المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جامع أحكام الجان

محمد بن نصر أبي جبل

صفحة ٦ من ٣٧

- 71 - كقاؿ ابن حجر الهيتمي في الفتاكل الحديثية (ص: ٔٔ): كجمهور الخلف كالسلف أنو لم يكن فيهم رسوؿ كلا نبي خلبفان للضحاؾ ا.ىػ كقاؿ الشبلي في آكاـ المرجاف (صّْ): كجمهور العلماء سلفان كخلفان على أنو لم يكن من الجن قط رسوؿ، كلم تكن الرسل إلا من الإنس، كنقل معنى ىذا عن ابن عباس، كابن جريج، كمجاىد، كالكلبي، كأبي عبيد، كالواحدم ا.ىػ ك قاؿ الإماـ ابن القيم في طريق الهجرتين (ُ/ ُْٔ): كلما كاف الإنس أكمل من الجن كأتم عقولان ازدادكا عليهم بثلبثة أصناؼ أخر ليس شيء منها للجن كىم: الرسل، كالأنبياء، كالمقربوف، فليس في الجن صنف من ىؤلاء بل حليتهم الصلبح ا.ىػ كقاؿ الإماـ محمد بن عبد الوىاب كما في مؤلفات الشيخ القسم الرابع –التفسير- (صُٕٗ)، (ك ص ُُِ-ُِِ)، (كصِّٓ): كأف الرسل من البشر كلهم رجاؿ، كليس في الجن كلا في النساء رسل، كأنهم من أىل القرل ا.ىػ كقاؿ العلبمة الشنقيطي في أضواء البياف (ِ/ُٖٖ): قولو تعالى{ :يىا مىعٍشىرى الٍجًنّْ كىالأًٍنٍسً أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مًنٍكيمٍ }الآية. قاؿ بعض العلماء: المراد بالرسل من الجن نذرىم الذين يسمعوف كلبـ الرسل، فيبلغونو إلى قومهم، كيشهد لهذا أف الله ذكر أنهم منذركف لقومهم في قولو{ :كىإًذٍ صىرىفػٍنىا إًلىيٍكى نػىفىران مًنى الٍجًنّْ يىسٍتىمًعيوفى الٍقيرٍآفى فػىلىمَّا حىضىريكهي قىاليوا أىنٍصًتيوا فػىلىمَّا قيضًيى كىلَّوٍا إًلىى قػىوٍمًهًمٍ مينٍذًرًينى [ }ْٔ/ِٗ] كقاؿ بعض العلماء{ :ريسيله مًنٍكيمٍ [ }ٔ/َُّ]، أم من مجموعكم الصادؽ بخصوص الإنس: لأنو لا رسل من الجن، كيستأنس لهذا القوؿ بأف القرآف ربما أطلق فيو المجموع مرادان بعضو، كقولو{ :كىجىعىلى الٍقىمىرى فًيهًنَّ نيوران [ }ُٕ/ُٔ]، كقولو: {فىكىذَّبيوهي فػىعىقىريكىىا[ }ُٗ/ُْ]، مع أف العاقر كاحد منهم، كما بينو بقولو{ :فػىنىادىكٍا صىاحًبػىهيمٍ فػىتػىعىاطىى فػىعىقىرى [ }ْٓ/ِٗ]، كاعلم أف ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمو الله

عدد الصفحات ٨١

- 72 - كغيره من أجلبء العلماء في تفسير ىذه الآية: من أف قولو{ :يىخٍريجي مًنػٍهيمىا اللُّؤٍليؤي كىالٍمىرٍجىافي [ }ٓٓ/ِِ]، يراد بو البحر الملح خاصة دكف العذب غلط كبير، لا يجوز القوؿ بو. لأنو مخالف مخالفة صريحة لكلبـ الله تعالى، لأف الله ذكر البحرين الملح كالعذب، بقولو{ :كىمىا يىسٍتىوًم الٍبىحٍرىافً ىىذىا عىذٍبه فػيرىاته سىائًغه شىرىابيوي كىىىذىا مًلٍحه أيجىاجه } [ّٓ/ُِ]، ثم صرح باستخراج اللؤلؤ كالمرجاف منها جميعان بقولو{ :كىمًنٍ كيل تىأٍكيليوفى لىحٍمان طىرًيٌان كىتىسٍتىخٍرًجيوفى حًلٍيىةن تػىلٍبىسيونػىهىا}، كالحلية المذكورة ىي اللؤلؤ كالمرجاف، فقصره على الملح مناقض للآية صريحان، كما ترل. استدؿ الجمهور بالكتاب كالسنة. أكلان : الأدلة من الكتاب: كمنها: ُ - قولو تعالى: (كىمىا أىرٍسىلٍنىا مًن قػىبٍلًكى إًلاَّ رًجىالان نُّوحًي إًلىيٍهًم مّْنٍ أىىٍلً الٍقيرىل) [يوسف: َُٗ] قاؿ القرطبي في تفسيره (ٗ/ ِْٕ): كىذا رد على القائلين: (كىقىاليواٍ لىوٍلا أينزًؿى عىلىيٍوً مىلىكه ) [الأنعاـ: ٖ]أم: أرسلنا رجالان ليس فيهم امرأة، كلا جني، كلا ملك .. قاؿ الحسن: لم يبعث الله نبيان من أىل البادية قط، كلا من النساء، كلا من الجن .. قاؿ العلماء: من شرط الرسوؿ أف يكوف آدميا مدنيان، كإنما قالوا آدميان تحرزان من قولو: يػىعيوذيكفى بًرًجىاؿو مّْنى الٍجًنّْ فػىزىاديكىيمٍ رىىىقنا [الجن: ٔ]كا أعلم ا.ىػ. كقاؿ الإماـ ابن القيم طريق الهجرتين (ُ/ُْٔ) في الآية: فهذا يدؿ على أنو لم يرسل جنيان ، كلا امرأة، كلا بدكيان، كأما تسميتو تعالى الجن رجالان في قولو: (كىأىنَّوي كىافى رًجىاؿه مّْنى الإًنسً يػىعيوذيكفى بًرًجىاؿو مّْنى الٍجًنّْ فػىزىاديكىيمٍ رىىىقنا) [الجن: ٔ]فلم يطلق عليهم الرجاؿ، بل ىي تسمية مقيدة بقولو: (مّْنى الٍجًنّْ ) فهم رجاؿ من الجن، كلا يستلزـ دخولهم في الرجاؿ عند الإطلبؽ، كما تقوؿ: رجاؿ من حجارة، كرجاؿ من خشب كنحوه ا.ىػ

عدد الصفحات ٨٢

- 73 - ِ - قولو تعالى: (إًنَّا أىكٍحىيػٍنىا إًلىيٍكى كىمىا أىكٍحىيػٍنىا إًلىى نيوحو كىالنَّبًيّْينى مًن بػىعٍدًهً كىأىكٍحىيػٍنىا إًلىى إًبػٍرىاىًيمى كىإًسٍمىاعًيلى كىإٍسٍحىقى كىيػىعٍقيوبى كىالأىسٍبىاطً كىعًيسىى كىأىيُّوبى كىييونيسى كىىىاريكفى كىسيلىيٍمىافى كىآتػىيػٍنىا دىاكيكدى زىبيورنا) [النساء: ُّٔ]كقولو تعالى: (كىكىىىبػٍنىا لىوي إًسٍحىقى كىيػىعٍقيوبى كىجىعىلٍنىا فًي ذيرّْيَّتًوً النُّبػيوَّةى كىالٍكًتىابى كىآتػىيػٍنىاهي أىجٍرىهي فًي الدُّنػٍيىا كىإًنَّوي فًي الآخًرىةً لىمًنى الصَّالًحًينى ) [العنكبوت: ِٕ]كذلك إخباران عن إسماعيل عليو السلبـ. فهذه الآيات قد أخبرت أف الله قد جعل النبوة في الرجاؿ من البشر، كلو كاف في الجن رسل كأنبياء لأخبر القرآف بذلك، كالآيات السالفة إخبار من الله عن إبراىيم عليو السلبـ أف الله قد جعل النبوة في ذريتو من بعده، قاؿ القرطبي في تفسيره (ُّ/ َّْ): فلم يبعث الله نبيان بعد إبراىيم إلا من صلبو ا.ىػ ّ - قولو تعالى: (كىما أىرٍسىلٍنىا قػىبػٍلىكى مًنى الٍميرٍسىلًينى إًلا إًنػَّهيمٍ لىيىأٍكيليوفى الطَّعىاـى كىيىمٍشيوفى فًي الأىسٍوىاؽً ) [الفرقاف: َِ] فقد أخبر الله نبيو عليو الصلبة كالسلبـ أف الرسل الذين بعثهم قبلو كانوا يأكلوف الطعاـ كيمشوف في الأسواؽ، كالمقصود بذلك أنهم بشر، كليس في الآية ما يدؿ على بعث الرسل من خلبؼ الإنس. ْ - قولو تعالى: (إًفَّ اللهى اصٍطىفىى آدىـى كىنيوحنا كىآؿى إًبػٍرىاىًيمى كىآؿى عًمٍرىافى عىلىى الٍعىالىمًينى ) [آؿ عمراف: ّّ] قاؿ الرازم في تفسيره (ُّ/ُٓٗ): كأجمعوا على أف المراد بهذا الاصطفاء إنما ىو النبوة، فوجب كوف النبوة مخصوصة بهؤلاء فقط ا.ىػ، فلب يدخل فيو الجن أك غيرىم من البشر. ٓ - قولو تعالى: (إخباران عن النفر من الجن الذين كلوا إلى قومهم منذرين بعد سماعهم القرآف من الرسوؿ عليو السلبـ: إًنَّا سىمًعٍنىا كًتىابنا أينزًؿى مًن بػىعٍدً ميوسىى ميصىدّْقنا لّْمىا بػىيٍنى يىدىيٍوً يػىهٍدًم إًلىى الٍحىقّْ كىإًلىى طىرًيقو مُّسٍتىقًيمو ) [الأحقاؼ: َّ]

عدد الصفحات ٨٣

- 74 - كالذم نفهمو من ىذه الآية أف ىذا النفر من الجن كاف منهم من آمن بموسى عليو السلبـ، مما يدؿ على أنو مرسل إليهم، كقد نقل القرطبي في تفسيره (ُٔ/ُِٕ): عن ابن عباس: أف الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى، فلذلك قالت: أينزًؿى مًن بػىعٍدً ميوسىى .. قاؿ مقاتل: كلم يبعث الله نبيان إلى الجن كالإنس قبل محمد صلى الله عليو كسلم ا.ىػ كفي ىذا دليل على أنو لم يبعث إلى الجن رسولان منهم. ثانيان : الأدلة من السنة: أخرج مسلم في صحيحو من حديث جابر بن عبد الله الأنصارم قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم: (أعطيت خمسان لم يعطهن أحد قبلي: كاف كل نبي يبعث إلى قومو خاصة كبعثت إلى كل أحمر كأسود .. )ُ الحديث . فإخباره عليو الصلبة كالسلبـ أف كل نبي من الأنبياء السابقين كاف يبعث إلى قومو خاصة فيو دليل على أف الجن لم يبعث إليهم رسوؿ منهم، كذلك أف القوـ في اللغة: ىم جماعة الرجل من الرجاؿ كالنساء، فتخصيص الحديث بعث الرسل السابقين إلى أقوامهم بقولو: (إلى قومو) فيو دليل على أنهم جماعة ذلك النبي من الناس دكف الجن، إذ لم يعهد في اللغة إطلبؽ لفظ القوـ على جماعة الرجل من الجن. كقولو عليو الصلبة كالسلبـ بعد ذلك: (كبعثت إلى كل أحمر كأسود) فيو مزيد بياف لما قلناه، حيث إف رسالة من قبلو من الأنبياء كانت لأقوامهم من البشر خاصة، كامتاز نبينا عليو الصلبة كالسلبـ على غيره من الأنبياء بأنو قد بعث إلى الجن كالإنس جميعان، كما نص على ذلك الحديث المتقدـ، كفي ىذا دلالة على أنو لم يكن في الجن رسل منهم. كأما من ذكر بأف الرسل السابقين قبل نبينا عليو الصلبة كالسلبـ كانوا يبعثوف إلى الإنس كالجن جميعان - كما ذكر الكلبي - فإف ذلك معارض بالحديث المتقدـ، ُ أخرجو مسلم (ُِٓ).

عدد الصفحات ٨٤

- 75 - حيث اختص الرسوؿ عليو السلبـ على غيره من الأنبياء بأنو بعث إلى الجن كالإنس جميعان، كلم يحصل ىذا لغير نبينا عليو الصلبة كالسلبـ. القوؿ الثاني: بأف في الجن نذران، كليس منهم رسل، كىو مركم عن ابن عباس كمجاىد كغيرىم من السلف ... قاؿ القرطبي في تفسيره (ٕ/ٖٔ): كقاؿ ابن عباس: رسل الجن ىم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه من الوحي كما قاؿ: (كىلَّوٍا إًلىى قػىوٍمًهًم مُّنذًرًينى ) ثم قاؿ: كقاؿ مجاىد: الرسل من الإنس كالنذر من الجن ثم قرأ: (إًلىى قػىوٍمًهًم مُّنذًرًينى ) يقوؿ القرطبي: كىو - أم قوؿ مجاىد - معنى قوؿ ابن عباس، كىو الصحيح ا.ىػ كقاؿ شيخ الإسلبـ في الفرقاف بين أكلياء الرحمن كأكلياء الشيطاف (صّّٔ): كجمهور العلماء على أف الرسل من الإنس، كلم يبعث من الجن رسوؿ، لكن منهم النذر ا.ىػ. كقاؿ الإماـ ابن القيم طريق الهجرتين (ُ/ُْٔ): قاؿ غير كاحد من السلف: الرسل من الإنس، كأما الجن ففيهم النذر ا.ىػ كقاؿ الإماـ الطبرم في تفسيره (ِٔ/ُّ): عن ابن عباس كىإًذٍ صىرىفػٍنىا إًلىيٍكى نػىفىرنا مّْنى الٍجًنّْ يىسٍتىمًعيوفى الٍقيرٍآفى [الأحقاؼ: ِٗ]، قاؿ كانوا سبعة نفر من أىل نصيبين، فجعلهم رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم رسلبن إلى قومهم ا.ىػ كقاؿ السبكي في فتاكاه (ِ/ُٖٔ): كالذين خالفوا الضحاؾ في تمسكو بظاىر قولو تعالى: (يىا مىعٍشىرى الٍجًنّْ كىالإًنسً أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مّْنكيمٍ ) [الأنعاـ: َُّ]إنما يؤلوف ىذه الآية، فقد قاؿ ابن عباس كمجاىد كابن جريج كأبو عبيد: معناه: أف رسل الإنس رسل من الله إليهم، كرسل الجن قوـ من الجن ليسوا رسلبن عن الله، كلكن بثهم الله في الأرض، فسمعوا كلبـ رسل الله، الذين ىم من بني آدـ، كجاءكا إلى قومهم من الجن فأخبركىم، كما اتفق للذين صرفهم الله إلى النبي صلى الله عليو كسلم كاستمعوا القرآف ككلوا إلى قومهم منذرين، فهم رسل عن الرسل، لا رسل عن الله

عدد الصفحات ٨٥

- 76 - تعالى، كيسموف نذران، كيجوز تسميتهم رسلبن، لتسمية رسل عيسى رسلبن في قولو تعالى: (إًنَّا إًلىيٍكيم مُّرٍسىليوفى ) [يس: ُْ]كجاء قولو: يىا مىعٍشىرى الٍجًنّْ كىالإًنسً أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مّْنكيمٍ على ذلك، فالرسل على الإطلبؽ من الإنس، كىم رسل الله، كالنذر من الجن، كىم رسل الرسل كيجوز تسميتهم رسلبن ا.ىػ. كقاؿ العلبمة العثيمين في شرح السفارينية (صْٔٗ): كلكن يبقى النظر ىل أرسل من الجن رسوؿ؟ فيو خلبؼ، قيل لا، لقولو تعالى: (كىمىا أىرٍسىلٍنىا مًنٍ قػىبٍلًكى إًلاَّ رًجىالان نيوحًي إًلىيٍهًمٍ مًنٍ أىىٍلً الٍقيرىل أىفػىلىمٍ يىسًيريكا فًي الأٍىرٍضً فػىيػىنٍظيريكا كىيٍفى كىافى عىاقًبىةي الَّذًينى مًنٍ قػىبٍلًهًمٍ ) (يوسف: الآية َُٗ)، كقيل: بل منهم رسوؿ لقوؿ الله تعالى: (يىا مىعٍشىرى الٍجًنّْ كىالأًٍنٍسً أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مًنٍكيمٍ ) (الأنعاـ: الآية َُّ) فهو يخاطب الجن كالإنس يقوؿ: (أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مًنٍكيمٍ ) إًنس من الإنس كجًن من الجن. كأما قولو تعالى: (كىمىا أىرٍسىلٍنىا مًنٍ قػىبٍلًكى إًلاَّ رًجىالان نيوحًي إًلىيٍهًمٍ مًنٍ أىىٍلً الٍقيرىل) (يوسف: الآية َُٗ) فإف الذكور من الجن يسموف رجالان، كما قاؿ الله تعالى: (كىأىنَّوي كىافى رًجىاؿه مًنى الإنٍسً يػىعيوذيكفى بًرًجىاؿو مًنى الٍجًنّْ ) (الجن: الآية ٔ)، فالجن فيهم رجاؿ كما في ىذه الآية الكريمة، كعلى ىذا فلب يتم الاستدلاؿ بقولو: (كىمىا أىرٍسىلٍنىا مًنٍ قػىبٍلًكى إًلاَّ رًجىالان نيوحًي إًلىيٍهًمٍ مًنٍ أىىٍلً الٍقيرىل)، كيكوف ظاىر قولو: (يىا مىعٍشىرى الٍجًنّْ كىالإنٍسً أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مًنٍكيمٍ ) أف من الجن رسلبن . كالذين قالوا: إنو ليس من الجن رسل، أجابوا عن قولو تعالى: (يىا مىعٍشىرى الٍجًنّْ كىالإنٍسً أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مًنٍكيمٍ ) قالوا: إف الخطاب باعتبار المجموع لا باعتبار الجميع، فهو كقولو تعالى في البحرين: (يىخٍريجي مًنػٍهيمىا اللُّؤٍليؤي كىالٍمىرٍجىافي ) (الرحمن : ِِ)، كاللؤلؤ كالمرجاف لا يخرجاف إلا من المالح على المشهور. قالوا أيضان : إف حكمة الله تعالى تأبى ذلك؛ لأف الرسالة تشريف كتكريم كتعظيم، كالجن أصلهم من النار كأبوىم إبليس سيد المتكبرين، كقائد الكافرين، فليس من الحكمة أف يكرـ ىؤلاء بالرسالة، كإنما يتلقوف التعاليم مما جاء إلى البشر، كما قاؿ

عدد الصفحات ٨٦

- 77 - تعالى: (كىإًذٍ صىرىفػٍنىا إًلىيٍكى نػىفىران مًنى الٍجًنّْ يىسٍتىمًعيوفى القرآف فػىلىمَّا حىضىريكهي قىاليوا أىنٍصًتيوا فػىلىمَّا قيضًيى كىلَّوٍا إًلىى قػىوٍمًهًمٍ مينٍذًرًينى ) (الاحقاؼ: ِٗ) (قىاليوا يىا قػىوٍمىنىا إًنَّا سىمًعٍنىا كًتىابان أينٍزًؿى مًنٍ بػىعٍدً ميوسىى ميصىدّْقان لًمىا بػىيٍنى يىدىيٍوً يػىهٍدًم إًلىى الٍحىقّْ كىإًلىى طىرًيقو ميسٍتىقًيمو ) (الاحقاؼ: َّ) (يىا قػىوٍمىنىا أىجًيبيوا دىاعًيى اللَّوً كىآمًنيوا بًوً يػىغٍفًرٍ لىكيمٍ مًنٍ ذينيوبًكيمٍ كىييجًرٍكيمٍ مًنٍ عىذىابو أىلًيمو ) (الاحقاؼ: ُّ) فقالوا: إف الجن ليس منهم رسل لكن منهم نذر؛ حيث قاؿ تعالى: (كىلَّوٍا إًلىى قػىوٍمًهًمٍ مينٍذًرًينى )، فيتلقى ىؤلاء النذر مما جاءت بو الرسل كينذركف بها قومهم ا.ىػ (تنبيو): القوؿ الثاني لا يخالف قوؿ الجمهور من كل كجو، كفيو أيضا توجيو لقولو تعالى: (يىا مىعٍشىرى الٍجًنّْ كىالإًنسً أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مّْنكيمٍ ) كعلى ىذا الأساس فهو لا يخالف رأم الجمهور مطلقا، بل يؤيده كيدعمو من ناحية أنو يوافق قوؿ الجمهور فيو أنو لم يبعث إلى الجن رسل منهم بل الرسل من الإنس فقط، كأدلة الفريق الثاني ىي نفس أدلة الفريق الأكؿ. القوؿ الثالث: القائلوف بأف في الجن رسلبن منهم، كىو قوؿ الضحاؾ، كذكر القرطبي ذلك عن مقاتل رحمو الله فقاؿ في تفسيره (ٕ/ٖٔ): كقاؿ مقاتل كالضحاؾ: أرسل الله رسلبن من الجن كما أرسل من الإنس ا.ىػ. كذكر الإماـ الطبرم في تفسيره (ٖ/ّٔ): أنو يوجد غير الضحاؾ من القائلين بهذا القوؿ فقاؿ: (كأما الذين قالوا بقوؿ الضحاؾ فإنهم قالوا: إف الله أخبر أف من الجن رسلبن أرسلوا إليهم، كما أخبر أف من الإنس رسلبن أرسلوا إليهم ا.ىػ فلعل ابن جرير قصد مقاتلبن رحمو الله. كنقل الألوسي في ركح المعاني ( ٖ/ِٖ): أف الذين ذكركا بأف من الجن أنبياء منهم قد صرحوا بأف رسولان منهم يسمى يوسف ا.ىػ. كقاؿ ابن حزـ في الفصل (ّ/ِْٔ): كلم يبعث إلى الجن نبي من الإنس البتة قبل محمد صلى الله عليو كسلم، لأنو ليس الجن من قوـ إنسي، كباليقين ندرم أنهم قد

عدد الصفحات ٨٧

- 78 - أنذركا، فصح أنو جاءىم أنبياء منهم قولو تعالى: (يىا مىعٍشىرى الٍجًنّْ كىالإًنسً أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مّْنكيمٍ ) ا.ىػ استدؿ ىذا الفريق على ما ذىب إليو بما يلي: ُ - قولو تعالى: (يىا مىعٍشىرى الٍجًنّْ كىالإًنسً أىلىمٍ يىأٍتًكيمٍ ريسيله مّْنكيمٍ ). قاؿ الشوكاني في فتح القدير (ِ/ُّٔ): كظاىره أف الله بعث في الدنيا إلى الجن رسلبن منهم، كما بعث إلى الإنس رسلبن منهم ا.ىػ. كقاؿ ابن حجر الهيتمي في الفتاكل الحديثية: كظاىر القرآف يشهد للضحاؾ، كالأكثركف في خلبفو ا.ىػ كقاؿ الألوسي في ركح المعاني (ٖ/ِٖ): كظاىر الآية يقتضي إرساؿ الرسل إلى كل من المعشرين من جنسهم ا.ىػ كقاؿ العلبمة الوادعي في تحفة المجيب (صِّٔ): ففي ىذه الآية الكريمة أنو أرسل إليهم كقد اختلف العلماء ىل من الجن رسل، أـ الرسل من الأنس؟ كظاىر الآية أف منهم رسلبن، كلا يضرنا ذلك ا.ىػ ككجو استدلاؿ الضحاؾ بهذه الآية: أف الله خاطب الجن كالإنس بأنو قد بعث إليهم رسلبن منهما، بدليل قولو تعالى: (مّْنكيمٍ ) كىو يقتضي بعث الرسل إلى الجن منهم كبعث الرسل إلى الإنس منهم كذلك. ِ - كذكر الفخر الرازم في تفسيره (ُّ/ُٓٗ): أف الضحاؾ احتج بقولو بإرساؿ الرسل إلى الجن منهم بقولو تعالى: (إًنَّا أىرٍسىلٍنىاؾى بًالٍحىقّْ بىشًيرنا كىنىذًيرنا كىإًف مّْنٍ أيمَّةو إًلا خلب فًيهىا نىذًيره ) [فاطر: ِْ]ثم قاؿ الرازم: كيمكن أف يحتج الضحاؾ بوجو آخر كىو قولو تعالى: (كىلىوٍ جىعىلٍنىاهي مىلىكنا لَّجىعىلٍنىاهي رىجيلبن كىلىلىبىسٍنىا عىلىيٍهًم مَّا يػىلٍبًسيوفى ) [الأنعاـ: ٗ]قاؿ المفسركف: السبب في استئناس الإنساف بالإنساف أكمل من استئناسو بالملك، فوجب في حكمة الله تعالى أف يجعل رسوؿ الإنس من الإنس ليكمل ىذا

عدد الصفحات ٨٨

- 81 - الاستئناس، إذا ثبت ىذا المعنى فهذا السبب حاصل في الجن، فوجب أف يكوف رسوؿ الجن من الجن. ّ - ذكر ابن نجيم في الأشباه كالنظائر (صَّّ): أف الضحاؾ كابن حزـ احتجا على أنو كاف من الجن نبي بقولو عليو الصلبة كالسلبـ: (ككاف النبي يبعث إلى قومو خاصة... الحديث). قاؿ: كليس الجن من قومو، كلا شك أنهم أنذركا، فصح أنو جاءىم أنبياء منهم. قاؿ ابن حزـ في المحلى (ٕ/ّْٗ): قاؿ الله تعالى: (مرج البحرين يلتقياف بينهما برزخ لا يبغياف فبأل آلاء ربكما تكذباف يخرج منهما اللؤلؤ كالمرجاف ) قاؿ –أم الطحاكم-: فانما يخرج اللؤلؤ كالمرجاف من أحدىما، قاؿ: كمثل قولو تعالى: (يا معشر الجن كالانس ألم يأتكم رسل منكم) قاؿ: كانما الرسل من الانس لامن الجن قاؿ أبو محمد ابن حزـ: صدؽ الله ككذب الطحاكم ككذب من أخبره بما ذكر بل اللؤلؤ كالمرجاف خارجاف من البحرين اللذين بينهما البرزخ فلب يبغياف، كلقد جاءت الجن رسل منهم بيقين لانهم بنص القرآف متعبدكف موعودكف بالجنة كالنار، كقد صح ما ركينا من طريق مسلم بن الحجاج نا قتيبة نا اسماعيل - ىو ابن جعفر - عن العلبء - ىو ابن عبد الرحمن - عن أبيو عن أبى ىريرة أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ ( فضلت على الانبياء بست) فذكر منها (كأرسلت إلى الخلق كافة)، كمن طريق البخارم نا محمد بن سناف العوفى نا ىشيم انا سيار نا يزيد - (ىو ابن صهيب) الفقير انا جابر بن عبد الله اف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى) فذكر فيها (ككاف النبي يبعث إلى قومو خاصة كبعثت إلى الناس عامة) كمن طريق الحجاج بن المنهاؿ نا حماد بن سلمة عن ثابت البنانى كحميد كليهما عن أنس (أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ: أعطيت أربعا لم يعطها نبى قبلى أرسلت إلى كل أحمر كأسود) كذكر باقى الخبر، فصح بنقل التواتر أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم بعث كحده إلى الجن كالانس كانو لم يبعث نبى

عدد الصفحات ٨٩

- 80 - قبلو قط الا إلى قومو خاصة، كقاؿ تعالى: (كما خلقت الجن كالانس الا ليعبدكف)، كقاؿ تعالى: (كما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فصح يقينا أنهم مذ خلقوا مأموركف بعبادة الله تعالى، كصح بما ذكرنا من السنن القاطعة انو لم يبعث إليهم نبى من الانس قبل محمد عليو السلبـ، كالجن ليسوا قوـ أحد من الانس فصح يقينا انهم بعث إليهم أنبياء منهم ا.ىػ عالم الجن في ضوء الكتاب كالسنة (صَِٗ) بتصرؼ. (باب أصل المادة التي خلق منها الجن) قاؿ الله تعالى{ :كالجاف خلقناه من قبل من نار السموـ }الحجر، الآية ِٕ، كقاؿ: {كخلق الجافَّ من مارجو من نار } الصف، الآية ُٓ. ك عن عائشة رضي الله عنها قالت قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم : ( خلقت الملبئكة من نور، كخلق الجاف من مارج من نار، كخلق آدـ مما كصف لكم )ُ. قاؿ ابن العراقي في طرح التثريب (ٖ/ِٕٕ): «كمارج النار» بكسر الراء كبالجيم لهبها المختلط بسوادىا قالو المازرم كابن الأثير، كالنوكم كغيرىم كقاؿ في الصحاح نار لا دخاف لها كقاؿ في المشارؽ اللهب المختلط كقيل نار دكف الحجاب منها ىذه الصواعق كحكي في الإكماؿ ىذا الثاني عن الفراء ا.ىػ كقاؿ العلبمة الألباني في الضعيفة (ِ/ ُُّ - ُِّ): كىذا –الحديث- منها بلب شك فإف التركيب كالصنع عليو ظاىر، ثم إف فيو ما ىو مخالف للقرآف الكريم في موضعين منو: الأكؿ: قولو في إبليس: " كاف من الملبئكة " كالله عز كجل يقوؿ فيو{ :كىافى مًنى الٍجًنّْ فػىفىسىقى عىنٍ أىمٍرً رىبّْوً }، كما يركل عن ابن عباس في تفسير قولو{ :من الجن}أم من خزاف الجناف، كأف إبليس كاف من الملبئكة، فمما لا يصح إسناده عنو، كمما يبطلو أنو خلق من نار كما ثبت في القرآف الكريم، كالملبئكة خلقت من نور كما في " صحيح مسلم " عن عائشة مرفوعا، فكيف يصح أف يكوف منهم خلقة، كإنما دخل ُ أخرجو مسلم في (ِٔٗٗ).

عدد الصفحات ٩٠

- 81 - معهم في الأمر بالسجود لآدـ عليو السلبـ لأنو كاف قد تشبو بهم كتعبد كتنسك، كما قاؿ الحافظ ابن كثير، كقد صح عن الحسن البصرم أنو قاؿ: "ما كاف إبليس من الملبئكة طرفة عين قط كإنو لأصل الجن، كما أف آدـ عليو السلبـ أصل البشر [ ."ثم ذكر الإماـ الموضع الثاني] ا.ىػ كقاؿ العلبمة الألباني أيضا في تحقيق الإيماف لأبي عبيد القاسم بن سلبـ (ص ٖٓ): ذكر أبو عبيد في "الإيماف": أف إبليس "كاف في عداد الملبئكة" فعلق الإماـ الألباني على ذلك قائلب: يعني الذين أمركا بالسجود، كلا يعني .. رحمو الله تعالى: أنو كاف منهم في الخلق كالجبلة، كيف كالقرآف يقوؿ عنو {كاف من الجن}، كالرسوؿ - صلى الله عليو كآلو كسلم - قاؿ: «خلقت الملبئكة من نور، كخلق الجاف من نار، كخلق آدـ مما كصف لكم»" .مختصر مسلم" رقم (ُِٗٔ). كسئل العلبمة ابن باز كما في فتاكل نور على الدرب ( ْ/ِ): فضيلة الشيخ يقولوف بأف الرسوؿ مخلوؽ من نور، ىل ىذا كلبـ صحيح؟ فأجاب: ىذا الكلبـ باطل، فإف محمدان صلى الله عليو كعلى آلو كسلم من بني آدـ، كسلسلة آبائو كأجداده معلومة، كىو نفسو عليو الصلبة كالسلبـ قد صرح بما أمر الله بو، فقد قاؿ الله تعالى لو: (قيلٍ إًنَّمىا أىنىا بىشىره مًثػٍليكيمٍ ييوحىى إًلىيَّ أىنَّمىا إًلىهيكيمٍ إًلىوه كىاحًده ) . كقاؿ صلى الله عليو كسلم ىو عن نفسو: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسوف) . فقد خلق عليو الصلبة كالسلبـ من طين، كما ىو شأف بني آدـ كلهم، كالذين خلقوا من نور ىم الملبئكة، فإف المخلوقات ثلبثة أقساـ: قسم خلقوا من نار كىو إبليس كذريتو، كقسم خلقوا من النور كىم الملبئكة، كقسم خلقوا من طين كىم آدـ كبنوه، كليس ىناؾ قسم رابع، فهذا الحديث أك الأثر أك القولة المشهورة أف نبينا صلى الله عليو كعلى آلو كسلم خلق من نور كذب لا أصل لو. مسألة: في معنى قولو تعالى (كجعلنا من الماء كل شيء حي).

عدد الصفحات ٩١

- 82 - كفي حديث أبي ىريرة رضي الله عنو قاؿ: قلت ( يا رسوؿ الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي كقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء؟ فقاؿ: "كل شيء خلق من ماء"، قاؿ: قلت يا رسوؿ الله، أنبئني عن أمر إذا أخذت بو دخلت الجنة؟ قاؿ: "أفش السلبـ، كأطعم الطعاـ، كصل الأرحاـ، كقم بالليل كالناس نياـ، ثم ادخل الجنة بسلبـ")ُ. قاؿ الحافظ ابن رجب في لطائف المعارؼ (صِّ): كحديث أبي ىريرة يدؿ على أف الماء مادة جميع المخلوقات كقد دؿ القرآف على أف الماء مادة جميع الحيوانات قاؿ الله تعالى{ :كىجىعىلٍنىا مًنى الٍمىاءً كيلَّ شىيٍءو حىي [ }الانبياء: َّ]كقاؿ تعالى{ :كىاللَّوي خىلىقى كيلَّ دىابَّةو مًنٍ مىاءو [ }النور: ْٓ]كقوؿ من قاؿ: أف المراد بالماء النطفة التي يخلق منها الحيوانات بعيد لوجهين: أحدىما: أف النطفة لا تسمى ماء مطلقا بل مقيدا لقولو تعالى{ :خيلًقى مًنٍ مىاءو دىافًقو، يىخٍريجي مًنٍ بػىيٍنً الصُّلٍبً كىالتػَّرىائًبً [ }الطارؽ: ٔ، ٕ]كقولو تعالى{ :أىلىمٍ نىخٍليقٍكيمٍ مًنٍ مىاءو مىهًينو [ }المرسلبت:َِ] كالثاني: أف من الحيوانات ما يتولد من غير نطفة كدكد الخل كالفاكهة كنحو ذلك فليس كل حيواف مخلوقا من نطفة كالقرآف دؿ على خلق جميع ما يدب كما فيو حياة ُ أخرجو أحمد (ِ/ ِٓٗ، رقم ُٕٗٗ) ك (ِ/ ِّّ، رقم ِٖٕٖ)، كابن حباف (ٔ/ ِٗٗ، رقم ِٗٓٓ)، كالحاكم (ْ/ ُٕٔ، رقم ِٖٕٕ)، كأبو نعيم في الحلية (ٗ/ ٗٓ)، كالبيهقي في الأسماء كالصفات (َٖٖ) من حديث أنس رضي الله عنو، كالحديث صححو الحاكم كأقره الذىبي، كقاؿ ابن مفلح في الآداب الشرعية (ِ/ َِ): إسناده جيد، كقاؿ ابن كثير في تفسيره (ٓ/ َّْ): ىذا إسناد على شرط الصحيحين، إلا أف أبا ميمونة من رجاؿ السنن، كاسمو سليم، كالترمذم يصحح لو. كقد ركاه سعيد بن أبي عركبة، عن قتادة مرسلب كالله أعلم، كقاؿ الهيثمي في المجمع (ٓ/ ُٔ): رجاؿ أحمد رجاؿ الصحيح خلب أبا ميمونة كىو ثقة، كقاؿ الحافظ في الفتح (ٓ/ ِٗ): إسناده صحيح، كصححو الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (ٖ/ ّٓ)، كقاؿ الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ُّ/ ُّْ): إسناده صحيح، رجالو ثقات رجاؿ الشيخين غير أبي ميمونة، فقد ركل لو أصحاب السنن الأربعة، كىو ثقة، قيل: ىو الفارسي الأبار، كمنهم من فرؽ بين الفارسي كالأبار، كقد اختلف في اسمو، أما العلبمة الألباني فقد قاؿ في الإركاء (ّ/ ِّٕ): إسناده صحيح رجالو رجاؿ الشيخين غير أبي ميمونة كىو ثقة كما في التقريب، كضعفو في الضعيفة تحت الحديث (ُِّْ)، كضعيف الترغيب (ّْٓ) ك (ْٖٓ) كضعيف الجامع (ِِّْ) كفي إزالة الدىش كالولو (ُُ).

عدد الصفحات ٩٢

- 83 - من ماء فعلم بذلك أف أصل جميعها الماء المطلق كلا ينافي ىذا قولو تعالى{ :كىالٍجىاف خىلىقٍنىاهي مًنٍ قػىبٍلي مًنٍ نىارً السَّميوـً [ }الحجر:ِٕ]كقوؿ النبي صلى الله عليو كسلم: "خلقت الملبئكة من نور" فإف حديث أبي ىريرة دؿ على أف أصل النور كالنار الماء كما أف أصل التراب الذم خلق منو آدـ الماء فإف آدـ خلق من طين كالطين تراب مختلط بماء أك التراب خلق من الماء كما تقدـ عن ابن عباس كغيره كزعم مقاتل: أف الماء خلق من النور كىو مردكد بحديث أبي ىريرة ىذا كغيره كلا يستنكر خلق النار من الماء فإف الله عز كجل جمع بقدرتو بين الماء كالنار في الشجر الأخضر كجعل ذلك من أدلة القدرة على البعث كذكر الطبائعيوف أف الماء بانحداره يصير بخارا كالبخار ينقلب ىواء كالهواء ينقلب نارا كالله أعلم ا.ىػ كقاؿ العلبمة الشنقيطي في أضواء البياف (ْ/ُِٔ): قولو تعالى: (كجعلنا من الماء كل شيء حي أفلب يؤمنوف). الظاىر أف «جعل» ىنا بمعنى خلق؛ لأنها متعدية لمفعوؿ كاحد. كيدؿ لذلك قولو تعالى في سورة «النور» :كا خلق كل دابة من ماء. كاختلف العلماء في معنى خلق كل شيء من الماء. قاؿ بعض العلماء: الماء الذم خلق منو كل شيء ىو النطفة؛ لأف الله خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف، كعلى ىذا فهو من العاـ المخصوص. كقاؿ بعض العلماء: ىو الماء المعركؼ؛ لأف الحيوانات إما مخلوقة منو مباشرة كبعض الحيوانات التي تتخلق من الماء، كإما غير مباشرة؛ لأف النطف من الأغذية، كالأغذية كلها ناشئة عن الماء، كذلك في الحبوب كالثمار كنحوىا ظاىر، ككذلك ىو في اللحوـ، كالألباف، كالأسماف كنحوىا؛ لأنو كلو ناشئ بسبب الماء. كقاؿ بعض أىل العلم: معنى خلقو كل حيواف من ماء أنو كأنما خلقو من الماء

عدد الصفحات ٩٣

- 84 - لفرط احتياجو إليو، كقلة صبره عنو، كقولو: خلق الإنساف من عجل، إلى غير ذلك من الأقواؿ. كقد قدمنا المعاني الأربعة التي تأتي لها لفظة «جعل» كما جاء منها في القرآف كما لم يجئ فيو في سورة «النحل» . كقاؿ الفخر الرازم في تفسير ىذه الآية الكريمة ما نصو: لقائل أف يقوؿ: كيف قاؿ: كخلقنا من الماء كل حيواف؟ كقد قاؿ: كالجاف خلقناه من قبل من نار السموـ كجاء في الأخبار أف الله تعالى خلق الملبئكة من النور، كقاؿ تعالى في حق عيسى - عليو السلبـ -: كإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكوف طيرا بإذني كقاؿ في حق آدـ: خلقو من تراب. كالجواب: اللفظ كإف كاف عاما إلا أف القرينة المخصصة قائمة، فإف الدليل لا بد كأف يكوف مشاىدا محسوسا؛ ليكوف أقرب إلى المقصود. كبهذا الطريق تخرج عنو الملبئكة، كالجن، كآدـ، كقصة عيسى عليهم السلبـ؛ لأف الكفار لم يركا شيئا من ذلك. اىػ منو. ثم قاؿ الرازم أيضا: اختلف المفسركف، فقاؿ بعضهم: المراد من قولو: كل شيء حي الحيواف فقط. كقاؿ آخركف: بل يدخل فيو النبات، كالشجر؛ لأنو من الماء صار ناميا، كصار فيو الرطوبة، كالخضرة، كالنور، كالثمر. كىذا القوؿ أليق بالمعنى المقصود، كأنو تعالى قاؿ: ففتقنا السماء لإنزاؿ المطر، كجعلنا منو كل شيء في الأرض من النبات كغيره حيا. حجة القوؿ الأكؿ: أف النبات لا يسمى حيا. قلنا: لا نسلم، كالدليل عليو قولو تعالى: (كيف يحيي الأرض بعد موتها) انتهى منو أيضا ا.ىػ مسألة: ىل خلق الجن متقدـ على خلق الإنساف؟ لا شك أف خلق الجن متقدـ على خلق الإنساف لقولو تعالى : ( كلقد خلقنا الإنساف من صلصاؿو من حىمىإو مَّسنوفو - كالجآفَّ خلقناه من قبل من نَّار السَّموـ ) [الحجر: ِٔ-ِٕ]، فقد نصٌ في الآية أف الجاف مخلوؽ قبل الإنساف، كيرل بعض السابقين أنهم خلقوا قبل الإنساف بألفي عاـ ، كىذا لا دليل عليو من كتاب كلا سنٌة.

عدد الصفحات ٩٤

- 85 - مسألة ىل سكن الجن قبل آدـ عليو السلبـ على الأرض ؟ لم يأت في الكتاب كالسنة شيء يدؿ على أف قوما كانوا يسكنوف الأرض قبل آدـ عليو السلبـ، كإنما الذم جاء في ذلك ىو من أقواؿ بعض المفسرين من الصحابة كالتابعين. قاؿ ابن عاشور في "التحرير كالتنوير" (ُ/ِِٖ) :" تعقيب ذكر خلق الأرض ثم السماكات ، بذكر إرادتو تعالى جعل الخليفة ، دليل على أف جعل الخليفة كاف أكؿ الأحواؿ على الأرض بعد خلقها ، فالخليفة ىنا الذم يخلف صاحب الشيء في التصرؼ في مملوكاتو ، كلا يلزـ أف يكوف المخلوؼ مستقرا في المكاف من قبل ، فالخليفة آدـ ، كخلفيتو قيامو بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهاـ أك بالوحي ، كتلقين ذريتو مراد الله تعالى من ىذا العالم الأرضي " انتهى . أما ما يذكره بعض المفسرين أك المؤرخين، أف قوما اسمهم الحن (بالحاء المهملة) كانوا يسكنوف الأرض، فجاء الجن (بالجيم المعجمة) فقتلوىم كسكنوا مكانهم ، فيبدك أنها من القصص التي لا تستند إلى أم سند صحيح . يقوؿ ابن كثير في "البداية كالنهاية" (ُ/ٓٓ)" قاؿ كثير من علماء التفسير : خلقت الجن قبل آدـ عليو السلبـ ، ككاف قبلهم في الأرض (الحن كالبن) ، فسلط الله الجن عليهم فقتلوىم كأجلوىم عنها كأبادكىم منها كسكنوىا بعدىم " انتهى . قاؿ العلبمة الطاىر ابن عاشور في "التحرير كالتنوير" (ُ/ِِٖ) :" إذا صح أف الأرض كانت معمورة من قبل بطائفة من المخلوقات يسموف (الحن كالبن) بحاء مهملة مكسورة كنوف في الأكؿ ، كبموحدة مكسورة كنوف في الثاني ، كقيل : اسمهم (الطم كالرـ) بفتح أكلهما ، كأحسبو من المزاعم ، كأف كضع ىذين الاسمين من باب قوؿ الناس (ىياف بن بياف) إشارة إلى غير موجود أك غير معركؼ ، كلعل ىذا انجر لأىل القصص من خرافات الفرس أك اليوناف ، فإف الفرس زعموا أنو كاف قبل الإنساف في الأرض جنس اسمو الطم كالرـ ، ككاف اليوناف يعتقدكف أف الأرض كانت معمورة

عدد الصفحات ٩٥

- 86 - بمخلوقات تدعى (التيتاف) كأف (زفس) كىو (المشترم) كبير الأرباب في اعتقادىم جلبىم من الأرض لفسادىم " انتهى. كسئل علماء اللجنة الدائمة (ِٔ/ُِْ): ىل كاف يسكن الأرض قبل خلق أبينا آدـ عليو السلبـ أحد، أـ كاف ىو أكؿ المخلوقات ؟ فأجابوا: لا نعلم دليلب من الكتاب أك السنة يدؿ على أف الأرض كانت مسكونة قبل آدـ عليو السلبـ، غير أنو جاء عن بعض السلف، أف الجن كانوا ىم سكاف الأرض، قبل خلق آدـ عليو السلبـ، فلعل ذلك مأخوذ من أىل الكتاب. كالله أعلم . كقد بسط القوؿ في ذلك الحافظ ابن كثير - رحمو الله - في (تفسيره) عند قولو تعالى من سورة البقرة { :كإذ قاؿ ربك للملبئكة إني جاعل في الأرض خليفة } فارجع إليو . مسألة: باب ىل إبليس أب للجن؟ عن معاكية بن الحكم رضي السلمي رضي الله عنو أنو قدـ على رسوؿ الله صلى الله عليو ك سلم فقاؿ ( يا رسوؿ الله إني أريد أف أسألك عن الأمر لا أسأؿ عنو أحدا بعدؾ من أبونا ؟ قاؿ آدـ قاؿ من أمنا ؟ قاؿ حواء قاؿ من أبو الجن ؟ قاؿ إبليس قاؿ فمن أمهم ؟ قاؿ امرأتو )ُ كلكنو حديث ضعيف لا يثبت كما في الحاشية. ك قد ذىب كثير من أىل العلم إلى أف إبليس ىو أبو الجن كلهم مؤمنهم ككافرىم، فهو أصلهم كىم ذريتو نقل ىذا القوؿ عن ابن عباس كمجاىد كقتادة كالحسن البصرم كغيرىم . ُ أخرجو الطبراني في الأكسط (ٔ/ُٕٗ) كقاؿ عنو الطبراني: لم يرك ىذا الحديث عن الزىرم إلا يونس بن يزيد كلا عن يونس إلا طلحة بن زيد تفرد بو محمد بن ماىاف، كقاؿ الهيثمي في المجمع (ُ/ُٖٗ): فيو طلحة بن زيد ضعفو البخارم كأحمد كذكره ابن حباف في الثقات، قلت كقاؿ عنو علي بن المديني: كاف يضع الحديث كما في التهذيب (ٓ/ُٔ) .

عدد الصفحات ٩٦