المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مذكرات مدمن انترنت

سليمان الصقير

صفحة ٧ من ٢٢

|مذكرات مدمن إنترنت 97 باليسير كما توقعت, بل إن الصعود على اأمقدام يحتاج إلى لياقة عالية, و توزيع للمجهود على كافة مراحل الصعود, و هذا مالا يتوفر لدي ولم أرتبه بشكل مناسب, لذا قررت أن آخذ قسطاً من الراحة على الكراسي المنتشرة على جانبي الطريق , و التي قد خصصت لكبار السن ممن لا يستطيعون أن يتدملوا الطريق دفعة واحدة, وما إن مكثت يسيراً إذ ا بكل الجموع التي سبقتها تتقدم زاحفة, و تسير مستأنسة سعيدة, و تتأمل و تتفكر بجمال كل لحظة, و ليس كمثل الشاب العربي الذي كأنه قد هرب من جريمة, ولاحظت أن كبار السن يبتسمون وهم يصعدون, و بأيديهم عصي مخصصة لتعينهم على صعود القمة, ولم يفكر أحد منهم أن يأخذ قسطاً من الراحة, فبنظرهم أن الوقت لا زال مبكراً على ذلك فخجلت من نفسي من نظرات الشباب الذين يلومونني لما جلست على الكراسي المخصصة لكبار السن, و خجلت من نفسي خجلاً مضاعفاً من نظرات الكهول و هم ينظرون إلي نظر ة إشفاق و رحمة من هذا الشباب الذي فقد عزمه , و أما السياح اليابانيون فشأنهم غريب فكل واحد منهم

عدد الصفحات ٩٧

| مذكرات مدمن إنترنت 98 يحمل التقنية في كافة أطراف ملابسه من اأمدوات اللازمة لهذا الصعود,, فقميص فيه جيوب عدة, و الجيوب في وسطها جيوب, و من فوقها سترة لكافات معدات التقنية و منها معدات التصوير المختلفة و التي تحتوي على كل مايخطر ببالك ومالا يخطر ببالك من تجهيزات التصوير فهذا حامل الكاميرا, و ذلك شاحن, و تلك عدسات تبدأ صغيرة ثم تتزايد إلى أن تكون كبيرة جداً, فمن شكلها تستطيع أن تحكم عليها أن لها القدرة لتصور قطرة من المزن نازلة , أو أنها تصور نملة تسير على قمة الجبل, ناهيك عن محددات الاتجاه الرقمية, و البوصلة ذات المؤشر, فمن يراهم يعتقد أنهم سوف يصعدون للقمر, أو أن الاستفسار و السؤال لديهم قد حرم في عالم الترحال, و برغم ذلك لا يثقون كل الثقة بالتقنية الحديثة, فاأمقمار الصناعية قد تتعطل ثانية فيذهب من عم ر الرحلة الكثير, و الذي يقاس بالجزء من الثانية, لذا فالاحتياط واجب فلديهم كتيبات سياحية, و جداول مختلفة و خرائط تتددث عن كل صغيرة و كبيرة أمرض المعركة, و تجد الواحد منهم يضع يده خلف ظهره ثم يخرج

عدد الصفحات ٩٨

|مذكرات مدمن إنترنت 99 الخريطة اأمولى ثم يتناقش مع صدبه, ثم يقهقهون معلنين النصر والتمكين, فيسارعون بالتقاط الصور ثم يمضون قدماً نحو هدفهم الذي يبتغون. فهم بحالة غريبة, و وضع لا يدل على أنهم ينشدون سياحة ممتعة, بل كأنهم في رحلة مساحية لا سياحية, و كأنهم في تحد مع كل شيء, و كأنهم يريدون أن يثبتوا للعالم أن تقنيتهم تستطيع أن تفتفت الصغير و الكبير, و أن بينهم وبين اأممم المحيطة بهم عصور اً طويلة قبل أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه من التقنية و التنظيم, و في نظري ليست كل تلك التجهيزات سيئة بل أن المبالغة في استخدام التقنية أو تقنين الرحلة بخرائط و جداول مبالغ فيها قد يذهب ببعض رائدتها الطيبة من المفاجئات العابر ة؛ و بنظرة فاحصة لجميع الصاعدين اأموربيين و الآسيويين و الكبار و الصغار تجدهم يحملون على ظهورهم حقائب الترحال, و كنت أتمنى أن أكتشف ما بداخلها, و لما غزاني الجوع وفقدت كل السعرات الحرارية جراء صعود المرحلة اأمولى لاحظت أن الناس من هؤلاء يدخلون أيديهم خلف ظهورهم و هم يسيرون فيخرجون مالذ وطاب من المطاعم, و عندها

عدد الصفحات ٩٩

| مذكرات مدمن إنترنت 111 فقط أدركت مافي تلك الحقائب من الفائدة العظيمة و أنني على خطأ وخطر إذ لم أجمل على ظهري حقيبة مثلها, فالواحد منهم يضع يده فيها فتخرج له شطيرة كبيرة بالكاد يستطيع أن يدخلها في فمه, ثم يدخل يده مرة أخرى خلف ظهره فيخرج علب ة غازية تساعده في تفتيت و هضم تلك الشطيرة, و أنا المسكين أقف على حافة الجبل و الجوع يكاد أن يفتك بي, إذ لم أحسب الحساب لمثل هذا الموقف, و ليس ذلك وحده الذي يضيرني بل الذي يكاد يفتك بي أنهم يأكلونها على مهل و كأنهم يريدون أن يزيدوا من غي ظ ذلك الشاب الذي أكل منه التعب و النصب و شرب بصعود الجبل. لم يكن هناك من بد من تكملة المشوار للاقتراب من الشلال أكثر, و هذه التكملة تتطلب أن أزيد من حماسي و قوتي, و أن أدفع نفسي للمقدمة مرة أخرى, و رأيت أن الممرات تكاد أن تحيط بها سوق اأمشجار من كل جانب, فتتسلل أشعة الشمس من بينها لتنير تلك الممرات بشكل خطوط نافذة, و بشكل دقيق بالقدر الذي يضيء

عدد الصفحات ١٠٠

|مذكرات مدمن إنترنت 111 أقدام المارة و مع القرب من مصدر الشلال بدأت القطرات المتطايرة منه تبلل ملابسي, بينما طفق الناس من حولي يلبسون السترات البلاستيكية, فلما كان أخ وكم من قبل قد فاته أن يشتري تلك الملابس المعدة لمثل هذه المرحلة, فقد انهمر عليه الماء, وبلل كل صغير و كبير من ملابسه, حتى غدا و كأنه قد خرج للتو من غسالة, و لما كان الهواء بارد اً و الشمس لا تخرج إلا بزيارات قصيرة من بين جذوع الشجر, أحسست ببرد قارس, و تيار هوائي قد ضل طريقه فسكن بين جسدي و ملابسي و أخذ يتنقل بينهما كيفما شاء, فهو يتنقل و بمتعة, محدثاً حالة من الصقيع غير المستدمل, خفت الخطوات و تبدل الدفء في جسمي إلى رعشة برد, و فتر الحماس عندي و أحسست أن ركب تي لن تستطيعا حملي بفعل المسافة التي قطعتها و بفعل البرد الذي جثم عليهما, و أدركت أن جسمي يريد أن يقول كلمته اأمخيرة: الوقوف هنا أو العودة, ف بادرته بالقول : ما الذي جرى لك ياصاح؟ قال: برد ..و صعود..و جوع ..و ضعف لياقة, فليس لي بذلك طاقة, فاقتنعت بعذره هذا و رجعت فإذا الرجوع

عدد الصفحات ١٠١

| مذكرات مدمن إنترنت 112 أصعبو أمرّ , فكأن (كوابح) قدميّ قد انفرطت وأصبدت غير قادرة على العمل بشكل مناسب, و لم أستطع أن أمسك نفسي في هذا الهبوط الاضطراري من على هذا المنددر الخطير, بل خشيت أكثر من مرة أن أسقط على وجهي, أو أن أصطدم بكل قادم و أنغص على كل سائح رحلته , نتيجة السرعة المذهلة التي قادها جسمي المتهور, و لا أدري هل كل ذلك هرباً من ذلك البرد و الرذاذ؟ أم أنه الجوع قد جعل ا لجسم يبدث عن أقرب السبل. .و بوقت يسير وصلت أسفل الجبل و بعد أن فقدت التدكم بكل أطرافي, و بنـ ف س ثائر لا يكاد يتوقف, وبجسم محطم..وصلت للسيارة و أخذت فترة أمستعيد نشاطي, و أشعلت مدفئة المقاعد لتجفف الملابس, وماهي إلا دقائق عدة حتى بدأت أبحث عن مغامرة أخرى من بين ا لبرنامج المعدة. في كل أرض حديث: تقول قمر كيلاني:"الكتابة كالماء المالح, كلما شرب منه الإنسان عطش". أيضاً يحسن |

عدد الصفحات ١٠٢

|مذكرات مدمن إنترنت 113 بالكاتب أن يجعل حتى القارئ عطشاً لما يكتبو ينتظره بشوق. وبما أن القارئ يحب التجديد, و سرد الرحلات بشكل مكرر قد ي فقد المعلومة قيمتها و يفقد الكاتب بريقه الذي اكتسبه؛ وذلك حري أن يجعل المحتاج للمعلومة يبتعد بالكلية عن التقارير السياحية ليس زهداً في المعلومة و لكن أمنه يبدث عن من يقدمها بشكل أكثر تميزاً و أشد اشتياقاً , فمن هذا الباب نجد أن كتّاب الإنترنت و المهتمين بالتقارير السياحية يجتهدون من أجل أن يكتبون بشكل متجدد,و أمنني منهم فإنني حاولت م ثلهم أن أكتب رحلاتي التي قمت بها إلى مناطق مختلفة بشكل مغاير لكل رحلة و أن تلبس كل واحده منها ثوباً يميزها عن غيرها, و ذلك بأن استدضر جمال كل منطقة و إن غاب عن العيون, و أفتش عن مكامن الحسن فيها و إن خفي عن القلوب, و استخلص المميزات و إن فقدتها العقول, فأجد فيها بعد طول بحث من الجمال ما يجعل ني أفتتن بها دون غيرها, و أقتنع بها عما سواها, حتى لو كانت قطعة نار من صدراء قاحلة, أو غابة مجهولة في بقعة بعيدة , أو واد سديق في منطقة قصية,

عدد الصفحات ١٠٣

| مذكرات مدمن إنترنت 114 وعلمت من ذلك أن الجمال له أسرار يجب البدث و التنقيب عنها, و أن الرؤية السطدية لا تفي بالغرض لمن يبدث عن اللؤلؤ و الياقوت و المرجان, و أن بريق السراب لا يروي العطش, و أن سنا البرق لا يكفي لنزول المطر, و أن وجود الماء لا ينبت الزهر, و لكن يتطلب اأممر أن يكون المرء مشاهداً لما خلف المشاهد, و أن يكون متأملاً لما خلف الصور, و متعمقاً في البدث عن مكامن الجمال, فالتأمل هو نصف السياحة أو يزيد ..بل يزيد,نتأمل و نكتب ليس من أجلنا فقط بل من أجل من يتابعوننا خلف الشاشات, و قد نسافر من أجلهم, فإما أن نخيب ظنّهم بنا أو نفوز برضاهم, أو قد تخ يب تلك المناطق ظنّنا فنصاب ب الإحباط, أو تملك إعجابنا فنشعر أن لدينا غنيمة يحسن بنا اقتسامها مع من يحبنا و نحبه, حتى إن كان الذي نحبه و يحبنا لا يعرفنا و لا نعرفه, أو إن كان لم يفكر بنا أننا نفكر به في رحلاتنا, إن من يسافر لنفسه ليستمتع لوحده فهو يسير على مهل, و من يسافر و في ذهنه أن هناك أناس ينتظرونه فسوف يختلف عنده اأممر و تتبدل لديه الخطط, ففي مثل هذه الحالات من الرحلات

عدد الصفحات ١٠٤

|مذكرات مدمن إنترنت 115 ليس ما نحبو نهوى هو الذي نذهب إليه و نشاهده و نتعرف عليه فدسب,بل إن خلفنا قرّاء تختلف مشاربهم و هواياتهم و رغباتهم , فهم يريدون منا أن ننقل كل شيء إليهم, متطلعين باشتياق إلى ذلك اليوم. و لن نحس بالرضا إلا عندما نشعر بحسن إيصال اأمجواء التي عشناها إليهم, فإذ لم نستطع الوصف بشكل دقيق, أو خاننا الحرف في وقت عصيب, و فقدنا القدرة على الصياغة في وقت الحاجة, فتلك خيبة اأممل..بعدما كان قصدنا أن يحسوا باأمجواء التي عشناها فيرتعدون من صقيعه ا, أو يتأوهون من حرارته ا, و أن يشعروا بالسماء الملبدة بالغيوم من فوقهم فيتلمسون القطرات المتساقطة منها و يحسون بالانتعاش جراء سقوط حبيبات المطر على وجوههم , فإن خاب الظن و لم يستشعروا ذلك فإننا نعتبر أنفسنا أن ا لم نوصل لهم ذلك الشعور الرائع الذي وجدناه, ولم نشبعه م من وجبتهم المفضلة, بل جعلناهم معلقين ببعض الحسن و ينتظرون من يميط اللثام عن تفاصيل ذلك الجمال.

عدد الصفحات ١٠٥

| مذكرات مدمن إنترنت 116 لذا ففي كل مرة أسافر أحاول أن أرجع بشيء جديد, من أجل أن أجعل القراء يندهشون, أو أحرك في أذهانهم بعض علامات الاستفهام, أو أزرع في نفوسهم بعض اأمسئلة, بل أكون أكث ر سعادة عندما أعود من السفر و أقدم معلومة فريدة , أو مكاناً مجهولاً, أو دولة غامضة؛ فعندما زرت الهند رأيت العجائب, فسررت بذلك فهي من الدول التي يجب أن تجعل فيها عينيك مفتوحتين و في كامل أتساعهما فالغريب قريب منك, و الجديد أقرب إليك أكثر مما تتصور؛ لذا فالتقرير إن استطعت أن أصوغه بشكل مناسب سوف يكون هدية قيمة للقراء , و حدث يستدق أن يروى للصدب. يقول بيتشر:"الكتب نوافذ تشرق منها النفس على عالم الخيال". و أقول إن الهند هي نافذة واسعة تشرق منها النفس على عالم الخيال. عن الهند الحديث لا يمل بل إنها حكاية من حكايات ألف ليلة و ليلة, و في كل ليلة ألف ألف رواية, و الحديث عن الهند ليس له بداية و لا نهاية, و الحديث عن الهند لا يمكن أن يكون منصفاً أمن

عدد الصفحات ١٠٦

|مذكرات مدمن إنترنت 117 الحديث عن كل الغرائب في شبه القارة الهندية لن يكون شاملاً و من ينصب نفسه من أجل أن يتددث عن الهند بكبرها فقد سقط من أول الطريق, و لكن لن أعود من هذه الصفدة حتى أفتح جزءاً من نافذة الهند الكبيرة, وأكتب سطراً عن غرائب تلك الدولة الرائعة الغريبة . إن كل شيء في تلك الدولة عجيب فما إن تخرج من بوابة الفندق حتى ترى العجب العجاب, فالطبقية في ذلك المجتمع واضدة ظاهرة, و لقد رأيت الفريقين بنفسي..فأش د الناس فقراً في تلك البلاد و أكثرهم ثراءً يتجاورون في بقعة واحدة, حيث سكنت في العاصمة الاقتصادية (ممبي) وفي فندق ها الشهير(تاج محل ) والمعد لكبار شخصيات المجتمع و الاقتصاديين و الزوار السياسيين,و رأيت الوفود من السفراء و التجار من كل دول العالم يتوافدون إلى باحا ت ذلك الفندق, و في الجهة القريبة يسكن على اأمرصفة الطبقة التي تعيش تحت مستوى الفقر , بل إن الفقراء في العالم يحمدون الله صباح

عدد الصفحات ١٠٧

| مذكرات مدمن إنترنت 118 مساء على حالهم عندما يرون هؤلاء فالفقراء هناك يقتسمون الزبالة مع الكلاب و القطط, فهم ومع كل صباح يذهبون إليها فيأخذون ما يريدون و يتر كون أمصدقائهم من الكلاب و القطط المتبقي الذي لا يمكن أن يؤ كل أو يستفيدون منه, أيضاً عندما تجوب السيارة شوارع المدينة ترى مساكن هذه الطبقة على اأمرصفة و في أعشاش صغيرة تعتقد أنها لا تكفي لشخص واحد, و تفاجأ عندما يتوافد أفراد اأمسرة واحد تلو الآخر من تلك العشش فيخرج الزوج و من بعده زوجته ثم يلدق بهم أبناؤهم من ذلك الصندوق الصغير, و اأمجمل أنك تراهم مبتسمين جميعاً فقد رضوا بما قسم الله لهم,بعكس الذين أراهم في باحات ذلك الفندق الشهير من التجار و السياسيين و الذي أنهكتهم اأمعمال فأنستهم الابتسامة..أمام تلك البيوت الصغير ة تمر المياه الج ارية من اأممطار و هي تجرف في طريقها بعض قاذورات الشوارع أو ماتفيض به بعض غرف التصريف و برغم فظاعتها فإن في ذلك فائدة عظيمة لهم لكونها محل غسيلهم و نظافتهم؛ و لقد اعتادوا على ذلك و تأقلموا عليه, و لا يسألون من أين تأتي تلك المياه الجارية

عدد الصفحات ١٠٨

|مذكرات مدمن إنترنت 119 فالحاجةقد أنستهم أن هناك مياه صالحة و أخرى غير صالحة, و تملكك الدهشة عندما تلتفت إلى زاوية أخرى فتجد اأممهات قد جلسن في الطرقات ينقبن عن حشرات القمل في رؤوس اأمطفال, و الطفل الصغير قد استسلم لها بالكامل حتى ت نهي تلك الحشرات التي لا تنتهي ثم تبدأ بطفل آخر من أطفالها, و عندما تنتهي منهم تلتفت إلى جارتها لتفلي رأسها. و ليس كل ذلك هو المدهش فالمدهش بحق عندهم هو أمر البقرة المبجلة, فعندما تمر بالطرقات يقف الإنسان (صاحب العقل الذي أقام الدنيا و لم يقعدها منذ فجر التاريخ) و تسير البقرة التي تعود العالم كله و بأسره بأنها مذعنة مستسلمة, و لكن في الهند هي تتبختر و تفعل ما تشاء و بدون أن تلقى أي كلمة, بل هي حرة أن دخلت أحد تلك البيوت و أكلت طعام الصغار الضعاف, أو مرت على متجر فقير فتأكل (تحويشة) عمره, و هي إن فعلت ذلك فإن صاحب البيت و المتجر في سعادة غامرة فقد حلت البركة عليهم عبر لعاب تل ك البقرة المباركة, إنه عالم غريب و ليس ذلك هو الغريب فقط, إنما الغريب أن تصدّ ر الهند

عدد الصفحات ١٠٩

| مذكرات مدمن إنترنت 111 العقول للعاو يبقى هذا الهندي العاقل الفطن أمام البقرة عاجزاً عن الفهم الصديح للموقف..فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به. أما في باكستان و في مدينة إسلام أباد زرت مسجد ا لملك فيصل - عليه رحمة الله - فالناس في باحات ذلك المسجد يتواجدون بكثرة فهم يأتون مابين صلاة المغرب و العشاء و يجلسون في الساحات المحيطة و أطفالهم من حولهم يلعبون, و تجار البسطة يمرون على الزائرين بما تحتويه عرباتهم من مآكل و مشارب أو بعض ما يجذب الزبائن من اأمقمشة و اأمدوات البسيطة. فتجد اأمسر ببساطتها تأخذ شيئاً من البطاطس المحمر فتجتمع عليه و تأكله مع بعض العصائر, و عندما يصدح اأمذان يفزع الناس كلهم بنسائهم و أطفالهم و رجالهم و المتنزه و ن و العاملو ن و المار و ن إلى إقامة الصلاة جماعة في المسجد. فهذا المنظر شدني جداً و أحسست بعمق الروابط التي بيني وبينهم فمهما اختلفت اللغات و اأموطان تبقى لغة الدين الحنيف هي اأمقوى, فمثل هذه المواقف تجعل المرء يحمل بعداً آخر و نظرة مختلفة , فالعوامل

عدد الصفحات ١١٠

|مذكرات مدمن إنترنت 111 الروحانية لها دور كب الانجذاب أو النفور من أي مجتمع, و الفطرة التي ف طر الناس عليها تسري في د مائهم و بالتالي فهي تقترب و تحن لكل من يرتبط معها بعبادة ربها . يقول إلا ويلر ولكوكس:"اضدك يضدك العالم معك, ابك تبك وحدك". و المصريون هم خير من يطبق هذه الحكمة, بل هم ي ضدكون العالم من حولهم و يرسمون البسمة على وجوه البشر من أطراف المعمورة , و يبقى الواحد منهم يبكي وحيداً على همه, فيغسل نفسه بالدموع فيخلصها من الشوائب و اأمدران فتصبح نفسه صافية نقية. في مصر و في القاهرة بالتدديد و عندما تعود في المساء طالباً الراحة و النوم فإن شريط أحداث اليوم لن يتركك لوحدك فهو يدعوك لتتفكر بهموم أولئك البشر التي لا تنتهي, و عندما ينتهي بك شريط اأمحداث من سرد قصص ذلك اليوم يفسح المجال لك لتستمتع بطنين لا يتوقف من أبواق السيارات المتراكمة في الشوارع, إن لغة اأمبواق هي اللغة السائدة عند أهل تلك البلدة, و يزيد عليها ما

عدد الصفحات ١١١

| مذكرات مدمن إنترنت 112 يختلطمعها من أصوات المارة و أصداب سيارات النقل الذين لا يتوقف صوتهم إما من أجل جلب زبون جديد أو من أجل إبداء الامتعاض من سائق يسد الطريق, أو من أجل التصويت لذاته ليفرغ همومه في الهواء التي ضاق بها صدره . فعندما تق ل اأمصوات – وهيهات- و يداعب النوم جفون زائر البلد ؛ فإن رأسه خزن صورة صوتيه مصغرة لكامل أحداث ذلك اليوم من أجل أن يعيد بثها في وقت المساء كأجمل ذكرى . أما اأمهرامات و زيارتها فهي سباحة و سياحة في عالم الخيال, و يزيدها خيالاً ما ينسجه منظمو الرحلات من قصص خيالية ت صدق في سطر و تجاف الحقيقة في صفدات, و لو رجع الفراعنة للدياة و سمعوا تلك القصص لتعوذوا منها و لنشروا تكذيبها و تفنيدها في كل الصدف على لسان فرعونهم اأمكبر الذي لم يصدق مرة في حياته, إن من زار تلك المنطقة لا يحتاج لمن يشرح له جبروت الفراعنة وقوتهم في أعمالهم بأرقام فلكية أو قصص خيالية, فمن يرى

عدد الصفحات ١١٢