33 الزنا اتكالا على استغفار رسول اهـ(111). وذكر بريدة قصة ماعز بن مالك وأمر النبي صحابته للاستغفار لماعز فقال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي فقال يا رسول الله طهرني، فقال: "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه"، قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، فقال رسول الله : "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه"، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فق ال: يا رسول الله طهرني فقال النبي مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله: "فيم أطهرك"؟ فقال: من الزنا، فسأل رسول الله أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال أشرب خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، قال: فقال رسول الله : " أزنيت"؟ فقال نعم، فأمر به فرجم، فكان الناس فيه فرقتين، قائل يقول: لقد هلك؛ لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز؛ أنه جاء إلى النبي فوضع يده في يده ثم قال: اقتلني بالحجارة، قال فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله وهم جلوس، فسلم ثم جلس فقال: "استغفروا لماعز بن مالك"، قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله : "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم" (112). (11) امتناعه عن الصلاة على قاتل نفسه وامتنع عن الصلاة على من قتل نفسه–والصلاة ما هي إلا دعاء بالرحمة - فعن جابر بن سمرة أن رجلا من أصحاب النبي جرح فآذته الجراحة فدب إلى مشاقص فذبح بها نفسه فلم يصل عليه النبي قال وكان ذلك منه أدبا(113). قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى وأما ترك رسول الله الصلاة عليه وأمر غيره بالصلاة عليه لأنه كان لا يصلي على من ظهرت منه كبيرة ليرتدع الناس عن المعاصي وارتكاب الكبائر ، ألا ترى أنه لم يصل على ماعز الأسلمي وأمر غيره بالصلاة عليه، ولم يصل على الذي قتل نفسه ولا على كثير ممن أقام عليه الحدود ليكون ذلك زاجرا لمن خلفهم ونحو ذلك، وهذا أصل في أن لا يصلي الإمام وأئمة الدين على المحدثين ، ولكنهم لا يمنعون الصلاة عليهم، بل يأمر بذلك غيره كما قال "صلوا علىصاحبكم " اهـ (114). ولعل سائلا يقول كيف نجمع بين حديث جابر بن سمرة سابق الذكر الذي روى فيه (111) صحيح مسلم بشرح ال نووي (11/211) (ح1694.) (112) رواه الإمام مسلم1695.) (113) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (7/213)، ومسلم978)، والترمذي 1068)، والنسائي1964)، وابن ماجه واللفظ له (1526)، (114) الاستذكار لابن عبد البر5/85 .)
عدد الصفحات ٣٣34 امتناع الرسول عن الصلاة على من قتل نفسه-والصلاة دعاء- وبين حديث الطفيل بن عمرو الدوسي الذي ذ كر فيه قصة الرجل الذي هاجر معه إلى المدينة فمرض ، فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه ، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل في منامه في هيئة حسنة ، ورآه يغطي يديه ، فقال له: ما صنع بك ربك ؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ،فقال له: أراك تغطي يديك؟ فقال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على النبي، فدعا له النبي قائاللهم وليديه فاغفر"(115) ؟ ذكر أبو المحاسن الحنفي رحمه الله في معتصر المختصر أن الرجل الذي قطع براجمه فشخبت يداه حتى مات يحتمل أن يكون فعل بنفسه ما فعل على أنه عنده علاج تبقى له بقية يديه وتسلم نفسه فلم يكن بذلك مذموما كمن خاف أن تذهب نفسه إن لم يقطعهما فمات فلا إثم عليه وإن لم يقطعهما حتى مات فلا إثم عليه أيضا ودعاء النبي ليديه بالغفران إشفاق منه وأعمال الخوف كدعاء عمران بن الحصين : اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما جهلت و ما علمت، والخطأ ليس بمؤاخذ به اهـ (116). (13) امتناعه عن الصلاة على الغال من الغنائم وامتنع النبي عن الصلاة على من أخذ من الغنيمة دون إذن الإمام، فعن زيد بن خالد الجهني قال: توفي رجل من أشجع بخيبر، فقال النبي : " صلوا على صاحبكم"، فأنكر الناس ذلك، وتغيرت له وجوههم، فلما رأى ذلك قال: " إن صاحبكم غل في سبيل الله"، قال زيد: فالتمسوا في متاعه فإذا خرزات من خرز يهود ما تساوي درهمين (117). لقد عظم النبي أمر الغلول، وبين أنه أحد أسباب عذاب القبر، وأن صاحبه قد يحرم لقب الشهادة في سبيل الله، فعن أبي هريرة قال: خرجنا مع النبي إلى خيبر، ففتح علينا، فلم نغنم ذهبا ولا وَر قَا، غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله عبد له وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي، قام عبد رسول الله يحل رحله، فرُميَ بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، قال رسول الله : "كلا، والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا؛ أخذها من (115) سبق تخريجه في الحاشية رقم 54.) (116) معتصر المختصر لأبي المحاسن يوسف بن موسى الحنفي (2/249.) (117) رواه الإمام مالك995)، وأحمد –الفتح الرباني - (7/212)، وأبو داود2710)، والنسائي1959)، وابن ماجه (2848)، والحاكم1/364)، وقال الأرناؤوط في جامع الأصول: وإسناده عند أحمد وابن ماجه صحيح (2/721)، وصححه الألباني في أحكام الجنائز وبدعها (صفحة 79) ولكن ضعفه في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (4833.)
عدد الصفحات ٣٤35 الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم"، قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: يا رسول الله أصبت يوم خيبر، فقال رسول الله :" شراك من نار أو شراكان من نار (118). ومن تعظيمه لأمر الغلول، أنه امتنع عن أخذ الغلول عمن غلها ،ولم يقبل عذر من تأخر عن تسليم الغنيمة التي أصابها، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كان رسول الله إذا أصاب غنيمة؛ أمر بلالا، فنا دى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال: "أسمعت بلالا ينادي ثلاثا؟"، قال: نعم، قال: "فما منعك أن تجيء به؟"، فاعتذر إليه، فقال: "كن أنت تجيء به يوم القيامة؛ فلن أقبله عنك" (119). (13) امتناعه عن الشفاعة للغال من الغنائم وحذر النبي أصحابه رضي الله عنهم بأن من غل شيئا فلن يدعو له يوم القيامة، فعن أبي هريرة قال: قام فينا رسول ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رق بته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق (120) فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت(121) فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك (122). ورأى ابن حجر رحمه الله تعالى أن النبي أبرز هذا الوعيد في مقام الزجر والتغليظ (118) رواه الإمام مالك997)، والبخاري4234)، ومسلم واللفظ له115)، وأبو داود2711)، والنسائي (3827)، وابن حبان4851.) (119) رواه أبو داود واللفظ له 2271)، والحاكم 2/127)، وابن حبان 4809)، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (4789.) (120) الرقاع هي الثياب (121) الصامت هو الذهب والفضة (122) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (14/91)، والبخاري3073) ومسلم واللفظ له1831)، والنسائي (2448.)
عدد الصفحات ٣٥36 وإلا فهو في القيامة صاحب الشفاعة في مذنبي الأمة اهـ(123)، أو يحتمل أنه لن يشفع لهم في بعض المواقف ويشفع في مواقف أخرى (14) امتناعه عن الشفاعة للإمام الظلوم الغشوم وللغال المارق كما ذكر النبي بأنه سيمتنع يوم القيامة عن الشفاعة لكل إمام ظلوم غشوم ولكل غال مارق، فعن أبي أمامة أن رسول الله قال: "صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق" (124) . والغلو هو الزيادة في الدين بما ليس منه؛ كتحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، أو تكفير الناس على بعض المعاصي غير المكفرة. (15) امتناعه عن الشفاعة للمكذب بها كما ذكر أنس بن مالك أن من كذب بالشفاعة فلن يدعو له رسول يوم القيامة حيث قال : من كذب بالشفاعة فلا نصيب له فيها(125) . المبحث الثالث الصحابة الذين دعا عليهم النبي يخشى الناس دعوة المظلوم أو من يتحسب عليهم، ليقينهم بأن الله عز وجل سيستجيب له، ولو بعد حين و لن يدعه، فما ظنك بمن دعا عليه رسول الله ، فهل تظن أن يرد الله دعائه؟ لقد كان المصطفى نادرا ما يدعو على أصحابه رضي الله عنهم، ولكنه سأل تعالى أن يجعل ما دعاه عليهم صلاة وزكاة لهم يوم القيامة -إن كانوا غير أهل لذلك-، وقد أورد المحدثون بعض الأحداث التي دعا فيها المصطفى على بعض الصحابة رضي الله عنهم أورد أهمها: (1) دعاؤه على يتيمة أم سليم رضي الله عنهما فعن أنس بن مالك قال: كانت عند أم سليم يتيمة، وهي أم أنس، فرأى رسول اليتيمة فقال: "آنت هيه، لقد كبرت لا كبر سنك"، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي فقالت أم سليم: ما لك يا بنية؟ قالت الجارية: دعا علي نبي الله أن لا يكبر سني فالآن لا يكبر سني أبدا أو قالت قرني، فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها (126) حتى لقيت رسول ، فقال (123) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني6/215) (ح3073.) (124) رواه الطبراني في الكبير 8079)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة470.) (125) رواه سعيد بن منصور، وصحح إسناده ابن حجر العسقلاني في فتح الباري11/434) (ح6558.) (126) تلوث خمارها: أي تديره على رأسها.
عدد الصفحات ٣٦37 لها رسول : ما لك يا أم سليم؟ فقالت: يا نبي الله أدعوت على يتيمتي، قال: وما ذاك يا أم سليم؟ قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها، قال: فضحك رسول الله ثم قال: "يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة" (127). (2) دعاؤه على رجلين أغضباه فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل على رسول الله رجلان، فكلماه بشيء أدري ما هو، فأغضباه، فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان، قال: وما ذاك؟ قالت قلت: لعنتهما وسببتهما، قال: " أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا" (128) . ولعل قائلا يقول: كيف يصدر من النبي الدعاء على من ليس أهلا للدعاء عليه، وكيف يسبه أو يلعنه أو يجلده وهو معصوم عن الكبائر والصغائر عمدا وسهوا؟ أجاب النووي رحمه الله تعالى على هذا التساؤل قائلا: فان قيل كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك؟ فالجواب ما أجاب به العلماء ومختصره وجهان: أحدهما أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك وهو مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر والثاني أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله: "تربت يمينك"، "عقرى حلقي" وفي هذا الحديث "لا كبرت سنك"، وفي حديث معاوية "لا أشبع الله بطنه"، ونحو ذلك، لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغ ب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورا وأجرا، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه، وقد سبق في هذا الحديث أنهم قالوا: ادع على دوس فقال: "اللهم اهد دوسا"، وقال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" والله اعلم اهـ (129) . (127) رواه الإمام مسلم2603)، وابن حبان 6514.) (128) سبق تخريجه في الحاشية رقم 8.) (129) صحيح مسلم بشرح النووي16/152) (ح2600.)
عدد الصفحات ٣٧38 وأجاب ابن حجر رحمه الله تعالى قائلا: قال الْمَاز ر ي : إن قيل كيف يدعو بدعوة على من ليس لها بأهل؟ قيل المراد بقوله "ليس لها بأهل" عندك في باطن أمره لا على ما يظهر مما يقتضيه حاله وجنايته حين دعائي عليه، فكأنه يقول: من كان باطن أمره عندك أنه ممن ترضى عنه فاجعل دعوتي عليه التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى حاله حينئذ طهورا وزكاة، قال: وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه لأنه كان متعبدا بالظواهر، وحساب الناس في البواطن على الله انتهى. وهذا مبني على قول من قال: إنه كان يجتهد في الأحكام ويحكم بما أدى إليه اجتهاده، وأما من قال: كان لا يحكم إلا بالوحي فلا يأتي منه هذا الجواب. ثم قال المازري: فإن قيل: فما معنى قوله وأغضب كما يغضب البشر؟ فإن هذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سوْرة الغضب، لا أنها على مقتضى الشرع؟ فيعود السؤال، فالج واب: انه يحتمل أنه أراد أن دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خُير بين فعله له عقوبة للجاني أو تركه والزجر له بما سوى ذلك فيكون الغضب لله تعالى بعثه على لعنه أو جلده ولا يكون ذلك خارجا عن شرعه. قال: ويحتمل أن يكون ذلك خرج مخرج الإشفاق وتعليم أمته الخوف من تعدي حدود الله، فكأنه أظهر الإشفاق من أن يكون الغضب يحمله على زيادة في عقوبة الجاني، لولا الغضب ما وقعت، أو إشفاقا من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني، لولا الغضب ما زادت، ويكون من الصغائر على قول من يجوزها، أو يكون الزجر يحصل بدونها. ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه، فلا يكون في ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله وطلبا للاستجابة، وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال الأخير فقال: يحتمل أن يكون ما ذكره من سب مقصود ولا منوي لكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها ثم الحرج والتأكيد للعتب لا على نية وقوع ذلك كقولهم: عقرى حلقي، وتربت يمينك، فأشفق من موافقة أمثالها القدر فعاهد ربه ورغب إليه أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة انتهى. وهذا الاحتمال حسن إلا انه يرد عليه: قوله "جلدته" فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه إذ لا يقع الجلد قصد وقد ساق الجميع مساقا واحدا إلا أن حمل على الجلدة الواحدة فيتجه ثم أبدى القاضي احتمالا آخر فقال كان لا يقول ولا يفعل في حال غضبه إلا الحق لكن غضبه قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفة وترك الإغضاء والصفح ويؤيده حديث عائشة ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله وهو في الصحيح، قلت: فعلى هذا فمعنى قوله ليس لها بأهل أي
عدد الصفحات ٣٨39 من جهة تعين التعجيل اهـ(130) . (3) دعاؤه على الوليد بن عقبة ودعا رسول على الوليد بن عقبة لأنه لم يحترم جوار المصطفى وشفاعته مرتين في نهيه له عن ضرب امرأته، فعن علي أن امرأة الوليد بن عقبة أتت النبي فقالت: يا رسول الله إن الوليد يضربها -وقال نصر بن علي في حديثه تشكوه - قال: "قولي له قد أجارني"، قال علي: فلم تلبث إلا يسيرا حتى رجعت، فقالت: ما زادني إلا ضربا، فأخذ هدبة من ثوبه فدفعها إليها وقال: قولي له إن رسول الله قد أجارني، فلم تلبث إلا يسيرا حتى رجعت فقالت: ما زادني إلا ضربا، فرفع يديه وقال: "اللهم عليك الوليد أثم بي مرتين" (131) . قال الساعاتي: والوليد هو الذي نزل فيه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ الآية، وهو الذي صلى الصبح بأهل الكوفة أربع ركعات فقال : أزيدكم وكان سكران، قال ابن عبد البر: وخبر صلاته بهم سكران وقوله: أزيدكم بعد أن صلى بهم الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من أهل الحديث، ولما شهدوا عليه بالشرب أمر عثمان فجلد وعزل من الكوفة، ولما قتل عثمان اعتزل الوليد الفتنة وأقام بالرقة إلى أن توفي بها وله عقب، ذكره النووي في التهذيب، وليس غريبا أن يرد شفاعة النبي في عدم ضرب امرأته والله أعلم اهـ (132) ولعل هذا هذا الفعل من الوليد بن عقبة سبب دعوة النبي عليه (4) دعاؤه على من أنشد ضالة في المسجد ودعا على رجل أنشد ضالة في المسجد، فعن بريدة أن رجلا ن شد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي "لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له (133)، وأمر بالدعاء على من فعل مثل ذلك في المسجد ، فعن أبي هريرة أن رسول قال: "من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا"(134) . (130) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني11/176) (ح6361.) (131) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (19/320)، وقال الساعاتي: أورده الهيثمي وقال: رواه عبد الله بن أحمد والبزار وأبو يعلى ورجاله ثقات اهـ . (132) الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد مع مختصر شرحه: بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني للبنا الشهير بالساعاتي(19/320. ) (133) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/65)، ومسلم واللفظ له569)، والنسائي717)، وابن ماجه (765.) (134) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/65)، ومسلم واللفظ له568)، والترمذي 1321)، وأبو داود
عدد الصفحات ٣٩40 كما روى أبو هريرة أن رسول قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا رد الله ضالتك" (135). (5) دعاؤه على رجل قصَّر في أداء الزكاة فعن وائل بن حجر أن النبي بعث ساعيا، فأتى رجلا فآتاه فصيلا مخلولا (أي مهزولا) فقال النبي : "بعثنا مُصدق الله ورسوله وإن فلانا أعطاه فصيلا مخلولا، اللهم لا تبارك فيه ولا في إبله"، فبلغ ذلك الرجل، فجاء بناقة حسناء، فقال: أتوب إلى الله عز وجل وإلى نبيه ، فقال النبي: "اللهم بارك في ه وفي إبله" (136) . (6) دعاؤه على معاوية بن أبي سفيان فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول فتواريت خلف باب، قال فجاء فحطأني حطأة –أي ضربه بيده بين كتفيه ملاطفة به - وقال "اذهب وادع لي معاوية"، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: "اذهب فادع لي معاوية" قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: "لا أشبع الله بطنه"(137) . وقد أورد الإمام مسلم هذا الحديث تحت باب: من لعنه النبي أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة أو أجرا ورحمة، وذكر النووي في شرحه لهذا الحديث: بأن دعاؤه على معاوية أن لا يشبع حين تأخر، ففيه الجوابان السابقان، أحدهما أنه جرى على اللسان بلا قصد، والثاني أنه عقوبة له لتأخره، وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه فلهذا أدخله في هذا الباب وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له اهـ (138). (7) دعاؤه على رجال أفتوا بغير علم فعن جابر قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ، أخبر بذلك فقال: "قتلوه قتلهم الله، أ (473)، وابن ماجه767)، والدارمي 1401.) (135) رواه الترمذي 1321)، والدارمي 1401)، والحاكم 2/65)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (573.) (136) سبق تخريجه في الحاشية رقم 64.) (137) رواه الإمام أحمد–المسند- (3094)، ومسلم واللفظ له2604.) (138 ) صحيح مسلم بشرح النووي16/393) (ح2604.)
عدد الصفحات ٤٠41 سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال(139) . المبحث الرابع أمنية خاطئة قد يتمنى أحدنا لو عاش في زمن النبي وكان ضمن الصحابة رضي الله عنهم الذين سعدوا بلقاء رسول الله ، وتشرفوا بالحديث معه، والجلوس في مجلسه، فيأنس برؤيته كما أنسوا به، ويحظى بدعائه كما حظوا بذلك ، ويطلب منه ما يشتهيه من أمر الدنيا والآخرة كما طلبوا، ويكون تحت إمرته. اعلم أن بعض التابعين جالت في نفوسهم مثل هذه الأماني، بل ونطقوا بها في مجلس الصحابي الجليل المقداد بن الأسود ، فماذارد عليهم؟ عن جبير بن نفير قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله وددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت، فاستُغضب فجعلت أعجب، ما قال إلا خيرا ! ثم أقبل عليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه لا يدري لو شهده كيف يكون فيه؟ والله لقد حضر رسولَ الله أقوامٌ كبهم الله عز وجل على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون الله عز وجل إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم فتصدقون بما جاء به نبيكم ، قد كفيتم البلاء بغيركم اهـ (140). فالذييتمنى أن يدرك زمن النبي وأن يكون أبلى بلاء حسنا تقر به عين رسول قد لا يقوى على ذلك لو أدركه، روى إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله قاتلت معه وأبليت، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقُر(141)، فقال رسول : "ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟" فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: "ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟" فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: "ألا رجل يأتينا بخ بر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟" فسكتنا فلم يجبه منا أحد، فقال: "قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم"، (139 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (1/160)، وأبو داود336)، وابن ماجه(572)، والدارمي 752)، والحاكم (1/178)، وصححه الألباني في صحيح الجامع4362.) (140 )رواه الإمام أحمد–المسند- (23298)، والبخاري في الأدب المفرد87)، وابن قيم الجوزية في صفة الصفوة ( 1/177)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد 64.) (141 )القرُّ: البرد
عدد الصفحات ٤١42 فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال: "اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذْعَرْهم(142) علي "، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حم ام(143)، حتى أتيتهم، فرأيت أب ا سفيان يَصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله : "ولا تذْعَرْهم علي "، ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحم ام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قُر رت(144)، فألبسني رسول من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: "قم يا نومان"(145). وفي رواية عن محمد بن كعب الْقُرَظ ي قال: قال فتى منا من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولجعلناه على أعناقنا، قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله بالخندق، وصلى رسول الله من الليل هويا، ثم التفت إلينا فقال: "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم، يشترط له رسول الله أنه يرجع أدخله الله الجنة"، فما قام رجل... الخ (146) . ولعل سائلا يقول: كيف التوفيق بين قول المقداد بن الأسود المتقدم الذي استغضب فيه حين قال له رجل: وددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت، وبين ما رواه أبو ذر الغفاري أن رسول قال" أشد أمتي لي حبا قوم يكونون بعدي يود أحدهم أنه فقد أهله وماله وأنه رآني " (147) ؟ لعل حديث أبي ذر لم يسمعه المقداد بن الأسود فقال مقولته تلك، أو يجمع بينهما بأن حديث المقداد يفيد عدم جواز تمني العيش في زمن النبي ، وحديث أبي ذر (142 )تذعرهم: تفزعهم. (143) قال النووي رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح مسلم: قوله: (فلما وليت من عنده جعلت أمشي في حمام حتى أتيته) يعني: أنه لم يجد البرد الذي يحسه الناس، ولا من تلك الريح الشديدة شيئا؛ بل عافاه الله منه ببركة إجابته للنبي وذهابه فيما وجهه له، ودعائه له، واستمر ذلك اللطف به ومعافاته من البرد حتى عاد إلى النبي ، فلما رجع ووصل عاد إليه البرد الذي يجده الناس، وهذه من معجزات رسول الله ، ولفظة الحمام عربية، وهو مُذَك ر مشتق من الحميم وهو: الماء الحار اهـ 12/387) (ح 1788.) (144) قُر رت: هو بضم القافوكسر الراء أي بردت. (145 )رواه الإمام مسلم1788)، وابن حبان 7125.) (146 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (21/80.) (147 )رواه الإمام أحمد-الفتح الرباني - (19/149)، وابن حبان7231)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (6518.)
عدد الصفحات ٤٢43 يفيد تمني رؤية النبي دون العيش. وكيف لا نتمنى رؤية حبيبنا وشفيعنا محمد وهو الذي كان يتمنى رؤيتنا ! نعم كان يتمنى ذلك، فعن أبي هريرة أن رسول أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض" (148). فكلنا نتمنى أن نرى رسول ، ونفديه بأموالنا وأهلينا وأنفسنا، ومن السهل أن نقول ذلك، ولكن هل نحن حقيقة نحبه ونقدم طاعته على أهوائنا؟ قال الشاعر: شرط المحبة أن توافق مما تحب على محبـتــه بلا عصيــان فإذا ادعيت له المـحبة مـــع خلافك ما يحب فأنت ذو بهتـان وقال السفاريني رحمه الله تعالى: إن محبة رسول الله على درجتين أحدهما فرض لازم وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به من عند الله وتلقيه بالمحبة والتعظيم والرضا به والتسليم وعدم طلب الهدى من غير طريقته الكلية ثم حسن الإت باع له فيما بلغه عن ربه من تصديقه في كل ما أخبر وطاعته فيما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه وزجر من المحرمات ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه وبحسب القدرة، فهذا القدر لا بد منه ولا يتم الإيمان بدونه . والدرجة الثانية : فضل ، وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به وتحقيق الإقتداء بسنته في أخلاقه وآدابه ونوافله وتطوعاته وأكله وشربه ولباسه وحسن معاشرته لأزواجه وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاقه الظاهرة والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه واهتزاز القلب عند ذكره وتصوره وكثرة الصلاة عليه لما سكن القلب من محبته وتعظيمه وتوقيره ومحبة استماع كلامه وإيثاره على كلام غيره من المخلوقين، ومن أعظم ذلك الاقتداء به في زهده في الدنيا والاحتراز باليسير منها ورغبته في الآخرة اهـ (149) . وقال سهل التستري رحمه الله تعالى: من علامة حب الله : حب القرآن، وعلامة حب (148 )رواه الإمام أحمد-الفتح الرباني - (24/141)، ومسلم249)، والنسائي150)، وابن ماجه4306.) (149) شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد 1/621.)
عدد الصفحات ٤٣44 وحب القرآن: حب النب ي ، وعلامة حب النبي: حب السنة ، وعلامة حب السنة: حب الآخرة، ومن علامة حب الآخرة: بغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا: أن لا يأخذ منها إلا زادا يبلغه إلى الآخرة اهـ (150) . لذلك يجب علينا الرضا بما قسم الله لنا وأن لا نتمنى شيئا لم يرده الله لنا، قال تعالى وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ ب هِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [32] قد نكون من أعدائه - عياذا بالله من ذلك- ويجب أن نحمد الله تعالى على أن عرفنا الإسلام منذ نعومة أظفارنا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. كما يجب أن نوقن بأننا على خير، لأننا آمنا برسول الله ونحن لم نره، فقد بشر النبي بالجنة ثلاث مرات لمن آمن به ولم يره ، وفي رواية سبع مرات، في حين بشر بالجنة مرة واحدة لمن رآه وآمن به، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول قال" طوبى لمن رآني وآمن بي ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني " (151)، وعن أبي أمامة أن رسول الله قال طوبى لمن رآني و آمن بي مرة ، وطوبى لمن لم يرني وآمن بي سبع مرات " (152) . وقد بشر النبي الكريم بأن من تمسك من إخوانه بسنته - وإخوانه هم الذين آمنوا به ولم يروه–، فله ثواب خمسين شهيدا من شهداء الصحابة رضي الله عنهم، فعن عبد الله بن مسعود أن النبي قال" إن من وراءكم زمان صبر للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا منكم " (153) . ومن فضل الله علينا أيضا أن رسول دعا بدعوات عابرة للقرون والأزمان وغير مقيدة لبعض الأنام، وإنما ربطها بأعمال صالحة، فكل من تحلى بهذه الأعمال؛ نال هذه الدعوات المباركات المستجابة بإذن الله تعالى . فما الأعمال التي يمكن بها أن نحظى على دعاء رسول الله ؟ أو كيف ندخل في دعاء النبي ؟ قبل الإجابة على هذا السؤال سأطرح سؤالين اثنين وأجيب عليهما في فصلين مستقلين: (150 )المرجع السابق 1/621.) (151 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (24/187)، وابن حبان7230)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3923.) (152 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (1/104)، وابن حبان 7232)، والحاكم 4/86) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3924.) (153 )رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع 2234.)
عدد الصفحات ٤٤45 الأول: هل دعاء رسول مستجاب؟ الثاني: ما اعتقاد الصحابة رضي الله عنهم في دعاء النبي ؟
عدد الصفحات ٤٥46 الفصل الثاني الأدعية المُجابة وغير المجابة للنبي المبحث الأول: أدعية استجيبت للنبي أولا: أدعيته الخاصة بالصحابة رضي الله عنهم ثانيا: أدعيته الخاصة بالكفار الفرع الأول: دعاؤه للكفار الفرع الثاني: دعاؤه على الكفار ثالثا: أدعيته في أمور متفرقة المبحث الثاني: أدعية لم تستجب للنبي أو نُهِيَ عنها
عدد الصفحات ٤٦47 تمهيد من منا يشك في عدم استجابة الله عز وجل لدعاء النبي وهو خليل الله، وأفضل خلق الله، وأتقاهم وأشرفهم عند الله عز وجل؟ فدعاؤه مسموع، وسؤاله غير مردود، وشفاعته مقبولة بإذن الله تعالى، وهو الذي سيقول له الباري جل في علاه يوم القيامة أمام الخلائق أجمعين: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع. وإن كتب السنة المطهرة زخرت بالعديد من الأحاديث والوقائع التي ذكر فيها إجابة الله عز وجل لأدعية نبيه محمد ، حينما دعا لبعض أصحابه رضي الله عنهم، أو حينما دعا لهداية بعض الكفار إلى الإسلام، أو حينما دعا على بعضهم، ومع هذا فإن الله عز وجل لم يستجب له بعض أدعيته، وهي قليلة جدا، وهذا الفصل يعرض هذين النوعين في مبحثين. المبحث الأول أدعية استجيبت للنبي إليك بعض الأمثلة في أدعية استجيبت للنبي والتي قسمتهاإلى ثلاثة أقسام: أدعيته في صحابته رضي الله عنهم، وأدعيته على بعض الكفار، وأدعيته في أمور متفرقة أولا: أدعيته في الصحابة رضي الله عنهم لقد أكثر المصطفى الدعاء لصحابته الكرام، ولا غرابة، فقد ضحوا بأموالهم وأنفسهم وهجروا ذويهم وأوطانهم؛ إرضاء لله عز وجل ونصرة لرسوله ، وتقدم في الفصل الأول العديد من الأدعية التي دعاها النبي لأصحابه الكرام، وهنا أدعية أخرى دعاها النبي لأصحابه رضي الله عنهم، فاستجاب الله له فيها لتقر عين النبي وأصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين والتي منها ما يلي: (1) دعاؤه لأم حرام رضي الله عنها بالشهادة في سبيل أنه دعا لأم حرام بنت ملحان رضي الله عنها بالشهادة حين طلبتها فتحقق لها ذلك، فعن أنس بن مالك أنهقال: كان رسول الله إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، فنام رسول الله ثم استيقظ يضحك قالت: فقلت ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: ناسٌ من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة - أو قال: مثل الملوك على الأسرة يش ك الراوي - قلت ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ يضحك فقلت ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناسٌ من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة-أو مثل الملوك على الأسرة، فقلت
عدد الصفحات ٤٧48 ادعُ الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت من الأولين"، فركبت البحر في زمن معاوية فصُرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت " (154). وذكر ابن حجر رحمه الله تعالى أن طلب أم حرام رضي الله عنها مرة أخرى أن يدع لها رسول الله أن تكون منهم ليس شكا منها رضي الله عنها في دعائه وإنما لظنها أنها ستدرك الطا ئفة الأخرى فتغزو معهم ويحصل لها أجر الفريقين فأعلمها أنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية فكان كما قال (155) . (2) دعاؤه لأنس بن مالك بطول العمر وكثرة المال ودعا لأنس بن مالك بطول العمر وكثرة المال والولد فتحقق له جميع ذلك، فعن أنس بن مالك قال: جاءت بي أمي أم أنس إلى رسول الله وقد أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه فقالت: يا رسول الله: هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده"، قال أنس فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم " (156). وفي رواية في مسلم أنه قال: مر رسول الله فسمعت أمي أم سليم صوته فقالت بأبي وأمي يا رسول الله: أنيس فدعا لي رسول الله ثلاث دعوت قد رأيت منها اثنتين في الدنيا وأنا أرجو الثالثة في الآخرة. وفي رواية البخاري في الأدب المفرد أنه قال: كان النبي يدخل علينا أهل البيت فدخل يوما فدعا لنا فقالت أم سليم خويدمك ألا تدعو له؟ قال: " اللهم أكثر ماله وولده وأطل حياته واغفر له " فدعا لي بثلاث فدفنت مائة وثلاثة وان ثمرتي تطعم في السنة مرتين وطالت حياتي حتى استحييت من الناس وأرجو المغفرة )157). (3) دعاؤه لسقيا المدينة المنورة و دعا النبي لسقيا المدينة حينما شكا إليه رجل الجدب، فنزل المطر أسبوعا، ثم جاء ذلك الرجل يشتكي كثرة المطر، فدعا أن يصرف الله ذلك المطر عن المدينة، فاستجاب له على الفور، فعن أنس بن مالك أن رجلا جاء إلى النبي يوم الجمعة وهو يخطب (154 )رواه الإمام مالك1011)، وأحمد–الفتح الرباني - (22/430)، والبخاري6282) ومسلم1912)، والترمذي ( 1645)، والنسائي3171)، وابن حبان7189.) (155) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني بتصرف11/78.) (156) رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (22/203)، والبخاري 1982)، ومسلم 2481)، والترمذي (3829)، وابن حبان7177.) (157) رواه البخاري في الأدب المفرد ( 653)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد 508.)
عدد الصفحات ٤٨