- 311 - عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنو قاؿ: ( ذكر عند النبي صلى الله عليو كسلم رجل فقيل: ما زاؿ نائما حتى أصبح، ما قاـ إلى الصلبة. فقاؿ: "باؿ الشيطاف في أذنو )ُ. قولو: (ذكر) بضم الذاؿ على بناء المفعوؿ. (رجل ) قاؿ الحافظ: لم أقف على اسمو، لكن أخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن ابن مسعود ما يؤخذ منو أنو ىو كلفظو بعد سياؽ الحديث بنحوه: كأيم الله لقد باؿ في أذف صاحبكم ليلة يعني نفسو. (فقيل) أم قاؿ رجل من الحاضرين. (لو) ليس ىذا اللفظ في الصحيحين كلا في المصابيح كلا في جامع الأصوؿ (جٕ:صْٔ). (مازاؿ) أم الرجل المذكور . (نائمان حتى أصبح) كفي ركاية للبخارم: ذكر رجل ناـ ليلة حتى أصبح. (ما قاـ إلى الصلبة) اللبـ للجنس، كيحتمل العهد، كيراد بو صلبة الليل أك المكتوبة أم العشاء أك الصبح. كيدؿ لكوف المراد المكتوبة قوؿ سفياف فيما أخرجو ابن حباف في صحيحو: ىذا عندنا ناـ عن الفريضة، كظاىر صنيع مسلم كالنسائي كابن ماجو يدؿ على كوف المراد صلبة الليل. قاؿ الطيبي: يحتمل أف يكوف أصبح تامة، كما قاـ في محل النصب حالان من الفاعل، أم أصبح كحالو أنو غير قائم إلى الصلبة، كيحتمل أف تكوف ناقصة كما قاـ خبرىا، كيحتمل أف تكوف ما قاـ جملة مستأنفة مبنية للجملة الأكلى أك مؤكدة مقررة لها. (قاؿ) صلى الله عليو كآلو كسلم. (ذلك رجل ) كفي الصحيحين: ذاؾ رجل . ككذا نقلو الجزرم. (باؿ الشيطاف في أذنو) بالإفراد للجنس، كىو بضم الهمزة كالذاؿ كسكونها. (أك قاؿ في أذنيو) بالتثنية للمبالغة كأك للشك من الراكم، كىي ركاية جرير عن منصور عن أبي كائل عن ابن مسعود. كفي ركاية أبي الأحوص عن منصور، عند البخارم: باؿ في أذنو أم بالإفراد فقط، كاختلف في بوؿ الشيطاف، فقيل: ىو على حقيقتو. قاؿ القرطبي كغيره: لا مانع من ذلك إذ لا إحالة فيو، لأنو ثبت أف الشيطاف يأكل كيشرب كيضرط كينكح، فلب ُ أخرجو البخارم ( ُُْْ)، كمسلم (َِّٕ).
عدد الصفحات ٤٠١- 312 - مانع من أف يبوؿ. كقد يتأكؿ بتأكيلبت مناسبة: منها أنو تمثيل شبو تثاقل نومو كإغفالو عن الصلبة كعدـ سماعو صوت المؤذف كعدـ انتباىو بصياح الديك كنحوه، بحاؿ من كقع البوؿ في أذنو فثقل سمعو كأفسد حسو كالبوؿ ضار مفسد، قالو الخطابي: قاؿ الحافظ: كالعرب تكنى عن الفساد بالبوؿ. قاؿ الراجز: باؿ سهيل في الفضيخ ففسد. ككنى بذلك عن طلوعو، لأنو كقت إفساد الفضيخ فعبر عنو بالبوؿ. كمنها أف المراد أف الشيطاف ملؤ سمعو بالأباطيل كبأحاديث اللغو، فأحدث ذلك في أذنو كقرا عن استماعو دعوة الحق، قالو التوربشتي. كمنها أنو كناية عن استهانة الشيطاف كالاستخفاؼ كالازدراء بو، يعني أف الشيطاف استولى عليو كاستخف بو حتى اتخذه كالكنيف المعد للبوؿ، إذ من عادة المستخف بالشيء غاية الاستخفاؼ أف يبوؿ عليو. كمنها أنو كناية عن سد الشيطاف أذف الذم يناـ عن الصلبة حتى لا يسمع الذكر . كمنها أنو استعارة عن تحكمو فيو كجعلو مسخران كمطيعان كمنقادان للشيطاف، يقبل ما يأمره من ترؾ الصلبة كغيرىا. قاؿ الطيبي: خص الأذف بالذكر كالعين أنسب بالنوـ إشارة إلى ثقل النوـ، فإف المسامع ىي موارد الإنتباه بالأصوات كنداء حي على الصلبة. قاؿ الله تعالى{ .فضربنا على آذانهم في الكهف[ }ُٖ:ُُ]أم أنمناىم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، كخص البوؿ من الأخبثين، لأنو مع خباثتو أسهل مدخلبن في تجاكيف الخركؽ كأكسع نفوذان في العركؽ، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. مرعاة المفاتيح (ْ/ُِْ). (باب الإستحاضة ركضة من ركضات الشيطاف) عن حمنة بنت جحش رضي الله عنها قالت ( كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم أستفتيو كأخبره، فوجدتو في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسوؿ الله، إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترل فيها،
عدد الصفحات ٤٠٢- 313 - قد منعتني الصلبة كالصوـ؟ قاؿ: "أنعت لك الكرسف، فإنو يذىب الدـ" قالت: ىو أكثر من ذلك، قاؿ: "فاتخذم ثوبا" فقالت: ىو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجا، قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم: "سآمرؾ بأمرين، أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، كإف قويت عليهما فأنت أعلم" قاؿ لها: "إنما ىذه ركضة من ركضات الشيطاف، فتحيضي ستة أياـ أك سبعة أياـ في علم الله... الحديث )ُ. ُ أخرجو الشافعي في الأـ (ُ/ ٖٔ)، كأحمد (ٔ/ ُّٖ - ِّٖ، ّْٗ، ّْٗ - ْ َْ)، كعبد الرزاؽ (ُُْٕ)، كإسحاؽ بن راىويو (َُِٗ)، كأبو داكد (ِٕٖ)، كالترمذم (ُِٖ) كابن ماجو (ِٕٔ)، كابن المنذر في الأكسط (َُٖ، ُُٖ)، كالطحاكم في مشكل الآثار (ُِٕٕ)، كالدارقطني (ص ِٗ)، كالحاكم (ُ/ ُِٕ)، كالبيهقي (ُ/ ّّٖ)، كابن عبد البر في التمهيد (ُٔ/ ِٔ - ّٔ)، كابن الأثير في أسد الغابة (ٕ/ َٕ)، كابن حزـ في المحلى (ِ/ ُّٗ) من حديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها، كالحديث قاؿ عنو الترمذم: حسن صحيح كسألت محمدا (يعني البخارم) عن ىذا الحديث فقاؿ: ىو حديث حسن صحيح، كىكذا قاؿ أحمد بن حنبل: ىو حديت حسن صحيح، كقاؿ العلبمة الألباني في الإركاء (ُ/ َِِ رقم ُٖٖ): ىذا إسناد حسن رجالو ثقات غير ابن عقيل كقد تكلم فيو بعضهم من قبل حفظو كىو في نفسو صدكؽ فحديثو في مرتبة الحسن ككاف أحمد كابن راىويو يحتجاف بو كما قاؿ الذىبي، كقاؿ الأرنؤكط في تحقيق المسند (ْٓ/ ُُِ): إسناده ضعيف، عبد الله بن محمد بن عقيل، ضعيف يعتبر بو في المتابعات، كلم يتابع ىنا، كلا يقبل ما تفرد بو، فيما ذكر الحافظ في التلخيص (ِ/ َُٖ) ... كقد اختلفت أقواؿ الأئمة في ىذا الحديث، فحسنو البخارم فيما نقل عنو الترمذم في العلل الكبير (ِ/ ُٕٖ)، فقاؿ: حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة حديث حسن، إلا أف إبراىيم بن محمد بن طلحو ىو قديم، كلا أدرم سمع منو عبد الله بن محمد بن عقيل أـ لا؟. ككىنو كلم يقو إسناده أبو حاتم، فيما نقلو عنو ابنو في العلل (ُ/ ُٓ) كاختلف قوؿ أحمد فيو، فقد نقل الترمذم عنو قولو: ىو حديث صحيح، كنقل عنو أبو داكد أنو قاؿ: في النفس منو شيء. كقاؿ ابن رجب في فتح البارم (ِ/ ْٔ): كالمعركؼ عن الإماـ أحمد، أنو ضعفو، كلم يأخذ بو، كقاؿ: ليس بشيء. كقاؿ مرة: ليس عندم بذلك، كحديث فاطمة أصح منو كأقول إسنادان، يعني: أنو لم يردىا إلى غالب النساء بل ردىا إلى العادة. كقاؿ أحمد أيضان : في نفسي منو شيء. كلكن ذكر أبو بكر الخلبؿ أف أحمد رجع إلى القوؿ بحديث حمنة، كالأخذ بو!!. اىػ كصححو الترمذم، كقاؿ ابن المنذر في الأكسط (ِ/ ِِْ): في متن الحديث كلبـ مستنكر، كقد تعقب ابن الملقن من ضعفو في البدر المنير (ّ/َٔ) ققاؿ: كخالف ىؤلاء –أم من صححوا الحديث- جماعة فضعفوه ، قاؿ الخطابي : ترؾ بعض العلماء الاحتجاج بو ؛ لأف راكيو ابن عقيل ليس بذاؾ . كقاؿ البيهقي في السنن كالمعرفة: تفرد بو ابن عقيل كىو مختلف في الاحتجاج بو. كقاؿ أبو داكد : ركاه عمرك بن ثابت، عن ابن عقيل فقاؿ: «قالت حمنة: كىو أعجب الأمرين» كلم يجعلو قوؿ النبي صلى الله عليو كسلم . قاؿ أبو داكد : كاف عمرك بن ثابت رافضيا. كذكره عن يحيى بن معين، كقاؿ الترمذم في «عللو» كمنها نقلت : سألت البخارم
عدد الصفحات ٤٠٣- 314 - عن ىذا الحديث، فقاؿ: ىو حديث حسن إلا أف إبراىيم بن محمد بن طلحة ىو قديم لا أدرم سمع منو عبد الله بن محمد بن عقيل أـ لا، ككاف أحمد بن حنبل يقوؿ: ىو حديث صحيح . كقاؿ ابن منده الحافظ: ىذا الحديث لا يصح عندىم بوجو من الوجوه ؛ لأنو من ركاية ابن عقيل كقد أجمعوا على ترؾ حديثو. كقاؿ ابن أبي حاتم: سألت أبي عنو ، فوىنو كلم يقو إسناده. كرده أبو محمد بن حزـ بوجوه: أحدىا: الانقطاع بين ابن جريج كابن عقيل، كزعم أف ابن جريج لم يسمعو من ابن عقيل ، بينهما فيو النعماف بن راشد، كذكره بسنده كضعف النعماف ىذا . ثانيها: أنو ركاه عن ابن عقيل : شريك كزىير بن محمد ، ككلبىما ضعيف . ثالثها: أف عمر بن طلحة غير مخلوؽ كلا يعرؼ لطلحة (ابن اسمو) عمر ، قاؿ : كركم من طريق ابن أبي أسامة ، كقد ترؾ حديثو فسقط الخبر جملة ، كعن أبي داكد عن أحمد أنو قاؿ : في ىذا الباب حديثاف كثالث في النفس منو شيء . كفسر أبو داكد الثالث بأنو حديث حمنة ىذا . قلت: كلك أف تجيب عما طعنوا فيو ، كأما ترؾ بعض العلماء الاحتجاج بو فمعارض بتصحيح غيره لو، قاؿ النوكم في شرح المهذب: ىذا الذم قالو ىذا القائل لا يقبل ؛ فإف أئمة الحديث صححوه، كىذا الراكم كإف كاف مختلفا في توثيقو كجرحو فقد صحح الحفاظ حديثو ىذا ، كىم أىل ىذا الفن ، كقد علم من قاعدتهم في حد الحديث الصحيح كالحسن أنو إذا كاف في الراكم بعض الضعف يجبر حديثو بشواىد لو أك متابعات كىذا من ذلك. كأما ما ذكره البيهقي من تفرد ابن عقيل بو فجوابو أنو إذا كاف الراجح توثيقو فلب يضر تفرده بو ؛ لأف تفرد الثقة بالحديث لا يضر، كقد عرفت حالو في باب الوضوء، كقد ذكرنا آنفا تحسين أحمد كالبخارم حديثو ىذا، كزاد أحمد تصحيحو . كأما ما ذكره أبو داكد من أف عمرك بن ثابت ركاه عن ابن عقيل فقاؿ : «قالت حمنة: ىذا أعجب الأمرين إلي فجعلو من قولها كلم يجعلو قوؿ النبي صلى الله عليو كسلم، فلب يقدح فيما تقدـ ؛ لأنو يحتمل أنها قالت ذلك بعد قوؿ النبي صلى الله عليو كسلم على أف ىذا الحديث إنما صححو الترمذم كأحمد كغيرىما من جهة زىير عن ابن عقيل، لا من جهة عمرك بن ثابت. كأما قوؿ يحيى بن معين أف عمرك بن ثابت كاف رافضيا، فمسلم ، لكن لم ينقل أحد أنو كاف داعية، نعم ىو متركؾ. كأما ما ذكره الترمذم عن البخارم من توقفو في سماع ابن عقيل من إبراىيم بن محمد بن طلحة لقدـ إبراىيم ؛ فجوابو أف إبراىيم ىذا مات سنة عشر كمائة في قوؿ أبي عبيد القاسم بن سلبـ كعلي بن المديني ، كخليفة بن خياط ، كىو تابعي سمع عبد الله بن عمرك بن العاص، كأبا أسيد الساعدم، كأبا ىريرة ، كعائشة . كابن عقيل سمع: عبد الله بن عمر، كجابر بن عبد الله، كأنسا كالربيع بنت معوذ فلب ينكر إذا سماعو من إبراىيم لقدمو، كابن أبي طلحة من ىؤلاء في القدـ ، كىم نظراء، كلو توقف البخارم عن ذلك غير معلل بعلة أك بعلة أخرل لما توجو الإنكار عليو على أني رأيت بعض مشايخنا يقوؿ: إف في صحة ىذا عن البخارم نظرا ، لكن قد نقلو عنو مثل ىذا الإماـ . كجوابو ما سلف .
عدد الصفحات ٤٠٤- 315 - كأما قوؿ ابن منده في ابن عقيل ، فقولة عجيبة منو، كقد أنكرىا عليو صاحب الإماـ كقاؿ: ليس الأمر كما ذكره كإف كاف بحرا من بحور ىذه الصناعة، فقد ذكر الترمذم أف الحميدم كأحمد بن حنبل كإسحاؽ كانوا يحتجوف بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل كقاؿ البخارم فيو : أنو مقارب الحديث. قلت: كحسن حديثو ىذا كصححو كما سلف . كأما ما ذكره ابن أبي حاتم فلم يبين سبب كىنو حتى يبحث معو عنو، كلعلو أراد بعض ما مضى أك ما يأتي ، كقد أجبنا عنو. كأما رد ابن حزـ بالانقطاع بين ابن جريج كابن عقيل كضعف الواسطة بينهما ، فجوابو أف الترمذم كأبا داكد كابن ماجو كالحاكم رككه من غير طريق ابن جرير، فليتصل) طريق ابن جريج أك لينقطع ، كلتكن الواسطة بينو كبين ابن عقيل ضعيفا إف شاء أك قويا، كعلى تقدير الواسطة كىو النعماف بن راشد ، فقد أخرج لو مسلم كاستشهد بو البخارم كقاؿ: في حديثو كىم كثير كىو صدكؽ في الأصل . كقاؿ ابن أبي حاتم : أدخلو البخارم في الضعفاء، فسمعت أبي يقوؿ: يحوؿ اسمو منو . كأما تضعيفو لشريك فليس بجيد منو، لأنو مخرج لو في الصحيح، كقد انفرد بهذا الطريق ابن ماجو فأخرجها في سننو عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن ىاركف ، عن شريك، عن ابن عقيل بو كما تقدـ . كأما (تضعيفو زىيرا) كىو الذم ساقو من قدمناه من طريقو خلب ابن ماجو ، فقد أخرج لو البخارم في «صحيحو» محتجا بو، كمسلم في الشواىد ، كقاؿ أحمد : ىو مستقيم الحديث . كقاؿ أبو حاتم : محلو الصدؽ كفي حفظو شيء، كحديثو بالشاـ أنكر من حديثو بالعراؽ . كقاؿ البخارم في تاريخو الصغير: ما ركل عنو أىل الشاـ فإنو مناكير، كما ركل عنو أىل البصرة فإنو صحيح الحديث. قاؿ الإماـ أحمد : كأف الذم ركل عنو أىل الشاـ زىيرا آخر ؛ فقلب اسمو. كقاؿ الدارمي: ثقة صدكؽ كلو أغاليط . كقاؿ يحيى: ثقة. كقاؿ ابن عدم: لعل أىل الشاـ حيث رككا عنو أخطأكا عليو ؛ فإنو إذا حدث عنو أىل العراؽ فركايتهم عنو شبيهة بالمستقيمة ، كأرجو أنو لا بأس بو . قلت : كحديثو ىذا من ركاية أبي عامر العقدم عنو ، كىو بصرم ، فهذا من حديث أىل العراؽ كليس من حديث أىل الشاـ . كأما إنكاره عمر بن طلحة فقد أسلفنا عن الترمذم أنو لا يقولو في ىذا الإسناد إلا ابن جريج ، كغيره يقوؿ: عمراف. كىو ما ساقو الترمذم كغيره ممن أسلفنا . كأما تضعيفو للحارث بن أبي أسامة الحافظ صاحب المسند فليس بجيد منو، كقد تكلم فيو الأزدم بلب حجة ، كالأزدم متكلم فيو، كلينو بعض البغاددة لكونو يأخذ على الركاية أم أجرا، قاؿ إبراىيم الحربي: ىو ثقة. كقاؿ الدارقطني: قد اختلف فيو كىو عندم صدكؽ. كقاؿ البرقاني: أمرني الدارقطني أف أخرج عنو في الصحيح. كخرج عنو الحاكم في مستدركو . كأما تفسير أبي داكد الحديث الثالث - الذم قاؿ فيو أحمد ما أسلفناه عنو - بأنو حديث حمنة ، فهو معارض بنقل الترمذم عنو أنو صححو .
عدد الصفحات ٤٠٥- 316 - قولو (حيضة) بفتح الحاء، كىو مصدر إستحاض على حد أنبتو الله نباتا. كلا يضره الفرؽ في اصطلبح العلماء بين الحيض كالإستحاضة، إذا الكلبـ كارد على أصل اللغة (كثيرة) في الكمية (شديدة) في الكيفية (أستفتيو كأخبره) الواك لمطلق الجمع، كإلا كاف حقها أف تقوؿ: أخبره كأستفتيو (فما تأمرني) ما استفهامية (فيها) أم: في حاؿ كجود الحيضة (قد منعتني) استئناؼ مبين لما ألجأىا إلى السؤاؿ. كيمكن أف يجعل حالان من الضمير المجركر في قولها فيها (الصلبة كالصياـ) أم: على زعمها (أنعت) أم: أصف (الكرسف) بضم الكاؼ كالسين بينهما راء. أم: القطن ككأنو ينعت لها لتحتشى بو فيمنع نزكؿ الدـ ثم يقطعو (فإنو يذىب الدـ) أم: يمنع خركجو إلى ظاىر الفرج، أك معناه فاستعمليو لعل دمك ينقطع (ىو أكثر من ذلك) أم: من أف يكوف الكرسف مانعا من الخركج أك قاطعان (فتلجمى) قاؿ ابن العربي: قولو: تلجمى، كلمة غريبة لم يقع لي تفسيرىا في كتاب، كإنما أخذتها استقراء. قاؿ الخليل: اللجاـ معركؼ، أخذناه من ىذا كأف معناه: افعلي فعلب يمنع سيلبنو كاسترسالو، كما يمنع اللجاـ استرساؿ الدابة. كقاؿ الجزرم في النهائية: أم: اجعلي موضع الدـ عصابة تمنع الدـ، تشبيها بوضع اللجاـ في فم الدابة (فاتخذم ثوبنا) أم: تحت اللجاـ مبالغة في الاحتياط من خركج الدـ (ىو أكثر من ذلك) أم: من أف يمنعو (أثج) بضم المثلثة كتشديد الجيم، من ثج الدـ كالماء لازـ كمتعد، أم: أنصب أك أصبو، فعلى الثاني تقديره أثج الدـ، كعلى الأكؿ إسناد الثج إلى نفسها للمبالغة، على معنى أف النفس جعلت كأف كلها دـ ثجاج، كىذا أبلغ في المعنى (سآمرؾ) السين للتأكيد (بأمرين) أم: حكمين أك صنعين (أيهما) بالنصب لا غير، كالناصب لو صنعت قالو أبوالبقاء (أجرأ عنك) أم: أغنى عنك (من الآخر) من بمعنى البدؿ (كإف قويت عليهما) أم: قدرت على كل كاحد منهما (فأنت أعلم) بما تختارينو منهما، فاختارم أيهما شئت (إنما ىذه) أم: الثجة أك العلة (ركضة ) بفتح الراء أم: دفعة كضربة. كالركض الضرب بالرجل كالإصابة بها كما تركض الدابة كتصاب بالرجل . أراد
عدد الصفحات ٤٠٦- 317 - الإضرار بها كالأذل. كالمعنى: أف الشيطاف قد كجد بذلك طريقان إلى التلبيس عليها في أمر دينها كطهرىا كصلبتها، حتى أنساىا ذلك عادتها، كصار في التقدير كأنو ركضة بآلة من ركضاتو، كلا ينافي ما تقدـ من أنها عرؽ يقاؿ: لو العاذؿ، لأنو يحمل على أف الشيطاف ركضو حتى انفجر. كالأظهر أنها ركضة منو حقيقة إذا لا مانع من حملها عليو (فتحيضي) بتشديد الياء المفتوحة بعد الحاء، أم: التزمي أحكاـ الحيض، كعدم نفسك حائضا (ستة أياـ أك سبعة أياـ) قيل: أك للشك من بعض الركاة. كقد ذكر النبي - صلى الله عليو كسلم - أحد العددين اعتبار بالغالب من حاؿ نساء قومها. كقيل للتخيير بين كل كاحد من العددين، لأنو العرؼ الظاىر كالغالب من أحواؿ النساء. كقيل: ليس للتخيير بين الستة كالسبعة بل للتنويع على معنى اعتبار حالها بحاؿ من ىي مثلها كفي مثل سنها من نساء أىل بيتها، فإف كانت عادة مثلها منهن أف تقعد ستا قعدت ستا، كإف سبعا فسبعا فكأنها كانت مبتدأة لم يتقدـ لها أياـ، كلم تميز بين الدمين كيحتمل أنها كانت معتادة كنسيت أف عادتها كانت ستان أك سبعا، يعني أنو قد ثبت لها في ما تقدـ أياـ ستة أك سبعة، إلا أنها قد نسيتها، فلب تدرم أيتهما كانت، فأمرىا أف تتحرل، كتجتهد، كتبنى أمرىا على ما تيقنتو من أحد العددين (في علم الله) معناه على قوؿ الشك، أم: في علمو الذم بينو كشرعو لنا، كما يقاؿ: في حكم الله كفي كتاب الله. كقيل معناه ما أمرتك فهو حكم الله. كعلى قوؿ التخيير فيما علم الله من ستة أك سبعة كقيل فيما أعلمك الله من عادات النساء من الست أك السبع. كقيل: في علم الله من أمرؾ من الست أك السبع، أم: ىذا شيء بينك كبين الله، فإنو يعلم ما تفعلين من الإتياف بما أمرتك بو أك تركو ... مرعاة المفاتيح (ِ/ِِٔ). كقاؿ الأثيوبي في ذخيرة العقبى (ْ/ِّٕ): قولو (كلكنها ركضة من الرحم ) قاؿ السندم رحمو الله: ركضة بفتح فسكوف: الضرب كما ييفعىل بالدابة، كقد جاء "إنها ركضة من ركضات الشيطاف" فلعل معنى من الرحم أم في الرحم، كالمراد أف الشيطاف
عدد الصفحات ٤٠٧- 318 - ضرب بالرجل في الرحم حتى فتق عرقها، كقيل: إف الشيطاف كجد بذلك طريقنا إلى التلبيس عليها في أمر دينها فصار كأنها ركضة نالها من ركضاتو في الرحم . اىػ كقاؿ ابن الأثير: أصل الركض الضرب بالرجل كالإصابة بها، كما تركض الدابة كتصاب بالرجل، أراد الإضرار بها كالأذل، كالمعنى أف الشيطاف قد كجد بذلك طريقا إلى التلبيس عليها في أمر دينها كطهرىا كصلبتها حتى أنساىا ذلك عادتها، كصار في التقدير كأنو يركض بآلة من ركضاتو . اىػ لساف. قاؿ الجماء: الأكٍلىى كما قاؿ السندم حملو على ظاىره، أم أنو ضرب على عرقها، فانفجر ذلك العرؽ دما، كأمٌ مانع من ىذا المعنى، حتى نقوؿ: إنو كناية عن كذا؟ فتنبو ا.ىػ كقاؿ العلبمة العثيمين في لقاءات الباب المفتوح: الاستحاضة: ىي استمرار خركج الدـ من المرأة، كىذا الدـ الذم ىو دـ الاستحاضة يخرج من عرؽ في أدنى الرحم، كأما دـ الحيض فإنو يخرج من عرؽ في أقصى الرحم -قعر الرحم - كقد بين النبي صلى الله عليو كسلم حكم المستحاضة بأنها ترجع إلى عادتها الأكلى إف كانت معتادة، فنقوؿ: اجلسي قدر الأياـ التي كانت الحيضة تأتيك فيو في كقتها، فمثلبن : إذا كانت تحيض من أكؿ الشهر ثمانية أياـ ثم طرأت عليها الاستحاضة نقوؿ: اجلسي من أكؿ كل شهر ثمانية أياـ، كالباقي اغتسلي كصلي كصومي كلا حرج، فإذا لم يكن لها عادة أك كانت عادتها غير منتظمة مرة تكوف سبعة أياـ في أكؿ الشهر كفي آخره كلا تعلم، فإنها ترجع إلى التمييز، كالتمييز معناه: أف تنظر لهذا الدـ، فإف كاف على كتيرة كاحدة فلب تمييز عندىا، كإف كاف يختلف أحيانان أسود ثخين منتن - يعني: ذك رائحة- كأحيانان أحمر فهنا نقوؿ: اجلسي كقت الدـ الثخين المنتن لأف ىذا ىو الحيض، كأما الرقيق الأحمر فهذا استحاضة. فإف قالت: ليس عندىا تمييز، الدـ على كتيرة كاحدة، فهذه حالة ثالثة للمستحاضة، نقوؿ: اجلسي من أكؿ كل شهر ستة أياـ أك سبعة أياـ، ىذه المرأة التي فهمنا منها الآف أنها لم تجلس فنسألها: كم
عدد الصفحات ٤٠٨- 301 - عادتها قبل أف تصاب بهذا الحادث؟ قالت: عادتي ستة أياـ من أكؿ الشهر، نقوؿ: اقضي الستة أياـ من صياـ رمضاف، كأما الصلبة فلب شيء عليها، لأف الصلبة تركتها ظنان منها أف ىذا حيض فلب شيء عليها. (باب عقد الشيطاف) عن أبي ىريرة رضي الله عنو أف رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم قاؿ: ( يعقد الشيطاف على قافية رأس أحدكم إذا ىو ناـ ثلبث عقد، يضرب كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإف استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإف توضأ انحلت عقدة، فإف صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس، كإلا أصبح خبيث النفس كسلبف )ُ. قولو: (يعقد) بكسر القاؼ أم يشد كيربط. (الشيطاف) المراد بو الجنس، كيكوف فاعل ذلك القرين أك غيره من أعواف الشيطاف، كيحتمل أف يراد بو رأس الشياطين كىو إبليس، كتجوز نسبة ذلك إليو، لكونو الآمر لأعوانو بذلك الداعي إليو (على فاقية رأس أحدكم ) أم مؤخره، كقفاه كقافية كل شيء آخره، كمنو قافية الشعر، لأنو آخره. كظاىر قولو "أحدكم " التعميم في المخاطبين، كمن في معناىم، كيمكن أف يخص منو من كرد في حقو أنو يحفظ من الشيطاف كالأنبياء كمن يتناكلو قولو{ :إف عبادم ليس لك عليهم سلطاف}، ككمن قرأ آية الكرسي عند نومو لطرد الشيطاف، فقد ثبت أنو يحفظ من الشيطاف حتى يصبح. (إذا ىو ناـ) أم حين ناـ. قاؿ الحافظ: كذا للؤكثر، كللحموم كالمستملي: إذا ىو نائم بوزف فاعل، كالأكؿ أصوب، كىو الذم في الموطأ- انتهى. كقيل: بل الظاىر أف ركاية المستملي أصوب، لأنها جملة اسمية كالخبر فيها اسم. (ثلبث عقد) كلبـ إضافي منصوب، لأنو مفعوؿ، كالعقد بضم العين كفتح القاؼ جمع عقدة بسكوف القاؼ، كالتقييد بالثلبث. إما للتأكيد أك لأنو يريد أف يقطعو عن ثلبثة أشياء الذكر كالوضوء كالصلبة، فكأنو منع من ُ أخرجو البخارم ( ُُِْ)، كمسلم (ٕٕٔ).
عدد الصفحات ٤٠٩- 300 - كل كاحدة منها بعقدة عقدىا على مؤخر رأسو، ككاف تخصيص القفا بذلك، كلكونو محل الواىمة كمحل تصرفها، كىو أطوع القول للشيطاف كأسرع إجابة لدعوتو. (على كل عقدة) متعلق بيضرب، كللمستلي: على مكاف عقدة، كالكشمهيني: عند يلقي مكاف كل عقدة. كقولو: يضرب أم بيده على العقدة تأكيدان كأحكامان لها قائلبن : عليك ليل طويل. كقيل: معناه يلقي الشيطاف في نفس النائم ىذا القوؿ كيسولو كاقعان كمستوليان على كل عقدة يعقدىا من ضرب الشبكة على الطائر ألقاىا عليو. كقيل كمعناه يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ، كمنو قولو تعالى{ :كضربنا على آذانهم[ }ُٖ: ُُ]أم حجبنا الحس أف يلج في آذانهم فينتبهوا، كفي حديث أبي سعيد: ما يناـ أحد إلا ضرب على سماخو بجرير معقود. أخرجو المخلص في فوائده. كالسماخ بكسر السين المهملة كآخره معجمة، كيقاؿ بالصاد المهملة بدؿ السين. (عليك ليل طويل فارقد) أم يضرب على كل عقدة قائلبن عليك ليل طويل الخ. فالجملة مفعوؿ للقوؿ المحذكؼ، كارتفاع ليل بالابتداء كعليك خبره مقدمان، أم باؽ عليك ليل طويل، كيجوز أف يكوف ارتفاع ليل بفعل محذكؼ، أم بقي عليك ليل طويل، كعلى ىذا كاف الفاء في قولو "فارقد" رابطة شرط مقدر، أم كإذا كاف كذلك فارقد كلا تعجل بالقياـ ففي الوقت متسع. كقيل: قولو عليك اغراء أم عليك بالنوـ أمامك ليل طويل، فالكلبـ جملتاف، كالثانية مستأنفة كالتعليل للجملة الأكلى. كفي ركاية مسلم: عليك ليلبن طويلبن . قاؿ عياض ركاية الأكثرين عن مسلم بالنصب على الإغراء. قاؿ القرطبي: الرفع أكلى من جهة المعنى، لأنو الأمكن في الغركر من حيث أنو يخبره عن طويل الليل ثم يأمره بالرقاد بقولو "فارقد". كإذا نصب على الإغراء لم يكن فيو إلا الأمر بملبزمة طوؿ الرقاد، كحينئذو يكوف قولو "فارقد" ضائعان، كمقصود الشيطاف بذلك تسويفو بالقياـ كالإلباس عليو. كقد اختلف في ىذا العقد: فقيل ىو على الحقيقة، كأنو كما يعقد الساحر من يسحره، كأكثر من يفعلو النساء تأخذ إحداىن الخيط فتعقد منو عقدة، كتتكلم عليها بالكلمات السحرية، فيتأثر المسحور
عدد الصفحات ٤١٠- 301 - عند ذلك، كمنو قولو تعالى{ .كمن شر النفاثات في العقد[ }ُُّ:ْ]كعلى ىذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية نفسها، كىل العقد في شعر الرأس أك في غيره؟ الأقرب الثاني إذ ليس لكل أحد شعر، كيؤيده ركاية ابن ماجو بلفظ: يعقد الشيطاف على قافية رأس أحدكم بالليل بحبل فيو ثلبث عقد، كلأحمد: إذا ناـ أحدكم عقد على رأسو بجرير، كلابن خزيمة كابن حباف من حديث جابر: ما من ذكر كلا أنثى إلا على رأسو جرير معقود حين يرقد-الحديث. كالجرير بفتح الجيم ىو الحبل كقيل: ىو على المجاز كأنو شبو فعل الشيطاف بالنائم من منعو من الذكر كالصلبة بفعل الساحر بالمسحور بجامع المنع من التصرؼ، فلما كاف الساحر يمنع بعقده ذلك تصرؼ من يحاكؿ عقده كاف ىذا مثلو من الشيطاف للنائم الذم لا يقوـ من نومو إلى ما يحب من ذكر الله كالصلبة، كقيل: المراد بو عقد القلب كتصميمو على الشيء كأنو يوسوس لو، بأنو بقي من الليل قطعة طويلة فيتأخر عن القياـ، كانحلبؿ العقد كناية عن علمو بكذبو فيما كسوس بو. كقيل: العقد كناية عن تثبيط الشيطاف كتعويقو للنائم من قياـ الليل بالقوؿ المذكور، كمنو عقدت فلبننا عن امرأتو أم منعتو عنها، أك عن تثقيلو عليو النوـ كإطالتو، كأنو قد سد عليو سدان كعقد عليو عقدان . قاؿ البيضاكم: عقد الشيطاف على قافيتو استعارة عن تسويل الشيطاف كتحبيبو النوـ إليو كالدعة كالاستراحة، يعني أف الشيطاف يحبب إليو النوـ كيزين لو الدعة كالاستراحة، كيسوؿ كلما انتبو أنو لم يستوؼ حظو من النوـ، فيوثقو عن القياـ إلى العبادة كيبطئو بتلك التسويلبت عن النهوض إليها. (فإف استيقظ) أم من نوـ الغفلة. (فذكر الله) بأم ذكر كاف، لكن المأثور أفضل. قاؿ الحافظ: لا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزئ غيره بل كل ما صدؽ عليو ذكر الله أجزأ كيدخل فيو تلبكة القرآف كقراءة الحديث النبوم كالاشتغاؿ بالعلم الشرعي، كأكلى ما يذكر بو ما تقدـ في الباب الذم قبلو من حديث عبادة بن الصامت. (انحلت) أم انفتحت. (عقدة) كاحدة من الثلبث. (فاف توضأ) خص الوضوء بالذكر، لأنو الغالب، كإلا فالجنب لا تنحل عقدتو
عدد الصفحات ٤١١- 302 - إ بالاغتساؿ كالتيمم، يقوـ مقاـ الوضوء كالغسل، كيجزئ عنهما لمن ساغ لو ذلك، كلا شك أف في معاناة الوضوء عونان كبيران على طرد النوـ لا يظهر مثلو في التيمم. (انحلت عقدة) أخرل ثانية. (فإف صلى) أم النافلة كلو ركعتين . قاؿ العراقي في شرح الترمذم: السر في استفتاح الصلبة بركعتين خفيفتين المبادرة إلى حل عقد الشيطاف، كبناه على أف الحل لا يتم إلا بتماـ الصلبة. قاؿ الحافظ: كىو كاضح، كقد كقع عند ابن خزيمة عن أبي ىريرة في آخر الحديث: فحلوا عقد الشيطاف كلو بركعتين . كفعلو - صلى الله عليو كسلم - مع كونو محفوظان كمنزىان عن عقد الشيطاف تعليمان للؤمة كإرشادان لهم إلى ما يحفظهم من الشيطاف. (انحلت عقدة) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا بلفظ الإفراد، ككذا كقع في المصابيح. قاؿ الحافظ في الفتح قولو: انحلت عقده بلفظ الجمع بغير اختلبؼ في البخارم، ككقع لبعض ركاة الموطأ بالإفراد-انتهى. قاؿ القارم: فينبغي أف يكوف في المشكاة بلفظ الجمع لقولو في آخره: متفق عليو، لكن في جميع النسخ الحاضرة بلفظ الإفراد، ذكره ميرؾ-انتهى. قلت: كقع في نسخ البخارم الموجودة الحاضرة عندنا من طبعات الهند كمصر: انحلت عقدة أم بالإفراد. كقاؿ القسطلبني قولو: عقده ضبطها في اليونينية بلفظ الجمع كالإفراد، كما ترل. قاؿ ابن قرقوؿ في مطالعة كعياض في مشارقو: لا خلبؼ في الأكلى، كالثانية أنو بالإفراد، كاختلف في الثالثة فقط فوقع في الموطأ لابن كضاح على الجمع، ككذا ضبطناه في البخارم، ككلبىما يعني الجمع كالإفراد صحيح كالجمع أكجو. لاسيما كقد جاء في ركاية مسلم في الأكلى عقدة، كفي الثانية عقدتاف، كفي الثالثة العقد-انتهى. قاؿ الحافظ: كيؤيد الإفراد ركاية أحمد بلفظ: فإف ذكر الله انحلت عقدة كاحدة، كإف قاـ فتوضأ أطلقت الثانية، فإف صلى أطلقت الثالثة، ككأنو محموؿ على الغالب، كىو من يناـ مضطجعان فيحتاج إلى الوضوء إذا انتبو، فيكوف لكل فعل عقدة يحلها، كيؤيد الأكؿ أم الجمع ما في بدء الخلق عند البخارم بلفظ: عقده كلها. كلمسلم: انحلت العقد. كظاىر ركاية الجمع أف العقد تنحل كلها
عدد الصفحات ٤١٢- 303 - بالصلبة خاصة، كىو كذلك في حق من لم يحتج إلى الطهارة كمن ناـ متمكنان غير متكئ مثلبن، ثم انتبو فصلى من قبل أف يذكر أك يتطهر، فإف الصلبة يجزئو في حل العقد كلها، لأنها تستلزـ الطهارة كتتضمن الذكر، كعلى ىذا فيكوف معنى قولو: فإذا صلى انحلت عقده كلها، إف كاف المراد بو من لا يحتاج إلى الوضوء، فظاىر على ما قررناه، كإف كاف من يحتاج إليو، فالمعنى انحلت بكل عقده أك انحلت عقده كلها بانحلبؿ الأخيرة التي بها يتم انحلبؿ العقد-انتهى. (فأصبح) أم دخل في الصباح أك صار. (نشيطان ) أم لسركره بما كفقو الله لو من الطاعة، كبما كعده من الثواب، كما زاؿ عنو من عقد الشيطاف. (طيب النفس) لما بارؾ الله لو في نفسو من ىذا التصرؼ الحسن، كذا قيل. قاؿ الحافظ: كالظاىر أف في صلبة الليل سران في طيب النفس كإف لم يستحضر المصلي شيئان مما ذكر. (كإلا) أم كإف لم يفعل كذلك بل ترؾ الذكر كالوضوء كالصلبة. (أصبح خبيث النفس) أم محزكف القلب كثير الهم. قيل: ىذا الحديث يعارض قولو - صلى الله عليو كسلم - : لا يقولن أحدكم خبثت نفسي. قاؿ ابن عبد البر: كليس كذلك، لأف النهي إنما كرد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسو كراىة لتلك الكلمة، كىذا الحديث كقع ذما لفعلو، كلكل من الحديثين كجو. كقاؿ الباجي: ليس بين الحديثين اختلبؼ؛ لأنو نهى عن إضافة ذلك إلى النفس؛ لكوف الخبث بمعنى فساد الدين، ككصف بعض الأفعاؿ بذلك تحذيران منها كتنفيران . قاؿ الحافظ: تقرير الأشكاؿ أنو - صلى الله عليو كسلم - نهى عن إضافة ذلك إلى النفس فكل ما نهى المؤمن أف يضيفو إلى نفسو نهى أف يضيفو إلى أخيو المؤمن كقد كصف - صلى الله عليو كسلم - ىذا المرء بهذه الصفة، فيلزـ جواز كصفنا لو بذلك لمحل التأسي، كيحصل الانفصاؿ فيما يظهر بأف النهي محموؿ على ما إذا لم يكن ىناؾ حامل على الوصف بذلك كالتنفير كالتحذير-انتهى. (كسلبف) لبقاء أثر تثبيط الشيطاف كلشؤـ تفريطو كظفر الشيطاف بو بتفويتو الحظ الأكفر من قياـ الليل، فلب يكاد يخف عليو صلبة كلا غيرىا من القربات كالطاعات. ككسلبف غير منصرؼ
عدد الصفحات ٤١٣- 304 - للوصف، كزيادة اللؤلف كالنوف مذكر كسلى، كمقتضى قولو كإلا أصبح أنو إف لم يجمع الأمور الثلبثة دخل تحت من يصبح خبيثان كسلبف كإف آتي ببعضها، لكن يختلف ذلك بالقوة كالخفة، فمن ذكر الله مثلبن كاف في ذلك أخف ممن لم يذكر أصلبن . كىذا الذـ مختص بمن لم يقم إلى الصلبة كضيعها، أما من كانت لو عادة فغلبتو عينو، فقد ثبت أف الله يكتب لو أجر صلبتو كنومو عليو صدقة، ذكره ابن عبد البر. مرعاة المفاتيح (ْ/َِٗ). (باب ذكر بعض كساكس الشيطاف) عن أبي ىريرة رضي الله عنو قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم ( يأتي الشيطاف أحدكم فيقوؿ من خلق كذا من خلق كذا حتى يقوؿ من خلق ربك فإذا بلغو فليستعذ بالله كلينتو)، كفي لفظ ( لا يزاؿ الناس يتساءلوف حتى يقاؿ ىذا خلق الله الخلق فمن خلق الله ؟ فمن كجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله )ُ. ك عن أبي ىريرة رضي الله عنو قاؿ ( جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليو كسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أف يتكلم بو قاؿ كقد كجدتموه ؟ قالوا نعم قاؿ ذاؾ صريح الإيماف )ِ. كعن ابن عباس رضي الله عنهما قاؿ ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليو كسلم فقاؿ: يا رسوؿ الله، إني أحىدّْث نفسي بالشيء لأف اخرَّ من السماء أحب إلي من أف أتكلَّم بو؟ قاؿ: فقاؿ النبي صلى الله عليو كسلم "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذم رد كيده إلى الوسوسة )ّ. ُ أخرجو البخارم ( ِّٕٔ)، كمسلم (ُّْ). ِ أخرجو مسلم ( ُِّ). ّ أخرجو أحمد (ُ/ِّٓ ، رقم َِٕٗ) ، ك الطيالسي (ص ِّٓ)، ك عبد بن حميد (َُٕ)، كأبو داكد (ْ/ِّٗ ، رقم ُُِٓ)، كالنسائى فى الكبرل (ٔ/ُُٕ ، رقم ََُّٓ)، ك في عمل اليوـ كالليلة (ٖٔٔ)، كالطحاكم (ِ/ِِٓ)، كابن نصر في الصلبة (ُٖٕ)، كابن منده في الإيماف (ّْٓ)، كابن حباف (ُ/َّٔ ،
عدد الصفحات ٤١٤- 305 - قولو في الحديث الأكؿ(يأتي الشيطاف أحدكم ) أم يوسوس في صدره إبليس أك أحد أعوانو من شياطين الإنس كالجن . (فيقوؿ من خلق كذا) يعني السماء مثلبن (من خلق كذا) أم الأرض، كغرضو أف يوقعو في الغلط كالكفر (فإذا بلغو) ضمير الفاعل لأحدكم، كضمير المفعوؿ راجع إلى مصدر يقوؿ، أم إذا بلغ أحدكم ىذا القوؿ، يعني من خلق ربك، أك التقدير: بلغ الشيطاف ىذا القوؿ. (فليستعذ بالله) طردان للشيطاف الذم أكقعو في ىذا الخاطر الذم لا أقبح منو، فيقوؿ بلسانو: أعوذ بالله من الشيطاف الرجيم . قاؿ الله تعالى{ :كإما ينزغنك من الشيطاف نزغ فاستعذ بالله إنو ىو السميع العليم[ }ٕ: ُٗٗ]كلينتو) بسكوف اللبـ كتكسر، أم عن الاسترساؿ معو في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعو، كيعلم أنو يريد إفساد دينو كعقلو بهذه الوسوسة، فينبغي أف يجتهد في دفعها بالاشتغاؿ بغيرىا، كيبادر إلى قطعها بالإعراض عنها، فإنو تندفع الوسوسة عنو بذلك؛ لأف الأمر الطارئ بغير أصل يدفع بغير نظر في دليل، إذ لا أصل لو ينظر فيو، قاؿ الخطابي: لو أذف - صلى الله عليو كسلم - في محاجتو لكاف الجواب سهلبن على كل موحد، كلكاف الجواب مأخوذان من فحول كلبمو، فإف أكؿ كلبمو يناقض آخره؛ لأف جميع المخلوقات من ملك كإنس كجن كحيواف كجماد داخل تحت اسم الخلق، كلو فتح ىذا الباب الذم ذكره للزـ منو أف يقاؿ: كمن خلق ذلك الشيء؟ كيمتد القوؿ في ذلك إلى ما لا يتناىى، كالقوؿ بما لا يتناىى فاسد، فسقط السؤاؿ من أصلو، كقاؿ الطيبي: لينتو، أم ليترؾ التفكر في ىذا الخاطر، كليستعذ بالله من كسوسة الشيطاف، فإف لم يزؿ التفكر بالاستعاذة فليقم كليشتغل بأمر رقم ُْٕ)، كالبيهقي في الشعب (ُّْ)، كالخطيب في المتفق كالمفترؽ (ّٖٓ)، كالبغوم في شرح السنة (َٔ) كالحديث صححو ابن حباف، ك قاؿ العراقي كما في إتحاؼ السادة (ٖ/ ِٔٗ): إسناده جيد، ك قاؿ الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (ِ/ُٖٓ): إسناده صحيح، كصححو العلبمة الألباني في صحيح أم داكد، كقاؿ العلبمة الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (َٕٓ): صحيح على شرط الشيخين، كقاؿ الأرنؤكط كمن معو في تحقيق المسند (ْ/َُ): إسناده صحيح على شرط الشيخين، كصححو العدكم في صحيح تفسير ابن كثير (ْ/َُٕ).
عدد الصفحات ٤١٥- 306 - آخر، كإنما أمره بالاستعاذة كالاشتغاؿ بأمر آخر، كلم يأمر بالتأمل كالاحتجاج؛ لأف العلم باستغناء الله عزكجل عن الموجد أمر ضركرم لا يقبل المناظرة لو كعليو، كلأف الاسترساؿ في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلى حيرة، كمن ىذا حالو فلب علبج لو إلا الملجأ إلى الله تعالى كالاعتصاـ بو. ك قولو: (لا يزاؿ الناس يتساءلوف) أم يسأؿ بعضهم بعضان، كالتساؤؿ جرياف السؤاؿ بين الاثنين فصاعدان، كيجوز أف يكوف بين العبد كالشيطاف أك النفس أك إنساف آخر، أم يجرم بينهما السؤاؿ في كل نوع . (حتى) يبلغ السؤاؿ إلى أف (يقاؿ: ىذا خلق الله الخلق فمن خلق الله) قيل: لفظ ىذا مع عطف بيانو المحذكؼ، كىو المقوؿ مفعوؿ، يقاؿ: أقيم مقاـ الفاعل، كخلق الله تفسير لهذا أك بياف أك بدؿ، كقيل: مبتدأ حذؼ خبره، أم ىذا القوؿ أك قولك ىذا خلق الله الخلق معلوـ مشهور، فمن خلق الله؟ كالجملة أقيمت مقاـ فاعل يقاؿ (فمن كجد من ذلك شيئان ) إشارة إلى القوؿ المذكور ك"من ذلك" حاؿ من "شيئان " أم من صادؼ شيئان من ذلك القوؿ كالسؤاؿ أك كجد في خاطره شيئان من جنس ذلك المقاؿ (فليقل آمنت بالله كرسلو) أم آمنت بالذم قاؿ الله كرسلو من كصفو تعالى بالتوحيد كالقدـ، كقولو سبحانو كإجماع الرسل ىو الصدؽ كالحق، فماذا بعد الحق إلا الضلبؿ. مرعاة المفاتيح (ُ/ُّْ). كقولو في الحديث الثاني: (إنا نجد) كاقع موقع الحاؿ، أم سألوه مخبرين أنا نجد، أك قائلين على احتماؿ فتح الهمزة كالكسرة، كقيل: على الفتح مفعوؿ ثاف لسألوه، ثم الكسر أكجو حتى يكوف بيانان للمسئوؿ عنو (ما يتعاظم أحدنا أف يتكلم بو) أم نجد في قلوبنا أشياء قبيحة نحو من خلق الله؟ ككيف ىو؟ كمن أم شيء ىو؟ كما أشبو ذلك ما نتعاظم بو؛ لعلمنا أنو لا يليق شيء منها أف نعتقده، كنعلم أنو قديم خالق الأشياء كلها ليس بمخلوؽ، فما حكم جرياف ىذه الأشياء في خواطرنا؟ كتعاظم تفاعل بمعنى المبالغ؛ لأف زيادة المبنى لزيادة المعنى، أم نستعظم غاية الاستعظاـ، كقولو "أحدنا" بالرفع كمعناه: يجد أحدنا التكلم بو عظيمان لقبحو (أك قد كجدتموه)
عدد الصفحات ٤١٦