- 307 - الهمزة للبستفهاـ، كالواك للعطف على مقدر، أم أحصل ذلك كقد كجدتموه؟ كالضمير لما يتعاظم أم ذلك الخاطر في أنفسكم تقريران كتوكيدان، فالوجدانف بمعنى المصادقة، أك المعنى أحصلى ذلك الخاطر القبيح كعلمتم أف ذلك مذموـ غير مرضي؟ فالوجدانف بمعنى العلم (قاؿ: ذاؾ) كفي بعض النسخ "ذلك"، كىو إشارة إلى مصدر يتعاظم (صريح الإيماف) أم خالصو. قاؿ النوكم: معناه استعظامكم الكلبـ بو ىو صريح الإيماف، فإف استعظاـ ىذا كشدة الخوؼ منو كمن النطق بو فضلبن عن اعتقاده إنما يكوف ممن استكمل الإيماف استكمالان محققان، كانتفت عنو الريبة كالشكوؾ. كقيل: معناه أف الشيطاف إنما يوسوس لمن أيس من إغوائو، فينكد عليو بالوسوسة لعجزه عن إغوائو، كأما الكافر فإنو يأتيو من حيث شاء، كلا يقتصر في حقو على الوسوسة بل يتلبعب بو كيف أراد، فعلى ىذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيماف أك الوسوسة علبمة محض الإيماف - انتهى. أم لأف اللص لا يدخل البيت الخالي. قاؿ محدث الهند الشاه كلي الله الدىلوم في حجة الله البالغة (جُ: صُِّ): اعلم أف تأثير كسوسة الشيطاف يكوف مختلفان بحسب استعداد الموسوس إليو، فأعظم تأثيره الكفر كالخركج من الملة، فإذا عصم الله من ذلك بقوة اليقين انقلب تأثيره في صورة أخرل، كىي المقاتلبت كفساد تدبير المنزؿ كالتحريش بين أىل البيت كأىل المدينة، ثم إذا عصم الله من ذلك أيضان صار خاطران يجيء كيذىب كلا يبعث النفس إلى عمل لضعف أثره، كىذا لا يضر، بل إذا اقترف باعتقاد قبح ذلك كاف ذلك دليلبن على صراحة الإيماف، نعم أصحاب القوة القدسية لا يجدكف شيئان من ذلك، كىو قولو صلى الله عليو كسلم: (إلا أف الله أعانني عليو فأسلم فلب يأمرني إلا بخير) انتهى مرعاة المفاتيح (ُ/ُِْ). قاؿ ابن رجب في جامع العلوـ كالحكم ( ِ/ِْٖ): كمما يدخل في النهي عن التعمق كالبحث عنو: أمور (ُ) الغيب الخبرية التي أمر بالإيماف بها، كلم يبين كيفيتها، كبعضها قد لا يكوف لو شاىد في ىذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية
عدد الصفحات ٤١٧- 308 - ذلك ىو مما لا يعني، كىو مما ينهى عنو، كقد يوجب الحيرة كالشك، كيرتقي إلى التكذيب، كفي صحيح مسلم عن أبي ىريرة، عن النبي - صلى الله عليو كسلم -، قاؿ: (لا يزاؿ الناس يسألوف حتى يقاؿ: ىذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فمن كجد من ذلك شيئا، فليقل: آمنت بالله)... قاؿ إسحاؽ بن راىويو: لا يجوز التفكر في الخالق، كيجوز للعباد أف يتفكركا في المخلوقين بما سمعوا فيهم، كلا يزيدكف على ذلك؛ لأنهم إف فعلوا تاىوا، قاؿ: كقد قاؿ الله{ :كإف من شيء إلا يسبح بحمده}ِ) ، فلب يجوز أف يقاؿ: كيف تسبح القصاع، كالأخونة، كالخبز المخبوز، كالثياب المنسوجة؟ ككل ىذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبحوف، فذلك إلى الله أف يجعل تسبيحهم كيف شاء ككما شاء، كليس للناس أف يخوضوا في ذلك إلا بما علموا، كلا يتكلموا في ىذا كشبهو إلا بما أخبر الله، كلا يزيدكا على ذلك، فاتقوا الله، كلا تخوضوا في ىذه الأشياء المتشابهة، فإنو يرديكم الخوض فيو عن سنن الحق. نقل ذلك كلو حرب، عن إسحاؽ رحمو الله ا.ىػ كقاؿ العلبمة الألباني في الصحيحة ( رقم ُُٕ ، ُُٖ): ك للحديث طريق أخرل عن أبي ىريرة بلفظ ( يوشك الناس يتساءلوف بينهم حتى يقوؿ قائلهم: ىذا الله خلق الخلق فمن خلق الله عز ك جل؟ فإذا قالوا ذلك، فقولوا الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ك لم يولد، ك لم يكن لو كفوا أحد، ثم ليتفل أحدكم عن يساره ثلبثا، كليستعذ من الشيطاف ) أخرجو أبو داكد (ِّْٕ)، كابن السني ( ُِٔ ) عن محمد بن إسحاؽ قاؿ : حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنو قاؿ سمعت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم يقوؿ : فذكره ، قلت: كىذا سند حسن رجالو ثقات ، ك ابن إسحاؽ قد صرح بالتحديث فأمنا بذلك تدليسو... ثم قاؿ الشيخ: فقو الحديث: دلت ىذه الأحاديث الصحيحة على أنو يجب على من كسوس إليو الشيطاف بقولو: من خلق الله؟ أف ينصرؼ عن مجادلتو إلى إجابتو بما جاء في الأحاديث المذكورة، كخلبصتها أف يقوؿ: " آمنت بالله كرسلو، الله أحد، الله
عدد الصفحات ٤١٨- 311 - الصمد، لم يلد كلم يولد، كلم يكن لو كفوا أحد. ثم يتفل عن يساره ثلبثا، كيستعيذ بالله من الشيطاف، ثم ينتهي عن الانسياؽ مع الوسوسة، كأعتقد أف من فعل ذلك طاعة لله كرسولو، مخلصا في ذلك أنو لابد أف تذىب الوسوسة عنو، كيندحر شيطانو لقولو - صلى الله عليو كآلو كسلم -: " فإف ذلك يذىب عنو ". كىذا التعليم النبوم الكريم أنفع كأقطع للوسوسة من المجادلة العقلية في ىذه القضية، فإف المجادلة قلما تنفع في مثلها. كمن المؤسف أف أكثر الناس في غفلة عن ىذا التعليم النبوم الكريم، فتنبهوا أيها المسلموف، كتعرفوا إلى سنة نبيكم، كاعملوا بها، فإف فيها شفاءكم كعزكم ا.ىػ كنختم ىذا الباب بنقل نفيس عن الإماـ ابن القيم حيث قاؿ في الفوائد (ص/ُُٗ- ُْٗ): مبدأ كل علم نظرم كعمل اختيارم ىو الخواطر كالأفكار فإنها توجب التصورات كالتصورات تدعو إلى الإيرادات كالإيرادات تقتضي كقوع الفعل ككثرة تكراره تعطي العدة فصلح ىذه المراتب بصلبح الخواطر كالأفكار كفسادىا بفسادىا فصلبح الخواطر بأف تكوف مراقبة لوليها كإلهها صاعدة إليو دائرة على مرضاتو كمحابو فإنو سبحانو بو كل صلبح كمن عنده كل ىدل كمن توفيقو كل رشد كمن توليو لعبده كل حفظ كمن توليو كإعراضو عنو كل ضلبؿ كشقاء فيضفر العبد بكل خير كىدل كرشد بقدر إثبات عين فكرتو في آلائو كنعمو كتوحيده كطرؽ معرفتو كطرؽ عبوديتو كإنزالو إياه حاضرا معو مشاىدا لو ناظرا إليو رقيبا عليو مطلعا على خواطره كإرادتو كىمو فحينئذ يستحي منو كيجلو أف يطلعو منو على عورة يكره أف يطلع عليها مخلوؽ مثلو أك يرل نفسو خاطرا يمقتو عليو، فمتى أنزؿ ربو ىذه المنزلة منو رفعو كقربو منو كأكرمو كاجتباه ككلاه كبقدر ذلك يبعد عن الأكساخ كالدناآت كالخواطر الرديئة كالأفكار الدنيئة كما أنو بعد منو كأعرض عنو كقرب من الأكساخ كالدناآت كالأقذار كيقطع عن جميع الكمالات كيتصل بجميع النقائص فالإنساف خير المخلوقات إذا تقرب من بارئو كالتزـ أكامره كنواىيو كعمل بمرضاتو كآثره على ىواه كشر المخلوقات
عدد الصفحات ٤١٩- 310 - إذا تباعد عنو كلم يتحرؾ قلبو لقربو كطاعتو كابتغاء مرضاتو فمتى اختار التقرب إليو كآثره على نفسو كىواه فقد حكم قلبو عقلو كإيمانو على نفسو كشيطانو كحكم رشده على غيو كىداه على ىواه كمتى اختار التباعد منو فقد حكم نفسو كىواه كشيطانو على عقلو كقلبو كرشده كأعلم أف الخاطرات كالوساكس تؤدم متعلقاتها إلى الفكر فيأخذىا الفكر فيؤديها إلى التذكر فيأخذىا الذكر فيؤديها إلى الإرادة فتأخذىا الإرادة فتؤديها إلى الجوارح كالعمل فتستحكم فتصير عادة فردىا من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها كتمامها كمعلوـ أنو لم يعط الإنساف إماتة الخواطر كلا القوة على قطعها فإنها تهجم عليو ىجوـ النفس إلا أف قوة الإيماف كالعقل تعينو على قبوؿ أحسنها كرضاه بو كمساكنتو لو كعلى رفع أقبحها ككراىتو لو نفرتو منو كما قاؿ الصحابة يا رسوؿ الله إف أحدنا يجد في نفسو ما لأف يحترؽ حتى يصير حممة أحب إليو من أف يتكلم بو فقاؿ أك قد كجدتموه قالوا نعم قاؿ ذاؾ صريح الإيماف كفي لفظ الحمد لله الذم رد كيده إلى الوسوسة كفيو قولاف أحدىما أف رده ككراىيتو صريح الإيماف كالثاني أف كجوده كإلقاء الشيطاف لو في النفس صريح الإيماف فإنو إنما ألقاه في النفس طلبا لمعارضة الإيماف كإزالتو بو كقد خلق الله سبحانو النفس شبيهة بالرحا الدائرة التي لا تسكن كلا بد لها من شيء تطحنو فإف كضع فيها حب طحنتو كإف كضع فيها تراب أك حصا طحنتو فلؤفكار كالخواطر التي تجوؿ في النفس ىي بمنزلة الحب الذم يوضع في الرحا كلا تبقى تلك الرحا معطلة قط بل لا بد لها من شيء يوضع فيها فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع بو نفسو كغيره كأكثرىم يطحن رملب كحصا كتبنا كنحو ذلك فإذا جاء كقت العجن كالخبز تبين لو حقيقة طحينو فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده كإف قبلتو صار فكرا جوالا فاستخدـ الإرادة فتساعدت ىي كالفكر على استخداـ الجوارح فإف تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالمني كالشهوة كتوجهو إلى جهة المراد كمن المعلوـ أف
عدد الصفحات ٤٢٠- 311 - إصلبح الخواطر أسهل من إصلبح الأفكار كإصلبح الأفكار أسهل من إصلبح الإرادات كإصلبح الإرادات أسهل من تدارؾ فساد العمل كتداركو أسهل من قطع العوائد فأنفع الدكاء أف تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دكف مالا يعنيك فالفكر فيما لا يعني باب كل شر كمن فكر فيما لا يعنيو فاتو ما يعنيو كاشتغل عن أنفع الأشياء لو بما لا منفعة لو فيو فالفكر كالخواطر كالإرادة كالهمة أحق شيء بإصلبحو من نفسك فإف ىذه خاصتك كحقيقتك التي تبتعد بها أك تقرب من إلهك كمعبودؾ الذم لا سعادة لك إلا في قربو كرضاه عنك ككل الشقاء في بعدؾ عنو كسخطو عليك كمن كاف في خواطره كمجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك كإياؾ أف تمكن الشيطاف من بيت أفكارؾ كإرادتك فإنو يفسدىا عليك فسادا يصعب تداركو كيلقي إليك أنواع الوساكس كالأفكار المضرة كيحوؿ بينك كبين الفكر فيما ينفعك كأنت الذم أعنتو على نفسك بتمكينو من قلبك كخواطرؾ فملكها عليك فمثالك معو مثاؿ صاحب رحا يطحن فيها جيد الحبوب فأتاه شخص معو حمل تراب كبعر كفحم كغثاء ليطحنو في طاحونتو فإف طرده كلم يمكنو من إلقاء ما معو في الطاحوف استمر على طحن ما ينفعو كإف مكنو في إلقاء ذلك في الطاحوف أفسد ما فيها من الحب كخرج الطحين كلو فاسدا كالذم يلقيو الشيطاف في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كاف كدخل الوجود لو كاف على خلبؼ كذلك كفيما لم يكن لو كاف كيف كاف يكوف أك فيما يملك الفكر فيو من أنواع الفواحش كالحراـ أك في خيالات كىمية لاحقيقة لها كإما في باطل أك فيما لا سبيل إلى إدراكو من أنواع ما طول عنو علمو فيلقيو في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية كلا يقف منها على نهاية فيجعل ذلك مجاؿ فكره كمسرح كىمو، كجماع إصلبح ذلك أف تشغل فكرؾ في باب العلوـ كالتصورات بمعرفة ما يلزمك التوحيد كحقوقو كفي الموت كما بعده إلى الدخوؿ إلى الجنة كالنار كفي آفات الأعماؿ كطرؽ التحرز منها كفي باب الإرادات كالعزكـ أف تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادتو كطرح إرادة ما يضرؾ إرادتو كعند العارفين أف
عدد الصفحات ٤٢١- 312 - تمني الخيانة كإشغاؿ الفكر كالقلب بها أضر على القلب من نفس الخيانة كلا سيما إذا فرغ قلبو منها بعد مباشرتها فإف تمنيها يشغل القلب بها كيملؤه منها كيجعلها ىمو كمراده كأنت تجد في الشاىد أف الملك من البشر إذا كاف في بعض حاشيتو كخدمو من ىو متمن لخيانتو مشغوؿ القلب كالفكر بها ممتلىء منها كىو مع ذلك في خدمتو كقضاء أشغالو فإذا اطلع على سره كقصد مقتو غاية المقت كأبغضو كقابلو بما يستحقو ككاف أبغض إليو من رجل بعيد عنو جنى بعض الجنايات كقلبو كسره مع الملك غير منطو على تمني الخيانة كمحبتها كالحرص عليها فالأكؿ يتركها عجزا كاشتغالا بما ىو فيو كقلبو ممتلىء بها كالثاني يفعلها كقلبو كاره لها ليس فيو إضمار الخيانة كلا الإصرار عليها فهذا أحسن حالا كأسلم عاقبة من الأكؿ كبالجملة فالقلب لا يخلو من الفكر كأما في كاجب آخرتو كمصالحها كإما في مصالح دنياه كمعاشو كإما في الوساكس كالأماني الباطلة كالمقدرات المفركضة كقد تقدـ أف النفس مثلها كمثل رحا تدكر بما يلقى فيها فإف ألقيت فيها حبا دارت بو كإف ألقيت فيها زجاجا كحصا كبعرا دارت بو كالله سبحانو ىو قيم تلك الرحا كمالكها كمصرفها كقد أقاـ لها ملكا يلقي فيها ما ينفعها فتدكر بو شيطانا يلقي فيها ما يضرىا فتدكر بو فالملك يلم بها مرة كالشيطاف يلم بها مرة فالحب الذم يقيو الملك إيعاد بالخير كتصديق بالوعد كالحب الذم يلقيو الشيطاف إيعاد بالشر كتكذيب بالوعد كالطحين على قدر الحب كصاحب الحب المضر لا يتمكن من إلقائو إلا إذا كجد الرحى فارغة من الحب النافع كقيمها قد أىملها كأعرض عنها فحينئذ يبادر إلى إلقاء ما معو فيها، كبالجملة فقيم الرحا إذا تخلى عنها كعن إصلبحها كإلقاء الحب النافع فيها كجد العدك السبيل إلى إفسادىا كإرادتها بما معو كأصل صلبح ىذه الرحى بالاشتغاؿ بما يعنيك كفسادىا كلو في الاشتغاؿ بما لا يعنيك كما أحسن ما قاؿ بعض العقلبء لما كجدت أنواع الذخائر منصوبة غرضا للمتألف كرأيت الزكاؿ حاكما
عدد الصفحات ٤٢٢- 313 - عليها مدركا لها انصرفت عن جميعها إلى ما لا ينازع فيو الحجا أنو أنفع الذخائر كأفضل المكاسب كأربح المتاجر كالله المستعاف. مسألة: ىل يدعو الشيطاف المحتضر لليهودية كالنصرانية؟ سئل شيخ الإسلبـ ابن تيمية كما في مجموع فتاكاه ( ْ/ِٓٓ):عن عرض الأدياف عند الموت: ىل لذلك أصل في الكتاب كالسنة أـ لا ؟. فأجاب: الحمد لله رب العالمين : أما عرض الأدياف على العبد كقت الموت فليس ىو أمرا عاما لكل أحد كلا ىو أيضا منتفيا عن كل أحد بل من الناس من تعرض عليو الأدياف قبل موتو ؛ كمنهم من لا تعرض عليو كقد كقع ذلك لأقواـ . كىذا كلو من فتنة المحيا كالممات التي أمرنا أف نستعيذ منها في صلبتنا : منها : ما في الحديث الصحيح {أمرنا النبي صلى الله عليو كسلم أف نستعيذ في صلبتنا من أربع : من عذاب جهنم كمن عذاب القبر كمن فتنة المحيا كالممات كمن فتنة المسيح الدجاؿ }كلكن كقت الموت أحرص ما يكوف الشيطاف على إغواء بني آدـ ؛ لأنو كقت الحاجة . كقد قاؿ النبي صلى الله عليو كسلم في الحديث الصحيح { :الأعماؿ بخواتيمها }كقاؿ صلى الله عليو كسلم {إف العبد ليعمل بعمل أىل الجنة حتى ما يكوف بينو كبينها إلا ذراع ؛ فيسبق عليو الكتاب فيعمل بعمل أىل النار فيدخلها كإف العبد ليعمل بعمل أىل النار حتى ما يكوف بينو كبينها إلا ذراع ؛ فيسبق عليو الكتاب فيعمل بعمل أىل الجنة فيدخلها }كلهذا ركم { :أف الشيطاف أشد ما يكوف على ابن آدـ حين الموت يقوؿ لأعوانو : دكنكم ىذا فإنو إف فاتكم لن تظفركا بو أبدا } كحكاية عبد الله بن أحمد بن حنبل مع أبيو كىو يقوؿ : لا بعد . لا بعد : مشهورة كلهذا يقاؿ: إف من لم يحج يخاؼ عليو من ذلك لما ركل أنس بن مالك رضي الله عنو أف النبي صلى الله عليو كسلم قاؿ{ :من ملك زادا أك راحلة تبلغو إلى بيت الله الحراـ كلم يحج : فليمت إف شاء يهوديا كإف شاء نصرانيا }قاؿ الله تعالى{ :ك على الناس حج البيت من استطاع إليو سبيلب كمن كفر فإف الله غني عن العالمين }
عدد الصفحات ٤٢٣- 314 - قاؿ عكرمة لما نزلت ىذه الآية{ :كمن يبتغ غير الإسلبـ دينا فلن يقبل منو كىو في الآخرة من الخاسرين }قالت اليهود كالنصارل نحن مسلموف . فقاؿ الله لهم { :ك على الناس حج البيت }فقالوا لا نحجو فقاؿ الله تعالى {كمن كفر فإف الله غني عن العالمين }ا.ىػ ك قاؿ العلبمة العثيمين في الشرح الممتع (ّ / ُٖٓ - ُٖٖ): قولو: "كمن فتنة المحيا كالممات" معطوفة على " من عذاب جهنم " ، كالمراد بالفتنة : اختبار المرء في دينو ؛ في حياتو كبعد مماتو ، كفتنة الحياة عظيمة كشديدة ، كقل من يتخلص منها إلا من شاء الله ، كىي تدكر على شيئين : ُ - شبهات . ِ - شهوات . أما الشبهات : فتعرض للئنساف في علمو ، فيلتبس عليو الحق بالباطل ، فيرل الباطل حقا ، كالحق باطلب ، كإذا رأل الحق باطلب تجنبو ، كإذا رأل الباطل حقا فعلو . كأما الشهوات فتعرض للئنساف في إرادتو ، فيريد بشهواتو ما كاف محرما عليو ، كىذه فتنة عظيمة ، فما أكثر الذين يركف الربا غنيمة فينتهكونو ! كما أكثر الذين يركف غش الناس شطارة كجودة في البيع كالشراء فيغشوف ! كما أكثر الذين يركف النظر إلى النساء تلذذا كتمتعا كحرية ، فيطلق لنفسو النظر للنساء ! بل ما أكثر الذين يشربوف الخمر كيركنو لذة كطربا ! كما أكثر الذين يركف آلات اللهو كالمعازؼ فنا يدرس كيعطى عليو شهادات كمراتب ! كأما فتنة الممات : فاختلف فيها العلماء على قولين : القوؿ الأكؿ : إف " فتنة الممات " : سؤاؿ الملكين للميت في قبره عن ربو ، كدينو كنبيو ؛ لقوؿ النبي صلى الله عليو كسلم : (إنو أكحي إلي أنكم تفتنوف في قبوركم مثل أك قريبا من فتنة المسيح الدجاؿ) ، فأما من كاف إيمانو خالصا فهذا يسهل عليو الجواب. فإذا سئل : من ربك ؟ قاؿ : ربي الله . من نبيك ؟ قاؿ : نبيي محمد .
عدد الصفحات ٤٢٤- 315 - ما دينك ؟ قاؿ : ديني الإسلبـ ، بكل سهولة، كأما غيره - كالعياذ بالله - فإذا سئل قاؿ : ىاه ... ىاه ... لا أدرم ؛ سمعت الناس يقولوف شيئا فقلتو . كتأمل قولو : " ىاه ... ىاه ... " كأنو كاف يعلم شيئا فنسيو ، كما أشد الحسرة في شيء علمتو ثم نسيتو ؛ لأف الجاىل لم يكسب شيئا ، لكن الناسي كسب الشيء فخسره ، كالنتيجة يقوؿ : لا أدرم من ربي ، ما ديني ، من نبيي ، فهذه فتنة عظيمة ؛ أسأؿ الله أف ينجيني كإياكم منها ، كىي في الحقيقة تدكر على ما في القلب ، فإذا كاف القلب مؤمنا حقيقة : يرل أمور الغيب كرأم العين ، فهذا يجيب بكل سهولة ، كإف كاف الأمر بالعكس : فالأمر بالعكس . القوؿ الثاني : المراد بػ " فتنة الممات " : ما يكوف عند الموت في آخر الحياة ، كنص عليها - كإف كانت من فتنة الحياة - لعظمها كأىميتها ، كما نص على فتنة الدجاؿ مع أنها من فتنة المحيا ، فهي فتنة ممات ؛ لأنها قرب الممات ، كخصها بالذكر لأنها أشد ما يكوف ؛ كذلك لأف الإنساف عند موتو ككداع العمل صائر إما إلى سعادة ، كإما إلى شقاكة ، قاؿ الرسوؿ صلى الله عليو كسلم : (إف أحدكم ليعمل بعمل أىل الجنة حتى ما يكوف بينو كبينها إلا ذراع ، فيسبق عليو الكتاب ؛ فيعمل بعمل أىل النار) فالفتنة عظيمة . كأشد ما يكوف الشيطاف حرصا على إغواء بني آدـ في تلك اللحظة ، كالمعصوـ من عصمو الله ، يأتي إليو في ىذه الحاؿ الحرجة التي لا يتصورىا إلا من كقع فيها ، قاؿ تعالى : (كلب إذا بلغت التراقي . كقيل من راؽ . كظن أنو الفراؽ . كالتفت الساؽ بالساؽ . إلى ربك يومئذ المساؽ) القيامة/ِٔ- َّ ، حاؿ حرجة عظيمة ، الإنساف فيها ضعيف النفس ، ضعيف الإرادة ، ضعيف القوة ، ضيق الصدر ، فيأتيو الشيطاف ليغويو ؛ لأف ىذا كقت المغنم للشيطاف ، حتى إنو كما قاؿ أىل العلم : قد يعرض للئنساف الأدياف اليهودية ، كالنصرانية ، كالإسلبمية بصورة أبويو ، فيعرضاف عليو
عدد الصفحات ٤٢٥- 316 - اليهودية كالنصرانية كالإسلبمية ، كيشيراف عليو باليهودية أك بالنصرانية ، كالشيطاف يتمثل كل كاحد إلا النبي صلى الله عليو كسلم ، كىذه أعظم الفتن . كلكن ىذا - كالحمد لله - لا يكوف لكل أحد ، كما قالو شيخ الإسلبـ ابن تيمية رحمو الله ، كحتى لو كاف الإنساف لا يتمكن الشيطاف من أف يصل إلى ىذه الدرجة معو ، لكن مع ذلك يخشى عليو منو . يقاؿ : إف الإماـ أحمد كىو في سكرات الموت كاف يسمع كىو يقوؿ : بعد ، بعد ، فلما أفاؽ قيل لو في ذلك ؟ قاؿ : إف الشيطاف كاف يعض أناملو يقوؿ : فتني يا أحمد ، يعض أناملو ندما كحسرة كيف لم يغو الإماـ أحمد ! فيقوؿ لو أحمد : بعد ، بعد ، أم : إلى الآف ما خرجت الركح ، فما دامت الركح في البدف فكل شيء كارد كمحتمل ، (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ىديتنا) آؿ عمراف/ٖ ، في ىذه الحاؿ فتنة عظيمة جدا ، كلهذا نص النبي صلى الله عليو كسلم عليها قاؿ : " من فتنة المحيا كالممات " فالحاصل: أف فتنة الممات فيها تفسيراف : التفسير الأكؿ: الفتنة التي تكوف عند الموت . كالثاني: التي تكوف بعد الموت، كىي سؤاؿ الملكين الإنساف عن ربو كدينو كنبيو. كلا مانع بأف نقوؿ : إنها تشمل الأمرين جميعا ، كيكوف قد نص على الفتنة التي قبل الموت كعند الموت؛ لأنها أعظم فتنة ترد على الإنساف، كذكر ما يخشى منها من سوء الخاتمة إذا لم يجر الله العبد من ىذه الفتنة، كعلى ىذا ينبغي للمتعوذ من فتنة الممات أف يستحضر كلتا الحالتين. مسألة: ماذا يفعل من كسوس لو الشيطاف أنو مرائي ليترؾ الطاعة. من المعلوـ أف الشيطاف يأتي للمسلم ليجعلو يزين عملو كيرائي بو الناس ك يأتيو كذلك من الباب المقابل ليوسوس لو بأف عملو ىذا رياء فلب تفعلو ! كللخركج من ىذين الأمرين فإف عليو أف يصلح نيتو كيجعلها خالصة لوجو الله تعالى، كلا يهمو بعدىا ما يأتيو الشيطاف بو .
عدد الصفحات ٤٢٦- 317 - قاؿ ابن مفلح الحنبلي في الآداب الشرعية (ُ / ِٔٔ ، ِٕٔ): تحت فصل " لا ينبغي ترؾ العمل المشركع خوؼ الرياء " - : مما يقع للئنساف أنو إذا أراد فعل طاعة يقوـ عنده شيء يحملو على تركها خوؼ كقوعها على كجو الرياء . كالذم ينبغي عدـ الالتفات إلى ذلك ، كللئنساف أف يفعل ما أمره الله عز كجل بو كرغبو فيو ، كيستعين بالله تعالى ، كيتوكل عليو في كقوع الفعل منو على الوجو الشرعي . كقد قاؿ الشيخ محيي الدين النوكم رحمو الله : لا ينبغي أف يترؾ الذكر باللساف مع القلب خوفا من أف يظن بو الرياء بل يذكر بهما جميعا ، كيقصد بو كجو الله عز كجل ، كذكر قوؿ الفضيل بن عياض رحمو الله : إف ترؾ العمل لأجل الناس رياء ، كالعمل لأجل الناس شرؾ ، قاؿ : فلو فتح الإنساف عليو باب ملبحظة الناس كالاحتراز من تطرؽ ظنونهم الباطلة لانسد عليو أكثر أبواب الخير . انتهى كلبمو . قاؿ أبو الفرج ابن الجوزم : فأما ترؾ الطاعات خوفا من الرياء : فإف كاف الباعث لو على الطاعة غير الدين : فهذا ينبغي أف يترؾ ؛ لأنو معصية ، كإف كاف الباعث على ذلك الدين ككاف ذلك لأجل الله عز كجل مخلصا : فلب ينبغي أف يترؾ العمل ؛ لأف الباعث الدين ، ككذلك إذا ترؾ العمل خوفا من أف يقاؿ : مراء ، فلب ينبغي ذلك لأنو من مكايد الشيطاف . قاؿ إبراىيم النخعي : إذا أتاؾ الشيطاف كأنت في صلبة ، فقاؿ : إنك مراء فزدىا طولا ، كأما ما ركم عن بعض السلف أنو ترؾ العبادة خوفا من الرياء ، فيحمل ىذا على أنهم أحسوا من نفوسهم بنوع تزين فقطعوا ، كىو كما قاؿ ، كمن ىذا قوؿ الأعمش كنت عند إبراىيم النخعي ، كىو يقرأ في المصحف فاستأذف رجل فغطى المصحف، كقاؿ: لا يظن أني أقرأ فيو كل ساعة، كإذا كاف لا يترؾ العبادة خوؼ كقوعها على كجو الرياء فأكلى أف لا يترؾ خوؼ عجب يطرأ بعدىا ا.ىػ
عدد الصفحات ٤٢٧- 318 - كسئل العلبمة العثيمين كما في مجموع فتاكاه ( ِ/َِٗ): عندما يهم الإنساف بعمل الخير ، يأتي الشيطاف فيوسوس لو كيقوؿ : إنك تريد ذلك رياء كسمعة، فيبعد عن فعل الخير ، فكيف يمكن تجنب مثل ىذا الأمر ؟ . فأجاب بقولو: يمكن تجنب مثل ىذا الأمر بالاستعاذة بالله من الشيطاف الرجيم ، كالمضي قدما في فعل الخير ، كلا يلتفت إلى ىذه الوساكس التي تثبطو عن فعل الخير ، كىو إذا أعرض عن ىذا كاستعاذ بالله من الشيطاف الرجيم زاؿ عنو ذلك بإذف الله . مسألة: حقيقة دعاء محمد بن كاسع الذم يستغيث منو الشيطاف. سئل العلبمة ابن باز كما في مجموع فتاكاه (ِٔ/ُِٗ-َُّ): قاؿ محمد بن كاسع رحمو الله: كنت أقوؿ صباحا كمساء: " اللهم إنك سلطت علينا عدكا بصيرا بعيوبنا ، مطلعا على عوراتنا، يرانا ىو كقبيلو من حيث لا نراىم، اللهم فآيسو منا كما آيستو من رحمتك ، كقنطو منا كما قنطتو من عفوؾ ، كباعد بيننا كبينو كما باعدت بينو كبين جنتك. قاؿ محمد بن كاسع: فرأيت إبليس في المناـ فقاؿ: لا تعلم ىذا الدعاء لأحد فقلت: كالله لا أمنعو من مسلم !. فما رأم سماحتكم بهذا الدعاء ؟ كىل يجوز الدعاء بو ؟. فأجاب: محمد بن كاسع الأزدم البصرم من صغار التابعين ، كمن الثقات العباد رحمو الله .. كىذا الدعاء لا بأس بو ، كلم أقف عليو في ترجمة محمد المذكور في "البداية" لابن كثير . كيكفي عن ذلك التعوذ بالله من الشيطاف الرجيم ، كما قاؿ سبحانو : (كإما ينزغنك من الشيطاف نزغ فاستعذ بالله إنو سميع عليم) الأعراؼ/ََِ ، كقاؿ سبحانو : (فإذا قرأت القرآف فاستعذ بالله من الشيطاف الرجيم ) (النحل/ٖٗ) ككاف النبي صلى الله عليو كسلم يتعوذ بالله من الشيطاف في صلبتو كغيرىا بقولو : أعوذ بالله من الشيطاف الرجيم . كربما قاؿ : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطاف الرجيم من ىمزه كنفثو
عدد الصفحات ٤٢٨- 321 - كنفخو .. كقد فسر أىل العلم الهمز بالصرع، كالنفخ بالكبر، كالنفث بالشعر ، يعنوف بذلك المذموـ ، كالله كلي التوفيق " انتهى . كالخلبصة : أنو لا ينبغي الجزـ بثبوت مثل ىذه القصة؛ ذا لم ترد مسندة في كتاب، كلم ترد أيضا في كتاب يتحرل الدقة، كإف كاف الدعاء لا بأس بو، كلا نكارة في معانيو كلا ألفاظو، من غير اعتقاد أف يترتب عليو فضيلة معينة ، لا ما جاء في القصة، كلا غيرىا من الفضائل، كمن غير أف يتخذ أيضا كردا ثابتا ، كالأكراد التي كردت عن النبي صلى الله عليو كسلم. كالله أعلم . (باب ىل صح ظن الشيطاف أف لا يعبد في جزيرة العرب) عن جابر بن بعبد الله رضي الله عنهما قاؿ سمعت النبي صلى الله عليو كسلم يقوؿ ( إف الشيطاف قد أيس أف يعبده المصلوف في جزيرة العرب ، كلكن في التحريش بينهم )ُ. ك عن أبي ىريرة رضي الله عنو قاؿ ( قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو ك سلم لا تقوـ الساعة حتى تضطرب أليات نساء دكس حوؿ ذم الخلصة ككانت صنما تعبدىا دكس في الجاىلية بتبالة )ِ. ك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسوؿ الله - صلى الله عليو كسلم - يقوؿ: ( لا يذىب الليل كالنهار حتى تعبد اللبت كالعزل، فقلت: يا رسوؿ الله، إف كنت لأظن حين أنزؿ الله{ :ىو الذم أرسل رسولو بالهدل كدين الحق ليظهره على الدين كلو كلو كره المشركوف }أف ذلك تاما، قاؿ: إنو سيكوف من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فتوفى كل من في قلبو مثقاؿ حبة خردؿ من إيماف، فيبقى من لا خير فيو، فيرجعوف إلى دين آبائهم )ّ. ُ أخرجو مسلم (ُِِٖ). ِ أخرجو مسلم (َِٔٗ). ّ أخرجو مسلم (َِٕٗ).
عدد الصفحات ٤٢٩- 320 - من الأمور المقررة عند أىل العلم أف الشرؾ كاقع في ىذه الأمة كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة، كالواقع يؤيد ذلك . كقد ارتد أكثر العرب بعد كفاة النبي صلى الله عليو كسلم، ككثير منهم رجع إلى عبادة الأكثاف. كأما قولو صلى الله عليو كسلم : (إف الشيطاف قد أيس أف يعبده المصلوف ...) فللعلماء عليو أجوبة : ُ - إف الشيطاف أيس بنفسو - كلم ييأس - لما رأل عز الإسلبـ في حياة النبي صلى الله عليو كسلم كإقباؿ القبائل على الدخوؿ في ىذا الدين الذم أكرمهم الله بو، فلما رأل ذلك يئس من أف يرجعوا إلى دين الشيطاف، كأف يعبدكا الشيطاف أم: يتخذكه مطاعان . كىذا كما أخبر الله عن الذين كفركا في قولو{ :الٍيػىوٍـى يىئًسى الَّذًينى كىفىريكا مًنٍ دًينًكيمٍ } [المائدة: ّ]، فهم يئسوا أف يراجع المسلموف مع عليو المشركوف من الدين الباطل القائم على اتخاذ الأنداد مع الله، كصرؼ العبودية إلى أشياء مع الله أك دكنو. فكما أف المشركين لما رأكا تمسك المسلمين بدينهم يئسوا من مراجعتهم، ىكذا الشيطاف يئس لما رأل عز المسلمين كدخولهم في الدين في أكثر نواحي جزيرة العرب، كالشيطاف - لعنو الله - لا يعلم الغيب، كلا يعلم أنو ستحين فرص يصد الناس بها عن الإسلبـ كالتوحيد، ككانت أكؿ أموره في صرؼ الناس لعبادتو بعد موت النبي صلى الله عليو كسلم، حيث أطاعو أقواـ كقبائل فارتدت عن الإسلبـ إمٌا بمنع الزكاة، أك بإتباع مدعي النبوة، فنشط ككانت لو جولة كصولة، ثم كبتو الله. كالمقصود: أف الشيطاف ييأس إذا رأل التمسك بالتوحيد كالإقرار بو كالتزامو، كإتباع الرسوؿ صلى الله عليو كسلم، كىو حريص على أف يصد الناس عن ىذا، كلذا تمكن من ىذا في فترات مختلفةو، فعبده القرامطة عبادة طاعة كىم في الجزيرة، كأفسدكا ما أفسدكا، كعبده من بعدىم مما يعرفو أكلو البصيرة.
عدد الصفحات ٤٣٠- 321 - فالقوؿ بأف الشرؾ منتفو عن ىذه الأمة مخالف للواقع، كما أنو مخالف للفهم الصحيح لنصوص الشرع . ِ- أك يقاؿ: إف نبينا صلى الله عليو كسلم فصل ما بين الشرؾ كالتوحيد كبينو أتم بياف، كترؾ الدين على بيضاء ليلها كنهارىا، كىذه البيضاء ىي مضموف لا إلو إلا الله، كىي إفراد الله بالعبادة، كخلع الأنداد، كالكفر بما يعبد من دكف الله، كالبراءة من الشرؾ كأىلو، كما فسرىا أىل العلم رحمهم الله، فإذا علم ىذا يقينان فمحاؿ أف يكوف الشرؾ بصورتو التي نهى الله عنها موجودان في بلبدو كثيرة، كيحكم عليها بالشرؾ كيوجد في الجزيرة بصورتو كلا يحكم عليها بالشرؾ. كىذا من التلبعب كالهول الصارخ . ّ - كقاؿ ابن رجب في شرح الحديث كما في مجموعة الرسائل كالمسائل النجدية (ْ/ِْٖ-ْٕٖ).: إنو يئس أف يجتمعوا كلهم على الكفر الأكبر. كأشار ابن كثير في تفسيره (ِ/ُِ) إلى ىذا المعنى عند تفسيره قولو تعالى{ :الٍيػىوٍـى يىئًسى الَّذًينى كىفىريكا مًنٍ دًينًكيمٍ [ }المائدة: ّ]حيث قاؿ: قاؿ ابن عباس رضي الله عنهما: يعني يئسوا أف تراجعوا دينكم. ْ - كلا يبعد أف يقاؿ: مراد النبي صلى الله عليو كسلم بقولو: «إف الشيطاف...» أف الشيطاف لا يطمع أف يعبده المؤمنوف في جزيرة العرب، كىم المصدقوف بما جاء بو الرسوؿ من عند ربو المذعنوف لو، كالممتثلوف لأكامره، كلا شك أف من كاف على ىذه الصفة فهو على بصيرة كنور من ربو، فلب يطمع الشيطاف أف يعبده... ككجود مثل ىذا في جزيرة العرب لا ينافي الحديث الصحيح كما لا يخفى على من لو قلب سليم كعقل راجح، كإطلبؽ لفظ المصلين على المؤمنين كثير في كلبـ العارفين. ٓ - كيحتمل أف يراد بالمصلين أناس معلوموف بناء على أف تكوف (أؿ) للعهد كأف يراد بهم الكاملوف فيها...كىم خير القركف، يؤيد ذلك قوؿ النبي صلى الله عليو كسلم في آخر الحديث - «كلكن في التحريش بينهم» .يقوؿ الطيي كما في الفيض
عدد الصفحات ٤٣١- 322 - (ِ/ّٔٓ): لعل المصطفى صلى الله عليو كسلم أخبر بما يكوف بعده من التحريش الواقع بين صحبو رضواف الله عليهم أجمعين، أم أيس أف يعبد فيها، كلكن يطمع في التحريش ككاف كما أخبر فكاف معجزة. ٔ - أك يقاؿ: كما أف الرسوؿ صلى الله عليو كسلم قد أخبر بوقوع الشرؾ كحدكثو في ىذه الأمة، ككقع، كحصل ىذا الإخبار بما ىو مشاىد عيانان، كلا ينكره إلا من أعمى الله بصره كطمس بصيرتو. ىكذا أخبر الرسوؿ صلى الله عليو كسلم في ىذا الحديث أناسان معلومين بأف الشيطاف لا يسلط عليهم، كىم الذين قاؿ عنهم الرسوؿ عليو الصلبة كالسلبـ: «لا تزاؿ طائفة من أمتي على الحق، منصورة، لا يضرىم من خذلهم كلا من خالفهم حتى يأتي أمر الله». ٕ - أك يقاؿ: إف الحديث يقوؿ: إف الشيطاف أيس أف يعبد. كظاىر لفظو: أنو أيس من أف يعبد ىو نفسو، لا من يعبد غيره من المخلوقات كالأنبياء كالملبئكة كالصالحين كالأشجار كالأحجار، كالقبور. فإف الشيطاف إف أطيع في عبادة بعض المخلوقات، كقد تضاؼ إليو ىذه العبادة كلكنها إضافة غير حقيقية، كالعلبقة في الإضافة كونو ىو الآمر بها، كحقيقة عبادة الشيطاف نفسو: أف توجو إليو العبادة كفاحان مباشرة. ٖ - أك يقاؿ: المراد أف الشيطاف قد أيس أف يعبد أك تعبد الأصناـ في بلبد العرب في كل كقت كزماف، فهذا لن يكوف إف شاء الله، كقد يشهد لهذا لفظة (أبدان ) المذكور في الركاية الأخرل، كعلى كل حاؿ: لا يمكن أف يدعي أنو لن يعبد غير الله في بلبد العرب في كقت من الأكقات، فإف ىذا باطل كاذب بالإجماع كالضركرة كالنصوص المتواترة. قاؿ المباكفورم في مرعاة المفاتيح (ُ/َُٓ): قولو: (إف الشيطاف) أم إبليس رئيس الشياطين (قد أيس) كفي ركاية يئس (من أف يعبده المصلوف) قيل: المراد بعبادة الشيطاف عبادة الصنم؛ لأنو الآمر بو كالداعي إليو بدليل قولو{ :يا أبت لا تعبد
عدد الصفحات ٤٣٢