|مذكرات مدمن إنترنت 65 يستيقظون فيوقظوا المدينة معهم و أصداب المتاجر وهم يرفعون أبواب متاجرهم و ينتظرون زبائنهم, و نوافذ البيوت وقد بدأت تفتح, فيخرج طفل من نافذة بيته ليطرد آخر أثر للنوم بتثاؤبه, و طفل آخر شرع للتو بابتسامة ي عانق بها الكون بأكمله, و أم تنظف الساحة من حول دارها, و أب يأتي بالحطب من مخزنه, و مدخنة يتأجج دخانها و يتراقص في السماء عامودها, و ندى يتبختر على اأموراق, و زهر يتفتح, و فراش ينتقل من زهرة إلى زهرة, و طيور تحلق, و ضباب يحيط بالكون, و رذاذ يتساقط, و قرص الشمس يطرد ا لضباب, و سدب تتقدم من خلف الجبال, و مطر ينزل بغزارة , و كل ذلك يتم والعين تتأمل والقلب يخفق والذكريات ترصد وتسجّل و الحياة تنشد أجمل اأملحان. إن مثل ذلك يجعل الكاتب يسجل كل اللدظات الجميلة و ليست فقط الصور الجميلة, و حتى لا يعكر بعض الكتّاب جمال تقريره ف قد يغلق فمه عن ذكر بعض الصعوبات التي واجهته أثناء سفره و التي قد تفسد فرحة القراء بجمال التقرير , فلا يظهر للقراء أثناء كتابته للتقرير عن المعوقات الشخصية التي تحيط به, و الظروف
عدد الصفحات ٦٥| مذكرات مدمن إنترنت 66 اليواجهها, و الصعاب التي يقابلها, فلا يظهر ذلك اأمرق الذي أحاط به تلك الليلة فغادر النوم عينيه, و لا تلك الهموم و اأمحزان التي تحاصره لبعده عن أهله و وطنه و أحبته, و لا يذكر تلك الساعات الطوال المضنية التي قضاها من أجل أن يرسم الطريق لتلك الرحلة , و لا يبدي لهم اأميام العديدة التي استغرقها في اختيار الخطة المناسبة لرحلته, من أجل أن يستغل رحلته بشكل رائع يستثمر فيها الوقت, و يقلل من التكاليف, و يزيد من المتعة . فالكاتب يقدم التقرير بشكل جذاب و بصورة شهية, و يقدمه كما تقدم الفاكهة اللذيذة, فمن يأكلها لا يحس بتعب الفلاح حينما حرث اأمرض, و لا يحس بهمه إذا تأخر المطر, ولا يعاني معاناته عندما لا يجد بعد كل ذلك ا لتعب السعر المناسب الذي يوازي جهده و تعبه, إنما تقدم الفاكهة للضيف على طبق من ذهب, لم تتعب يده, و لم ينشغل ذهنه, و لم يحزن قلبه حتى تكون بين يديه. إن الكاتب يخفي و يعلن مايناسب, و يرسم, و يصور ما يوافق من حوله. أما بقية التفاصيل التي تقضي على متعة القارئ وهو يتأ مل تلك المناظر الساحرة ف قد يخفيها و لا يبديها.
عدد الصفحات ٦٦|مذكرات مدمن إنترنت 67 وحاولت في بعض التقارير أن أسير على مثل هذا المسار فأسلط اأمضواء على البقعة اأمهم وتهم القارئ بشكل أكبر و تجذب التركيز إليها أكثر. أما معاناتي فأنا أكتمها في صدري حتى لا أنغص عليه شهيته المفتوح ة لمثل تلك المناطق. أعلم أنني كررت التبرير أكثر من مرة, و كأني أريد أن أقنع نفسي قبل أن أقنعكم أننا نتعب في كتابة التقارير, فهل صدقتموني؟ واقتنعتم, أم لم يزدكم حديثي إلا قناعة بأنني أفتعل المصاعب, على كل حال أقول: متعتم"بالصدة والعافية" مع كل ما قدمنا لكم من وجبات أضنها دسمة, فاتحة لشهية السفر و السياحة. موضع قدم في قمة شتاين هور ن (Kitzsteinhorn): تقول الحكمة: "هناك أماكن كثيرة على القمة .ولكن ليس بينها مكان يسمح لك بالجلوس". الكل يحب أن يكون فوق القمم, و لكن يختلف الناس فيما بينهم بمدى رضاهم عن قم تهم و بمدة |
عدد الصفحات ٦٧| مذكرات مدمن إنترنت 68 المكوث التي يرتضو نها أمنفسهم على سفح تلك القمة التي وقع اختيارهم عليها . و أنا واحد من الناس أحب لنفسي ما يحبون و وأكره لها ما يكرهون ؛ أحب الوصول ل لقمم أما الجلوس ف لا أميل إلى ذلك, فالقمم لا تحب الجالسين فوقها بل تحب المتطلعين إليها بشوق فتستقبلهم و ترحب بهم برهة من الزمن من أ جل أن يأخذوا قسطاً من الراحة ثم يودعوها متجهين إلى قمة أكثر منها إشراقاً و إطلالة. إن تواجدي في أي قمة يعني أنني قد وصلت لمرحلة من مراحل النجاح في حياتي , و ليس ذلك فدسب بل يعني أيضاً أنني في طريقي لمرحلة أكثر نجاحاً و إنتاجاً, و لا يستدسن أن أكون ضيفاً ثقيلاً على أي قمة أعبر عليها فأجلس متربعاً على تلك القمة لفترة طويلة,, بل إن استطعت الوقوف فوقها على قدم واحدة أو أصبع واحدة من أجل أن أعدي تلك المرحلة و أنتقل إلى غيرها على عجل فذلك أفضل , و ذلك لعلمي أن الوصول للهدف البعيد يبدأ من الخطوة اأمولى و إن كانت خطوة بسيط ة لكنها ضرورية في طريق اأملف ميل, بل هي خطوة صغيرة جداً من خطوات الحياة الواسعة,
عدد الصفحات ٦٨|مذكرات مدمن إنترنت 69 لدرجة أنني سوف أضدك يوماً من اأميام على قمتي الصغيرة ال اخترتها و سوف أزدري في مستقبل اأميام اختياري هذا و قصر نظري فلعلي أقول حينها: كيف اخترت قمة كهذه في حياتي؟ و لكن سرعان م ا أعتذر لنفسي و أقول: هي الحاجة أمن تكون قمة مرحلية تستلزمها المرحلة , لذا كان علي أن أرتضيها في ذلك الوقت, و في المقابل لن أدع الغرور يتسلل إلى نفسي بل سوف أتذكر كل حين أن هذه القمة قد تخبئ خلفها هاوية عظيمة قد تردني أمول الطريق فيجب الحذر, و أخذ الحيطة حتى لا أسقط من أعلى قمتي هذه بعد أن بذلت الغالي و النفيس من أجلها, بل يجب أن أعبر تلك المرح لة و أن أعيش بحياة متوازنة متجددة و أنعم بتلك اللدظات السعيدة في أعلى القمة و بمقدارها بدون نقص أو زيادة, فأضع بذهني أن كل قمة في أصلها هي قمة مؤقتة, توصلنا إلى قمة أعلى في جبل همتنا الشامخة. و الكتابة في عالم الإنترنت إما صعود لقمة أو هبوط لقاع, و بين هذا و ذاك قد يجد الكاتب نفسه بعد فقدان, أو يطمر نفسه فيضيع في دهاليز الشبكة, فتكون خطواته من ضياع إلى ضياع.
عدد الصفحات ٦٩| مذكرات مدمن إنترنت 71 خلال هذه السطور أريد أن أنقل لكم تجربة من حياتي الكتابي ة فأضعكم على حافة قمة واقعية صعدت إليها في أحدى رحلاتي , و لا أعلم هل اأمصل في الموضوع ..المقدمة أعلاها أو الرحلة أدناها, و لكن لا يهم فقد يكون الكاتب ممن يكتب و يتشعب, أو يبدأ و لا ينتهي, أو يكتب فيأخذه الحماس من أجل أن يوصل فكرته فتعييه الحيلة فيستطرد و يأكل السطر تلو السطر فتكون المقدمة أكثر من الموضوع, و بعيداً عن استطرادي اأمول سوف أبدأ بسرد الرحلة, أمنني أخشى أن أستطرد بموضوع آخر فأتحدث فيه عن الاستطراد فوائدها و آفاته..كانت رحلتي إلى قمة (جبل شتاين هورن Kitzsteinhorn- )في اأمراضي النمساوية و المعروفة بقمة جبال (كابرون الجليدية ) و سوف أكتبها كما نكتبها في منتدياتنا السياحية فأقول: استيقظت مبكراً و تناولت إفطاري باكراً و استزدت بعدد لا نهائي من أقداح المشروبات الساخنة من القهوة و الشاي فتلك هبة يقدمها الفندق عبر سخانات الماء الحارة المنتشرة في كل زاوية من زوايا الفندق. من فنجالي بخار القهوة الدافئ يتراقص أمامي
عدد الصفحات ٧٠|مذكرات مدمن إنترنت 71 وكأنه يهزأ بي و يقول لن تنفعك اأمقداح فريح البرد قد لاح, بينما هو مستمر بالتراقص فإذ ببرودة الجو تقضي عليه مبكراً فتميته ميتة سوء وهو قائم يرقص رقصة الرعب الموجّهة إليّ, أفرح أن تلك النسمات الباردة المتسللة قد أسكتت رقصته الآثمة ا لتي يهزأ بها مني. بعد عدة أقداح و على وزن المثل المحلي القائل: (اللي ببلاش ربحه بين)توقفت بعد أن أحسست أن الحرارة تكاد أن تخرج من أذني, فعلمت أنني قد أخذت جرعتي المناسبة لمواجهة البرد الموعود في أعلى القمة الجليدية, فقد آتت اأمقداح نتائجها الطيبة فسكنت بعض روعي من هاجس البرد الذي يكاد يفتك بي وأنا لم أصل إليه, فكيف إذا وصلت إليه؟! فكأن نذيره يراسل عقلي الباطن وبإشارات سالبة فيقول: أنك موعود بيوم متجمد, خاصة أن تلك القمم الجليدية عرفت بدرجاتها المنخفضة على مدار العام, و أيضاً جسدي ذو المناخ الحراري القاري لم ي عتد على اأمجواء الجليدية بل ضل جسدي إلى قبل تلك اللدظة مخزناً للدفء من صداري نجد و من درجات الحرارة العالية من بلادنا الغالية.
عدد الصفحات ٧١| مذكرات مدمن إنترنت 72 سلكت الطريق المؤدي صوب منطقة (كابرون) و عزمت أن أكتشفها وأمكث فيها بعض الوقت مهما كلف اأممر و بغض النظر عن النتائج المترتبة, لقد أرد ت نقلها للقراء في الإنترنت وكأنها قطعة (آيس كريم) لذيذة في فصل صيف شديد الحرارة , وصلت محطة عربات (التلفريك) التي تقل السياح للقمة, قطفت تذكرة الصعود..و بعد هنيهة وضع مسئول ا لمحطة قيمة التذكرة في جيبه الموازي لقلبه و أنشد عبر مكبرات الصوت قائلاً: أن أمامكم ثلاث محطات حتى تبلغوا القمة, و هذا معناه المبطن أنك أمام قمة جبلية عالية, و معنى ذلك لمن لديه خبرة بتدليل اأمقوال أنك سوف تحمل الهم ثلاث مرات, و معنى ذلك لمن يريد أن ينجو بنفسه أنك تستطيع أن تخرج من العربة الآن وبدون أن تمر على تلك الكر بات الثلاث. أما مسألة نقل الحدث و كتابة التقرير من تلك المنطقة في المنتديات السياحية فسوف يجد القراء من هو أكثر منك جمالاً في السرد و أكثر تحملاً لمصاعب الحياة فينقل إليهم الصورة بشكل أفضل, أو بشكل أسوء, فلا يهم ذلك فالمهم أن تنجو بنفسك هذا
عدد الصفحات ٧٢|مذكرات مدمن إنترنت 73 حديث نفسي لنفسي و كأني أخاطب غيري. و لكن لم يدع لي المذيع الداخلي أي فرصة للاستطراد في التفكير بل أعلن : أن قيدوا أنفسكم بحزام اأممان فصفارة البدء قد بدأت العد التنازلي, و معنى ذلك أنني أصبدت أمام اأممر الواقع, إذاً فليس أمامي إلا أن أقول كما قال نابليون:"من القمة للقاع, هناك خطوة واحدة". فمن الجميل أ ن ي ظهر المرء الشجاعة عندما لا يكون هناك حل آخر أفضل من هذا الحل السيئ. فقيدت نفسي بالحزام كما أمر المذيع بل أشد مما أمر أضعافاً مضاعفة, فالعمر و احد و القراء لن يضربوا كفاً بكف حزناً إن سقطت من أعلى تلك القمة, بل سوف يقولون قتل نفسه من أجل موقع في الإنترنت سامحه الله وغفر له وعوض الله أهله خير اً . انتقلت العربة بنا من عمود إلى عمود و تهتز عند كل واحد منها كأنها تريد اختبار قوة تحملنا و صبرنا و شدة ج ل دنا, يتصبب العرق من جبين البعض برغم شدة البرد لا شعوراً بالدفء بل من شدة
عدد الصفحات ٧٣| مذكرات مدمن إنترنت 74 الخوف, و في جانب آخر تتلون بألوان الطيف وجوه البعض الآخر - ولست منهم بحمد الله-. كل شيء بدا لي صغيراً من نافذة العربة, حتى كأن الكون بأجمعه أصبح رسم اً داخل أطار اللوحة, وصلنا للمدطة اأمولى و الراكب مخير بين النزول للتمتع بجمال المنطقة المحيطة أو بمواصلة السير نحو القمة, اخترت اأمولى مع اأمغلبية من الركاب, فمن يفوت مثل هذه الفرصة خاصة أن المنطقة تلك تمتلك جمالاً قلما تجده في مكان آخر, سرت عبر جادة صغيرة نقشتها أقدام الرحالة من قبلي فأردت اكتشاف المنطقة, فتبعت خطاهم و سرت سيرهم. فإذا الجادة كلما صعدت بي إلى مرتفع كشفت لي ماتحته حتى أرتني القاع مرة أخر ى لتوقد نار الشوق في القلب مرة ثانية..سارعت الخطى و نفسي تتوق لمعرفة ما يعقب تلك الوهاد وما تخبئ للزائر العربي المشتاق, حاولت رفع رأسي أثناء السير من أجل مشاهدة ما خفي و لكن بد لي اأممر مستديلاً, فأرض تلك المنطقة المبللة باأممطار جعلها لزجة طينية تعيق الحركة و تؤخر المسير أكثر مم ا أتوقع, اأمرض المختبئة بدأت تظهر معالمها ببطء و تبدي مفاتنها
عدد الصفحات ٧٤|مذكرات مدمن إنترنت 75 بغنجو اأمنهار تسيل من الجبال كقطرة ماء من فم السقاء, و اأمنهار بلا خدود فهي تنساب بشكل عجيب على ذلك البساط العشبي حتى يخيل للرائي أن ليس لها مسار اً محدداً , و أنها تتهادى في تلك البقعة الغناء على غير هدى, فهي تمشي الهوينى متعرجة, و تبتعد عن كل مرتفع, و تمر على كل شجر باسق لتسقيه من عذب مائها بدون أن تجرح اأمرض من حوله, و عشاق الطبيعة يتخيرون أماكنهم تحت الشجر المنتشر ليستظلوا بظل أوراقها, أو ليستندوا على سوقها, أو لينعموا بالزهور المنتشرة حولها, و نعم الجوار بجانب تلك اأمشجار فهي عندما يهطل المطر أو يتهادى الرذاذ فكل شجيرة تعمل جاهدة لتتلقف تلك القطرات على وريقاتها فتسلمها كل ورقة إلى أختها إلى أن تستقر و برقة على اأمرض و بدون أن تتبعثر جزيئاتها أو تبلل من يسكن تحتها, و عندما تهب النسمات فإن الوريقات يتلاعبن و يرقصن رقصة رائعة متناغمة من أجل إشاعة الفرح و السرور لقاصديها, و بعض اأمشجار تزين أرضها ببعض ورقها لتفرش اأمرض بكاملها فرحاً بقدوم الزائرين لها, إن اأمشجار في تلك المنطقة لها أكثر من
عدد الصفحات ٧٥| مذكرات مدمن إنترنت 76 مهمة, فهي زينة و جمال و حسن و رداء لمرتاديها عندما يه طل المطر أو عندما تظهر الشمس على خجل. أما اأمنعام و أهمها اأمبقار فقد اختارت أن تجلس على ضفتي النهر, ذات اليمين مرة و ذات الشمال مرة , فمن يرى المنظر يعتقد أن النهر قد قصد عمداً أن يتمايل بينها, فتجده يقترب من أفواهها ليسقيها من ما ئه الزلال, و(البقرات) في تلك اأمرض بعيشة هنيئة بألوانه ا الفاقعة وسط تلك المروج الخضراء الرائعة, و من حولها صغاره ا إما يتقافزو ن, أو بجانب ها يرقدون, و منهم من تشبث بثدي أمه ليرضع منها حلو اللبن . في هذه اأمرض الفاتنة أشفق على (بقراتنا) الصبورات فه ي إما في زريبة و إن كانت في حياة رغيدة فهي في حظيرة, و فوق ذلك تكلف بكل عمل شاق لا يطاق, و حتى مكانتها الاجتماعية بين الناس محتقرة إذ يضرب بها المثل فيوصف من لا يفقه أو لا يفهم (بالبقرة )؛ مسكينة أنتي يابقرتنا الحلوب نمتص لبنك و نشربه سائغاً ثم لا ننزلك قدرك. لكنك لست أنت
عدد الصفحات ٧٦|مذكرات مدمن إنترنت 77 الوحيدة المظلومة في حياتنا فال كثير ممن حولنا لهم نفس المعاناة و لهم نفس الهموم, و قد اعتادوا منا النكران و الجدود, و كم فيك من الحكمة لو كانوا يفقهون , فأنت صابرة معطاء برغم أنك لا ترجين منهم أي عطاء, فلا تناقشين ولا تجادلين لا بالحق ولا بالباطل, بل فيك رمز الج ل د و الصبر و المثابرة و الرضا, و تبدثين عن مصادر حياتك بنفسك, و تعملين بدون كلل, أو ملل, فلا منّة ولا فضل لهم عليك, بل لم تمنيّ أو تذكريهم بكرمكم عليهم, و لو كانوا يعلمون لقبلوك م ن الجبين؛ و فيك معنى البذل بلا حدود. إن أبقار العالم تتكاتف من أجل تغذية الشرق و الغرب بمشتقات اأملبان, فهذا حليب يصدر, و تلك أجبان ت ستورد, و عندما يلزم اأممر فإن اأمبقار الشهيرة بإنتاجها تسافر بكاملها من أجل أن تعين بعض المناطق المحتاجة بما تمتلك من مستودعات الخير العظيمة, أعتقد أنني يجب أن أخرج من هذا المنظر و بدون أن أقلب المواجع و أقارن بين أبقارنا المظلومة و أبقارهم المتنعمة.
عدد الصفحات ٧٧| مذكرات مدمن إنترنت 78 في بقعة أخرى من تلك المنطقة رأيت عشيقاً وعشيقته قد افترشا فراشاً بألوان زاهية مخططاً بخطوط متقاطعة, افترشاه بجانب و أحد من تلك اأمنهار, و اأمنهار بكثرتها و تفرعاتها و جداولها توفر المكان المناسب لكل قادم ليتذوق رشفة الحياة من تلك الجنان, على بساطهما ما لذ وطاب من المطاعم و المشارب, وفي أجوائهم نغم الحب الخالد, تسمع همسات الحب بينهما فتنقلها النسمات لقلوب المحبين في الكون كله لمن يعيش حالهم. لقد هب النسيم ليأنس بأجواء المحبين فهو يحوم حولهم و لا يبتعد كثيراً عنهم فكأنه يسليهم بعبثه بخصلات شعر الفتاة الذهبية, أما الشمس فهي حاضرة و لها مع الهواء لعبة أخرى في وجوه المحبين, فتارة ترسم أشعتها الدفء بخدودهم لتبين ملامح الحب و الخجل على وجوههم, و تتركهم تارة للنسمات لتزيل ببرودتها ملامح العشق الذي نزل و الخجل الذي حل فتنزل عليهم برداً و سلاماً و حباً و وئاماً, أما الزه ور فهي تحتفي بالعاشقين بعبقها و تزين المكان بجمالها, و تميل مندنية لتسمع حديث
عدد الصفحات ٧٨|مذكرات مدمن إنترنت 79 المحبو همسهم, و تعود متندية عنهم عندما تراهم إليها ينظرون مبتسمين من حالها. من تلك اأمجواء خرجت إلى منصة العربة متوجهاً إلى المحطة الثانية وأمن المحطة الثانية كانت في مرتفع عالي ف برودة اأمجواء جعلت حشيشها بين الحمرة و الصفرة و في منطقتها شيء من البرودة فلم تكن مكاناً مناسباً للتوقف فيها. نزلت من العربة الثانية و توجهت للعربة الثالثة ميمماًًً بوجهي صوب القمة, و أحسست أن العربة تسير ببطء أكثر من ذي قبل, فكأنها محبوسة اأمنفاس ولا أعلم هل الارتفاع الشاهق أثر عليها أم أن العمر الافتراضي قد أكل منها فصار حمل الزائرين يثقل كاهلها, أم أن الروتين الممل صعوداً وهبوطاً جعل الحياة رتيبة حتى في عربة صماء صلدة. و السياح في هذه العربة وقوف و هم يتطلعون عبر النوافذ إلى القمة الجليدية, و ينظرون كيف بدلت اأمر ض زينتها الخضراء بفستان العرس اأمبيض و كأن اليوم يوم زفافها و كأن الزوار من السائدين عشاقها. و إن كان عددهم ليس
عدد الصفحات ٧٩| مذكرات مدمن إنترنت 81 بالكثو لكن من يراهم يجد أن الواحد منهم عبارة عن خزينة ملابس متدركة أو شماعة لعائلة كاملة, فوق رؤوسهم أكوام من الملابس وعلى الرقاب أكوام من اللفائف وعلى الصدر و الظهر ما لا يطاق من الثياب, و على اأميدي و اأمقدام جوارب من كل اأمحجام. أحسست بالبرد من منظرهم قبل أن تطأ قدماي أرضهم؛ و لما بلغنا للقمة ظهرت ابتسامات على وجوه الركاب بعناء من بين أكوام الملابس التي يرتدونها, فبادلهم منظم العربة بابتسامة أكبر و لكنها أكثر خبثاً فكأنه يقول: سوف أرقبكم عندما تعودون كيف تكون ابتساماتكم!! فهل ستعودون بنفس الابتسامة أم سوف تتجمد ابتساماتكم بفعل الجليد الذي أحاط بكم..؟! فتح الباب و كأنه سمح لكل البرد في العالم ليدلف إلينا, أو كأن الذي كان يفصلنا عن فصل الشتاء القارس هو فتح ذلك الباب, لقد كانت صفعة البرد على خدي كبيرة - عفواً لم أحسن التعبير - أليمة جداً جداً بالقدر الذي لا أقدر أن أصفه, و كأني الوحيد في العربة قد أستدق هذه الصفعة برغم أنني مسالم و لم أنطق بكلمة واحدة و لم أغمز أو ألمز؟
عدد الصفحات ٨٠