- 41 - من بعد موسى }الآية قالوا كقولو {ألم يأتكم رسل منكم }كقولو { :يخرج منهما اللؤلؤ كالمرجاف }كإنما يخرج من المالح ككقولو {كجعل القمر فيهن نورا كجعل الشمس سراجا }كالقمر في كاحدة كأما التكليف بالأمر كالنهي كالتحليل كالتحريم فدلائلو كثيرة مثل ما في مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليو كسلم {أتاني داعي الجن فذىبت معو فقرأت عليهم القرآف فانطلقوا فأرانا آثارىم كآثار نيرانهم كسألوه الزاد فقاؿ لكم كل عظم ذكر اسم الله عليو يقع في أيدكم أكفر ما يكوف ككل بعرة علف لدكابكم ؛ فقاؿ النبي صلى الله عليو كسلم لا تستنجوا بالعظم كالركث }كذلك لئلب يفسد عليهم طعامهم كعلفهم كىنا يبين أنما أباح لهم من ذلك ما ذكر اسم الله عليو دكف ما لم يذكر اسم الله عليو كقاؿ تعالى {كإذ زين لهم الشيطاف أعمالهم }إلى قولو {إني أخاؼ الله كالله شديد العقاب }فأخبر عن الشيطاف أنو يخاؼ الله كالعقوبة إنما تكوف على ترؾ مأمور أك فعل محظور كليس ىو ىنا التصديق كأيضا فإبليس الذم ىو أبو الجن لم تكن معصيتو تكذيبا فإف الله أمره بالسجود كقد علم أف الله أمره كلم يكن بينو كبين الله رسوؿ يكذبو كلما امتنع عن السجود لآدـ عاقبو الله العقوبة البليغة ؛ كلهذا قاؿ النبي صلى الله عليو كسلم { "إذا سجد ابن آدـ اعتزؿ الشيطاف يبكي }الحديث . كقد قاؿ تعالى في قصة سليماف : {كلسليماف الريح غدكىا شهر كركاحها شهر }إلى قولو {عذاب السعير }كقد جعل في ذلك ما أمرىم بو من طاعة سليماف كقد قاؿ تعالى عن إبليس . إنو عصى كلم يقل كذب كقد قاؿ تعالى . عن الجن { .يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزؿ من بعد موسى }إلى قولو { .كمن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض }الآية . فأمركا بإجابة داعي الله الذم ىو الرسوؿ . كالإجابة كالاستجابة ىي طاعة الأمر كالنهي كىي العبادة التي خلق لها الثقلبف ؛ كما قاؿ تعالى { :كما خلقت الجن كالإنس إلا ليعبدكف }كمن قاؿ " إف العبادة " ىي المعرفة الفطرية الموجودة فيها كأف ذلك ىو الإيماف كىو داخل في الثقلين فقط : فإف ذلك لو كاف كذلك لم يكن
عدد الصفحات ٤٩- 40 - في الثقلين كافر كالله أخبر بكفر إبليس كغيره من الجن كالإنس كقد قاؿ تعالى { : لأملؤف جهنم منك كممن تبعك منهم أجمعين }كأخبر أنو يملؤىا منو كمن أتباعو كىذا يبين أنو لا يدخلها إلا من اتبعو فعلم أف من يدخلها من الكفار كالفساؽ من أتباع إبليس ؛ كمعلوـ أف الكفار ليسوا بمؤمنين كلا عارفين الله معرفة يكونوف بها مؤمنين كلكن اللبـ لبياف الجملة الشرعية المتعلقة بالإرادة الشرعية كما في قولو تعالى {يريد الله بكم اليسر كلا يريد بكم العسر }كقولو {يريد الله ليبين لكم } الآية كقد تكوف لبياف العاقبة الكونية كما في قولو { :فمن يرد الله أف يهديو يشرح صدره للئسلبـ }الآية ؛ كىذا كقولو تعالى { :ك يزالوف مختلفين { }إ من رحم ربك كلذلك خلقهم }أم خلق قوما للبختلبؼ كقوما للرحمة كقاؿ { :كلقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن كالإنس }فاللبـ في قولو تعالى {كما خلقت الجن كالإنس إلا ليعبدكف }كإف كانت ىي اللبـ في ىذه الآية فإف مدلولها لاـ إرادة الفاعل كمقصوده كلهذا تنقسم في كتاب الله إلى إرادة دينية كإرادة كونية ؛ كما تنقسم في كتاب الله تعالى الكلمات كالأمر كالحكم كالقضاء كالتحريم كالإذف كغير ذلك كأيضا فقولو تعالى {يا معشر الجن كالإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصوف عليكم آياتي كينذركنكم لقاء يومكم ىذا }إلى قولو { :كشهدكا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين }فبين أف الثقلين جميعا تلت عليهم الرسل آيات الله كلهذا لما قرأ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم سورة على الصحابة قاؿ " للجن كانوا " الحديث . دعاىم إلى طاعة الله لما فيو من الأمر كالنهي ؛ لا إلى مجرد حديث لا طاعة معو فإف مثل ىذا التصديق كاف مع إبليس فلم يغن عنو من الله شيئا . كالدلائل الدالة على ىذا الأصل كما في الحديث كالآثار من كوف الجن يحجوف كيصلوف كيجاىدكف كأنهم يعاقبوف على الذنب : كثيرة جدا كقد قاؿ تعالى فيما أخبر عنهم {كأنا منا الصالحوف كمنا دكف ذلك كنا طرائق قددا }قالوا مذاىب شتى مسلمين كيهود كنصارل كشيعة كسنة . فأخبر أف منهم الصالحوف كمنهم دكف الصالحين فيكوف : إما مطيعا في ذلك فيكوف
عدد الصفحات ٥٠- 41 - مؤمنا كإما عاصيا في ذلك فيكوف كافرا كلا ينقسم مؤمن إلى صالح كإلى غير صالح فإف غير الصالح لا يعتقد صلبحو لترؾ الطاعات فالصالح ىو القائم بما كجب عليو ؛ كدكف الصالح لا بد أف يكوف عاصيا في بعض ما أمر بو كىو قسم غير الكافر فإف الكافر لا يوصف بمثل ذلك كىذا يبين أف فيهم من يترؾ بعض الواجبات كالله أعلم ا.ىػ ك قاؿ الطوفي في "شرح مختصر الركضة" (ُ/ ُِٖ): (كقع النزاع بين بعض الفقهاء في سنتنا ىذه- كىي سنة ثماف كسبع مائة للهجرة - في أف الجن مكلفوف بفركع الدين أـ لا؟ كاستفتي فيها شيخنا أبو العباس أحمد بن تيمية بالقاىرة- أيده الله تعالى- فأجاب فيها بما ملخصو أنهم مكلفوف بها بالجملة، لكن لا على حد تكليف الإنس بها، لأنهم مخالفوف للئنس بالحد فبالضركرة يخالفونهم في بعض التكاليف. قلت: مثالو، أف الجن قد أعطي بعضهم قوة الطيراف في الهواء، فهذا يخاطب بقصد البيت الحراـ للحج طائرا. كالإنساف لعدـ تلك القوة فيو، لا يخاطب بذلك، فهذا في طرؼ زيادة تكليفهم على تكليف الإنس. كأما من جهة نقص تكليفهم عن تكليف الإنس، فكل تكليف يتعلق بخصوص طبيعة الإنس، ينتفي في حق الجن، لعدـ تلك الخصوصية فيهم. كالدليل على تكليف الجن بالفركع، الإجماع على أف النبي صلى الله عليو كسلم أرسل بالقرآف الكريم إلى الجن كالإنس، فجميع أكامره كنواىيو متوجهة إلى الجنسين، كىي مشتملة على الأصوؿ كالفركع، نحو: (آمًنيوا بًاللَّوً [ )النساء: ُّٔ]، (كىأىقًيميوا الصَّلبىةى [ )البقرة: ّْ]كقد تضمن ىذا الدليل، على أف كفار الإنس مخاطبوف بها، ككذلك كفار الجن، لتوجو القرآف بجميع ما فيو إلى مؤمني الجنسين ككفارىم ا.ىػ
عدد الصفحات ٥١- 42 - كقاؿ العلبمةالعثيمين في شرح السفارينية (صْٔٗ): ىل ما يؤمر بو الجن ىو ما يؤمر بو الإنس؟ يعني ىل صلبتهم كصلبتنا كزكاتهم كزكاتنا كصيامهم كصيامنا كحجهم كحجنا؟ في ىذا أيضان خلبؼ بين العلماء رحمهم الله؛ فمنهم من قاؿ: إذا كاف تلقيهم لما يقوموف بو من الشرائع مما جاءت بو الإنس، كجب أف يكوف ىو نفس ما جاء بو الإنس؛ لأننا لا نرل فيما جاء بو الإنس فضلبن خاصان بالجن، بل نجد أف الأحكاـ كاحدة، كعلى ىذا فيكوف ما أمر بو الإنس ىو ما أمر بو الجن كلا فرؽ. كقاؿ بعض العلماء رحمهم الله: بل إنهما يفترقاف، فليس ما أمر بو الجن مساكيان لما أمر بو الإنس في الحد كالحقيقة؛ لأف جنس الجن ليس كجنس الإنس، كإذا كاف الإنس تختلف أحكامهم باختلبؼ أحوالهم؛ فالمريض يصلي قاعدان مثلبن؛ كالفقير لا زكاة عليو؛ كمن لا يستطيع الحج فلب حج عليو، فكذلك الجن لا يمكن أف يكلف إلا بما يناسب حالهم، كتكوف العمومات الدالة على ذلك مثل (لا ييكىلّْفي اللَّوي نػىفٍسان إًلاَّ كيسٍعىهىا) (البقرة: الآية ِٖٔ)، كما أشبهها تقيد عموـ تكليفهم بشرائع الإنس. كىذا ما ذىب إليو شيخ الإسلبـ ابن تيمية رحمو الله حيث قاؿ: إف اختلبفهم عن الإنس في الحد كالحقيقة يقتضي ألا يتساككا في التكليف؛ لأف حكمة الله تعطي كل مكلف ما يناسبو حتى في البشر، كعلى كل حاؿ فنحن نؤمن بأف الجن مكلفوف بالجملة، كأف كافرىم يدخل النار، كأف مؤمنهم يدخل الجنة أيضان، أما مسألة الرسالة كعدـ الرسالة فقد تكوف الأدلة متكافئة كإف كاف الراجح أف الرسل من البشر، كأما مساكاتهم للئنس في الأحكاـ الشرعية فهذا محل توقف؛ فإف نظرنا إلى عموـ الأدلة قلنا: ىم مساككف للئنس، كإف نظرنا إلى الحكمة في التشريع، كأف الشرع يختلف باختلبؼ المكلف قلنا: لابد أف يكوف لهم شرع خاص بهم، كىذا الشرع الخاص بهم كإف كنا لا نجده لا في الكتاب كلا في السنة، لكن يؤخذ من العمومات مثل قولو تعالى (لا ييكىلّْفي اللَّوي نػىفٍسان إًلاَّ كيسٍعىهىا) (البقرة: الآية ِٖٔ)) ، كقولو تعالى:
عدد الصفحات ٥٢- 43 - (فىاتػَّقيوا اللَّوى مىا اسٍتىطىعٍتيمٍ ) (التغابن: الآية ُٔ)، فهم قد لا يستطيعوف كل ما يستطيعو الإنس، كقد لا يكوف عندىم كل ما عند الإنس، فتكوف لهم أحكاـ خاصة بهم، كلذا نقوؿ فيو: الله اعلم، فالأدلة في ىذا متكافئة كليس ىناؾ دليل كاضح على أف ما كلفوا بو مساكو لما كلف بو الإنس أك مخالف ا.ىػ كسئل العلبمة العثيمين ايضا كما في مجموع فتاكاه ( ُ/ََّ): ىل الجن أسلموا برسالة محمد، صىلَّى اللَّوي عىلىيٍوً كىسىلَّمى، كآمنوا بالرسل من قبل ىل فرض عليهم الحج كإف كاف كذلك فأين يحجوف؟. فأجاب: إف الجن مكلفوف بلب شك، مكلفوف بطاعة الله سبحانو كتعالى.... كالظاىر أنهم مكلفوف بما يكلف بو الإنس من العبادات كلا سيما أصولها كالأركاف الخمسة، كحجهم يكوف كحج الإنس زمننا كمكاننا كإف كانوا يختلفوف عن الإنس في جنس العبادات التي لا تناسب حالهم فتكوف مختلفة عن التكليف الذم يكلف بو الإنس. كالله أعلم ا.ىػ (فرع) سئل أبو البقاء العكبرم الحنبلي كما في عمدة القارم (ُٓ/ُٖٓ) عن الجن ىل تصح الصلبة خلفهم؟ فأجاب: نعم، لأنهم مكلفوف، كالنبي صلى الله عليو كسلم أرسل إليهم. (باب ىل يدخل صالحي الجن الجنة) اختلف العلماء في ذلك على أقواؿ: القوؿ الأكؿ: أنو لا ثواب لهم إلا النجاة من النار ثم يقاؿ لهم: كونوا ترابان مثل البهائم. كىو قوؿ أبي حنيفة، كحكاه سفياف الثورم عن الليث بن أبي سليم، كىو ركاية عن مجاىد، كبو قاؿ الحسن البصرم. قاؿ ابن القيم في طريق الهجرتين (صُْٖ): كحكى عن أبي حنيفة كغيره أف ثوابهم نجاتهم من النار ا.ىػ
عدد الصفحات ٥٣- 44 - كقاؿ الماكردم في أعلبـ النبوة (ص: ُْٓ): كحكى سفياف عن ليث أنهم يثابوف على الإيماف بأف يجازكا على النار خلبصان منها، ثم يقاؿ لهم: كونوا ترابان كالبهائم. كقاؿ القرطبي في تفسيره (ُٔ/ ُِٕ): كقاؿ أبو حنيفة: ليس ثواب الجن إلا أف يجاركا من النار، ثم يقاؿ لهم كونوا ترابان كالبهائم ا.ىػ كذكر الشوكاني في فتح القدير (ِ/ ُْٔ) عن أبي الشيخ عن ليث بن أبي سليم قاؿ: مسلمو الجن لا يدخلوف الجنة كلا النار، كذلك أف أخرج أباىم من الجنة، فلب يعيده كلا يعيد كلده ا.ىػ كقاؿ ابن نجيم في الأشباه كالنظائر (ص: َّّ): كاختلف العلماء في حكم مؤمن الجن: فقاؿ قوـ: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، كإليو ذىب أبو حنيفة رحمو الله.. كعن الليث: ثوابهم أف يجاركا من النار ثم يقاؿ لهم: كونوا ترابان كالبهائم، كعن أبي الزناد كذلك ا.ىػ كقاؿ الحسن كما في تفسير القرطبي (ُٔ/ُِٕ): ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار) كذكر القرطبي (ُٗ/ٓ) في ركاية عن مجاىد أف الجن لا يدخلوف الجنة كإف صرفوا عن النار. كقد استدؿ ىذا الفريق بقولو تعالى إخباران عن النفر من الجن الذين استمعوا القرآف: (يىا قػىوٍمىنىا أىجًيبيوا دىاعًيى اللَّوً كىآمًنيوا بًوً يػىغٍفًرٍ لىكيم مّْن ذينيوبًكيمٍ كىييجًرٍكيم مّْنٍ عىذىابو أىلًيمو ) [الأحقاؼ: ُّ] ككجو استدلالهم بها: أف المغفرة للذنوب لا تستلزـ الإثابة لأنو ستر، كالإثابة بالوعد فضل، قاؿ ابن القيم في طريق الهجرتين (ص: ِْٕ): كاحتج ىؤلاء بهذه الآية فجعل غاية ثوابهم إجارتهم من العذاب الأليم ا.ىػ القوؿ الثاني: أنهم يثابوف على الطاعة بدخوؿ الجنة، على خلبؼ في حالهم فيها، نقلو ابن حزـ عن الجمهور، كممن قاؿ بو الضحاؾ كابن عباس، كىو قوؿ الخليفة عمر بن عبد العزيز، كإليو ذىب الأئمة: مالك، كالشافعي، كأحمد، كأصحابهم، كابن أبي ليلى، كالأكزاعي، كرجحو القرطبي، كىو قوؿ أكثر المفسرين.
عدد الصفحات ٥٤- 45 - القوؿ الثالث: التوقف في المسألة. قاؿ الألوسي في ركح المعاني (ِٕ/ َُِ): عن الإماـ أبي حنيفة ثلبث ركايات الأكلى: أنهم لا ثواب لهم إلا النجاة من النار ثم يقاؿ لهم كونوا ترابا كسائر الحيوانات. الثانية: أنهم من أىل الجنة كلا ثواب لهم أم زائد على دخولها. الثالثة: التوقف قاؿ الكردم: ىو في أكثر الركايات كفي فتاكم أبي إسحاؽ بن الصفار أف الإماـ يقوؿ : لا يكونوف في الجنة كلا في النار كلكن في معلوـ الله تعالى ا.ىػ كقاؿ القشيرم كما في تفسير القرطبي (ُٔ/ ُِٕ): كالصحيح أف ىذا - أم دخولهم الجنة - مما لم يقطع فيو بشيء كالله أعلم ا.ىػ لكن الجمهور من المسلمين القائلين بثواب المؤمنين من الجن في الآخرة اختلفوا في كيفية الثواب؟: ُ - فقد ذىب الأكثركف منهم إلى أنهم في الجنة كيصيبوف من نعيمها. ِ - كنقل عن الخليفة عمر بن عبد العزيز أنهم يكونوف في ربض الجنة، كذكره الألوسي عن الإماـ مالك كطائفة من العلماءُ. كقاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية في مجموع فتاكل (ْ/ ِّّ): كركم في حديث ركاه الطبراني: أنهم يكونوف في ربض الجنة، يراىم الإنس من حيث لا يركنهمِ ا.ىػ. ُ ركح المعاني (ِٕ/ َُِ)، ك الأشباه كالنظائر (ِ/ َّّ). ِ لم أجده، كالظاىر أنو لا أصل لو، لذا قاؿ الإماـ ابن القيم في مفتاح دار السعادة (ُ/ّٗ): كقد ثبت بنص القرآف كاجماع الامة اف مسيء الجن في النار بعدؿ الله كبما كانوا يكسبوف فمحسنهم في الجنة بفضل الله بما كانوا يعملوف لكن قيل انهم يكونوف في ربض الجنة يراىم اىل الجنة كلا يركنهم كما كانوا في الدنيا يركف بني آدـ من حيث لا يركنهم كمثل ىذا لايعلم الا بتوقيف تنقطع الحجة عنده فإف ثبتت حجة يجب اتباعها كإلا فهو مما يحكى ليعلم كصحتو موقوفة على الدليل كالله أعلم .
عدد الصفحات ٥٥- 46 - كقاؿ جماعة: أنهم على الأعراؼ بين الجنة كالنار، ذكره الألوسي، كدليل ىذا القوؿ حديث أنس رضي الله عنو مرفوعا ( إف مؤمنى الجن لهم ثواب كعليهم عقاب قيل ما ثوابهم قاؿ على الأعراؼ كليسوا فى الجنة قيل كما الأعراؼ قاؿ حائط الجنة تجرل فيو الأنهار كتنبت فيو الأشجار كالثمار )ُ كلكنو حديث موضوع كما في الحاشية. كفي ركاية ذكرىا ابن نجيم في الأشباه كالنظائر (ِ/ َّّ) عن الضحاؾ أنهم يلهموف التسبيح كالذكر، فيصيبوف من لذتو ما يصيبو بنو آدـ من نعيم الجنة ا.ىػ كلكن ذكر النوكم في شرحو لصحيح مسلم (ْ/ُٗٔ) أف الضحاؾ قاؿ بأف الجن يدخلوف الجنة كيأكلوف كيشربوف ا.ىػ كىو ما نقلو الفخر الرازم في تفسيره (ِٖ/ّّ) عنو إذ يقوؿ: قاؿ الضحاؾ: يدخلوف الجنة كيأكلوف كيشربوف. كالراجح - كالله أعلم - أف الجن يثابوف على أعمالهم، كيدخلوف الجنة، كيصيبوف من نعيمها، كذلك لأف ظواىر الآيات الواردة في جزاء الجن في الآخرة تقتضي ذلك، لأنها جاءت عامة في استحقاؽ المحسنين لجزاء أعمالهم، كلم يرد دليل يخصصها، فتبقى على عمومها، كىو مذىب أكثر العلماء، كىذه بعض أقوالهم. قاؿ الإماـ ابن القيم في مفتاح دار السعادة (ُ/ّٕ): فصل كقولو تعالى فاما ياتينكم مني ىدل ىو خطاب لمن اىبطو من الجنة بقولو اىبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدك ثم قاؿ فاما يأتينكم مني ىدل ككلب الخطابين لابوم الثقلين كىو دليل على اف الجن ماموركف منهيوف داخلوف تحت شرائع الانبياء كىذا مما لا خلبؼ فيو بين الامة كاف نبينا بعث اليهم كما بعث الى الانس كما لا خلبؼ بينها اف مسيئهم مستحق للعقاب كانما اختلف علماء الاسلبـ في المسلم منهم ىل يدخل الجنة فالجمهور على اف محسنهم في الجنة كما اف ُ أخرجو البيهقي في البعث (َُٕ/َُٖ)، كابن عساكر من طريقو، كطريق غيره في تاريخ دمشق (ُٕ/ َُٗ - المدينة)، كالذىبي في سير الأعلبـ (ُٕ/ٕ - ٖ) ك الحديث قاؿ عنو الذىبي: ىذا حديث منكر جدا، كقاؿ العلبمة الألباني في الضعيفة (ُُّٔ): موضوع.
عدد الصفحات ٥٦- 47 - مسيئهم في النار كقيل بل ثوابهم سلبمتهم من الجحيم كاما الجنة فلب يدخلها احد من اكلاد إبليس كإنماىي لبني آدـ كصالحي ذريتو خاصة كحكى ىذا القوؿ عن ابي حنيفة رحمو الله تعالى كاحتج الاكلوف بوجوه احدىا ىذه الاية فانو سبحانو اخبر اف من اتبع ىداه فلب يخاؼ كلا يحزف كلا يضل كلا يشقى كىذا مستلزـ لكماؿ النعيم كلا يقاؿ اف الاية إنما تدؿ على نفي العذاب فقط كلا خلبؼ اف مؤمنيهم لا يعاقبوف لانا نقوؿ لولم تدؿ الاية الا على امر عدمي فقط لم يكن مدحا لمؤمني الانس كلما كاف فيها الا مجرد امرعدمي كىو عدـ الخوؼ كالحزف كمعلوـ اف سياؽ الاية كمقصودىا إنما اريد بو اف من اتبع ىدل الله الذم انزلو حصل لو غاية النعيم كاندفع عنو غاية الشقاء كعبر عن ىذا المعنى المطلوب بنفي الامور المذكورة لاقتضاء الحاؿ لذلك فإنو لما اىبط آدـ من الجنة حصل لو من الخوؼ كالحزف كالشقاء ما حصل فاخبره سبحانو انو معطيو كذريتو عهدا من اتبعو منهم انتفى عنو الخوؼ كالحزف كالضلبؿ كالشقاء كمعلوـ انو لا ينتفى ذلك كلو إلا بدخوؿ دار النعيم كلكن المقاـ بذكر التصريح بنفي غاية المكركىات اكلى الثاني قولو تعالى كإذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعوف القرآف فلما حضركه قالوا انصتوا فلما قضى كلوا الى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إناسمعنا كتابا انزؿ من بعد موسى مصدقا لما بين يديو يهدم الى الحق كإلى طريق مستقيم يا قومنا اجيبوا داعي الله كآمنوا بو يغفر لكم من ذنوبكم كيجركم من عذاب اليم فأخبرنا سبحانو عن نذيرىم اخبارا بقولو اف من اجاب داعيو غفر لو كأجاره من العذاب كلو كانت المغفرة لهم إنما ينالوف بها مجرد النجاة من العذاب كاف ذلك حاصلب بقولو كيجركم من عذاب اليم بل تماـ المغفرة دخوؿ الجنة كالنجاة من النار فكل من غفر الله لو فلب بد من دخولو الجنة الثالث قولو تعالى في الحور العين لم يطمثهن إنس قبلهم كلا جاف فهذا يدؿ على اف مؤمني الجن كالانس يدخلوف الجنة كأنو لم يسبق من احد منهم طمث لاحد من الحور فدؿ على اف مؤمنيهم يتأنى منهم طمث الحور العين بعد الدخوؿ كما يتأتى من الانس كلو كانوا
عدد الصفحات ٥٧- 48 - ممن لا يدخل الجنة لما حسن الاخبار عنهم بذلك الرابع قولو تعالى فإف لم تفعلوا كلن تفعلوا فاتقوا النار التي كقودىا الناس كالحجارة اعدت للكافرين كبشر الذين آمنوا كعملوا الصالحات اف لهم جنات تجرم من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا ىذا الذم رزقنا من قبل كأتوا بو متشابها كلهم فيها أزكاج مطهرة كىم فيها خالدكف كالجن منهم مؤمن كمنهم كافر كما قاؿ صالحوىم كانا منا المسلموف كمنا القاسطوف فكما دخل كافرىم في الاية الثانية كجب اف يدخل مؤمنهم في الاكلى الخامس قولو عن صالحيهم فمن اسلم فأكلئك تحركا رشدا كالرشد ىو الهدل كالفلبح كىو الذم يهدل اليو القرآف كمن لم يدخل الجنة لم ينل غاية الرشد بل لم يحصل لو من الرشد الا مجردالعلم السادس قولو تعالى سابقوا الى مغفرة من ربكم كجنة عرضها كعرض السماء كالارض اعدت للذين آمنوا بالله كرسلو ذلك فضل الله يؤتيو من يشاء كالله ذك الفضل العظيم كمؤمنهم ممن آمن بالله كرسلو فيدخل في المبشرين كيستحق البشارة السابع قولو تعالى كالله يدعو الى دار السلبـ كيهدم من يشاء الى صراط مستقيم {عم} سبحانو بالدعوة كخص بالهداية المفضية اليها فمن ىداه اليها فهو من دعاه اليها فمن اىتدل من الجن فهو من المدعوين اليها الثامن قولو تعالى كيوـ نحشرىم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس كقاؿ اكلياؤىم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض كبلغنا اجلنا الذم اجلت لنا قاؿ النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله اف ربك حكيم عليم ككذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبوف يا معشر الجن كالانس الم ياتكم رسل منكم يقصوف عليكم آياتي كينذركنكم لقاء يومكم ىذا قالوا شهدنا على انفسنا كغرتهم الحياة الدنيا كشهدكا على انفسهم انهم كانوا كافرين ذلك اف لم يكن ربك مهلك القرل بظلم كاىلها غافلوف كلكل درجات مما عملوا كىذا عاـ في الجن كالانس فاخبرىم تعالى اف لكلهم درجات من عملو فاقتضى اف يكوف لمحسنهم درجات من عملو كما لمحسن الانس التاسع قولو تعالى إف الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزؿ عليهم
عدد الصفحات ٥٨- 51 - الملبئكة اف لا تخافوا كلاتحزنوا كأبشركا بالجنة التي كنتم توعدكف كقولوه تعالى {إف الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلب خوؼ عليهم كلا ىم يحزنوف أكلئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملوف}ككجو التمسك بالاية من جوه ثلبثة احدىا عموـ الاسم الموصوؿ فيها الثاني ترتيبو الجزاء المذكورعلى المسألة ليدؿ على انو مستحق بها كىو قوؿ ربنا الله مع الاستقامة كالحكم يعم بعموـ علتو فإذا كاف دخوؿ الجنة مرتبا على الاقرار بالله كربوبيتو مع الاستقامة على امره فمن اتى ذلك استحق الجزاء الثالث انو قاؿ فلب خوؼ عليهم كلا ىم يحزنوف اكلئك اصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوايعملوف فدؿ على اف كل من لا خوؼ عليو كلا حزف فهو من اىل الجنة كقد تقدـ في اكؿ الايات قولو تعالى فمن اتبع ىدام فلب خوؼ عليهم كلا ىم يحزنوف كانو متناكؿ للفريقين كدلت ىذه الاية على اف من لا خوؼ عليو كلا حزف فهو من اىل الجنة العاشر انو إذا دخل مسيئهم النار بعدؿ الله فدخوؿ محسنهم الجنة بفضلو كرحمتو اكلى فإف رحمتو سبقت غضبو كالفضل اغلب من العدؿ كلهذا لا يدخل النار الا من عمل اعماؿ اىل النار كاما الجنة فيدخلها من لم يعمل خيرا قط بل ينشيء لها أقواما يسكنهم إياىا من غير عمل عملوه كيرفع فيها درجات العبد من غير سعي منو بل بما يصل اليو من دعاء المؤمنين كصلبتهم كصدقتهم كأعماؿ البر التي يهدكنها اليو بخلبؼ اىل النار فإنو لا يعذب فيها بغير عمل اصلب كقد ثبت بنص القرآف كاجماع الامة اف مسيء الجن في النار بعدؿ الله كبما كانوا يكسبوف فمحسنهم في الجنة بفضل الله بما كانوا يعملوف لكن قيل انهم يكونوف في ربض الجنة يراىم اىل الجنة كلا يركنهم كما كانوا في الدنيا يركف بني آدـ من حيث لا يركنهم كمثل ىذا لايعلم الا بتوقيف تنقطع الحجة عنده فإف ثبتت حجة يجب اتباعها كإلا فهو مما يحكى ليعلم كصحتو موقوفة على الدليل كالله أعلم ا.ىػ كقاؿ ابن كثير في تفسيره ( ٕ/َّّ): كقد استدؿ بهذه الآية - {كيجركم من عذاب أليم }- من ذىب من العلماء إلى أف الجن المؤمنين لا يدخلوف الجنة، كإنما جزاء
عدد الصفحات ٥٩- 50 - صالحيهم أف يجاركا من عذاب النار يوـ القيامة؛ كلهذا قالوا ىذا في ىذا المقاـ، كىو مقاـ تبجح كمبالغة فلو كاف لهم جزاء على الإيماف أعلى من ىذا لأكشك أف يذكركه . كقاؿ ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قاؿ: حدثت عن جرير، عن ليث، عن مجاىد، عن ابن عباس قاؿ: (لا يدخل مؤمنو الجن الجنة؛ لأنهم من ذرية إبليس، كلا تدخل ذرية إبليس الجنة)ُ. كالحق أف مؤمنهم كمؤمني الإنس يدخلوف الجنة، كما ىو مذىب جماعة (ٔ) من السلف، كقد استدؿ بعضهم لهذا بقولو{ :لم يطمثهن إنس قبلهم كلا جاف } [الرحمن : ْٕ]، كفي ىذا الاستدلاؿ نظر، كأحسن منو قولو تعالى{ :كلمن خاؼ مقاـ ربو جنتاف فبأم آلاء ربكما تكذباف [ }الرحمن : ْٔ ، ْٕ]، فقد امتن تعالى على الثقلين بأف جعل جزاء محسنهم الجنة، كقد قابلت الجن ىذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس، فقالوا: "كلا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد" فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم، كأيضا فإنو إذا كاف يجازم كافرىم بالنار -كىو مقاـ عدؿ-فلؤف يجازم مؤمنهم بالجنة -كىو مقاـ فضل-بطريق الأكلى كالأحرل. كمما يدؿ أيضا على ذلك عموـ قولو تعالى{ :إف الذين آمنوا كعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردكس نزلا [ }الكهف: َُٕ]، كما أشبو ذلك من الآيات. كقد أفردت ىذه المسألة في جزء على حدة، كلله الحمد كالمنة. كىذه الجنة لا يزاؿ فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقا، أفلب يسكنها من آمن بو كعمل لو صالحا؟ كما ذكركه ىاىنا من الجزاء على الإيماف من تكفير الذنوب كالإجارة من العذاب الأليم، ىو يستلزـ دخوؿ الجنة؛ لأنو ليس في الآخرة إلا الجنة أك النار، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة. كلم يرد معنا نص صريح كلا ظاىر عن الشارع أف مؤمني الجن لا يدخلوف الجنة كإف أجيركا من النار، كلو صح لقلنا بو، كالله أعلم. كىذا نوح، عليو السلبـ، يقوؿ لقومو{ :يغفر لكم من ذنوبكم كيؤخركم إلى أجل ُ أخرجو ابن أبي حاتم في تفسيره ( ٖ/ِٖٕٔ) كإسناده ضعيف، كما ىو بين.
عدد الصفحات ٦٠- 51 - مسمى [ }نوح : ْ]، كلا خلبؼ أف مؤمني قومو في الجنة، فكذلك ىؤلاء. كقد حكي فيهم أقواؿ غريبة فعن عمر بن عبد العزيز: أنهم لا يدخلوف بحبوحة الجنة، كإنما يكونوف في ربضها كحولها كفي أرجائها . كمن الناس من زعم أنهم في الجنة يراىم بنو آدـ كلا يركف بني آدـ عكس ما كانوا عليو في الدار الدنيا. كمن الناس من قاؿ: لا يأكلوف في الجنة كلا يشربوف، كإنما يلهموف التسبيح كالتحميد كالتقديس، عوضا عن الطعاـ كالشراب كالملبئكة، لأنهم من جنسهم. ككل ىذه الأقواؿ فيها نظر، كلا دليل عليها ا.ىػ كقاؿ العلبمة الشنقيطي في أضواء البياف (ٕ/ِّٔ): قولو - تعالى -: يا قومنا أجيبوا داعي الله كآمنوا بو يغفر لكم من ذنوبكم كيجركم من عذاب أليم. منطوؽ ىذه الآية أف من أجاب داعي الله محمدا - صلى الله عليو كسلم - كآمن بو، كبما جاء بو من الحق - غفر الله لو ذنوبو، كأجاره من العذاب الأليم. كمفهومها، أعني مفهوـ مخالفتها المعركؼ بدليل الخطاب، أف من لم يجب داعي الله من الجن، كلم يؤمن بو لم يغفر لو، كلم يجره من عذاب أليم، بل يعذبو كيدخلو النار، كىذا المفهوـ جاء مصرحا بو مبينا في آيات أخر، كقولو - تعالى -: كتمت كلمة ربك لأملؤف جهنم من الجنة كالناس أجمعين [ُُ \ ُُٗ]كقولو - تعالى -: كلكن حق القوؿ مني لأملؤف جهنم من الجنة كالناس أجمعين [ِّ \ ُّ]كقولو - تعالى -: قاؿ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن كالإنس في النار [ٕ \ ّٖ]كقولو - تعالى -: فكبكبوا فيها ىم كالغاككف كجنود إبليس أجمعوف [ِٔ \ ْٗ - ٓٗ]إلى غير ذلك من الآيات. أما دخوؿ المؤمنين المجيبين داعي الله من الجن الجنة - فلم تتعرض لو الآية الكريمة بإثبات كلا نفي، كقد دلت آية أخرل على أف المؤمنين من الجن يدخلوف الجنة، كىي قولو - تعالى - في سورة «الرحمن » :كلمن خاؼ مقاـ ربو جنتاف فبأم آلاء ربكما تكذباف [ٓٓ \ ْٔ - ْٕ]كبو تعلم أف ما ذىب إليو بعض أىل
عدد الصفحات ٦١- 52 - العلم، قائلين: إنو يفهم من ىذه الآية، من أف المؤمنين من الجن لا يدخلوف الجنة، كأف جزاء إيمانهم كإجابتهم داعي الله، ىو الغفراف كإجارتهم من العذاب الأليم فقط، كما ىو نص الآية - كلو خلبؼ التحقيق. كقد أكضحنا ذلك في كتابنا «دفع إيهاـ الاضطراب عن آيات الكتاب» في الكلبـ على ىذه الآية، من سورة «الأحقاؼ» فقلنا فيو ما نصو: ىذه الآية يفهم من ظاىرىا، أف جزاء المطيع من الجن غفراف ذنوبو، كإجارتو من عذاب أليم، لا دخولو الجنة. كقد تمسك جماعة من العلماء منهم، الإماـ أبو حنيفة - رحمو الله تعالى - بظاىر ىذه الآية، فقالوا: إف المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلوف الجنة، مع أنو جاء في آية أخرل ما يدؿ على أف مؤمنيهم في الجنة، كىي قولو - تعالى -: كلمن خاؼ مقاـ ربو جنتاف ؛ لأنو - تعالى - بين شمولو للجن كالإنس، بقولو: فبأم آلاء ربكما تكذباف. كيستأنس لهذا بقولو - تعالى -: لم يطمثهن إنس قبلهم كلا جاف [ٓٓ \ ٔٓ] فإنو يشير إلى أف في الجنة جنا يطمثوف النساء كالإنس. كالجواب عن ىذا أف آية «الأحقاؼ» نص فيها على الغفراف كالإجارة من العذاب، كلم يتعرض فيها لدخوؿ الجنة بنفي كلا إثبات، كآية «الرحمن » نص فيها على دخولهم الجنة ؛ لأنو - تعالى - قاؿ فيها: كلمن خاؼ مقاـ ربو جنتاف. كقد تقرر في الأصوؿ أف الموصولات من صيغ العموـ، فقولو: كلمن خاؼ، يعم كل خائف مقاـ ربو، ثم صرح بشموؿ ذلك الجن كالإنس معا بقولو: فبأم آلاء ربكما تكذباف. فبين أف الوعد بالجنتين لمن خاؼ مقاـ ربو من آلائو، أم نعمو على الإنس كالجن، فلب تعارض بين الآيتين ؛ لأف إحداىما بينت ما لم تعرض لو الأخرل.
عدد الصفحات ٦٢- 53 - كلو سلمنا أف قولو: يغفر لكم من ذنوبكم كيجركم من عذاب أليم، يفهم منو عدـ دخولهم الجنة، فإنو إنما يدؿ عليو بالمفهوـ، كقولو: كلمن خاؼ مقاـ ربو جنتاف فبأم آلاء ربكما تكذباف يدؿ على دخولهم الجنة بعموـ المنطوؽ. كالمنطوؽ مقدـ على المفهوـ كما تقرر في الأصوؿ. كلا يخفى أنا إذا أردنا تحقيق ىذا المفهوـ المدعى كجدناه معدكما من أصلو ؛ للئجماع على أف قسمة المفهوـ ثنائية، إما أف يكوف مفهوـ موافقة أك مخالفة، كلا ثالث. كلا يدخل ىذا المفهوـ المدعى في شيء من أقساـ المفهومين. أما عدـ دخولو في مفهوـ الموافقة بقسميو فواضح. كأما عدـ دخولو في شيء من أنواع مفهوـ المخالفة، فلؤف عدـ دخولو في مفهوـ الحصر أك الغاية أك العدد أك الصفة أك الظرؼ - كاضح. فلم يبق من أنواع مفهوـ المخالفة يتوىم دخولو فيو إلا مفهوـ الشرط أك اللقب، كليس داخلب في كاحد منهما، فظهر عدـ دخولو فيو أصلب. أما كجو توىم دخولو في مفهوـ الشرط، فلؤف قولو: يغفر لكم من ذنوبكم فعل مضارع مجزكـ بكونو جزاء الطلب. كجمهور علماء العربية على أف الفعل إذا كاف كذلك فهو مجزكـ بشرط مقدر، لا بالجملة قبلو، كما قيل بو. كعلى الصحيح الذم ىو مذىب الجمهور، فتقرير المعنى: أجيبوا داعي الله كآمنوا بو إف تفعلوا ذلك يغفر لكم، فيتوىم في الآية مفهوـ ىذا الشرط المقدر. كالجواب عن ىذا: أف مفهوـ الشرط عند القائل بو، إنما ىو في فعل الشرط لا في جزائو، كىو معتبر ىنا في فعل الشرط على عادتو، فمفهوـ أف تجيبوا داعي الله كتؤمنوا بو يغفر لكم، أنهم إف لم يجيبوا داعي الله كلم يؤمنوا بو ؛ لم يغفر لهم، كىو كذلك.
عدد الصفحات ٦٣- 54 - أما جزاء الشرط فلب مفهوـ لو ؛ لاحتماؿ أف تترتب على الشرط الواحد مشركطات كثيرة، فيذكر بعضها جزاء لو، فلب يدؿ على نفي غيره. كما لو قلت لشخص مثلب: إف تسرؽ يجب عليك غرـ ما سرقت. فهذا الكلبـ حق كلا يدؿ على نفي غير الغرـ كالقطع ؛ لأف قطع اليد مرتب أيضا على السرقة، كالغرـ. ككذلك الغفراف كالإجارة من العذاب كدخوؿ الجنة - كلها مرتبة على إجابة داعي الله كالإيماف بو. فذكر في الآية بعضها كسكت فيها عن بعض، ثم بين في موضع آخر، كىذا لا إشكاؿ فيو. كأما كجو توىم دخولو في مفهوـ اللقب، فلؤف اللقب في اصطلبح الأصوليين ىو ما لم يمكن انتظاـ الكلبـ العربي دكنو، أعني المسند إليو، سواء كاف لقبا أك كنية أك اسما أك اسم جنس أك غير ذلك. كقد أكضحنا اللقب غاية في «المائدة» . كالجواب عن عدـ دخولو في مفهوـ اللقب، أف الغفراف كالإجارة من العذاب المدعى بالفرض أنهما لقباف لجنس مصدريهما، كأف تخصيصهما بالذكر يدؿ على نفي غيرىما في الآية سنداف لا مسند إليهما، بدليل أف المصدر فيهما كامن في الفعل، كلا يستند إلى الفعل إجماعا، ما لم يرد مجرد لفظو على سبيل الحكاية. كمفهوـ اللقب عند القائل بو إنما ىو فيما إذا كاف اللقب مسندا إليو ؛ لأف تخصيصو بالذكر عند القائل بو يدؿ على اختصاص الحكم بو دكف غيره، كإلا لما كاف للتخصيص بالذكر فائدة، كما عللوا بو مفهوـ الصفة. كأجيب من جهة الجمهور: بأف اللقب ذكر ليمكن الحكم، لا لتخصيصو بالحكم؛ إذ لا يمكن الإسناد بدكف مسند إليو.
عدد الصفحات ٦٤