذي 1054) وابن حبان، والحاكم (1/530)، والبيهقي، والطبراني في الكبير (246) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (11764 .) * اختلف العلماء في مصير والدي النبي إلى عدة أقوال، ويرى الساعاتي رحمه الله تعالى أن أولى الأجوبة في ذلك هو التوقف عن ذلك وأن ليس لنا أن نقول في أبوي نبينا شيئا قد يؤذي رسول وقد حذر الله عز وجل عباده من إيذاء رسوله بقوله إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ولا أذية أعظم من أن يقال عن والدي النبي أنهما في النار، لا سيما أن النبي قال فيما رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي : "لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء". انظر بتوسع: الفتح الرباني للساعاتي (8/164-172.)
عدد الصفحات ٧٤75 يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ ب أَنَّهُمْ كَفَرُواْ ب اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [80 .] وروى ابن عمر رضي الله عنهما، أن عبد الله بن أُبي لما توفي، جاء ابنه إلى النبي فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له، فأعطاه النبي قميصه، فقال: آذني أصلي عليه فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر فقال: أليس نهاك أن تصلي على المنافقين؟ فقال: أنا بين خيرتين، قال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إ ن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِ ينَ مَرَّةا فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ [80] وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْر هِ [84] (247) . (5) الاستغفار لقاتل المؤمن زجرا له وأنه سأل الله عز وجل التوبة لمن قتل مؤمناظلما فمنعها عنه، فعن عقبة بن مالك أن رسول قال: "إن الله أبى علي فيمن قتل مؤمنا" ثلاثا(248)، قال المناوي رحمه تعالى: يعني سألته أن يقبل توبته فامتنع أشد امتناع، ثم قال: وهذا يخرج مخرج الزجر والتهويل كأنه علم أن ذلك القاتل ليس ممن أناب حق الإنابة، أو المراد من استحل القتل ظلما اهـ (249). وقصة هذا الحديث ما ذكره الحسيني رحمه الله تعالى عن عقبة بن مالك قال: بعث رسول الله سرية فأغارت على قوم، فشذ رجل من القوم، فاتبعه رجل من أهل السرية معه السيف شاهره، فقال الشاذ من القوم إني مسلم فضربه فقتله، فن مى الحديث إلى رسول الله فقال فيه قولا شديدا، فبينما رسول يخطب إذ قال القاتل: يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فأعرض عنه رسول الله وعمن قبله من الناس، ثم قال الثانية: يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فأعرض عنه رسو ل الله وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر أن قال الثالثة: يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فأقبل عليه رسول الله ، فعرف المساءة في وجهه ثم قال: "إن الله" فذكره قالها ثلاثا، أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق، ويوضحه ما أخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله : (247) رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (18/163)، والبخاري 1269)، ومسلم 3098)، والترمذي (3098)، والنسائي1900)، وابن ماجه 1533 .) (248) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (14/60)، والنسائي في السنن الكبرى8593)، والحاكم1/67) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 1/90)، وابن أبي شيبة في مصنفه 28944)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1698 .) (249) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي2/198 .)
عدد الصفحات ٧٥76 "نازلت ربي في قاتل المؤمن أن يجعل له توبة فأبى علي" اهـ (250) . قال النووي رحمه الله تعالى على شرحه لحديث قاتل مائة نفس: هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدا، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وأما ما نُقل عن بعض السلف من خلاف هذا، فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وهو إن كان شرعا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف فليس موضع الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك، وهذا قد ورد شرعنا به وهو قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون إلى قوله: إ من تاب، وأما قوله تعالىومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها فالصواب في معناها: أن جزاءه جهنم، وقد يجازى به، وقد يجازى بغيره وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل عمدا مستحلا له بغير حق ولا تأويل، فهو كافر مرتد، يخلد به في جهنم بالإجماع، وإن كان غير مستحل بل معتقد تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة، جزاؤه جهنم خالدا فيها، لكن بفضل الله تعالى ثم أخبر أنه لا يخلد من مات موحدا فيها فلا يخلد هذا ولكن قد يعفى عنه، فلا يدخل النار أصلا، وقد لا يعفى عنه، بل يعذب كسائر العصاة الموحدين، ثم يخرج معهم إلى الجنة، ولا يخلد في النار، فهذا هو الصواب في معنى الآية، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، وإنما فيها أنها جزاؤه أي: يستحق أن يجازى بذلك، وقيل: إن المراد من قتل مستحلا، قيل وردت الآية في رجل بعينه، وقيل: المراد بالخلود طول المدة لا الدوام، وقيل: معناها هذا جزاؤه إن جازاه، وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية، وأما هذا القول فهو شائع على ألسنة كثير من الناس، وهو فاسد لأنه يقتضي أنه إذا عُف يَ عنه خرج عن كونها كانت جزاء، وهي جزاء له، لكن ترك الله مجازاته عفوا عنه وتكرما، فالصواب ما قدمناه اهـ (251). (6) لعن بعض المشركين ونُهيَ عن لعن بعض المشركين، فعن سالم بن عبد أنه سمع رسول إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد فأنزل الله ليس لك من الأمر شيء إلى قولهفإنهم ظالمون ، وفي رواية قال: كان رسول يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت ليس لك من الأمر شيء إلى قولهفإنهم ظالمون، وفي رواية (250) البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف للشريف إبراهيم كمال الدين الشهير بابن حمزة الحسيني (1/388)، وعون المعبود شرح سنن أبي داود ( 7/291.) (251) شرح صحيح مسلم للنووي17/89) (ح2766.)
عدد الصفحات ٧٦77 عند الترمذي لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول يوم أُحُد: "اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية"، قال فنزلت ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون فتاب عليهم فأسلموا فحسن إسلامهم (252) . وروى أبو هريرة أنه قال: كان رسول يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يقول وهو قائم: "اللهم أنج الو ليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله، ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (253). (7) الشفاعة لمن قال: لا إله إلا الله ولكنه لم يعمل خيرا قط ونُهيَ عن الشفاعة لمن قال: لا إله إلا الله ولكنه لم يعمل خيرا قط، وقد روى أنس بن مالك حديث الشفاعة بطوله، وذكر فيه أربع مراحل لشفاعات الرسول ، حيث سيشفع فيمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان، فيأذن الله له فيخرجهم من النار، ثم يشفع فيمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجهم من النار، ثم يشفع فيمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى –ثلاث مرات - من مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجهم من النار، أما الشفاعة الرابعة وهي فيم ن قال: لا إله إلا الله ولكنه لم يعمل خيرا قط، فلم يأذن الله عز وجل له فيها، وإنما جعلها تبارك وتعالى من اختصاصه جل في علاه، حيث قال أنس قال ": ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل ت عط واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، قال: ليس ذاك لك أو قال ليس ذاك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وج بريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله" (254)، ذكر النووي أن معنى ج بريائي: بكسر الجيم أي عظمتي وسلطاني (252) رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (3/299) والبخاري 4070)، والترمذي 3004)، والنسائي (1078.) (253) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/299) والبخاري4560)، ومسلم675)، والنسائي3107)، وابن ماجه (1244.) (254) رواه الإمام البخاري7510)، ومسلم واللفظ له193.) * ذكر العراقي رحمه الله تعالى بأن الذي تناله شفاعة نبينا محمد هو موحدو هذه الأمة، والذي استأثر به الرب جل جلاله موحدو غير هذه الأمة (طرح التثريب في شرح التقريب ( 3/744.)
عدد الصفحات ٧٧78 أو قهري هذه بعض الأدعية التي رُدت على النبي في الدنيا أو نهي عنها، وما سَيُرَدُّ عليه يوم القيامة، وقد أخبر عنها النبي بنفسه لتواضعه، ولبيان حدود شفاعته عند الله عز وجل، وما سوى ذلك فدعاؤه بإذن الله تعالى مسموع ومجاب عند الكريم الوهاب.
عدد الصفحات ٧٨79 الفصل الثالث اعتقاد الصحابة رضي الله عنهم في بركة دعاء النبي محمد ويقينهم باستجابة دعائه
عدد الصفحات ٧٩80 لا شك أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين يعتقدون في بركة دعاء النبي، ويوقنون بإجابة الله دعاءه، ولذلك كانوا يتلمسون دعاءه ، ويسعدون بلقياه، فقد كان يعيش بينهم، ويدعو لهم، ويرون أثر دعائه لهم في حياتهم، لا سيما أنهم كانوا يرون العديد من المعجزات التي يظهرها الله عز وجل على يد نبيه محمد ، إظهارا لنبوته ومكانته، وتثبيتا لقلوبهم، وذلك كتفجر الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام. وذكر المحدثون رحمهم الله تعالى العديد من الأمثلة في اعتقاد الصحابة رضي الله عنهم في بركة دعاء النبي ، وإليك بعضا منها، لنزداد يقينا بتحقق دعائه ، ومن ثم لنسعى حثيثين نحو الأعمال التي دعا النبي لأصحابها لعلنا ندخل فيها وننال بركتها (1) عن شبيب بن غرقدة رحمه الله تعالى قال سمعت الحَي–أي قبيلته-يحدثون عن عروة أن النبي أعطاه دينارا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه (255) . وفي رواية عند الترمذي عن أبي لبيد عن عروة البارقي قال دفع إلي رسول دينارا لأشتري له شاة فاشتريت له شاتين، فبعت إحداهما بدينار وجئت بالشاة والدينار إلى النبي فذكر له ما كان من أمره، فقال له: "بارك الله لك في صفقة يمينك"، فكان يخرج بعد ذلك إلى كناسة الكوفة فيربح الربح العظيم، فكان من أكثر أهل الكوفة مالا. (2) وبلغ يقين الصحابة رضي الله عنهم في إجا بة دعائه مبلغا عظيما حتى طال أطفالهم، فهذه طفلة يتيمة خافت من دعاء النبي ليقينها بإجابة الله دعائه حين دعا أن لا يكبر سنها، فعن أنس بن مالك قال: كانت عند أم سليم يتيمة، وهي أم أنس، فرأى رسول الله اليتيمة فقال: "آنت هيه، لقد كبرت لا كبر سنك"، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي فقالت أم سليم: ما لك يا بنية؟ قالت الجارية: دعا علي نبي الله أن لا يكبر سني فالآن لا يكبر سني أبدا أو قالت قرني، فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها حتى لقيت رسول الله ، فقال لها رسول : ما لك يا أم سليم؟ فقالت: يا نبي أدعوت على يتيمتي؟ قال: وما ذاك يا أم سليم؟ قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها، قال: فضحك رسول الله ثم قال: "يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا (255 )رواه الإمام البخاري (3643)، والترمذي 1258)، وأبو داود3384.)
عدد الصفحات ٨٠