- 355 - كمن الأسباب الكونية الموىومة ظن بعضهم انو إذا سافر أك تزكج مثلبن يوـ الأربعاء أخفق في سفره كخاب في زكاجو، كاعتقادىم أنو من شرع في عمل ىاـ فرأل أعمى أك ذك عاىة لم يتم عملو كلم ينجح فيو! كمن ىذه الأسباب أيضان ظن كثير من العرب كالمسلمين اليوـ أنهم بعددىم الكبير فقط ينتصركف على أعدائهم من الصهاينة كالمستعمرين، كأنهم على كضعهم الذم ىم عليو سيرموف اليهود في البحر، كقد أثبتت التجارب خطأ ىذه الظنوف كبطلبنها، كأف الأمر أعمق من أف يعالج بهذه الطريقة السطحية. كمن الأسباب الشرعية الموىومة اتخاذ بعض الناس أسبابان يظنونها تقربهم إلى الله سبحانو، كىي تبعدىم منو في الحقيقة، كتجلب لهم السخط كالغضب، بل كاللعنة كالعذاب، فمن ذلك استغاثة بعضهم بالموتى المقبورين من الأكلياء كالصالحين، ليقضوا لهم حوائجهم التي لا يستطيع قضاءىا إلا الله سبحانو كتعالى، كطلبهم منهم دفع الضر كشفاء السقم، كجلب الرزؽ كإزالة العقم، كالنصر على العدك كأمثاؿ ذلك، فيتمسحوف بحديد الأضرحة كحجارة القبور، كيهزكنها أك يلقوف إليها أكراقان كتبوا فيها طلباتهم كرغابتهم، فهذه كسائل شرعية بزعمهم، كلكنها في الحقيقة باطلة، كمخالفة لأساس الإسلبـ الأكبر الذم ىو العبودية لله تعالى كحده، كإفراده سبحانو بجميع أنواعها كفركعها. كمن ذلك اعتقاد بعضهم الصدؽ في خبر يتحدث بو إنساف ما إذا عطس ىو أك أحد الحاضرين عند تحدثو بذلكُ. ُ قاؿ العلبمة الألباني: لعل مستند ىذا الاعتقاد حديث: " من حدث حديثان فعطس عنده فهو حق " كىو حديث باطل، كقد أكرده الشوكاني في كتابو "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (صِِْ).كىذا كما بعده أمثلة جيده لبياف خطر الأحاديث الضعيفة كالموضوعة، كأثرىا السيئ في نشر العقائد الباطلة، كالعادات المسترذلة، مما يوجب على كل مسلم كاع معرفتها كالتحذير منها، كلا يتم ذلك إلا بالاىتماـ بعلوـ السنة كدراستها، كىذا مما حدا بي إلى كضع كتابي "سلسلة الأحاديث الضعيفة كالموضوعة كأثرىا السيئ في الأمة" كقد صدر منو ثلبثة مجلدات، يسر الله نشر المجلدات الباقية، كىذا الحديث تجد الكلبـ عليو كبياف بطلبنو مفصلبن فيو برقم (ُّٔ). (طبع المكتب الإسلبمي).
عدد الصفحات ٤٦٥- 356 - كمنها اعتقادىم بأف أحدان من أصحابهم أك أقربائهم يذكرىم بخير إذا طنت آذانهمُ، ككذلك اعتقادىم بأف بلبء ينزؿ عليهم إذا قصوا أظافرىم في الليل كفي أياـ السبت كالأحدِ ... ، أك إذا كنسوا بيوتهم ليلبن ... ، كمنها اعتقادىم أنهم إذا حسنوا ظنهم بحجر كاعتقدكا فيو فإنو ينفعهمّ. فهذه كأمثالها اعتقادات باطلة، بل خرافات كترىات، كظنوف كأكىاـ ما أنزؿ الله بها من سلطاف، كقد رأيت أف أصلها أحاديث موضوعة مكذكبة، لعن الله كاضعها، كقبح ملفقها. كعلى ىذا فإف الوسائل الكونية منها ما ىو مباح أذف الله بو، كمنها ما ىو حراـ نهى الله عنو، كقد ذكرت فيما سبق أمثلة من ىذه الوسائل بنوعيها مما يىهم الناس فيو، كيظنونو مباحان كموصلبن إلى القصد مع أنو بعكس ذلك، كأذكر فيما يلي بعض الأمثلة على الوسائل الكونية المشركعة كغير المشركعة. فمن الوسائل الكونية المشركعة للكسب كالحصوؿ على الرزؽ اتخاذ البيع كالشراء كالتجارة كالزراعة كالإجارة، كمن الوسائل الكونية المحرمة الإقراض بالربا كبيع العينة كالاحتكار كالغش كالسرقة، كالميسر كبيع الخمور كالتماثيل، كمن أدلة ذلك قولو تعالى{ :كأحل الله البيع كحرـ الربا}البقرة: ِٕٓ). ُ قاؿ العلبمة الألباني: أصل ىذه العقيدة حديث موضوع ىو: "إذا طنت أذف أحدكم فليصل علي، كليقل: ذكر الله بخير من ذكرني " كأكرده الشوكاني في "الفوائد المجوعة" (صِِْ). ِ قاؿ العلبمة الألباني: كقد تلقى ىذه العقيدة الباطلة بعض المتفقهة فنظمها شعران يلقن لبعض طلبب المدارس الشرعية، كمنها قولو: قص الأظافر يوـ السبت آكلة ... تبدك كفيما يليو تذىب البركة كعالم فاضل يبدك بتلوىما كإف يكن في الثلبثاء فاحذر الهلبكة. ّقاؿ العلبمة الألباني: أصل ىذه العقيدة الضالة حديث: "لو أحسن أحدكم ظنو في حجر لنفعو الله بو " اكرده الحافظ العجلوني في "كشف الخفاء" (ِ/ ُِٓ) كنقل عن ابن تيمية أنو كذب، كعن ابن حجر أنو لا أصل لو، كعن صاحب "المقاصد" أنو لا يصح، كنقل عن ابن القيم قولو: (ىو من كلبـ عباد الأصناـ الذين يحسنوف ظنهم بالأحجار) كانظر كتابي السابق، رقم (َْٓ).
عدد الصفحات ٤٦٦- 357 - فكل من البيع كالربا سبب كوني لكسب الرزؽ، كلكن الله تعالى أحل الأكؿ، كحرـ الثاني. كيف تعرؼ صحة الوسائل كمشركعيتها: كالطريق الصحيح لمعرفة مشركعية الوسائل الكونية كالشرعية ىو الرجوع إلى الكتاب كالسنة، كالتثبت مما كرد فيهما عنها، كالنظر في دلالات نصوصهما، كليس ىناؾ طريق آخر لذلك البتة. فهناؾ شرطاف لجواز استعماؿ سبب كوني ما، الأكؿ أف يكوف مباحان في الشرع، كالثاني أف يكوف قد ثبت تحقيقو للمطلوب، أك غلب ذلك على الظن. كأما الوسيلة الشرعية فلب يشترط فيها إلا ثبوتها في الشرع ليس غير. فاتخاذ الحيواف في المثاؿ الأسبق كسيلة مزعومة لمعرفة الغيب ىو من الناحية الكونية باطل تدحضو التجربة كالنظر، كمن الناحية الشرعية كفر كضلبؿ، بين الله بطلبنو كحذر منو. ككثيران ما يخلط الناس في ىذه الأمور، فيظنوف أنو بمجرد ثبوت النفع بوسيلة ما تكوف ىذه الوسيلة جائزة كمشركعة، فقد يحدث أف يدعو أحدىم كليان، أك يستغيث بميت فيتحقق طلبو، كيناؿ رغبتو، فيدعي أف ىذا دليل على قدرة الموتى كالأكلياء على إغاثة الناس، كعلى جواز دعائهم كالاستغاثة بهم، كما حجتو في ذلك غير حصولو على طلبو، كقد قرأنا مع الأسف في بعض الكتب الدينية أشياء كثيرة من ىذا القبيل، إذ يقوؿ مسطرىا، أك ينقل عن بعضهم قولو مثلبن : إنو كقع في شدة، كاستغاث بالولي الفلبني، أك الصالح العلبني، كناداه باسمو، فحضر حالان، أك جاءه في النوـ فأغاثو، كحقق لو ما أراد. كما درل ىذا المسكين كأمثالو أف ىذا- إف صح كقوعو- استدراج من الله عز كجل للمشركين كالمبتدعين، كفتنة منو سبحانو لهم، كمكر منو بهم، جزاءان كفاقان على إعراضهم عن الكتاب كالسنة، كاتباعهم لأىوائهم كشياطينهم.
عدد الصفحات ٤٦٧- 358 - فهذا الذم يقوؿ ذاؾ الكلبـ يجيز الاستغاثة بغير الله تعالى، ىذه الاستغاثة التي ىي الشرؾ الأكبر بعينو، بسبب حادثة كقعت لو أك لغيره، كيمكن أف تكوف ىذه الحادثة مختلقة من أصلها، أك محرفة كمضخمة لإضلبؿ بني آدـ، كما يمكن أف تكوف صحيحة، كراكيها صادقان فيما أخبر، كلكنو أخطأ في حكمو على المنقذ كالمغيث، فظنو كليان صالحان، كإنما ىو شيطاف رجيم، فعل ذلك عن قصد خبيث، ىو تلبيس الأمور على الناس، كإيقاعهم في حبائل الكفر كالضلبؿ من حيث يشعركف أك لا يشعركف. كقد تضافرت الأخبار على أف المشركين في الجاىلية كانوا يأتوف إلى الصنم، كينادكنو فيسمعوف صوتان، فيظنوف أف الذم يكلمهم كيجيبهم إنما ىو معبودىم الذم قصدكه من دكف الله، كليس ىو في الحقيقة كالواقع غير شيطاف لعين يريد إضلبلهم، كإغراقهم في العقائد الباطلة. كالمقصود من ذلك كلو أف تعرؼ أف التجارب كالأخبار ليست الوسيلة الصحيحة لمعرفة مشركعية الأعماؿ الدينية، بل الوسيلة الوحيدة المقبولة لذلك ىي الاحتكاـ للشرع المتمثل في الكتاب كالسنة كليس غير. كأىم ما يخلط فيو كثير من الناس في ىذا الباب الاتصاؿ بعالم الغيب بطريقة من الطرؽ، كإتياف الكهاف كالعرافين، كالمنجمين كالسحرة كالمشعوذين، فتراىم يعتقدكف في ىؤلاء معرفة الغيب، لأنهم يحدثونهم عن بعض الأمور المغيبة عنهم، كيكوف الأمر كفق ما يحدثوف أحيانان، كيظنوف ذلك جائزان مباحان، بدليل كقوعو كما يخبركف. كىذا خطأ جسيم، كضلبؿ مبين، فإف مجرد حصوؿ منفعة ما بواسطة ما لا يكفي لإثبات مشركعية ىذه الواسطة، فبيع الخمر مثلبن قد يؤدم إلى منفعة صاحبو كغناه كثركتو، ككذلك الميسر كاليانصيب أحيانان، كلذلك قاؿ ربنا تبارؾ كتعالى فيهما{ :يسألونك عن الخمر كالميسر، قل فيهما إثم كبير، كمنافع للناس، كإثمهما أكبر من نفعهما}
عدد الصفحات ٤٦٨- 361 - (البقرة: ُِٗ) كمع ذلك فهما محرماف، كملعوف في الخمر عشرة كما ثبت في الحديثُ. فإتياف الكهاف كذلك حراـ، لأنو قد ثبت في الدين النهي عنو، كالتحذير منو، قاؿ النبي - صلى الله عليو كآلو كسلم -:» من أتى كاىنان، فصدقو بما يقوؿ فقد برئ مما أنزؿ على محمد"ِ. كقاؿ - صلى الله عليو كآلو كسلم -: «من أتى عرافان، فسألو عن شيء لم تقبل لو صلبة أربعين ليلةّ». كقاؿ معاكية بن الحكم السلمي للنبي - صلى الله عليو كآلو كسلم -: إف منا رجالان يأتوف الكهاف؟ فقاؿ - صلى الله عليو كآلو كسلم -: «ف تأتهم .... »ْ. كقد بين الرسوؿ الكريم صلوات الله كسلبمو عليو طريقة حصوؿ الكهاف كالسحرة على بعض المغيبات بقولو - صلى الله عليو كآلو كسلم -: ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملبئكة بأجنحتها خضعانان لقولو كالسلسلة على صفوافٓ، فإذا فػيزٌع عن قلوبهم قالوا: ماذا قاؿ ربكم؟ قالوا للذم قاؿ: الحق، كىو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، كمسترقو السمع ىكذا كاحد فوؽ آخر، ككصف سفياف- أحد ركاة الحديث- (كىو ابن عيينة كما قاؿ الحافظ ابن كثير في «تفسيره" (ّ/ ّٕٓ) بيده، كفرَّج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوؽ بعض، فربما أدرؾ الشهاب المستمع قبل أف يرمي بها إلى صاحبو، كربما لم تدركو حتى يرمي بها إلى الذم يليو، الذم ىو أسفل منو، حتى يلقوىا إلى الساحر، فيكذب معها مائة كذبة، ُ قاؿ العلبمة الألباني: كىو مخرج في بعض مصنافتي، فانظر "صحيح الجامع الصغير كزيادتو" (ْٕٔٗ). ِ قاؿ العلبمة الألباني: ركاه أحمد كأبو داكد، كإسناده صحيح. انظر المصدر السابق (ُٖٖٓ). ّ قاؿ العلبمة الألباني: ركاه مسلم. أنظر المصدر السابق (ُٖٔٓ). ْ قاؿ العلبمة الألباني: ركاه مسلم كغيره، كىو مخرج في "صحيح أبي داكد" (ِٖٔ). ٓ قاؿ العلبمة الألباني: ىو الصخر الأملس.
عدد الصفحات ٤٦٩- 360 - فيصدؽ، فيقولوف: ألم يخبرنا يوـ كذا ككذا، يكوف كذا ككذا، فوجدناه حقان؟ «للكلمة التي سيمعت من السماء )ُ. ككرد مثل ىذا في حديث آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما قاؿ: ( كاف رسوؿ الله - صلى الله عليو كآلو كسلم - جالسان في نفر من أصحابو، فاستنار نجم، فقاؿ - صلى الله عليو كآلو كسلم -: «ما كنتم تقولوف إذا كاف مثل ىذا في الجاىلية؟ " قالوا: كنا نقوؿ: يولد عظيم أك يموت عظيم، فقاؿ رسوؿ الله - صلى الله عليو كآلو كسلم -: «فإنها لا يػيرٍمى بها لموت أحد كلا لحياتو، كلكن ربنا تبارؾ كتعالى إذا قضى أمران سبح حملة العرش، ثم سبح أىل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أىل السماء الذين يلوف حملة العرش، فيقوؿ الذين يلوف حملة العرش لحملة العرش: ماذا قاؿ ربكم؟ فيخبركنهم، كيخبر أىل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى ىذه السماء، كتخطف الجن السمع، فييرمىوف، فما جاؤكا بو على كجهو فهو حق، كلكنهم يقرفوف فيو كيزيدكف )ِ. فمن ىذين الحديثين كغيرىما نعلم أف الاتصاؿ بين الإنس كالجن كاقع، كأف الجني يخبر الكاىن ببعض الأخبار الصادقة، فيضيف إليها الكاىن أخباران أخرل ملفقة من عنده، فيحدث الناس، فيطلعوف على صدؽ بعضها، كمع ذلك فقد نهى الشارع الحكيم عن إتياف ىؤلاء الكهاف، كحذر من تصديقهم فيما يقولوف، كما مر معنا آنفان . كبهذه المناسبة فلب يفوتنا أف نذكر أف الكهانة كالعرافة كالتنجيم ما يزاؿ لها أثر كبير على كثير من الناس، حتى في عصرنا ىذا الذم يدعي أىلو أنو عصر العلم كالتفكير، ُ قاؿ العلبمة الألباني: ركاه البخارم في عدة مواضع من "صحيحو"، منو كتاب التفسير (ٗ/ ِْٓ فتح) عن أبي ىريرة، كصححو الترمذم كابن خزيمة، كىو مخرج في "الصحيحة". (ُِّٗ) كانظر "صحيح الجامع الصغير" (ُ/ ِِٔ). ِ قاؿ العلبمة الألباني: ركاه أحمد في "مسنده" (ُ/ ُِٖ) كمسلم في "صحيحو" (ٕ/ ّٔ كّٕ) كالترمذم (ٗ/ ُٗ - ِٗ - "تحفة") كغيرىم، (يقرفوف) يخلطوف فيو الكذب، كضبطها بعضهم (يقذفوف) بوزنها كمعناىا، كركاىا الترمذم بلفظ: (يحرفونو).
عدد الصفحات ٤٧٠- 361 - كالتمدف كالثقافة، كيظنوف أف الكهانة كالشعوذة كالسحر قد كلٌت أيامها كانقضى سلطانها، كلكن الذم يمكن النظر، كيطلع على خفايا ما يحدث ىنا كىناؾ يعلم علم اليقين أنها ما تزاؿ تسيطر على كثيرين، كلكنها لبست لبوسان جديدان، كتبدٌت بأشكاؿ عصرية، لا يفطن إلى حقيقتها إلا القليل، كما استحضار الأركاح كمخاطبتها، كالاتصاؿ بها بأنواعو المختلفة إلا شكل من أشكاؿ ىذه الكهانة الحديثة التي تضلل الناس، كتفتنهم عن دينهم، كتربطهم بالأكىاـ كالأباطيل، كيظنونها حقيقة كعلمان، كدينان، كالحقيقة كالعلم كالدين منها بيراء. كالخلبصة أف الأسباب الكونية، كما ييظن أنو من الأسباب الشرعية لا يجوز إثباتها، كلا تعاطيها إلا بعد ثبوت جوازىا في الشرع، كما يجب في الأسباب الكونية إثبات صحتها كفائدتها بالنظر كالتجربة. كمما يجب التنبو لو، أف ما ثبت كونو كسيلة كونية، فإنو يكفي في إباحتو كالأخذ بو، أف لا يكوف في الشرع النهي عنو، كفي مثلو يقوؿ الفقهاء: الأصل في الأشياء الإباحة. كأما الوسائل الشرعية، فلب يكفي في جواز الأخذ بها، أف الشارع الحكيم لم ينو عنها، كما يتوىمو الكثيركف بل لا بد فيها من ثبوت النص الشرعي المستلزـ مشركعيتها كاستحبابها؛ لأف الاستحباب شيء زائد على الإباحة، فإنو مما يتقرب إلى الله تعالى، كالقربات لا تثبت بمجرد عدـ كركد النهي عنها، كمن ىنا قاؿ بعض السلف: (كل عبادة لم يتعبدىا أصحاب رسوؿ الله - صلى الله عليو كآلو كسلم - فلب تتعبدكىا)، كىذا مستفاد من أحاديث النهي عن الابتداع في الدين كىي معركفة، كمن ىنا قاؿ شيخ الإسلبـ ابن تيمية رحمو الله تعالى: «الأصل في العبادات المنع إلا لنص، كفي العادات الإباحة إلا لنص".فاحفظ ىذا فإنو ىاـ جدان يساعدؾ على استبصار الحق فيما اختلف فيو الناس ا.ىػ كقاؿ العلبمة ابن باز في مجموع فتاكاه (ِ/ُُٖ): الحمد لله كحده ، كالصلبة كالسلبـ على أشرؼ الأنبياء كالمرسلين نبينا محمد كعلى آلو كصحبو أجمعين ، أما
عدد الصفحات ٤٧١- 362 - بعد : فقد شاع بين كثير من الناس أف ىناؾ من يتعلق بالكهاف كالمنجمين كالسحرة كالعرافين كأشباىهم ، لمعرفة المستقبل كالحظ كطلب الزكاج كالنجاح في الامتحاف ، كغير ذلك من الأمور التي اختص الله سبحانو كتعالى بعلمها كما قاؿ تعالى { :عىالًمي الٍغىيٍبً فىلبى ييظٍهًري عىلىى غىيٍبًوً أىحىدنا { }إً مىنً ارٍتىضىى مًنٍ رىسيوؿو فىإًنَّوي يىسٍليكي مًنٍ بػىيٍنً يىدىيٍوً كىمًنٍ خىلٍفًوً رىصىدنا }كقاؿ سبحانو { :قيلٍ لاى يػىعٍلىمي مىنٍ فًي السَّمىاكىاتً كىالأٍىرٍضً الٍغىيٍبى إًلاَّ اللَّوي كىمىا يىشٍعيريكفى أىيَّافى يػيبػٍعىثيوفى }فالكهاف كالعرافوف كالسحرة كأمثالهم قد بين الله سبحانو كتعالى كرسولو صلى الله عليو كسلم ضلبلهم كسوء عاقبتهم في الآخرة كأنهم لا يعلموف الغيب ، كإنما يكذبوف على الناس كيقولوف على الله غير الحق كىم يعلموف ، قاؿ تعالى { :كىمىا كىفىرى سيلىيٍمىافي كىلىكًنَّ الشَّيىاطًينى كىفىريكا يػيعىلّْميوفى النَّاسى السّْحٍرى كىمىا أينٍزًؿى عىلىى الٍمىلىكىيٍنً بًبىابًلى ىىاريكتى كىمىاريكتى كىمىا يػيعىلّْمىافً مًنٍ أىحىدو حىتَّى يػىقيولاى إًنَّمىا نىحٍني فًتػٍنىةه فىلبى تىكٍفيرٍ فػىيىتػىعىلَّميوفى مًنػٍهيمىا مىا يػيفىرّْقيوفى بًوً بػىيٍنى الٍمىرٍءً كىزىكٍجًوً كىمىا ىيمٍ بًضىارّْينى بًوً مًنٍ أىحىدو إًلاَّ بًإًذٍفً اللَّوً كىيػىتػىعىلَّميوفى مىا يىضيرُّىيمٍ كىلاى يػىنػٍفىعيهيمٍ كىلىقىدٍ عىلًميوا لىمىنً اشٍتػىرىاهي مىا لىوي فًي الآٍخًرىةً مًنٍ خىلبىؽو كىلىبًئٍسى مىا شىرىكٍا بًوً أىنػٍفيسىهيمٍ لىوٍ كىانيوا يػىعٍلىميوفى }كقاؿ سبحانو { :إًنَّمىا صىنػىعيوا كىيٍدي سىاحًرو كىلاى يػيفٍلًحي السَّاحًري حىيٍثي أىتىى }كقاؿ تعالى { : كىأىكٍحىيػٍنىا إًلىى ميوسىى أىفٍ أىلٍقً عىصىاؾى فىإًذىا ىًيى تػىلٍقىفي مىا يىأٍفًكيوفى { }فػىوىقىعى الٍحىقُّ كىبىطىلى مىا كىانيوا يػىعٍمىليوفى }فهذه الآيات كأمثالها تبين خسارة الساحر كمآلو في الدينا كالآخرة ، كأنو لا يأتي بخير كأف ما يتعلمو أك يعلمو غيره يضر صاحبو كلا ينفعو ، كما نبو سبحانو أف عملهم باطل ، كصح عن رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم أنو قاؿ : « اجتنبوا السبع الموبقات قالوا كما ىن يا رسوؿ الله ؟ قاؿ : الشرؾ بالله كالسحر كقتل النفس التي حرـ الله إلا بالحق كأكل الربا كأكل ماؿ اليتيم كالتولي يوـ الزحف كقذؼ المحصنات الغافلبت المؤمنات » متفق على صحتو، كىذا يدؿ على عظم جريمة السحر لأف الله قرنو بالشرؾ ، كأخبر أنو من الموبقات كىي المهلكات ، كالسحر كفر لأنو لا يتوصل إليو إلا بالكفر ، كما قاؿ تعالى { :كىمىا يػيعىلّْمىافً مًنٍ أىحىدو حىتَّى
عدد الصفحات ٤٧٢- 363 - يػىقيولاى إًنَّمىا نىحٍني فًتػٍنىةه فىلبى تىكٍفيرٍ }كقد ركم عن النبي صلى الله عليو كسلم أنو قاؿ : « حد الساحر ضربو بالسيف » ،كصح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنو أنو أمر بقتل السحرة من الرجاؿ كالنساء ، كىكذا صح عن جندب الخير الأزدم رضي الله عنو أحد أصحاب النبي صلى الله عليو كسلم أنو قتل بعض السحرة كصح عن حفصة أـ المؤمنين رضي الله عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت ، كعن عائشة رضي الله عنها قالت : « سأؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم ناس عن الكهاف فقاؿ : ليسوا بشيء ؛ فقالوا يا رسوؿ الله إنهم يحدثونا أحيانا بشيء فيكوف حقا فقاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرىا في أذف كليو فيخلطوا معها مائة كذبة » ركاه البخارم . كقاؿ صلى الله عليو كسلم فيما ركاه عنو ابن عباس رضي الله عنهما « من اقتبس شعبة من النجوـ فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد » ركاه أبو داكد كإسناده صحيح . كللنسائي عن أبي ىريرة رضي الله عنو عن النبي صلى الله عليو كسلم أنو قاؿ : « من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر كمن سحر فقد أشرؾ كمن تعلق شيئا ككل إليو » كىذا يدؿ على أف السحر شرؾ بالله تعالى كما تقدـ ، كذلك لأنو لا يتوصل إليو إلا بعبادة الجن كالتقرب إليهم بما يطلبوف من ذبح كغيره من أنواع العبادة ، كعبادتهم شرؾ بالله عز كجل . فالكاىن من يزعم أنو يعلم بعض المغيبات ، كأكثر ما يكوف ذلك ممن ينظركف في النجوـ لمعرفة الحوادث ، أك يستخدموف من يسترقوف السمع من شياطين الجن ، كما كرد بالحديث الذم مر ذكره ، كمثل ىؤلاء من يخط في الرمل أك ينظر في الفنجاف أك في الكف كنحو ذلك ، ككذا من يفتح الكتاب زعما منهم أنهم يعرفوف بذلك علم الغيب كىم كفار بهذا الاعتقاد؛ لأنهم بهذا الزعم يدعوف مشاركة الله في صفة من صفاتو الخاصة كىي علم الغيب ، كلتكذيبهم بقولو تعالى { :قيلٍ لاى يػىعٍلىمي مىنٍ فًي السَّمىاكىاتً كىالأٍىرٍضً الٍغىيٍبى إًلاَّ اللَّوي }كقولو { :كىعًنٍدىهي مىفىاتًحي الٍغىيٍبً لاى يػىعٍلىميهىا
عدد الصفحات ٤٧٣- 364 - إً ىيوى } كقولو تعالى لنبيو صلى الله عليو كسلم { :قيلٍ لاى أىقيوؿي لىكيمٍ عًنٍدًم خىزىائًني اللَّوً كىلاى أىعٍلىمي الٍغىيٍبى كىلاى أىقيوؿي لىكيمٍ إًنّْي مىلىكه إًفٍ أىتَّبًعي إًلاَّ مىا ييوحىى }إلي الآية ، كمن أتاىم كصدقهم بما يقولوف من علم الغيب فهو كافر ، لما ركاه أحمد كأىل السنن من حديث أبي ىريرة رضي الله عنو أف النبي صلى الله عليو كسلم قاؿ : « من أتى عرافا أك كاىنا فصدقو بما يقوؿ فقد كفر بما أنزؿ على محمد صلى الله عليو كسلم »، كركل مسلم في صحيحو عن بعض أزكاج النبي صلى الله عليو كسلم عن النبي صلى الله عليو كسلم أنو قاؿ : « من أتى عرافا فسألو عن شيء لم تقبل لو صلبة أربعين ليلة »،كعن عمراف بن حصين رضي الله عنو عن النبي صلى الله عليو كسلم أنو قاؿ : « ليس منا من تطير أك تطير لو أك تكهن أك تكهن لو أك سحر أك سحر لو كمن أتى كاىنا فصدقو بما يقوؿ فقد كفر بما أنزؿ على محمد صلى الله عليو كسلم » ركاه البزار بإسناد جيد ، كبما ذكرنا من الأحاديث يتبين لطالب الحق أف علم النجوـ كما يسمى بالطالع كقراءة الكف كقراءة الفنجاف كمعرفة الخط ، كما أشبو ذلك مما يدعيو الكهنة كالعرافوف كالسحرة كلها من علوـ الجاىلية التي حرمها الله كرسولو كمن أعمالهم التي جاء الإسلبـ بإبطالها كالتحذير من فعلها أك إتياف من يتعاطاىا كسؤالو عن شيء منها أك تصديقو فيما يخبر بو من ذلك؛ لأنو من علم الغيب الذم استأثر الله بو، كنصيحتي لكل من يتعلق بهذه الأمور : أف يتوب إلى الله كيستغفره ، كأف يعتمد على الله كحده كيتوكل عليو في كل الأمور مع أخذه بالأسباب الشرعية كالحسية المباحة ، كأف يدع ىذه الأمور الجاىلية كيبتعد عنها كيحذر سؤاؿ أىلها أك تصديقهم ، طاعة لله كلرسولو صلى الله عليو كسلم كحفاظا على دينو كعقيدتو ، كحذرا من غضب الله عليو ، كابتعادا عن أسباب الشرؾ كالكفر التي من مات عليها خسر الدنيا كالآخرة ، نسأؿ الله العافية من ذلك ، كنعوذ بو سبحانو من كل ما يخالف شرعو أك يوقع في غضبو ، كما نسألو سبحانو أف يوفقنا كجميع المسلمين للفقو في دينو كالثبات عليو ، كأف يعيذنا جميعا من مضلبت الفتن كمن شركر أنفسنا كسيئات
عدد الصفحات ٤٧٤- 365 - أعمالنا ، إنو كلي ذلك كالقادر عليو كصلى الله كسلم على نبينا محمد كآلو كصحبو ا.ىػ كقاؿ العلبمة العثيمين كما في مجموع فتاكاه ( ٗ/َّْ): قولو: «فيسمعها مسترؽ السمع» ، أم: ىذه الكلمة التي تكلمت بها الملبئكة. ك" مسترؽ ": مفرد مضاؼ؛ فيعم جميع المسترقين. كتأمل كلمة "مسترؽ"؛ ففيها دليل على أنو يبادر، فكأنو يختلسها اختلبسا بسرعة، كيؤيده قولو{ :إً مىنٍ خىطًفى الٍخىطٍفىةى فىأىتػٍبػىعىوي شًهىابه ثىاقًبه } [الصافات: َُ] قولو: " كمسترؽ السمع ىكذا بعضو فوؽ بعض "، يحتمل أف يكوف ىذا من كلبمو صىلَّى اللَّوي عىلىيٍوً كىسىلَّمى، أك من كلبـ أبي ىريرة، أك من كلبـ سفياف. قولو: " كصفو سفياف بكفو "، أم: أنها كاحد فوؽ الثاني، أم الأصابع: فالجن يتراكبوف كاحدا فوؽ الآخر، إلى أف يصلوا إلى السماء، فيقعدكف لكل كاحد مقعد خاص، قاؿ تعالى{ :كىأىنَّا كينَّا نػىقٍعيدي مًنػٍهىا مىقىاعًدى لًلسَّمٍعً فىمىنٍ يىسٍتىمًعً الآٍفى يىجًدٍ لىوي شًهىابنا رىصىدنا[ }الجن: ٗ] قولو: " فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحتو "، أم: سمع أعلى المسترقين الكلمة، فيلقيها إلى من تحتو؛ أم: يخبره بها، ك"من": اسم موصوؿ، كقولو: "تحتو " شبو جملة صلة الموصوؿ؛ لأنو ظرؼ. قولو: «ثم يلقيها الآخر إلى من تحتو حتى يلقيها» ، أم: يلقي الكلمة آخرىم الذم في الأرض على لساف الساحر أك الكاىن. كالسحر: عزائم كرقى كتعوذات تؤثر في بدف المسحور كقلبو كعقلو كتفكيره. كالكاىن: ىو الذم يخبر عن المغيبات في المستقبل. كقد التبس على بعض طلبة العلم؛ فظنوا أنو كل من يخبر عن الغيب كلو فيما مضى؛ فهو كاىن، لكن ما مضى مما يقع في الأرض ليس غيبا مطلقا، بل ىو غيب نسبي،
عدد الصفحات ٤٧٥- 366 - مثل ما يقع في المسجد يعد غيبا بالنسبة لمن في الشارع، كليس غيبا بالنسبة لمن في المسجد. كقد يتصل الإنساف بجني، فيخبره عما حدث في الأرض كلو كاف بعيدا؛ فيستخدـ الجن، لكن ليس على كجو محرـ؛ فلب يسمى كاىنا؛ لأف الكاىن من يخبر عن المغيبات في المستقبل. كقيل: الذم يخبر عما في الضمير، كىو نوع من الكهانة في الواقع، إذا لم يستند إلى فراسة ثاقبة، أما إذا كاف يخبر عما في الضمير استنادا إلى فراسة؛ فإنو ليس من الكهانة في شيء؛ لأف بعض الناس قد يفهم ما في الإنساف اعتمادا على أسارير كجهو كلمحاتو، كإف كاف لا يعلمو على كجو التفصيل، لكن يعلمو على سبيل الإجماؿ، فمن يخبر عما كقع في الأرض ليس من الكهاف، كلكن ينظر في حالو، فإذا كاف غير موثوؽ في دينو؛ فإننا لا نصدقو؛ لأف الله تعالى يقوؿ{ :يىا أىيػُّهىا الَّذًينى آمىنيوا إًفٍ جىاءىكيمٍ فىاسًقه بًنىبىإو فػىتىبػىيػَّنيوا[ }الحجرات: ٔ] كإف كاف موثوقا في دينو، كنعلم أنو لا يتوصل إلى ذلك بمحرـ من شرؾ أك غيره؛ فإننا لا ندخلو في الكهاف الذين يحرـ الرجوع إلى قولهم، كمن يخبر بأشياء كقعت في مكاف كلم يطلع عليها أحد دكف أف يكوف موجودا فيو؛ فلب يسمى كاىنا؛ لأنو لم يخبر عن مغيب مستقبل يمكن أف يكوف عنده جني يخبره، كالجني قد يخدـ بني آدـ بغير المحرـ؛ إما محبة لله -عز كجل-، أك لعلم يحصلو منو، أك لغير ذلك من الأغراض المباحة، كالسحرة قد يكوف لهم من الجن من يسترؽ لهم السمع. كلا يصل ىؤلاء المسترقوف إلا إلى السماء الدنيا؛ لقولو تعالى{ :كىجىعىلٍنىا السَّمىاءى سىقٍفنا مىحٍفيوظنا[ }الأنبياء: ِّ]؛ فلب يمكن نفوذه إلى ما فوقو. قولو: " فربما أدركو الشهاب ... إلخ"، الشهاب: جزء منفصل من النجوـ، ثاقب، قوم، ينفذ فيما يصطدـ بو.
عدد الصفحات ٤٧٦- 367 - قاؿ العلماء في التفسير قولو تعالى{ :كىلىقىدٍ زىيػَّنَّا السَّمىاءى الدُّنػٍيىا بًمىصىابًيحى كىجىعىلٍنىاىىا ريجيومنا لًلشَّيىاطًينً [ }الملك: ٓ]؛ أم: جعلنا شهابها الذم ينطلق منها؛ فهذا من باب عود الضمير إلى الجزء لا إلى الكل. فالشهب: نيازؾ تنطلق من النجوـ. كىي كما قاؿ أىل الفلك: تنزؿ إلى الأرض، كقد تحدث تصدعا فيها، أما النجم، فلو كصل إلى الأرض؛ لأحرقها. كاختلف العلماء: ىل المسترقوف انقطعوا عن الاستراؽ بعد بعثة الرسوؿ صىلَّى اللَّوي عىلىيٍوً كىسىلَّمى إلى الأبد، أك انقطعوا في كقتو فقط؟ كالثاني ىو الأقرب: أنهم انقطعوا في كقت البعثة فقط، حتى لا يلتبس كلبـ الكهاف بالوحي، ثم بعد ذلك زاؿ السبب الذم من أجلو انقطعوا. قولو: " فيكذب معها مائة كذبة "، ىل ىذا على سبيل التحديد، أك المراد المبالغة، أم أنو يكذب معها كذبات كثيرة؟ الثاني ىو الأقرب، كقد تزيد عن ذلك كقد تنقص؛ فيقاؿ: أليس قد قاؿ لنا يوـ كذا ككذا : كذا ككذا؟ كالناس في ىذه الأمور الغريبة على حسب ما أخبر بو المخبر يأخذكف كل ما يقولو صدقا، فإذا أخبر بشيء فوقع، ثم أخبر بشيء ثاف؛ قالوا: إذف لا بد أف يصدؽ ا.ىػ كسئل العلبمة العثيمين كما في مجموع فتاكاه ( ُ/ِِٗ): ىناؾ من يحضر الجن بطلبسم يقولها كيجعلهم يخرجوف لو كنوزنا مدفونة في الأرض منذ زمن بعيد فما حكم ىذا العمل؟ فأجاب: ىذا العمل ليس بجائز فإف ىذه الطلبسم التي يحضركف بها الجن كيستخدمونهم بها لا تخلو من شرؾ في الغالب كالشرؾ أمره خطير قاؿ الله -تعالى: {إًنَّوي مىنٍ ييشٍرًؾٍ بًاللَّوً فػىقىدٍ حىرَّـى اللَّوي عىلىيٍوً الٍجىنَّةى كىمىأٍكىاهي النَّاري كىمىا لًلظَّالًمًينى مًنٍ أىنٍصىارو } كالذم يذىب إليهم يغريهم كيغرىم، يغريهم بأنفسهم كأنهم على حق، كيغرىم بما
عدد الصفحات ٤٧٧- 368 - يعطيهم من الأمواؿ فالواجب مقاطعة ىؤلاء، كأف يدع الإنساف الذىاب إليهم، كأف يحذر إخوانو المسلمين من الذىاب إليهم، كالغالب في أمثاؿ ىؤلاء أنهم يحتالوف على الناس كيبتزكف أموالهم بغير حق، كيقولوف القوؿ تخرصنا ثم إف كافق القدر أخذكا ينشركنو بين الناس كيقولوف: نحن قلنا كصار كذا كنحن قلنا كصار كذا، كإف لم يوافق ادعوا دعاكل باطلة أنها ىي التي منعت ىذا الشيء، كإني أكجو النصيحة إلى من ابتلي بهذا الأمر كأقوؿ لهم: احذركا أف تمتطوا الكذب على الناس كالشرؾ بالله - عز كجل - كأخذ أمواؿ الناس بالباطل، فإف أمد الدنيا قريب كالحساب يوـ القيامة عسير، كعليكم أف تتوبوا إلى الله - تعالى - من ىذا العمل، كأف تصححوا أعمالكم، كتطيبوا أموالكم كالله الموفق . (باب ىل يعلم الشيطاف خواطر الإنساف كنواياه) لا يعلم ما في قلوب العباد إلا خالقها سبحانو كتعالى قاؿ عز كجل: يعلم خائنة الأعين كما تخفي الصدكر [غافر:ُٗ]، كقاؿ تعالى: كالله يعلم ما تسركف كما تعلنوف [النحل:ُٗ]، كقاؿ تعالى: إف الله عليم بذات الصدكر [آؿ عمراف:ُُٗ]، كلكن دلت الأدلة الصحيحة على أف الشيطاف قريب من الإنساف، بل يجرم منو مجرل الدـ، فيوسوس لو في حاؿ غفلتو، كيخنس في حاؿ ذكره، كمن خلبؿ ىذه الملبزمة فإنو يعلم ما يهواه الإنساف من الشهوات فيزينها لو، كيوسوس لو بخصوصها. كقد سئل شيخ الإسلبـ ابن تيمية في مجموع الفتاكل (ْ/ِّٓ): عن قولو صلى الله عليو كسلم {إذا ىم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت لو حسنة }الحديث . فإذا كاف الهم سرا بين العبد كبين ربو فكيف تطلع الملبئكة عليو ؟ .
عدد الصفحات ٤٧٨- 371 - فأجابالحمد لله ، قد ركم عن سفياف بن عيينة في جواب ىذه المسألة قاؿ { : إنو إذا ىم بحسنة شم الملك رائحة طيبة كإذا ىم بسيئة شم رائحة خبيثة }كالتحقيق أف الله قادر أف يعلم الملبئكة بما في نفس العبد كيف شاء كما ىو قادر على أف يطلع بعض البشر على ما في الإنساف فإذا كاف بعض البشر قد يجعل الله لو من الكشف ما يعلم بو أحيانا ما في قلب الإنساف فالملك الموكل بالعبد أكلى بأف يعرفو الله ذلك كقد قيل في قولو تعالى {كنحن أقرب إليو من حبل الوريد }أف المراد بو الملبئكة : كالله قد جعل الملبئكة تلقي في نفس العبد الخواطر كما قاؿ عبد الله بن مسعود : " إف للملك لمة كللشيطاف لمة فلمة الملك تصديق بالحق ككعد بالخير كلمة الشيطاف تكذيب بالحق كإيعاد بالشر " كقد ثبت عنو في الصحيح أنو قاؿ{ :ما منكم من أحد إلا كقد ككل بو قرينو من الملبئكة كقرينو من الجن قالوا: كإياؾ يا رسوؿ الله ؟ قاؿ: كأنا إلا أف الله قد أعانني عليو فلب يأمرني إلا بخير }فالسيئة التي يهم بها العبد إذا كانت من إلقاء الشيطاف: علم بها الشيطاف، كالحسنة التي يهم بها العبد إذا كانت من إلقاء الملك : علم بها الملك أيضا بطريق الأكلى كإذا علم بها ىذا الملك أمكن علم الملبئكة الحفظة لأعماؿ بني آدـ ا.ىػ ك قاؿ شيخ الإسلبـ أيضا في مجموع الفتاكل (ٓ/َٕٓ): ككذلك قولو{ :كنعلم ما توسوس بو نفسو }فإنو سبحانو يعلم ذلك كملبئكتو يعلموف ذلك كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليو كسلم أنو قاؿ { :إذا ىم العبد بحسنة كتبت لو حسنة فإف عملها كتبت لو عشر حسنات كإذا ىم بسيئة لم تكتب عليو فإف عملها كتبت عليو سيئة كاحدة كإف تركها لله كتبت حسنة }فالملك يعلم ما يهم بو العبد من حسنة كسيئة كليس ذلك من علمهم بالغيب الذم اختص الله بو كقد ركم عن ابن عيينة أنهم يشموف رائحة طيبة فيعلموف أنو ىم بحسنة كيشموف رائحة خبيثة فيعلموف أنو ىم بسيئة كىم كإف شموا رائحة طيبة كرائحة خبيثة فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك بل ما في قلب ابن آدـ يعلمونو بل كيبصركنو كيسمعوف كسوسة نفسو ؛ بل الشيطاف
عدد الصفحات ٤٧٩- 370 - يلتقم قلبو فإذا ذكر الله خنس كإذا غفل قلبو عن ذكره كسوس ؛ كيعلم ىل ذكر الله أـ غفل عن ذكره كيعلم ما تهواه نفسو من شهوات الغي فيزينها لو . كقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليو كسلم في حديث ذكر صفية رضي الله عنها {أف الشيطاف يجرم من ابن آدـ مجرل الدـ }كقرب الملبئكة كالشيطاف من قلب ابن آدـ مما تواترت بو الآثار سواء كاف العبد مؤمنا أك كافرا انتهى. كسئل العلبمة ابن باز كما في مجموع فتاكاه (ٗ/ّٗٔ) ضمن سؤاؿ طويل: كإذا نويت عمل خير في قلبي ىل يعلم بو الشيطاف كيحاكؿ صرفي عنو؟ فأجاب: كل إنساف معو شيطاف كمعو ملك، كما قاؿ النبي صلى الله عليو كسلم : (ما منكم من أحد إلا كمعو قرينو من الجن كقرينو من الملبئكة قالوا: كأنت يا رسوؿ الله؟ قاؿ: كأنا إلا أف الله أعانني عليو فأسلم فلب يأمرني إلا بخير) كأخبر صلى الله عليو كسلم أف الشيطاف يملي على الإنساف الشر كيدعوه إلى الشر كلو لمة في قلبو، كلو اطلبع بتقدير الله على ما يريده العبد كينويو من أعماؿ الخير كالشر، كالملك كذلك لو لمة بقلبو يملي عليو الخير كيدعوه إلى الخير، فهذه أشياء مكنهم الله منها : أم مكن القرينين، القرين من الجن كالقرين من الملبئكة ، كحتى النبي صلى الله عليو كسلم معو شيطاف كىو القرين من الجن كما تقدـ الحديث بذلك ... كالمقصود أف كل إنساف معو قرين من الملبئكة كقرين من الشياطين ، فالمؤمن يقهر شيطانو بطاعة الله كالاستقامة على دينو، كيذؿ شيطانو حتى يكوف ضعيفا لا يستطيع أف يمنع المؤمن من الخير كلا أف يوقعو في الشر إلا ما شاء الله، كالعاصي بمعاصيو كسيئاتو يعين شيطانو حتى يقول على مساعدتو على الباطل ، كتشجيعو على الباطل، كعلى تثبيطو عن الخير فعلى المؤمن أف يتقي الله كأف يحرص على جهاد شيطانو بطاعة الله كرسولو كالتعوذ بالله من الشيطاف ، كعلى أف يحرص في مساعدة ملكو على طاعة الله كرسولو كالقياـ بأكامر الله سبحانو كتعالى " انتهى.
عدد الصفحات ٤٨٠