المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

كيف تحظى بدعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم

محمد بن إبراهيم النعيم

صفحة ٢ من ١١

17 اهـ(49). (4) ودعا للمهاجرين من أصحابه أن يمضي الله هجرتهم، فعن سعد بن أبي وقاص  أن النبي  قال: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم (50). (5) ودعا بالمغفرة لرجل قطع براجمه (51) فنزفت يداه حتى مات، فعن الطفيل بن عمرو الدوسي  أنه أتى النبي  فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة؟ قال: حصن كان لدوس في الجاهلية، فأبى ذلك النبي  للذي ذَخَرَ الله للأنصار، فلما هاجر النبي  إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة(52) فمرض فجزع فأخذ مشاقص له (53) فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه  فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله  فقال رسول الله : "اللهم وليديه فاغفر"(54) . (6) وكان يدعو لأصحابه رضي الله عنهم في أسفارهم، فعن أبي هريرة  أن رجلا قال يا رسول الله إني أريد أن أسافر فأوصني، قال:"عليك بتقوى الله والتكبير على كل شرف "، فلما أن ولى الرجل قال: "اللهم اطو له الأرض وهون عليه السفر" (55) . (7) وعن أنس قال: جاء رجل إلى النبي  فقال: يا رسول الله إني أريد سفرا فزودني، قال: " زودك الله التقوى، قال: زدني، قال: وغفر ذنبك، قال: زدني بأبي أنت وأمي، قال: ويسر لك الخير حيثما كنت " (56) . (49) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني6/628) (ح3513.) (50) رواه الإمام مالك1495)، وأحمد–الفتح الرباني - (15/185)، والبخاري1296)، ومسلم1628)، وأبو داود (2864)، والترمذي 2116)، وابن حبان7261.) (51) البراجم: العقد التي بظهر الأصابع (52) اجتووا المدينة: أي فضجروا المقام في المدينة لمرضهم فيها (53) مشاقص: سهم عريض (54 )رواه الإمام مسلم116)، والبخاري في الأدب المفرد614)، والحاكم4/86)، وابن حبان3017.) (55 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (5/59)، والترمذي 3445)، وحسنه الألباني في صحي ح الجامع (4046.) (56 )رواه الترمذي 3444)، والحاكم 2/97)، والدارمي 2671)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3579.)

عدد الصفحات ١٧

18 (8) وعندما جاءه رجل يدعي على امرأته بأن لها علاقة آثمة مع آخر وأنه يتبرأ من الحمل الذي في بطنها دعا  ربه عز وجل أن يبين الحقيقة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ذُ كر المتلاعنان عند رسول الله  فقال عاصم بن عدي في ذلك قو، ثم انصرف ، فأتاه رجل من قومه ، فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلا ، فقال عاصم: ما ابتليت بهذا الأمر إلا لقولي، فذََ هََ بََ به إلى رسول الله  ،فأخبره بالذي وجد عليه امرأته ، وكان ذلك الرجل مصفرا ، قليل اللحم، سبط الشعر، وكان الذي وجد عند أهله آدم خدلا (57)، كثير اللحم، جعدا قططا، فقال رسول الله " :اللهم بين"، فوضعت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجد عندها، فلاعن رسول الله  بينهما، فقال رجل لابن عباس في المجلس : "هي التي قال رسول الله : لو رجمت أحدا بغير بينة لرجمت هذه ؟" فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تُ ظهر السوء في الإسلام (58). (9) ودعا لرجل ضرير أن يُرد بصره بعد أن علمه دعاء يدعو به ربه، فعن عثمان بن حنيف  أن رجلا ضرير البصر أتى النبي  فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: "إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك "، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ، إني توجهت بك إلى ربي في حاج تي هذه لتُقضى لي، اللهم فشفعه في" (59). رابعا: أدعيته  لمن فعل خيراً من أصحابه رضي الله عنهم (1) عن عبد الله بن أبي أوفى َ  قال: كان النبي إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: " اللهم صل على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفى" (60)، وذلك استجابة لأمر ربه عز وجل حينما أمره الله تعالى بالدعاء لهم فقال له  خُذْ مِنْ أَمْوَالِه مْ (57 )خدلا أي ممتلئ الساقين (58 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (17/30)، والبخاري5316)، ومسلم1497)، والنسائي3470.) (59 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (14/298)، والترمذي واللفظ له 3578) وابن ماجه1385)، والحاكم (1/313)، والطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 2832.) (60) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (22/280)، والبخاري1498)، ومسلم1078)، وأبو داود1590)، والنسائي (2459)، وابن ماجه1796)، وابن حبان917.)

عدد الصفحات ١٨

19 صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيه م ب هَا وَصَلِّ عَلَيْه مْ إ نَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  [ 103.] (2) ودعا لشاعره حسان بن ثابت بالتأييد عندما كان يجاهد المشركين بلسانه فيهجوهم بشعره، فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري  يستشهد أبا هريرة ، أنشدك الله هل سمعت النبي يقول: "يا حسان أجب عن رسول الله  ، اللهم أيده بروح القدس؟" قال أبو هريرة: نعم (61). (3) وروى وائل بن حجر  أن النبي بعث ساعيا، فأتى رجلا فآتاه فصي (62)مخلو(63) فقال النبي "بعثنا مُصْد ق الله ورسوله وإن فلانا أعطاه فصيلا مخلولا، اللهم لا تبارك فيه ولا في إبله"، فبلغ ذلك الرجل، فجاء بناقة حسناء، فقال: أتوب إلى الله عز وجل وإلى نبيه  ، فقال النبي  : "اللهم بارك فيه وفي إبله (64) . (4) وروى عمرو بن مرة رحمه الله تعالى قال: سمعت أبا حمزة–هو طلحة بن يزيد - قال: قالت الأنصار: يا رسول الله إن لكل نبي أتباعا، وإنا قد تبعناك، فادع الله عز وجل أن يجعل أتباعنا منا، قال فدعا لهم أن يجعل أتباعهم منهم، وفي رواية للبخاري قال النبي : "اللهم اجعل أتباعهم منهم(65) . (5) ودعا لرجل هدم بناء كان فوق حاجته استجابة لأمره ، فعن أنس قال: مر رسول الله  بقبة على باب رجل من الأنصار فقال: "ما هذه؟" قالوا: قبة بناها فلان، قال رسول الله  : "كل مال يكون هكذا فهو وبال على صاحبه يوم القيامة"، فبلغ الأنصاري ذلك، فوضعها فمر النبي  بعد فلم يرها، فسأل عنها، فأُخبر أنه وضعها لما بَلَغَه عنك، فقال "يرحمه الله يرحمه الله" (66). وخلاصة ذلك أن رسول  كان يحث أصحابه رضي الله عنهم على فعل الخير، (61) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (3/273)، والبخاري453)، ومسلم2485) ، والنسائي716)، وابن حبان (7148.) (62) الفصيل هو ولد الناقة إذا فصل عن أمه (63) مخلولا أي مهزو (64) رواه النسائي2458)، وصححه الألباني في صحيح النسائي (2306.) (65) رواه الإمام أحمد–المسند - (18848)، والبخاري3788.) (66) رواه أبو داود5237)، وابن ماجه4161)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن صحيح (1874.)

عدد الصفحات ١٩

20 ويكافئهم على ذلك بالدعاء لهم، وهو أ دب جميل يحسن التأسي به لحث الناس على فعل الطاعات. خامسا: أدعيته  لأصحابه رضي الله عنهم في أمور عامة (1) كان يدعو لأصحابه رضي الله عنهم في كل مجلس يجلسه، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قلما كان رسول الله  يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا" (67) . (2) وكانوا رضي الله عنهم يأتون بأطفالهم إليه  ليحنكهم ويدعو لهم، فعن أبي موسى الأشعري  أنه قال: وُلد لي غلام، فأتيت به النبي فسماه إبراهيم، فحنكه ودعا له بالبركة ودفعه إلي (68) . (3) وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم ويدعو لهم (69) . (4) وروى حذيفة بن اليمان  قال: كان رسول  إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه(70) ودعا له، قال: فرأيته يوما بكرة فَحَدَتُّ عنه (71)، ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال: إني رأيتك فَحَدَت عني، فقلت: إني كنت جنبا فخشيت أن تمسني، فقال رسول الله  : إن المسلم لا ينجس(72). (5) ودعا لأبي بكر الصديق بالمغفرة وفي رواية بالرحمة، فعن أبي بكر  قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية  لَّيْسَ ب أَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِي أَهْل الْكِتَاب مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ ب هِ  (67 )رواه الترمذي 3502)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع1268.) (68) رواه البخاري في الأدب المفرد (840)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد 644.) (69) رواه البخاري6355)، ومسلم2147)، وأبو داود5106 .) (70) ماسحه: أي صافحه (71) فحدت عنه: أي ملت عنه إلى جهة أخرى (72 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (1/253)، والبخاري283)، ومسلم(372)، والترمذي 121)، وأبو داود (230)، والنسائي واللفظ له267)، وابن ماجه535.)

عدد الصفحات ٢٠

21 [123] : "غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى، قال: "فهو ما تجزون به" (73). (6) ودعا لعمر بن الخطاب بالشهادة، حيث جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأى النبي  على عمر بن الخطاب ثوبا أبيض، فقال: "أجديد قميصك أم غسيل؟" فقال: بل جديد، فقال النبي : "البس جديدا، وعش حميدا، ومُت شهيدا(74). قال السندي قوله "البس جديدا" صيغة أمر أُريد به الدعاء بأن يرزقه الله الجديد..اهـ (75) . (7) ودعا لعلي بن أبي طالب حينما مات أبو طالب، حيث روى بنفسه قائلا: قلت للنبي  إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: " اذهب فوار أباك ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني"، فذهبت فواريته وجئته، فأمرني فاغتسلت ودعا لي (76). (8) ودعا لعائشة رضي الله عنها، ف عن عائشة رضي الله عنها أ نها قالت: لما رأيت من النبي  طيب نفس، قلت: يا رسول الله ادع الله لي ، فقال: "اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر ، ما أسرت وما أعلنت "، فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك، قال لها رسول الله " :أيسرك دعائى "؟ فقالت: وما لي لا يسرني دعاؤك ! فقال " :والله إنها لدعائي لأمتي في كل صلاة" (77) . (9) ودعا لمرأة وزوجها حين طلبت منه الزوجة ذلك، فعن جابر بن عبد  أن امرأة قالت للنبي  صل علي ََ وعلى زوجي، فقال " صلى الله عليك وعلى زوجك " (78) . (10) ودعا لمعاوية بن أبي سفيان أن يكون هاديا مهديا، فعن عبد الرحمن بن أبي عميرة (73) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (18/121)، وابن حبان2929)، والحاكم3/74)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (2918.) (74) رواه الإمام أحمد–الفتح الرب اني- (17/235)، وابن ماجه3558)، وابن حبان واللفظ له6897)، وقال الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: صحيح لغيره ( 6858.) (75) شرح سنن ابن ماجه للسندي 2/368.) (76) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (20/225)، وأبو داود3214)، والنسائي 2006)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2753.) (77 )رواه ابن حبان7067)، والحاكم4/11)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (7111.) (78 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (22/208)، وأبو داود1533)، والدارمي 45)، وابن حبان916)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1357.)

عدد الصفحات ٢١

22  أن النبي قال لمعاوية: " اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به(79) . (11) ودعا للعباس وولده رضي الله عنهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول  للعباس: " إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتى أدعو لك بدعوة ينفعك الله بها وولدك، فغدا وغدونا معه وألبسنا كساء ثم قال: اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا اللهم احفظه في ولده" (80) . (12) ودعا لأبي شريح ولولده بالبركة، فعن هانئ  أنه لما وفد إلى رسول  مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله  فقال: "إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم"؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، فقال: رسول الله  : "ما أحسن هذا، فما لك من الولد؟" قال: لي شريح ومسلم وعبد الله، قال: "فمن أكبرهم" ؟ قلت: شريح، قال: "ف أنت أبو شريح" ، فدعا له ولولده (81). (13) ودعا لعُك اشة بن محصن أن يكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال: النبي  "عرضت علي الأمم فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والن بي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل هؤلاء أمتي؟ قال: لا ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون و على ربهم يتوكلون، فقام إليه عُك اشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام إليه رجل آخر قال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عُك اشة" (82). (14) ودعا لحذيفة بن اليمان ولأمه رضي الله عنهما بالمغفرة، فعن حذيفة  قال: سألتني أمي منذ متى عهدك بالنبي ؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا، قال: فنالت مني وسبتني، قال: فقلت لها: دعيني فإني آتي النبي  فأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي (79 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (22/356)، والترمذي 3842) ، وابن حبان 7210)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ( 3018.) (80 )رواه الترمذي 3762) ، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي 2962.) (81 )رواه أبو داود4955)، والنسائي5387)، وابن حبان (504)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (504.) (82 )رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني -(20/84)، والبخاري واللفظ له 6541)، ومسلم 218)، والترمذي (2446) ، وابن حبان7244)، والدارمي 2807.)

عدد الصفحات ٢٢

23 ولك، قال: فأتيت النبي  فصليت معه المغرب فصلى النبي  العشاء ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فنا جاه ثم ذهب، فاتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة، قال: ما لك؟ فحدثته بالأمر، فقال: غفر الله لك ولأمك " (83) . (15) ودعا لأبي بكرة  بزيادة الحرص على الصلاة عندما تأخر عنها، فعن أبي بكرة  أنه انتهى إلى النبي  وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي  فقال: " زادك الله حرصا ولا تَعُدْ(84) . (16) ودعا لجابر بن عبد بالمغفرة عشرين مرة، فعن جابر بن عبد  قال: كنت مع النبي  في غزوة، فقال لي: أتبيع ناضحك هذا بدينار والله يغفر لك؟ قلت: يا رسول الله هو ناضحكم إذا أتيت المدينة، قال: فتبيعه بدينارين والله يغفر لك؟ قال: فما زال يزيدني دينارا دينارا، ويقول مكان كل دينار: والله يغفر لك، حتى بلغ عشرين دينارا، فلما أتيت المدينة، أخذت برأس الناضح، فأتيت به النبي  فقال: "يا بلال أعطه من الغنيمة عشرين دينارا"، وقال: انطلق بناضحك فاذهب به إلى أهلك" (85). (17) ودعا لعبد الله بن مسعود بالرحمة، حيث روى بنفسه قائلا: كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله  وأبو بكر، فقال: "يا غلام هل من لبن؟" قال: قلت نعم، ولكني مؤتمن، قال: "فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟" فأتيته بشاة، فمسح ضرعها، فنزل لبن فحلب ه في إناء، فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: "اقلص"، فقلص، قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول، قال: فمسح رأسي وقال: "يرحمك الله فإنك غليم معلم". وفي رواية قال: ثم أتيته بعد ذلك، قلت: علمني من هذا القرآن، قال: "إنك غلام معلم"، قال: فأخذت من فيه سبعين سورة (86) . (18) ودعا لأبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة  ليسليه في مصيبته، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله  بقتلى بدر، فسحبواإلى القليب، فطرحوا فيه، ثم جاء حتى وقف عليهم، فقال: "يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدتُ ما وعدن ي ربي (83 )رواه الإمام أحمد واللفظ له –الفتح الرباني - (22/221)، والترمذي 3781)، وابن حبان 7126)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ( 305.) (84) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (5/329)، والبخاري783) ، وأبو داود683)، والنسائي871.) (85) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (22/209)، والبخاري2097)، ومسلم715)، والنسائي (4637)، وابن ماجه واللفظ له (2205)، وابن حبان7141.) (86) رواه الإمام أحمد واللفظ له–الفتح الرباني - (22/65)، وابن حبان7061)، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (7021.)

عدد الصفحات ٢٣

24 حقا"، قالوا: يا رسول الله تكلم قوما موتى؟ قال: "لقد علموا أن ما وعدتهم حقا"، فلما رأى أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة أباه يسحب إلى القليب؛ عرف رسولُ الله  الكراهية في وجهه، فقال: "كأنك كاره لما ترى؟" فقال: يا رسول الله إن أبي كان رجلا سيدا حليما، فرجوتُ أن يهديه الله إلى الإسلام، فلما وقع بالموقع الذي وقع به، أحزنني ذلك، فدعا رسول الله  لأبي حذيفة بخير(87) . (19) ودعا بالرحمة لرجل عطس وحمد الله، فعن سلمة بن الأكوع  أنه سمع النبي  وعطس رجل عنده فقال له: " يرحمك الله"، ثم عطس أخرى فقال له رسول  : "الرجل مزكوم" (88). (20) ودعا بالرحمة لرجل استفتاه، فعن ابن عباس أن رجلا أتى النبي  قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال: يا رسول الله إني قد ظاهرت من زوجتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال: "وما حملك على ذلك يرحمك الله؟" قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: "فلا تقرب ها حتى تفعل ما أمرك الله به" (89). (21) وكان بعض التابعين يفخر بأنه من الجيل الذي دعا له رسول  بالمغفرة ، فعن عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب  قال: لقد عهد إلي النبي الأمي  أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، قال عدي بن ثابت : أنا من القرن الذين دعا لهم النبي  (90) . قال ابن العربي في معنى قوله  " لا يحبك إلا مؤمن" : أي لا يحبك حبا مشروعا مطابقا للواقع زيادة ونقصان ليخرج النُصيري والخارجي، فمن أحبه وأبغض الشيخين مثلا فما أحبه حبا مشروعا، أيضا ولا يبغضك إلا منافق أي حقيقة أو حكم، (أنا من القرن الذين دعا لهم النبي ) أي من الجماعة الذين دعا لهم النبي بقوله "اللهم وال من (87) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني ( 21/41)، وابن حبان واللفظ له (7088)، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (7046.) (88) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني ( 17/329)، ومسلم2993)، والترمذي 2743)، وأبو داود5037)، وابن حبان (603)، والدارمي 2661.) (89) رواه الترمذي 1199)، والنسائي3457)، وابن ماجه(2065)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (958.) (90 )رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (23/121)، ومسلم78)، والترمذي 3736)، والنسائي5018)، وابن ماجه (114.)

عدد الصفحات ٢٤

25 والاه" كما في حديث البراء زيد بن أرقم عند أحمد اهـ (91) . وهكذا كان رسول  يدعو لأصحابه ولأبنائهم رضي الله عنهم أجمعين لصالح دينهم ودنياهم، أما إخوانه وهم الذين لم يروه من المسلمين، فماذا لهم؟ وهل دعا لهم عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو الرحمة المهداة لجميع الثقلين ؟ وكيف يحظون بدعائه  ؟ تابع فقرات الكتاب لتعرف الجواب. المبحث الثاني المواقف التي امتنع فيها النبي  عن الدعاء لبعض أصحابه رضي الله عنهم رغم ما تقدم من كثرة دعاء النبي  لأصحابه رضي الله عنهم في جميع شؤونهم وحرصه  على تحقيق أمنياتهم، إلا أنه امتنع عن الدعاء لهم في بعض الأحيان، وسأذكر بعض المواقف التي توقف فيها رسول الله  عن الدعاء لبعض أصحابه رضي الله عنهم، وما سيمتنع فيها  عن الدعاء لأحد يوم القيامة ومن ذلك: (1) امتناعه عن الدعاء للخباب بن الأرت  طلب الخباب بن الأرت  من النبي أن يدعو له برفع البلاء عنه وعن إخوانه من الصحابة الذين يقاسون ألم التعذيب والاضطهاد على أيدي المشركين، فأمره النبي  بالتصبر ولم يدع له، ففي الصحيحين من حديث الصحابي الجليل خباب بن الأرت  أنه قال: شكونا إلى رسول الله  وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (92) ولعل سائلا يقول: ما الحكمة من امتناع رسول  عن الدعاء لهؤلاء المضطهدين بأن يرفع الله عنهم هذا البلاء الشديد الذي وقع بهم خصوصا أنهم طلبوا ذلك منه  وهو المبعوث رحمة للعالمين ؟ (91 )تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 10/239.) (92) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (22/229)، والبخاريواللفظ له (6943)، وأبو داود2649.)

عدد الصفحات ٢٥

26 قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قال ابن بطال: إنما لم يجب النبي  سؤال خباب ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى ادعوني استجب لكم وقولهفلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا  لأنه علم أنه قد سبق القدر بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها كما جرت به عادة الله تعالى في من اتبع الأنبياء فصبروا على الشدة في ذات الله، ثم كانت لهم العاقبة بالنصر وجزيل الأجر، قال: فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة لأنهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبي  انتهى ملخصا، وليس في الحديث تصريح بأنه  لم يدع لهم بل يحتمل أنه دعا، وإنما قال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الخ" تسلية لهم وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدورة، والى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث "ولكنكم تستعجلون" اهـ (93) . ولعل من الحكمة أيضا، أن رسول الله  أراد تقديم درس لسائر المؤمنين الذين سيبتلون في دينهم بضرورة الصبر وعدم استعجال النصر، وأن سنة الله عز وجل في أصفيائه هي تمحيصهم لرفع درجاتهم، فلذا ينبغي عدم اليأس وأن لا ينقلب على عقبه كل من لم ي قطف ثمرة جهاده ودعوته، أو لم يرَ النصر يتحقق لدعوته وهو على قيد الحياة، لأنه قد يكون جسرا لغيره إلى ذلك، ولنا في رسول الله  أسوة حسنة الذي مهد الطريق للمسلمين لغزو فارس والروم ولم يتحقق له ذلك في حياته ، ولو أن رسول  دعا لخباب بالفرج حين طلب منه ذلك، فقد ييأس من سيبتلى على شاكلته، لأنه لن يجد رسول الله  ماثلا أمامه يدعو له (2) امتناعه عن الدعاء بالتوسيع على الأمة في العيش طلب عمر بن الخطاب  من النبي أن يدع الله تعالى ليوسع على الأمة فامتنع عن ذلك، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب  دخل بيت النبي فرفع بصره في أنحاء البي ت وقال: فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر، غير أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم وُسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، وكان متكئا فقال: "أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا"، فقلت: يا رسول الله استغفر لي.. الحديث (94) . لم يستجب النبي  لرغبة الفاروق ، لعل الحكمة في ذلك؛ علم النبي  بأن التوسعة لجميع الأمة فيه إضرار عليها؛ لما في ذلك من وقوعها في الترف والدعة، وترك الجهاد، والركون إلى الدنيا والتنافس فيها، فتهلكنا كما أهلكت من كان قبلنا، وقد قال تعالى وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ (93) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني12/331) (ح6943.) (94) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (18/314)، والبخاري واللفظ له2468)، ومسلم1479)، والترمذي (3318.)

عدد الصفحات ٢٦

27 الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض وَلَكِن يُنَزِّلُ ب قَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إ نَّهُ ب عِبَادِهِ خَب يرٌ بَصِيرٌ  [27.] (3) امتناعه عن الدعاء للعراق بالبركة وطلب بعض الصحابة رضي الله عنهم منه  أن يدعو بالبركة للعراق فامتنع، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر النبي  "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان" (95). وفي رواية عند الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعا نبي  فقال اللهم بارك لنا في صاعنا ومُدنا، و بارك لنا في شامنا ويمننا، فقال رجل من القوم: يا نبي الله! و عراقنا ؟ قال: " إن بها قرن الشيطان، وتهيُّجَ الفتن، وإن الجفاء بالمشرق"(96). قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قال المهلب: إنما ترك  الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن اهـ، ثم قال بعد أن نقل كلام الخطابي في معنى القرن: وقال غيره: كان أهل المشر ق يومئذ أهل كفر فأخبر  أن الفتنة تكون من تلك الناحية فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة، وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة اهـ(97). (95) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (23/289)، والبخاري1037)، والترمذي 3953.) (96) رواه الطبراني في الكبير 13422)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره 1204.) (97) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني13/50) (ح7094.) * لقد أخبر النبي بأن مصدر الفتن وأكثر خروجها يكون من جهة المشرق، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله  وهو مستقبل المشرق يقول: "ألا إن الفتنة هاهنا، ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان"، وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضا قال: خرج رسول الله  من بيت عائشة فقال"رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان، يعني المشرق"، ولقد تحقق ما أخبر به الصادق المصدوق ، فأكثر مقالات الكفر كان منشأها من المشرق، فالزردشتية والمانوية والمدكية والبهائية؛ ملل خرجت من جهة المشرق؛ من جهة إيران، والهندوسية والبوذية والقاديانية؛ ملل أخرى كافرة، خرجت من المشرق من جهة الهند، وهكذا تتابعت الفتن من جهة المشرق وكان من بينها خروج التتار في القرن السابع الهجري ضد المسلمين، فحدث على أيديهم الدمار والقتل والأمور العظام التي لا يصدقها عقل، لولا أن المؤرخين دونوا أحداثها في كتبهم.

عدد الصفحات ٢٧

28 (4) امتناعه عن الدعاء لإحياء رجل قتلته الجن كما طلبوا منه  أن يدعو الله عز وجل ليحيي رجلا قتله أحد الجن، فامتنع ، فعن ولا يزال المشر ق منبعا للفتن والشرور والخرافات والإلحاد، فالشيوعية والاشتراكية مثلا، خرجت من المشرق من جهة روسيا، وسيكون ظهور الدجال ويأجوج ومأجوج من جهة المشرق أيضا، وهما شر فتنة غائبة تنتظر المسلمين. ومن الجهات الشرقية التي خصها النبي  بكثرة خروج الفتن منها؛ أرض العرا ق، حيث روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعا نبي الله  فقال اللهم بارك لنا في صاعنا ومُدنا، و بارك لنا في شامنا ويمننا، فقال رجل من القوم: يا نبي الله! و عراقنا ؟ قال: " إن بها قرن الشيطان، وتهيُّجَ الفتن، وإن الجفاء بالمشرق". ولقد شهد التاريخ بخروج فتن كثيرة من أرض العراق، فتن فرقت المسلمين وجعلتهم أحزابا وشيعا، فبعد مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ؛ الذي كان بابا مغلقا دون الفتن، ظهرت الفتن العظيمة، وظهر دعاتها، وكان أول هذه الفتن مقتل عثمان بن عفان  على يد طائفة من دعاة الشر والفتنة تألبوا عليه من العراق، كما حدثت موقعة الجمل وصفين في العراق، وهما معركتان عظيمتان وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم، قتل فيهما أكثر من سبعين ألفا من المسلمين، ثم تلا تلك خروج العديد من الف رق الإسلامية من أرض العراق، فرقا منحرفة، فرقت وحدة المسلمين، كل فرقة تدعو إ لى نفسها، وتد عي أنها على الحق، وغيرها على باطل؛ كالخوارج والروافض والباطنية والقدرية والجهمية والمعتزلة، كما وقعت فتنة عظيمة أخرى في كربلاء من أرض العراق، على يد زمرة منحرفة، ذُبح على أثَرها حفيد رسول الله  الحسينُ ومجموعة من آل البيت الكرام، كما شيدت على تلك الأرض ما يسمى بالعتبات المقدسة، وقدست بعض الأماكن وعبدت من دون الله، ووقع ملايين من المسلمين في الشرك الأكبر، وهكذا تتابعت الفتن التي يصعب حصرها من أرض العراق منبع الفتن كما قال  . ومن الفتن العظيمة التي خرجت من أرض العراق في وقتنا المعاصر؛ فتنة أضرت بالعالم الإسلامي أجمع وفرقته، وأقلقت المجتمع الدولي؛ هي اعتداء العراق على دولة الكويت، مما حدا بمعظم دول العالم أن تتحالف فيما بينها وتحاصر أرض العراق بجيوش جرارة وأسلحة فتاكة وتسقط عليه آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ في غارات جوية لم يشهد التاريخ لها مثيلا من قبل، ومكنت أعداء الإسلام من استيطان بعض بلاد المسلمين. وستستمر أرض العراق منبعا للفتن، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة  أن رسول  قال لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة؛ تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو"، وقد أوصى النبي  الأمة أن لا تأخذ من ذلك الكنز شيئا، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة  أن رسول  قال: " يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا"، فلا نعجب بعد ذلك من امتناع رسول الله  من الدعاء لأرض العراق!

عدد الصفحات ٢٨

29 أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته قال: فوجدته يصلي، ف جلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت، فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها، فأشار إلي أن اجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله  إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله  بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما فقال له رسول الله  : "خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة"، فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها الرمح ليطعنها به وأصابته غيرة، فقالت له: ا كفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى، قال: فجئنا إلى رسول الله  فذكرنا ذلك له وقلنا: اد ع الله يحييه لنا، فقال:" استغفروا لصاحبكم"، ثم قال: "إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" (98) . (5) تركه الدعاء لرجل بدخول الجنة بغير حساب وطلب رجل من رسول الله  أن يدعو الله له ليكون ممن يدخل الجنة بغير حساب عندما دعا لعُك اشة  بذلك، فامتنع عن ذلك بأسلوب كله أدب وذوق لم يجرح فيه مشاعر ذلك الرجل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي  : "عرضت علي الأمم فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، وا لنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل هؤلاء أمتي؟ قال: لا ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام إليه رجل آخر قال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عُك اشة" (99). قال أبو حاتم: قوله: "سبقك بها عُك اشة": لفظة إخبار عن فعل ماض مرادها: الزجر عن الشيء الذي من أجله أطلق هذه اللفظة، وذلك أن المصطفى  لما دعا لعُك اشة وقال "اللهم اجعله منهم"، ثم قام الأخر، فلو دعا له لقام الثالث والرابع، وخرج الأمر إلى ما لا نهاية له، ولبطل وعيد الله –جل وعلا- لمن ارتكب المزجورات من هذه الأمة لرسول الله  أن يدخلهم (98) رواه الإمام مالك1828)، وأحمد–الفتح الرباني - (16/18)، ومسلم واللفظ له2236)، وأبو داود (5257)، وابن حبان6157.) (99) سبق تخريجه في الحاشية رقم 82.)

عدد الصفحات ٢٩

30 النار، فحسمهم ذلك عن نفسه بلفظة إخبار؛ مرادها الزجر عنه اهـ (100). (6) تركه الدعاء لعجوز بدخول الجنة وطلبت امرأة عجوز منه  أن يدع الله لها بدخول الجنة، فامتنع مداعبا لها، ومعل بأن الجنة لا يدخلها عجوز، حيث روتعائشة رضي الله عنها أن النبي  أتته عجوز من الأنصار فقالت: يا رسول الله  ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: "إن الجنة لا يدخلها عجوز"، فذهب يصلي ثم رجع ، فقالت عائشة: لقد لقيت من كلمتك مشقة، فقال: "إن ذلك كذلك، إن الله إذا أدخلهن الجنة حولهن أبكارا " (101) . (7) تركه الدعاء بالشهادة في سبيل لأبي أمامة  وروى أبو أمامة قال: أنشأ رسول  جيشا ، فأتيته فقلت له: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال : اللهم سلمهم وغنمهم ، فغزونا فسلمنا وغنمنا ، حتى ذكر مثل ذلك ثلاث مرات قال : ثم أتيته فقلت : يا رسول الله إني أتيتك تترى ثلاث مرات أسألك أن تدعو الله لي بالشهادة فقلت : اللهم سلمهم وغنمهم ، فسلمنا وغنمنا ، يا رسول الله فمرني بعمل أدخل به الجنة ؟ فقال عليك بالصوم فإنه لا مثل له، قال: فكان أبو أمامة لا يُرى في بيته الدخان نهارا إلا إذا نزل بهم ضيف ، فإذا رأوا الدخان نهارا عرفوا أنه قد اعتراهم ضيف (102) . (8) امتناعه عن الاستغفار لأسامة بن زيد  حين قتل رجلا خطأ وطلب أسامة بن زيد  من رسول  الاستغفار له لأنه قتل رجلا بالخطأ في إحدى الغزوات، فامتنع  عن ذلك، فعن جندب بن عبد الله البجلي أن رسول  بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشرك ين، وإنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته، قال: وكنا نحدث أنه أسامة بن زيد، فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله، فجاء البشير إلى النبي  فسأله، فأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله، فقال: ل مَ قتلته؟ قال: يا رسول الله أوجع في المسلمين وقتل فلانا وفلانا، وسمى له نفرا، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، قال رسول الله : أقتلته؟ قال: نعم، قال: فكيف تصنع بلا إله إ (100) صحيح ابن حبان10/297) (ح7244.) (101) رواه الطبراني في الأوسط، وعبد بن حميد، وال ترمذي في الشمائل ( 205)، والبيهقي في الشعب، وحسنه الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام ( 375.) (102 )رواه ابن حبان في موارد الظمآن 929)، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (769.)

عدد الصفحات ٣٠

31 إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: يا رسول الله استغفر لي، قال: وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة (103) . وفي رواية للبخاري أن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول إلى الحرقة فصب حنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي  فقال: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قلت: كان متعوذا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. (9) امتناعه عن الصلاة على مَنْ عليه دَيْن وطلب الصحابة رضي الله عنهم ذات يوم من النبي  أن يصلي على جنازة رجل عليه دين فأبى حتى يسدَد دينه، والصلاة دعاء واستغفار، ففي الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع  قال كنا جلوسا عند النبي إذ أتي بجنازة، فقالوا: صل عليها، فقال: "هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله صل عليها، قال: هل عليه دين؟ قيل نعم، قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: ثلاثة دنانير فصلى عليها، ثم أتي بالثالثة فقالوا: صل عليها، قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا ، قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه، فصلى عليه (104) . وعن جابر  قال: توفي رجل، فغسلناه وحنطناه وكفناه، ثم أتينا به رسول  يصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه، فخطا خطى ثم قال: "أعليه دين؟" قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه، فقال أبو قتادة: الديناران علي، فقال رسول الله : "أحق الغريم وبرئ منهما الميت؟" قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: لقد قضيتهما، فقال رسول الله  : "الآن بردت عليه جلده" (105). وقال محمد شمس الدين آبادي رحمه الله تعالى: قال القاضي رحمه الله وغيره: وامتناع (103) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (21/881)، والبخاري4269)، ومسلم واللفظ له97.) (104) رواه الإمام أحمد –الفتح الرباني - (15/89)، والبخاري واللفظ له 2289)، والترمذي 1069)، والنسائي (1960)، وابن ماجه2407 .) (105) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (15/101)، والحاكم، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1812 .)

عدد الصفحات ٣١

32 النبي عن الصلاة على المديون الذي لم يدع وفاء إما للتحذير عن الدين، والزجر عن المماطلة والت قصير في الأداء، أو كراهة أن يوقف دعاؤه بسبب ما عليه من حقوق الناس ومظالمهم اهـ (106). وإنما فعل النبي ذلك لأنه لم يكن يملك حينها مالا لكي يسدد ديون من مات من أصحابه، وعندما فتح الله عليه من الفتوح وحصل على الغنائم أصبح يصلي على المديون من أصحابه، فعن أبي هريرة  أن رسول  كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل "هل ترك لدينه فضلا؟" فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم"، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعلي ق ضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته" (107). واعلم أن من استلف أموال الناس وهو لا يريد إرجاعها فمات لقي الله سارقا، فعن صهيب الخير  قال: قال رسول : "أيما رجل تداين دينا وهو مُجمع أن لا يوفيه إياه؛ لقي الله سارقا" (108). (10) تركه الصلاة والاستغفار لماعز بن مالك الأسلمي  وترك النبي  الصلاة على ماعز بن مالك الأسلمي  بعدما رجم، وأمر غيره بالصلاة عليه والاستغفار له ردعا لغيره، فعن أبي برزة الأسلمي  أن رسول  لم يصل على ماعز بن مالك ولم ينه عن الصلاة عليه (109) . وعن أبي سعيد الخدري قال: لما أمر النبي برج م ماعز بن مالك، خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما أوثقناه ولا حفرنا له، ولكنه قام لنا، قال أبو كامل: قال: فرميناه بالعظام والمدر والخزف، فاشتد واشتددنا خلفه، حتى أتى عرض الحرة، فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت، قال فما استغفر له ولا سبه (110). قال النووي رحمه الله تعالى تعليقا على قول الراوي: (فما استغفر له ولا سبه): أما عدم السب فلأن الحد كفارة له مطهرة له من معصيته، وأما عدم الاستغفار فلئلا يغتر غيره فيقع في (106) عون المعبود شرح سنن أبي داود لآبادي9/193) (ح3343 .) (107) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (15/95)، والبخاري واللفظ له2298)، ومسلم1619)، والترمذي (1070)، وأبو داود3343)، والنسائي1963)، وابن ماجه2415 .) (108) رواه ابن ماجه4102)، والبيهقي، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن لغيره 1802.) (109) رواه أبو داود3186)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود2728.) (110) رواه الإمام أحمد–الفتح الرباني - (16/99)، ومسلم1694)، وأبو داود4431)، والدارمي 2319.)

عدد الصفحات ٣٢