|مذكرات مدمن إنترنت 49 النادل بتجربته أنه طازج يستدق أن يكون وجبة الغداء لهذا اليوم السعيد, و عندما تضيء أشارة المرور الخاص ة بالمشاة سوف أمسك بيده ليعبر الطريق معي من أجل أن لا يضيع بين الزحام , بل سوف أحذره من أن تبعد خطواته عن خطواتي فيتوه بين أ كوام البشر الذين يسيرون بشكل جماعات ثم تفرقهم شوارع المدينة إلى آحاد, وعندما نحاذي بائع الزهور سأنقل شذاها إلى رئتيه لعله يفوز بتلك ا لرائدة العطرة, و لن أفوت عليه فرصة إلقاء السلام على عربي قد طال به المقام في تلك البلد, أما الحدائق سوف أجعله ينبهر بتعدد ألوان الزهور فيفغر فاه مندهشاً قائلاً: ماهذا الزهر إنه لسدر؟..و بالطبع فإنني لن أفوت الفرصة على القارئ بمشوار هادئ مع الغروب على رصيف النهر, فهي النزهة الحقيقة و الرحلة الممتعة, فهناك وبمداذاتك من يمشي على رجليه, و حولك من يمر سريعاً على دراجته, و في النهر السفن السياحية والتي يلوح لنا ركابها ملقين علينا تحية المساء الحارة, ومع سيرنا بجانب النهر فإننا نتجه إلى لا نهاية و بدون هدف محدد فيكفي من كان النهر بجانبه و الطبيعة من جانبه الآخر أن يطلق
عدد الصفحات ٤٩| مذكرات مدمن إنترنت 51 العنان لقلبه و رئته و بصره بالتجول كيفما شاءوا, و لا يقطع هذا التأمل إلا صوت لا تجذبك لكنته, وحروفه لا تعرف معناها, لكنه بالتأكيد إما إنه صوت بائع الذرة, أو مقدم القهوة في المتاجر المنتشرة على ضفاف النهر , و في نهاية اأمسبوع أنت على موعد بر حلة طويلة عبر قطار (اليورستار ) السريع حيث ستكون بجانبي غافلاً عن صوتي و حديثي مشتغلاً بما يمر بك من مناظر مزارع العنب المنتشرة في أرجاء ألمانيا كلها , فتبهرك وقفة الفلاح في الصباح الباكر و هو ينظر إلى القطار اأمحمر عندما يشق المرو ج متجهاً إلى مقصده بمسار محدد وبوقت معلوم, وعندما نغير المسار فنتجه إلى هولندا حيث اأمرض المنخفضة فسوف تتغير اأمرض وسوف تجد أن الجداول المائية تكاد أن تكون هي السمة البارزة فيها, فاأمبقار في مراعيها لا ترفع رأسها إلا عندما يمر القطار ضارباً بصوته أجواء الهدوء والسكون التي ت زين بها الكون, و عندما نكمل رحلتنا إلى بلجيكا فإن منظر الخيول من بعيد وهي تعدوا يلفت الانتباه حتى كأنها في سباق مع القطار, و لن يوقظك من أحلامك إلا صوت
عدد الصفحات ٥٠|مذكرات مدمن إنترنت 51 جرس المحطة منبهاًًً بأننا قد وصلنا لنهاية الترحال في هذا المسار, فإن كنت شعرت أيها القار ئ بصوت جرس محطة القطار فهذا يعني أنني نجدت في اختباري السابق بجعل القارئ يعيش معي الحروف, و أعتبر نفسي ناجداً معك في رحلتي عبر هذه الصفدة, فهذا الذي كنت أرنو إليه و أسعى من أجله, أن أجعل الرحلات بين يدي القراء وكأنهم يتلمسونها ويتنفسونها و يتذوقونها, أريد بعد أن ينتهوا من التقرير أن يحسوا بتعب الرحلة..أمن التعب يعني أن المرء قد قام بجهد و أن الجهد نتاجه رحلة ممتعة. قال ملك راج آنان: "إنني أنصح الكتاب الناشئين أن يبدثوا عن الثقافة العميقة في القراءة. وأن يبدثوا عن الحقيقة في التأمل, وأن يبتعدوا عن التقليد". شكراً يا آنان. أبدأ بنفسك: يقول أوفيد:"الجداول الصغيرة تصنع اأمنهار الكبيرة". لقد أحسست بهذا الشيء بل أحسست أن هناك قمة ثلجية في طريقها للذوبان و تكوين أنهار تجري في كل |
عدد الصفحات ٥١| مذكرات مدمن إنترنت 52 مكان. لقد كان الموضوع بالنسبة لي محل تفكر و تأمل فقد ص نعت نفسي منه أشياء كثيرة جميلة. بال ضبط إنه يشبه مواد الخام التي ت ندت فتكون تحفة فائقة الجمال, أو شجيرة تم تهذيبها فأضدت ذات منظر فتان, نعم لقد وجدت في نفسي –بحمد الله- منبعاً للجمال و لكن لم أستغله من قبل, و وجدت أن لدي خامات كثيرة يمكن أن أقدمها بشكل أفضل, أيضاً لقد رسخ في نفسي أن نفخ الروح في أي موهبة يحتاج إلى تشجيع و يحتاج إلى أرض خصبة, أيضاً إن الفرص قد تطرق بابنا و لكن قد نعرض عنها و من أعرض عنها فسوف يذهب ليبدث عنها يوماً ما و لن يجدها و إن وجدها فسوف يجدها في أحضان شخص آخر رحب بها فعشقته و عشقها, و علمت أن العقل مهما حمل من المعلومات فإنها ت ذهب ويبقى ماخالط النفس من الجمال و الحسن, وعلمت أن الطبيعة و الخلوة مع النفس تصفيها و تنقيها وتجعلها تتأمل الكون كله ليله و نهاره أرض ه و سماءه ساكنه و متدركه ما صنعه البشر و ما أبدعه رب البشر-سبدانه و تعالى-, و علمت أن الناس باشتياق إلى التجديد و أنه عشقاً أبدياً
عدد الصفحات ٥٢|مذكرات مدمن إنترنت 53 لكل العقول. وعلمت أن الحياة تستطيع أن تعيشها في أي مكان و لكن أن تنقلها إلى الآخرين فهذه حياة أخرى تستمع أنت بنقلها وتصو ير ها و إنزالها المنزل الحسن في نفوس من حولك, وعلمت أن الناس تعشق الابتسامة خاصة في عصر فشت فيه الكآبة و حلت فيه الضغينة, فأصبدت البسمة عملة نادرة و صعبة و من يجعلك تبتسم فهو يهديك حياة جديدة و من يجعلك تضدك فهو يمدو من حياتك الكآبة ليزرع مكانها حياة بالحب رغيدة, وعلمت أن الناس لديهم استعداد جيد أمن يصغوا إليك إن كان العرض مناسباً و موافقاً لميولهم. وعلمت أن المرء متى كان مخلصاً في عمله فمن المؤكد أنه سوف يبدع, و أن المرء يجب أن يعمل و يقدم و يبادر و يبدأ لا أن يعول على الآخرين فيقف مكتوف اأميدي بانتظار أن يسمدوا له بأن يطلق لنفسه العنان في سماء الإبداع. ومع هذا كله يجب أن نأخذ بمقولة عبد الله الشيتي حيث يقول:"في زورق الحياة, اصطدب صديقك الدائم: اأممل".
عدد الصفحات ٥٣| مذكرات مدمن إنترنت 54 نسيم نجد: البحث عن النجاح في زيلامسي : يقول جون د. روكفلر:"إذا أردت النجاح فيجب أن تندفع في طرق جديدة, لا أن تسافر في طرق بالية من النجاح المقبول". بعد أن وجدت لي مكاناً بين اأمعضاء كان من اأمهمية أن أفيدهم كما أفادوني في رحلاتي السابقة التي قمت بها, ك ذلك من أجل أن أحقق نجاحاً ذاتياً يتمثل بالقدرة على رسم مخططات السفر للباحثين عنها من السياح. و من أجمل ما تقدمه لهم في هذا الشأن أن تحكي لهم قصة سفرك بصورة مغايرة أو تحدثهم عن مكان جديد غير مطروق بشكل كبير, و أفضل اأمماكن بالنسبة لي و التي تحقق المعادلة السابقة هي زهرة أوربا "النمسا". و بالذات قصة تلك الجميلة الصغيرة المسماة بـ (زيلامسي ). فهي مدينة رائعة لبست قبعة حمراء بلون القرميد اأمحمر الذي يغطي أسقف بيوتها الخشبية, و تقلدت قلادة ملونة من الزهور التي اختارتها بعناية فائقة من الطبيعة من حولها, تلك المدينة الحالمة اتخذت من جانب البديرة مسكناً تأوي إليه, و من البساط العشبي مفرشاً تنعم فيه, و جلست الليل و النهار بين جفني |
عدد الصفحات ٥٤|مذكرات مدمن إنترنت 55 السماء و اأمرض تتقلب بحياة سعيدة, ففي الصبح الباكر يستنير أفقها مع بزوغ الشمس الساكنة خلف جبالها, و ما هي إلا لحظات حتى تطل أشعة الشمس الذهبية بوجهها من أجل أن ت صبح على الصغيرة, فأشعتها تقدم إليها و بهدوء, فإن كانت القرية نائمة فهي تجلس بجانبها حتى تستيقظ من نومها, وإن كانت سارحة متأملة فهي تنبهها برقة لتعلن عن حضورها, و إن كانت منتظرة ولهة لدفئها فهاهي قد أتت لتقبلها و تحتضنها, و بينما الشمس غارقة بمداعبة و ملاطفة صغيرتها هذه إذ بستار من السدب البيضاء تح جب الحبيب عن المحب, و يغيب الصفاء عن ذلك اللقاء, و لكن هل تلك اأمرض تعرف البؤس أو الحزن أو اليأس؟! فقد استبدلت بالخير ما هو أخير منه, إنه صفاء آخر و لقاء من نوع آخر, فقطع السدب البيضاء النقية قد قدمت من خلف الجبال الخضراء فتناثرت في أرجاء السماء, لتخفي زرقة السماء تارة و تكشفها تارة أخرى , و اقتربت السدب أكثر فأكثر من الصغيرة حتى ارتسمت على صفدة البديرة فأصبدت السماء منعكسة قريبة. .تجمعت السدب فوق المدينة
عدد الصفحات ٥٥| مذكرات مدمن إنترنت 56 وكونت قبة كونية ضبابية مهيبة, فد ج ب الشمس و السماء بظلال السدب البيضاء, فليس لتلك البلدة الصغيرة بد من النزول بعيونها الحسان إلى أرضها. هناك..جبل قد ظهر جزء منه, و البقية الباقية منه قد اختفت خلف السدب, فالسدب كأنها أرادت العدل بين اأمرض و السماء فتقاسمت روعة الجبال مع ذات الحسن و الجمال, أما على الجانب الآخر فهناك جبل مزدان بأشجار الغابات المتلاصقة, يظهر بلون أخضر فاقع, و فيه خطان أبيضان من نهرين جاريين قد سالت دموعهما شكراً لما حباهما الخالق -سبدانه و تعالى- من الحسن, و على نفس مسرح الحياة القريبة ..هناك جبال قد لهت بشأنها فهي تمتاز عن غيرها بعربات النقل الحمراء و الصفراء (التلفريك) المعلقة بأسلاك ممتدة من اأمرض إلى قمم الجبال فشكلت لوحة رهيبة ت ظل رهينة النفس, فهي تقل أهل تلك البلدة الصغيرة و زائريها من عيشتهم الرغيدة إلى أعالي الجبال لكي يحضوا بنظرة حب و دلال لمدينتهم و عشيقتهم بصورة مصغرة بعيدة,ينظرون إليها وهي تبدوا كطفلة ت لعب على أطراف البديرة. أما من جهة
عدد الصفحات ٥٦|مذكرات مدمن إنترنت 57 أخرى فتقبع الجبال ذات الرؤوس البيضاء و التي تسيل أنهارها من كل جانب إذ أذابت أشعة الشمس تلك القمم الثلجية فسالت اأمنهار متدفقة بقوة, لتتكفل الجداول بنقلها إلى البديرة كماهي بجمالها, لينعم أهلها بنقائها و برودتها. الصور السابقة هي صور تلك المدينة التي حاولت أن أنقلها للشبكة العنكبوتية ليطلع عليها روادها, حاولت أن أنسجها بشكل يناسب جمال تلك المدينة, و لعل القارئ لا يعلم أن مثل هذا التقرير يخ في خلفه أعمالاً كثيرة لا تظهر له في سطور التقرير , فالكاتب قد يبدر بضيوفه إلى حيث يرغبون, و قد يغوص بهم بالعمق الذي يريدون, و يسلك بهم الطرق التي يهوون , أما ما خلف الكواليس فعمل و جهد و كد يظهر للقارئ منه القليل و يخ ف ي الكثير, فالقارئ قد لا يهمه مالذي تعرض له الكاتب من مصاعب أثناء السفر, فماذا عانى, و أمي ظرف تعرض, وكيف بللت اأممطار ثيابه, أو كيف سرقت أمواله,أو كيف تعرضت حياته للخطر في الطائرة, إن هذا لا يهمه
عدد الصفحات ٥٧| مذكرات مدمن إنترنت 58 بشكل كبير, فالقارئ قد كفته همومه و مشاكله, و قد حضر بين السطور ليبدث عن السعادة, أو ليخطط لرحلته و التفاؤل يحيط به, و ليس من أجل أن يقع فريسة لمشاكل الكاتب, و أوهامه أو مبالغاته, أو سوء تدبيره أممر ه,وكأن لسان حال القارئ يقول: قد استغنينا بمشاكلنا عن مشاكلك ؛ و دعوني أكون أكثر وضوحاً فالقارئ السياحي لا يحب أن يرى الكاتب الكئيب عندما يبدث هو عن المرح و السعادة, يحب القارئ أن يجد الفائدة و المتعة معاً و بشكل سلس و بصورة طيبة, فكأنه يريد من الكاتب أن يقدم رحل ته و هو ممتن للقارئ بقبولها , فالناس في مثل هذه المواقف يحبون الممثل البارع الذي يتقمص الدور الذي يعايش حالهم و يوافق رغباتهم و يلامس حاجاتهم و يعرض تجاربه بصورة متقنة بدون أن يشوش عليهم, و الكاتب أحد الممثلين البارعين بل أكثرهم إتقاناً لدوره إن أراد, فهو يمثل ن فسه في كل أحوالها بإتقان, سواء السعيدة أو المقبولة أو التعيسة بل يشكلها باأملوان الزاهية منها و القاتمة كيف يشاء, فهو أمهر من يجعل من (الحبة قبة) سواءً في الجانب الإيجابي أو السلبي,
عدد الصفحات ٥٨|مذكرات مدمن إنترنت 59 وهو أفضل من يمثل ما يطلبه القراء, وأمن السعادة هي أول طلباتهم و هي مقدمة لديهم على التعاسة, لذا فهو يسعى دائماً أن يكون حاضراً عندما ينتظره القراء في هذا المجال, و جاهز اً بقلمه عندما تقرع اأمفراح طبولها , و هو جزء من مسرحية الحياة الكبيرة و أحب الممثلين إلى الجمهور في تلك المسرحية الكبيرة ؛ هو الممثل الكوميدي و الذي يستطيع أن يرسم الحيا ة بسهولة و ابتسامه و يعالج مشاكلهم بدقة و رقة و بدون أن يكدر على من حوله, فالناس بغنى عن حامل الكآبة أو حمال اأمسية كما يقولون, فيكفيهم أنهم أينما التفتوا في واقع الحياة يجدون من يمثل هذا الدور بإتقان , فلغة العبوس هي لغة الوجوه المحببة لدى بعض الناس, فالبعض ير يد أن يخفي السعادة من وجهه حتى لا يرى الناس السعادة و تقاسيمها على محياه, و ذلك مخافة أن ي دخ ل الق در بعد أن دخله صديقه الجمل, فهؤلاء الناس تهرب منهم السعادة عما قريب أمنهم هم بأنفسهم يهربون منها أو يخشون أن يوصمو ا بها, حتى أنك تجدهم في حياتهم العامة يقلبو ن السعادة إلى تعاسة, و لا يشكرون و لو كانوا في النعيم يتقلبون, إن هذه الظاهر ة
عدد الصفحات ٥٩| مذكرات مدمن إنترنت 61 واضدة في كثير من وقائع الحياة. فعندما تسأل إنسان اً عن حاله فيقول: مستورة, و لا يقول الحمد لله, أو يقول تمنيت و آتاني الله أكثر مما تمنيت, و طلبت و ك تب لي من الخير أكثر مما توقعت, و لو سألت آخر أكثر نعمة وصدة عن حاله لقال: (يعني)؟! و(يعني) هذه لها ألف معنى, فهو كان يتوقع أن يكون (ملياردير اً) و لكن قدر الله و ما شاء فعل فقد صار (مليونيراً ) فقط!! و كان يتوقع أن يكون رئيس شركة عالمية فاحتسب المصيبة إذ صار رئيس اكبر شركة محلية فقط!! و من الممكن أن يكون قد توقع بحدود إمكانياته, كأن يكون رئيس الفراشين و لكن قدر الله و صار فراش اً عادياً . و لكن برغم كل ذلك التمهيد و تلك المقدمات فلن أترككم تبرحون حتى تسمعو ا بعض ما نلاقيه في سبيل كتابة التقارير و بعض هموم كتاب السفر و الترحال و سوف أسكب لكم قليلاً من كأس التعب و النصب الذي نعانيه أو لعلنا نعتقده و نريد أن نوهم القراء بأننا نعانيه, فإن كنت لا تريد القراءة فعليك القفز عدة أسطر..فأقول: في الرحلات يبعد المرء عن أهله و بيته و أعماله, و يكابد المشقة و يكتب كل صغيرة و كبيرة و يخطط
عدد الصفحات ٦٠|مذكرات مدمن إنترنت 61 ويرسم و يخطئ و يصيب و لكن لا يكتب إلا ما يناسب و لا يحكي إلا ما كان ذ ا فائدة ناهيك أن الكاتب يتكبد السفر و المتاعب و تحيط به المصاعب من كل جانب فيتجرعها و لا يكاد يسيغها ؛ ففي تلك الرحلة التي سردتها لم تكن مقدمة لي على طبق من ذهب بل قطعت تسع ساعات مابين مدينة (بون) اأملمانية إلى (زيلامسي ) النمساوية, و المسافة لا تستغرق كل تلك المدة, و لكن أعمال الطرق الدائمة في اأمراضي اأملمانية, والتدويلات الكثيرة, و زحمة الطرق السريعة في نهاية اأمسبوع, كل ذلك يجعل الطريق يستغرق من الوقت فوق مايلزم بكثير, و يزيد من حزني في تلك الطرقات أن جذوع أشجار تلك المنطقة و هي منطقة الغابا ت السوداء قد كونت حاجزاً متناسقاً, كسد منيع بيني وبين الطبيعة الراقدة من خلفها, و كأنها قضبان سجن طويل أو جنود مصطفين على طول الطريق من أجل أن لا يجرأ من هم أمثالي على الوصول إلى مايحبون من هذه الطبيعة, لقد ح كم علي بالعذاب برؤيتها للدظات من بين سيقان اأمشجار ثم تختفي مرة أخرى خلف تلك اأمشجار. أما السماء فتدجب عني
عدد الصفحات ٦١| مذكرات مدمن إنترنت 62 زرقتها سدب سوداء داكنة ت قبل تارة و ت دبر تارة, و كأني وإياها في جدال دائم, تمطر مرة بغزارة فأزيد من سرعة الماسدات الزجاجية, و تخف وطأتها مرة فأقلل من سرعة الماسدات. أما إن أرادت السدب أن تغازلني فهي تنقشع لبعض الوقت ف تبزغ علينا أشعة شمس أوربا التي لا ترحم. هذا جزء من المعانا ة في الطريق , فإذا بلغنا البلدة التي نشدناها فاأممر يتغير و الحال يتبدل, و يتغير معه حال الكاتب و ينسى هموم الطريق و كل ما صادف من المشاكل, و يبدأ بتسجيل اللدظات الجميلة في نفسه من أجل أن يقدمها للقراء بعد الإياب, فمن يريد أن يكتشف الحسن و ينقله للقراء يجب أن يكون حاضر الذهن ناسياً أو متناسياً كل الهموم و اأمحزان التي تكبدها, واصلاً لكل مكان يتوقع أن يكون فيه الفائدة والمتعة , أو الجديد والغريب . لذا فقد علّ قت كل همومي و متاعبي في مدخل القرية و وعدتها أن لا أعود إليها, و قررت أن أسبق زقزقة العصافير في الاستيقاظ, و ألقي على نفسي تحية الصباح قبل أن يفتح عينيه أي شخص نمساوي, و أجهز قهوتي و الشاي المعد للرحلة قبل أن تفتح
عدد الصفحات ٦٢|مذكرات مدمن إنترنت 63 المقاهي أبوابها, أو من قبل أن تسخن ربات البيوت المياه الخاصة بالقهوة أمفراد عائلتها , و كل ذلك من أجل أن أحيط المنطقة كلها, فأذهب إلى الجبال بسيارتي المستأجرة و أقبل رؤوسها, و أتلقى قطرات المطر فرحاً بها و هي فرحة بي, و أمر من جانب الزه ور بهدوء حتى لا أزعجها في هذا الوقت الباكر فتخرج من أكمامها قبل موعدها. و أنظر إلى البط في البديرة و الموج يتلا عب بها و كأنها قد أسلمت نفسها إليه. كل تلك المناظر البديعة من الصعب أن تجدها إذا لم تستيقظ باكراً , و كلها تتطلب صفاءً و هدوءاً و هذا الصفاء و الهدوء لا يتو فر إلا في الوقت الباكر, و يكتمل هذا الحسن عندما تنتشر أشعة الشمس اأمولى و تنساب نسمات الفجر الباكرة و تفتح الزهور بعد رقادها. تلك هي المناظر التي أختزنها في الصدر لتبقى مدى العمر بصدبتي. زد على ذلك أن المسافر الذي يريد أن ينقل للقارئ أخبار تلك المناطق يعلم أن حرفه قد يقصر عن ذلك الجمال, لذا فإن اللقطات التي تصورها الكاميرات تظل هي الشاهد الوحيد على ما تحويه تلك ا لمناطق من جمال فريد ؛ فتارة أل تقط صورة من أعالي
عدد الصفحات ٦٣| مذكرات مدمن إنترنت 64 الجبال لتلك القرية الصغيرة الراقدة في سبات العميق, فتتضح من خلالها طرقتها التي غسلتها مياه اأممطار في الليلة الماضية, و نوافذ بيوتها لم تغلق بعض أنوارها منذ البارحة, و فوانيس المدينة التي قد أوكلت عملها إلى نور الصباح و قد بدأت حزينة على انتهاء عملها بعد ليل مضن حرصت فيه على تجلية جمال صغيرتها بنورها الوهاج, و تارة تجدني بين اأمشجار أتخذ مكاناً من أجل أن ألتقط صورة تجمع بين جمال الجبال و اأمشجار واأمزهار و اأمنهار و البديرة الزرقاء و القرية الصغيرة, و هذا عمل يتطلب أن تبدث عن مكان يحتوي اأمغلب و ليس الكل, فتتنازل مضطراً عن بعض من لا يمكن أن ينضم إلى إطار الصورة . و بين هذا و ذاك يكون التأمل هو أنسي في السفر, و هو الباعث على نقل الصورة بأكمل صورة ؛ فإن تأمل الطبيعة المتدركة بكل أشكالها هو سدر لا يوصف و يستوجب تحضير كل الحواس ..ففي الصبح الباكر وعلى أرض الطبيعة أ تأمل الناس عندما بدؤوا
عدد الصفحات ٦٤