المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

كيف تحظى بدعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم

محمد بن إبراهيم النعيم

صفحة ٤ من ١١

49 بالمدينة فقال: قحطالمطر فاستسق ربك، فنظر إلى السماء وما نرى من سحاب ، فاستسقى، فنشأ السحاب بعضه إلى بعض، ثم مطروا حتى سالت مثاعب المدينة، فما زالت إلى الجمعة المقبلة ما تُقلع ثم قام ذلك الرجل –أو غيره - والنبي  يخطب فقال: غرقنا فادع ربك يحبسها عنا، فضحك ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا –مرتين أو ثلاثا - فجعل السحاب يتصدع عن المدينة يمينا وشمالا تمطر حوالينا ولا تمطر فيها شيء، يريهم الله كرامة نبيه  وإجابة دعوته (158). (4) دعاؤه لعلي بن أبي طالب دعا النبي لعلي بن أبي طالب أن يعافى من مرض ألم به فما اشتكى منه حتى مات، فعن علي بن أبي طالب  قال مر بي رسول  وأنا وجع وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان آجلا فارفعني، وإن كان بلاء فصبرني، قال: ما قلت؟ فأعدت عليه فضربني برجله فقال: ما قلت؟ قال: فأعدت عليه، فقال: "اللهم عافه أو اشفه"، قال: ما اشتكيت ذلك الوجع بعد (159) . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان أبو ليلى يسمر مع علي  فكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف فقلنا لو سألته فقال إن رسول الله  بعث إلي وأنا أرمد العين يوم خيبر قلت يا رسول الله إني أرمد العين فتفل في عيني ثم قال: " الل هم أذهب عنه الحر والبرد"، قال: فما وجدت حرا ولا بردا بعد يومئذ، وقال: "لأبعثن رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار"، فتشرف له الناس فبعث إلى علي فأعطاها إياه (160). ودعا المصطفى أيضا لعلي بن أبي طالب أن يهدي قلبه للقضاء لقلة خبرته فيه حين أر سله لليمن قاضيا فيها، فعن علي بن أبي طالب  قال: بعثني رسول  إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب بيده في صدري ثم قال: "اللهم اهد قلبه وثبت لسانه"، قال فما شككت بعد في قضاء بين اثنين (161). (158 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (6/228)، والبخاري واللفظ له6093)، ومسلم897)، والنسائي (1515)، وابن ماجه1269.) (159 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (7/48)، والترمذي 3564)، وصححه الحافظ ابن حجر نقلا عن ابن علان في الفتوحات الربانية ( 4/64)، وحسن إسناده الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول 8/662)، وضعفه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح. (160 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (23/131)، والبخاري 2942)، ومسلم 2407)، والترمذي (3724)، وابن ماجه واللفظ له (117.) (161) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (15/208)، وأبو داود3582)، وابن ماجه واللفظ له2310)،

عدد الصفحات ٤٩

50 (5) دعاؤه لابن عباس رضي الله عنهما بالفقه ودعا لابن عباس رضي الله عنهما حينما قرب له وضوءا فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (162) ، وفي رواية للبخاري أنه قال: ضمني رسول الله  وقال: اللهم علمه الكتاب"، فأصبح حبر الأمة وترجمان القرآن وكان لا يزال غلاما يافعا . (6) دعاؤه لعمرو بن الأخطب بالجمال فعن أبي نهيك قال: حدثني عمرو بن أخطب قال: استسقى رسول الله  فأتيته بإناء فيه ماء، وفيه شعره، فرفعتها، فناولته، فنظر إلي  فقال: "اللهم جمله"، قال الراوي: فرأيته وهو ابن ثلاث وتسعين؛ وما في رأسه ولحيته شعرة بيضاء، وفي رواية عن ع لْباء بن أحمر قال: حدثني أبو زيد الأنصاري  قال: قال لي رسول الله ادن مني، قال: فمسح بيده على رأسه ولحيته، قال ثم قال: "اللهم جم له وأدم جماله" قال فلقد بلغ بضعا ومائة سنة، وما في رأسه ولحيته بياض إلا نبذ يسير، ولقد كان منبسط الوجه ولم ينقبض وجهه حتى مات (163). (7) دعاؤه لجرير البجلي  بالثبات على الخيل وكان الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي  لا يثبت على الخيل فدعا له النبي  فثبت على الخيل، فعن جرير  أنه قال: قال لي رسول  : ألا تريحني من ذي الخَلَصَة ؟ فقلت: بلى، فانطلقت في خم سين ومائة فارس من أحمَسَ (اسم قبيلة) وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل ، فذكرت ذلك للنبي  فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا "، قال: فما وقعت عن فرس بعد، قال: وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نُصُبٍ تُعْبَد يقال له الكعبة، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها، قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول رسول الله  ها هنا فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها ولتشهدن أن لا إله إ لا الله أو لأضربن عنقك، قال: فكسرها وشهد، ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبي  يبشره بذلك، فلما أتى النبي  قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبرك النبي  على خيل أحمس ورجالها خمس مرات (164) . وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه1869.) (162) سبق تخريجه في الحاشية رقم 34.) (163 )سبق تخريجه في الحاشية رقم 35.) (164) رواه الإمام أحمد–الفتح الربان ي- (21/217)، والبخاري واللفظ له4357)، ومسلم2476)، وأبو

عدد الصفحات ٥٠

51 (8) دعاؤه  للمرأة التي كانت تصرع بالستر ودعا للمرأة التي كانت تصرع ألا تتكشف أثناء صرعها، فعن عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي  قالت: إني أصرع وإني أتك شف فادع الله لي قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك " ، قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها (165) . (9) دعاؤه لشاب بالعصمة من الزنا ودعا لشاب أن يعصمه الله من الزنا، فعن أبي أمامة  قال: إن فتى شابا أتى النبي  فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: أدنه، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فد اءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه"، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء(166). قال الساعاتي: في هذا الحديث منقبة عظيمة لهذا الشاب حيث دعا له النبي بهذه الدعوات المباركات التي هي من جوامع الكلم، ودعاؤه  مستجاب، وببركة هذه الدعوات عصمه الله تعالى من الزنا وغيره، وغفر له ما تقدم من ذنبه، فهنيئا له ثم هنيئا اهـ (167). (10) دعاؤه لصحابته رضي الله عنهم بالشهادة في سبيل فعن أبي بردة بن قيس أخو أبي موسى الأشعري  قال: قال رسول  "اللهم داود (2772)، والنسائي في السنن الكبرى10357)، وابن ماجه159)، وابن حبان7201. ) (165 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني – (19/135)، والبخاري5328) و5652)، ومسلم2576 .) (166 )رواه الإمام أحمد-الفتح الرباني -(16/71)، وقال الساعاتي في الفتح الرباني: رواه ابن جرير وليس فيه الدعاء للفتى، وفيه أن النبي  قال له في آخر الحديث "فاكره ما كره الله وأحب لأخيك ما تحب لنفسك وسنده عند أحمد جيد اهـ. (167) الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد لعبد الرحمن البنا المع روف بالساعاتي (16/71.)

عدد الصفحات ٥١

52 اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون " (168)، ومعنى الطعن أي بالرمح، والطاعون هو وخز إخواننا من الجن. وذكر المناوي خلاف العلماء في معنى قوله  "فناء أمتي" هل هم أمة الدعوة أو الإجابة أم الصحابة رضي الله عنهم، وبين أن الصحيح من مراده  بأمته: أنهم أصحابه، لأن الله اختار لمعظمهم الشهادة بالقتل في سبيل الله وبالطاعون الواقع في زمنهم، لا سيما وأن رسول الله  قد دعا لأمته أن لا تهلك بسنة عامة، لذلك يتعين صرف الحديث إلى أن معنى الأمة هنا أي أصحابه، لذلك هذا من نبوءات رسول الله  بأن مات معظم الصحابة بالطاعون في الشام (169). (11) دعاؤه لمريض بالشفاء فعن أنس بن مالك  أن رسول  عاد رجلا من المسلمين قد خَََفَت مثل الفرخ، فقال له رسول الله : "هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه"؟ قال: نعم كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله  :"سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"؟ قال فدعا الله له فشفاه (170). (12) دعاؤه لأبي أمامة الباهلي بالسلامة من الأعداء ودعا لأبي أمامة  بالسلامة من الأعداء، فعن أبي أمامة قال: أنشأ رسول  جيشا، فأتيته فقلت له: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال: اللهم سلمهم وغنمهم ، فغزونا فسلمنا وغنمنا، حتى ذكر مثل ذلك ثلاث مرات قال: ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني أتيتك تترى ثلاث مرات أسألك أن تدعو الله لي بالشهادة فقلت : اللهم سلمهم وغنمهم، فسل منا وغنمنا، يا رسول الله فمرني بعمل أدخل به الجنة ؟ فقال: " عليك بالصوم فإنه لا مثل له"، قال فكان أبو أمامة لا يُرى في بيته الدخان نهارا إلا إذا نزل بهم ضيف ، فإذا رأوا الدخان نهارا عرفوا أنه قد اعتراهم ضيف (171) . (13) دعاؤه لأبي هريرة  بالبركة في تمرات له (168 )رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني - (23/217)، والطبراني، وصححه المنذري في الترغيب والترهيب، ووافقه الألباني في صحيح الجامع (1258.) (169 )فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي2/111) بتصرف (170 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (14/287)، ومسلم2688 )، والترمذي 3487.) (171 )سبق تخريجه في الحاشية رقم 102.)

عدد الصفحات ٥٢

53 ودعا لأبي هريرة  بالبركة في تمرات له، فعن أبي هريرة  قال أتيت النبي بتمرات فقلت: يا رسول الله ادع الله فيهن بالبركة، فضمهن ثم دعا لي فيهن بالبركة، فقال:"خذهن واجعلهن في مزودك هذا أو في هذا المزود كلما أردت أن تأخذ منه شيئا فأدخل فيه يدك فخذه ولا تنث ره نثرا"، فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله، فكنا نأكل منه ونطعم وكان لا يفارق حقوي حتى كان يوم قتل عثمان فإنه انقطع (172) . (14) دعاؤه لسعد بن أبي وقاص بالشفاء وبإجابة دعائه ودعا  لسعد بن أبي وقاص بالشفاء، فعن عبد الرحمن الحميري عنثلاثة من ولد سعد بن أبي وقاص كلهم يحدثه عن أبيه أن النبي  دخل على سعد يعوده بمكة، فبكى، قال ما يبكيك؟ فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة، فقال النبي : " اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا " ثلاث مرار قال: يا رسول الله إن لي ما كثيرا وإنما يرثني ابنتي أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، قال فبالثلثين؟ قال: لا، قال: فالنصف؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة، وإنك أن تدع أهلك بخير أو قال بعيش خير من أن تدعهم يتكففون الناس وقال بيده (173)، ومعلوم أن سعد بن أبي وقاص آخر العشرة المبشرين بالجنة موتا، وعاش حتى عام خمس وخمسين من الهجرة. كما دعا له  أن يكون مستجاب الدعوة، فعن سعد أن رسول  قال: " اللهم استجب لسعد إذا دعاك " (174) . وقد وردت عدة أخبار عن تحقق دعوة النبي  لسعد، منها ما رواه جابر بن سمرة  أن أهل الكوفة شكوا سعداإلى عمر  فبعث رجالا يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدا من مساجد الكوفة إلا أثنوا عليه خيرا وقالوا معروفا، حتى أتوا مسجدا من مساجد بني عبس فقام رجل يقال له أبو سعدة فق ال: أما إذ ناشدتمونا فإنه كان لا يسير بالسرية ولا يعدل في القضية ولا يقسم بالسوية، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا فأعم بصره وأطل فقره وعرضه للفتن، قال عبد الملك: فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك فإذا سألوه كيف أنت يا أبا سعدة؟ فيقول: (172 )رواه الترمذي 3839)، وابن حبان6532)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 3015.) (173 )رواه الإمام مالك1495)، وأحمد–الفتح الرباني - (15/185)، والبخاري5659) ، ومسلم واللفظ له (1628 )، والترمذي 2116)، وأبو داود3104)، والنسائي3626)، وابن ماجه2708)، والدارمي (3196.) (174 )رواه الترمذي 3751)، وابن حبان6990)، والحاكم3/499)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2950.)

عدد الصفحات ٥٣

54 كبير ضرير فقير مفتون أصابتني دعوة سعد (175) . (15) دعاؤه لآخر قريش بالإنعام ودعا  لصحابته رضي الله عنهم بالتمكين، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله  : "اللهم أذقت أول قريش نكالا فأذق آخرهم نوا (176) . قال المباركفوري في قوله "اللهم أذقت أول قريش نكا أي عذابا بالقتل والقهر وقيل بالقحط والغلاء، "فأذق آخرهم نوالا" أي إنعاما وعطاء وفتحا من عندك، وقال في اللمعات: لعل المراد بالنكال ما أصاب أوائلهم بكفرهم وإنكارهم على رسول الله  من الخزي والعذاب والقتل، والنوال وما حصل لأواخرهم من العزة والملك والخلافة وا لإمارة ما لا يحيط بوصفه البيان اهـ (177) . (16) دعاؤه لغلام صغير بالهداية وروى عبد الحميد بن سلمة أن جده أسلم في عهد رسول الله  ولم تسلم جدته وله منها ابن، فاختصما إلى رسول الله  فقال لهما رسول : "إن شئتما خيرتما الغلام"، قال وأجلس الأب في ناحية والأم ناحية فخيره، فانطلق نحو أمه فقال رسول الله  : "اللهم اهده قال: فرجع إلى أبيه (178). فتأمل كيف أن هذا الصغير لا يهتدي بنفسه للصواب، فمال بغريزته لأمه الكافرة، ولكن سرعان ما وفق للصواب بدعاء نبي الرحمة له  . (17) دعاؤه لأبي طلحة بالبركة في الذر ية وروى أنس بن مالك  أنه قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، فقال ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: (175 )رواه البخاري755)، ومسلم690)، وأبو داود 803)، والنسائي1002)، والطبراني في الكبير واللفظ له (308.) (176 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (23/229)، والترمذي 3908)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ( 3067.) (177 )تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري10/408.) (178) رواه الإمام أحمد واللفظ له–الفتح الرباني - (17/64)،وأبو داود (2277)، والنسائي3495)، وابن ماجه (2352)، وصححه الألباني في صحيح النسائي3270.)

عدد الصفحات ٥٤

55 لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني؟ فانطلق حتى أتى رسول الله  فأخبره بما كان، فقال رسول  "بارك الله لكما في غابر ليلتكما - وفي روا ية عند البخاري ومسلم قال: اللهم بارك لهما- قال: فحملت، قال: فكان رسول الله  في سفر وهي معه، وكان رسول  إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة فضربها المخاض فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله  ، قال: يقول أبو طلحة إنك لتعلم يا رب إنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى، قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد انطلق، فانطلقنا، قال: وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلاما، فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله ، فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله  قال فصادفته ومعه ميسم، فلما رآني قال: لعل أم سليم ولدت، قلت: نعم، فوضع الميسم قال: وجئت به فوضعته في حجره، ودعا رسول الله  بعجوة من عجوة المدينة فلاكها في فيه حتى ذابت ثم قذفها في في الصبي، فجعل الصبي يتلمظها قال: فقال رسول الله  : انظروا إلى حب الأنصار التمر قال فمسح وجهه وسماه عبد الله (179) . قال النووي: وفيه استجابة دعاء النبي فحملت بعبد الله بن أبي طلحة في تلك الليلة، وجاء من ولده عشرة رجال علماء أخيار اهـ (180)، والابن المتوفى لأبي طلحة هو أبا عمير الذي دا عبه النبي  في أحد الأيام قائلا " يا أبا عُمير ما فعل النغير؟(181)، وقد استنبط العلماء من هذه العبارة النبوية نحو ستين مسألة فقهية (182) . (18) دعاؤه لعبد الرحمن بن عوف  بالبركة وجاء عن أنس  أن النبي رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، قال: " ما هذا"؟ قال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: "بارك الله لك أولم ولو بشاة" (183)، (179) رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (19/146)، والبخاري 5470)، ومسلم 2144)، وأبو داود (4951)، وابن حبان7187.) (180) صحيح مسلم بشرح النووي16/245.) (181) رواه الإما م أحمد –الفتح الرباني - (22/18)، والبخاري 6203)، والترمذي 333)، وأبو داود (4969)، وابن ماجه3720)، وابن حبان109.) (182) انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني10/598) (ح6203.) (183) رواه الإمام مالك1157) وأحمد –الفتح الرباني - (16/168)، والبخاري واللفظ له (5155)، ومسلم (1427)، والترمذي 1094)، وأبو داود2109)، والنسائي3372)، وابن ماجه1907)، والدارمي (2204.)

عدد الصفحات ٥٥

56 قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا أو فضة، فكأنه قال ذلك إشارة إلى إجابة الدعوة النبوية بأن يبارك الله له اهـ (184). (19) دعاؤه لمن شارك في غزوة بدر بالكسوة والشبع والركوب وروى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله  خرج يوم بدر في ثلاث مائة وخمسة عشر فقال رسول الله  : "اللهم إنهم حفاة فاحملهم اللهم إنهم عراة فاكسهم اللهم إنهم جياع فأشبعهم"، ففتح الله له يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا (185). (20) دعاؤه لحنظلة بن جذيم بالبركة وروى ذيال بن عبيد بن حنظلة عن جده حنظلة بن جذيم رضي الله عنهما أن أباه دنا به إلى النبي  فقال: إن لي بنين ذوي لحى ودون ذلك، وأن ذا أصغرهم، فادع الله له، فمسح رأسه وقال: "بارك الله فيك أو بورك فيك"، قال ذيال: فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالإنسان الوارم وجهه، أو البهيمة الوارمة الضرع، فيتفل على يديه ويقول: بسم الله ويضع يده على رأسه ويقول على موضع كف رسول الله  فيمسحه عليه، قال: ذيال فيذهب الورم (186) . (21) دعاؤه لبعض أصحابه المستضعفين بتسهيل هجرتهم وجاء عنه  أنه دعا لبعض الصحابة رضي الله عنهم عندما علم بإسلامهم في مكة وهروبهم من المشركين وكانوا ممن شهد بدرا مع المشركين، فدعا لهم عندما علم بمخرجهم ولم يترك الدعاء لهم حتى نجوا ووصلوا إلى المدينة المنورة، فعن أبي هريرة  أنه قال: قنت رسول الله  في صلاة العتمة شهرا، يقول في قنوته: "اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف"، قال أبو هريرة: وأصبح رسول الله  ذات يوم فلم يدع لهم، فذكرت ذلك له، فقال وما تراهم قد قدموا ؟ " (187). (184) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني9/143) (ح5167.) (185) رواه أبو داود2747)، والحاكم2/145)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (2386.) (186) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (22/226)، وقال الساعاتي في الفتح الرباني: رواه أحمد ورجاله ثقات ورواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه أفاده الهيثمي اهـ ( 22/226)، وصححه الوادعي في الصحيح المسند صفحة (325.) (187) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/300)، والبخاري804)، ومسلم675)، وأبو داود واللفظ له (1442)، والنسائي1073)، والدارمي 1595.)

عدد الصفحات ٥٦

57 (22) دعاؤه للسائب بن يزيد  بأن يُمتع في سمعه وبصره وجاء عن الجعيد بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى قال: رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين جلدا معتدلا، فقال: قد علمت ما متعت به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله ، إن خالتي ذهبت بي إليه، فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي شاك فادع الله له، قال فدعا لي (188). (23) دعاؤه لجابر بن عبد ولجمله وروى جابر بن عبد الله  أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيبه قال فلحقني النبي  فدعا لي وضربه فسار سيرا لم يسر مثله، قال: بعنيه ب وُق ي ةٍ، قلت: لا، ثم قال: بعنيه، فبعته ب وُق ي ةٍ واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت فأرسل في أثري، فقال: أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك فهو لك" (189). (24 )دعاؤه لسعد بن معاذ أن يكشف عنه ضغطة القبر ودعا المصطفى  لسعد بن معاذ أن يفرج عنه ضغطة القبر، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله  قبره –يعني سعد بن معاذ- فاحتبس، فلما خرج قيل: يا رسول الله ما حبسك؟ قال: "ضُم سعدٌ في القبر ضمة، ف دعوت الله، فكشف عنه"(190). (25) دعاؤه لخالد بن الوليد بالنصر ودعا المصطفى  أن ينصر المسلمين بخالد بن الوليد ، فعن أبي قتادة قال: بعث رسول الله  جيش الأمراء وقال: " عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري"، فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله وأمي ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدا، قال: " امضوا فإنك لا تدري أي ذلك خير"، قال: فانطلق الجيش، فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله  صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة، فقال رسول الله : ناب خير أو ثاب خير شك عبد الرحمن، ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأصيب زيد شهيدا فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى قتل شهيدا، أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدا، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه" فرفع رسول الله  أصبعيه وقال: " اللهم هو سيف من (188) رواه الإمام البخاري واللفظ له3540)، ومسلم2345)، والترمذي 3643.) (189) سبق تخريجه في الحاشية رقم 82) واللفظ لمسلم (190) رواه ابن حب ان واللفظ له ( 7034)، والحاكم 3/206)، وقال الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: صحيح لغيره ( 6995.)

عدد الصفحات ٥٧

58 سيوفك فانصره"، وقال عبد الرحمن مرة "فانتصر به" فيومئذ سمي خالد سيف الله، ثم قال النبي  :" انفروا فأمدوا إخوانكم و يتخلفن أحد"، فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانا (191). (26) دعاؤه لامرأة أيم بالبركة في رزقها ودعا لامرأة بالبركة في رزقها لقبولها شفاعته  في نكاح صحابي دميم الخلقة هو جليبيب  فأصبحت أكثر نساء المدينة مالا وإنفاقا، فعن أبي برزة الأسلمي  أن جليبيبا كان امرأ يدخل على النساء يمر بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا يدخلن عليكم جليبيب فإنه إن دخل عليكم لأفعلن ولأفعلن، قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي  فيها حاجة أم لا، فقال: رسول  لرجل من الأنصار: " زوجني ابنتك"، فقال نعم وكرامة يا رسول الله ونعم عيني، فقال: "إني لست أريدها لنفسي"، قال: فلمن يا رسول الله؟ قال:" لجليبيب"، قال: فقال يا رسول الله أشاور أمها، فأتى أمها فقال: رسول الله  يخطب ابنتك، فقالت: نعم ونعمة عيني، فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه إنما يخطبها لجليبيب، فقالت: أجليبيب ابنه؟ أجليبيب ابنه؟ أجليبيب ابنه؟ لا لعمر الله لا تزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله  ليخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت: أتردون على رسول الله  أمره؟ ادفعوني فإنه لم يضيعني؟ فانطلق أبوها إلى رسول الله  فأخبره، قال: شأنك بها، فزوجها جليبيبا، قال فخرج رسول الله  في غزوة له، قال: فلما أفاء الله عليه قال لأصحابه: "هل تفقدون من أحد؟ قالوا نفقد فلانا ونفقد فلانا، قال: "انظروا هل تفقدون من أحد؟" قالوا: لا، قال: "لكني أفقد جليبيبا"، قال: فاطلبوه في القتلى، قال: فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتاه النبي  فقام عليه فقال: "قتل سبعة وقتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه"، مرتين أو ثلاثا، ثم وضعه رسول الله  على ساعديه، وحفر له، ما له سرير إلا ساعدا رسول الله  ، ثم وضعه في قبره، ولم يذكر أنه غسله. قال ثابت: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها، وحدث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتا، قال: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ؟ قال: "اللهم صب عليها الخير صبا، ولا تجعل عيشها كدا كدا"، قال فما كان في الأنصار أيم أنفق منها (192). ذكر الساعاتي رحمه الله تعالى أن الأيم يطلق على المرأة التي ليس لها زوج سواء كانت (191) رواه الإمام أحمد واللفظ له–الفتح الرباني - (21/136) و22/188)، وابن حبان7048)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (7008.) (192) رواه الإمام أحمد واللفظ له–الفتح الرباني - (22/216)، ومسلم مختصرا 2472.)

عدد الصفحات ٥٨

59 بكرا أو ثيبا، وأن قول الراوي: (فما كان في الأنصار أيم أنفق منها) معناه أن هذه المرأة كانت أعظم امرأة أيم في بيوت المدينة يتسابق إليه ا الخطاب بعد موت جليبيب وذلك ببركة كونها رضيت بنكاح جليبيب الذي كان ينفر منه الناس، وبركة دعاء النبي  لها(193) . (27) دعاؤه أن يبين الحق بين رجل قذف امرأته ودعا  ربه عز وجـل أن يبـين الحـق عنـدما جـاءه رجـل يـد عي أنـه رأى مـع امرأتـه رجـلا وأنــه يتبــرأ مــن الحمــل الــ ذي فــي بطنهــا، فتحقــق ذلــك حيــث تمــت ولادة هــذه المــرأة ولــم يخــرج الطفــل سقطا فيمحو آثـار الجريمـة ، فعـن ابـن عبـاس رضـي الله عنهمـا أنـه قـال: ذُ كـر المتلاعنـان عنـد رسول الله  فقال عاصم بن عدي في ذلك قو، ثـم انصـرف ، فأتـاه رجـل مـن قومـه ، فـذكر له أنه وجد مع امرأته رجلا ، فقـال عاصـم: مـا ابتليـت بهـذا الأمـر إلا لقـولي، فـذََ هََ بََ بـه إلى رسول الله  ،فأخبره بالذي وجد عليه امرأته ، وكـان ذلـك الرجـل مصـفرا ، قليـل اللحـم، ســبط الشــعر، وكــان الــذي وجــد عنــد أهلــه آدم خــدلا، كثيــر اللحــم، جعــدا قططــا، فقــال رســول الله  : "اللهــم بــين"، فوضــعت شــبيها بالرجــل الــذي ذكــر زوجهــا أنــه وجــد عنــدها، فلاعــن رسول الله  بينهما فقـال رجـل لابـن عبـاس فـي المجلـس : هـي التـي قـال رسـول الله : لـو رجمت أحدا بغير بينة لرجمت هذه ؟ فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانـت تظهـر السـوء فـي الإسلام (194). (28) دعاؤه لضرير أن يُرد بصره ودعا المصطفى  لضرير أن يرد بصره فبرأ، فعن عثمان بن حنيف  أن رجـ ضــريرا أتــى النبــي  فقــال: يــا نبــي الله ادع الله أن يعــافيني، فقــال: " إن شــئت أخــرت ذلــك فهو أفضل لآخرتك ، وإن شئت دعوت لك"، قـال: لا بـل ادع الله لـي، فـأمره أن يتوضـأ وأن يصلي ركعتين ، وأن يدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتو جه إليك بنبيك محمد  نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حـاجتي هـذه فَتَقْض ـي ، وَتُشَـف عُن ي فيـه، وَتُشَـف عُهُ فــي، قــال: فكــان يقــول هــذا مــرارا ثــم قــال : بَعْــدُ أَحْس ــبُ أن فيهــا أن تُشَــف عَن ي فيــه، قــال: ففعــل الرجل فبرأ (195) . (193) الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد لعبد الرحمن البنا المعروف بالساعاتي 22/216.) (194) سبق تخريجه في الحاشية رقم 58.) (195 )سبق تخريجه في الحاشية رقم 59)، واللفظ للإمام أحمد.

عدد الصفحات ٥٩

60 ثانيا: أدعية النبي الخاصة بالكفار الفرع الأول: أدعيته  للكفار كان رسول الله  حريصا على هداية الناس وإخراجهم من الكفر با إلى عبوديته عز وجل، رغم الأذى الذي كان يصيبه منهم، ولم يشأ  أن يدع عليهم عامة كما فعل أنبياء آخرون، وهذا من كمال رأفته ورحمته ونصيحته  ولأنه كان يرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يوحد الله عز وجل. فعن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي  :هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على بن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي  :بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا "(196). وكان اليهود يتعاطسون عنده يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، ولكنه كان يدعو لهم بالهداية، قائلا: يهديكم الله ويصلح بالكم، وعندما طلب بعض الصحابة رضي الله عنهم منه  أن يدعو على المشركين رفض ذلك، فعن أبي هريرة  قال: قيل يا رسول الله ادع على المشركين، قال: إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة" (197). لقد دعا النبي للكفار تارة بالمغفرة وتارة بالهداية، فأما دعاؤه  لهم بالمغفرة فقد روى سهل بن سعد الساعدي  قال: قال رسول الله  "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (198). ويمكن التساءل هنا: هل يعني أن الله عز وجل قَب لَ دعوة نبيه  فغفر لجميع قومه حتى المشركين منهم، أم أن الله عز وجل رد دعوة نبيه ؟ أجاب ابن حبان رحمه الله تعالى قائلا يعني هذا الدعاء: أنه قال يوم أُ حدٍ لما شُ ج وجهه قال: "اللهم اغفر لقومي" ذنبهم بي من الشج لوجهي، لا أنه دعاء للكفار بالمغفرة ، ولو دعا لهم (196 )رواه البخاري3231)، ومسلم1795)، وابن حبان6244.) (197 )رواه الإمام مسلم2599.) (198) رواه ابن حبان في صحيحه 973)، وقال الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان صحيح لغيره ( 969.)

عدد الصفحات ٦٠

61 بالمغفرة لأسلموا في ذلك الوقت لا محالة اهـ(199) . ولكن ابن حجر رحمه الله تعالى رأى رأيا غير ذلك، فرد على ت عليل ابن حبان السابق قائلا: قال ابن حبان: معنى هذا الدعاء الذي قال يوم أحد لما شج وجه أي اغفر لهم ذنبهم في شج وجهي، لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقا، إذ لو كان كذلك لأجيب ولو أجيب لأسلموا كلهم، كذا قال، وكأنه بناه أنه لا يجوز أن يتخلف بعض دعائه على بعض أو عن بعض ، وفيه نظر لثبوت "أعطاني اثنتين ومنعني واحدة: اهـ (200) . ويحتمل أن الله سبحانه وتعالى استجاب له هذه الدعوة لقومه- وهم قريش - فهداهم يوم فتح مكة حين أسلموا جميعا، والإسلام سبب المغفرة وإن كان تخلف بعضهم فلم يسلموا، فدعوته تحمل على الغالب (201) . وأما دعاؤه  لقومه بالهداية فأذكر خمس قصص كلها تشيرإلى أهمية عدم القنوط من إسلام الكافر مهما بلغت عداوته للإسلام وإضراره للمسلمين: (1) دعاؤه لإسلام عمر بن الخطاب دعا رسول  بالهداية لعمر بن الخطاب فأسلم، فعن عبد الله بن عمر رضي عنهما أن رسول الله  قال" اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب"، قال: وكان أحبهما إليه عمر(202). (2) دعاؤه لإسلام قبيلة دوس ودعا لقبيلة دوس بالهداية فأسلموا، فعن أبي هريرة  قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله  فقال: إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله  القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا، فقال: "اللهم اهد دوسا وأت بهم ، اللهم اهد دوسا وأت بهم"(203)، وقد تحقق ذلك حيث قال ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: قوله "اهد دوسا وائت بهم" وقع مصداق ذلك، فذكر ابن الكلبي أن حبيب بن عمرو بن حَثْمَة الدوسي كان حاكما على دوس، وكان أبوه من قبله، وَعَم رَ ثلاثمائة سنة، وكان حبيب يقول: إني لأعلم أن للخلق خالقا (199) صحيح ابن حبان2/298.) (200) فتح الباري بشرح صحيح البخاريبن حجر العسقلاني (6/602) (ح3477.) (201) تعليق فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحيم الهاشم (202 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (20/230)، والترمذي 3681)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ( 2907.) (203 )رواه الإمام أحمد واللفظ له–الفتح الرباني – (22/25)، والبخاري2439)، ومسلم2524)، وابن حبان (980.)

عدد الصفحات ٦١

62 لكني لا أدري من هو، فلما سمع الن ب ي خرج إليه ومعه خمسة وسبعون رجلا من قومه فأسلم وأسلموا اهـ (204) . (3) دعاؤه لإسلام سراقة بن مالك  ودعا على سراقة بن مالك حين طلبه وهو في طريق الهجرة فساخت قدما فرسه في الأرض، ثم دعا له بالهداية، فعن البراء  قال: لما أقبل النبي إلى المدينة، تبعه سراقة بن مالك بن جُعشُم، فدعا عليه النبي  فساخت به فرسه، قال: ادع الله لي ولا أضرك، ف دعا له(205). وروى أنس بن مالك قال: أقبل نبي إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعرف، ونبي الله  شابٌ لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير، فالتفت أبو بكر، فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبي الله  فقال: " اللهم اصرعه"، فصرعه الفرس، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله مرني بما شئت، قال: " فقف مكانك لا تتركن أحدا يلحق بنا"، قال فكان أول النهار جاهدا على نبي الله ، وكان آخر النهار مسلحة له..الخ" (206). (4) دعاؤه لإسلام أبي محذورة  ومسح على ناصية أبي محذورة وكان كافرا ودعا له بالبركة ولقنه التأذين لأنه كان أندى الناس صوتا، فروى أبو محذورة  قصة إسلامه وتعلمه الأذان من رسول الله  فقال: خرجت في نفر فكنا ببعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله  بالصلاة عند رسول  فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون، فصرخنا نحكيه نهزأ به، فسمع رسول الله  فأرسل إلينا قوما، فأقعدونا بين يديه فقال: "أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع"؟ فأشار إلي القوم كلهم وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال لي: "قم فأذن"، فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله  ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول ، فألقى علي رسول  التأذين هو بنفسه، فقال قل: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الل"ه، ثم قال لي: ارفع من صوتك "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي عل ى الفلاح، الله أكبر، (204) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني7/705) (ح4392.) (205 )رواه البخاري واللفظ له3908)، ومسلم2009.) (206 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (20/288)، والبخاري واللفظ له3911)، ومسلم2009.)

عدد الصفحات ٦٢

63 الله أكبر، لا إله إلا الله"، ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمرها على وجهه، ثم على ثدييه، ثم على كبده، ثم بلغت يد رسول الله  سرة أبي محذورة، ثم قال رسول  :" بارك لك وبارك عليك"، فقلت: يا رسول الله أمرتني بالتأذين بمكة؟ قال نعم قد أمرتك، فذهب كل شيء كان لرسول الله  من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول  بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول  (207) . (5) دعاؤه لإسلامأم أبي هريرة رضي الله عنهما ودعا  لأم أبي هريرة رضي الله عنهما فأسلمت بعد أن كانت تدعو عليه ، فعن أبي هريرة  قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول  ما أكره، فأتيت رسول  وأنا أبكي قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله  :"اللهم اهد أم أبي هريرة"، فخرجت مستبشرا بدعوة نبي  فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، و سمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله  فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا، قال: قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا، قال فقال رسول الله : "اللهم حبب عُبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين"، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني (208). الفرع الثاني: أدعيته  على الكفار كان رسول الله  رحمة للعالمين، ولذا كان لا يدعو على الكفار ابتداء، بل كان يدعو لهم كما تقدم في المبحث السابق، لكن ورد أنه  دعا في مواطن قليلة على بعض منهم، لأسباب من ق بَلهم، دعته إلى ذلك؛ كاعتدائهم عليه، أو على المؤمنين، فيرد عليهم بالمثل، وقد وردت عدة أحاديث في دعاء النبي  على بعض الكفار والتي منها (207) رواه الإما م أحمد -الفتح الرباني - (3/19)، ومسلم 379)، والترمذي 191)، وأبو داود 500)، والنسائي (633)، وابن ماجه واللفظ له708)، والدارمي 1196.) (208 )رواه الإمام أحمد-الفتح الرباني -(22/408)، ومسلم2491)، وابن حبان7154.)

عدد الصفحات ٦٣

64 (1) دعاؤه على قبائل غدرت بوفد أرسله لهم  دعا على ثلاث قبائل لتظاهرهم بالإسلام وغدرهم بوفد أرسله  لهم، فعن أنس أن النبي أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان فزعموا أنهم قد أسلموا، واستمدوه على قومهم، فأمدهم النبي  بسبعين من الأنصار، قال أنس: كنا نسميهم القراء، يحطبون بالنهار ويصلون بالليل، فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر معونة غدروا بهم وقتلوهم، فقنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وبني لحيان، قال قتادة: وحد ثنا أنس أنهم قرءوا بهم قرآنا: ألا بلغوا عنا قومنا بأنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، ثم رفع ذلك بعد (209). ولعل سائلا يقول: طالما أن دعاء الرسول  مستجاب فما الحكمة أن يقنت المصطفى  شهرا كاملا على هؤلاء المشركين، بينما كانت تكفيه دعوة واحدة عليهم لتأتي بخ برهم؟ أقول لعل الحكمة في ذلك هو تعليم الأمة من بعده بعدم اليأس من كثرة الدعاء، وعدم الاستعجال في إجابة الدعاء، ولأن الدعاء عبادة يحبها الله عز وجل ويحب الملحين فيها، إذ فيها إظهار الافتقار إلى الله عز وجل، والتبرؤ من الحول والقوة، كما يحتمل أن رسول الله  فعل ذلك تطيبا لخواطر أقرباء هؤلاء القتلى من الصحابة رضي الله عنهم، أو لمكانتهم عنده ، بدليل الرواية الأخرى لهذا الحديث التي جاءت في البخاري عن أنس بن مالك  وصف فيها حزن النبي  عليهم قائلا: فما رأيته وجد على أحد ما وجد عليهم (210). (2) دعاؤه على اليهود لقد أساء اليهود الأدب مع رسول الله  في مواقف عديدة، وبلغ من وقاحتهم تجاهه أنهم كانوا يدعون عليه بأن لا يسمعه الله عز وجل، فقال تعالى في شأنهم مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَ عْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً ب أَلْسِنَتِه مْ وَطَعْناً فِي الدِّين وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ ب كُفْر هِ مْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إ لاَّ قَلِيلاا  [46]وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ : دعاء منهم على النبي بأن لا يسمعه الله، والمعنى: اسمع لا أسمعك الله. كما كانوا يقولون: راعنا، وهي كلمة سب وطعن في لغتهم العبرية، ولذلك نهى الله تبارك وتعالى الصحابة رضي الله عنهم عن استخدام هذه العبارة مع رسول الله  حتى لا يشابهوا اليهود، فقال تعالى في أول خطاب خوطب به المؤمنون في سورة البقرة  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ (209) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (21/36)، والبخاري واللفظ له3064)، ومسلم677)، وأبو داود (1443)، والنسائي1070)، والدارمي 1596.) (210) رواه الإمام البخاري3170.)

عدد الصفحات ٦٤