المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ما اجمع عليه السلف

غير معروف

صفحة ٦ من ١١

75 ما يدرك به الذكاة أن يدركه وهو يَرك الأىن أو الذنب أو الجفن. وبه قال الحسن وقتادة وإبراهيم وطاو والضحاك وابن زيد. وقال بعضهم: يشترط الحياة المستقرة وهي التي لا تكون على شرف الزوال وعلامتها على ما قيل أن يضطرب بعد الذبح لا قبله. اه وأطال ابن جرير في رواياته عن الصحابة في تأييد الأول. فعلم بهذا أن ما يضرب بمحدد كالبلطة لا يسمى وقيذًا ويدل على ىلك حديث صيد المعراض في الصحيحين وغيرهما: (وإن أصاب بعرضه فقتل فننه وقيذ فلا تأكله) وأنه لو كان من الوقيذ فنن ما يفعله أهل الترنسفال من ىبحه وإسالة دمه بعد ضربه ملل له كما تقدم وإنما ىكرنا هذه النقول؛ لأننا بعد كتابة ما تقدم وتمثيله للطبع رأينا الجريدة السياسية تد عي أن ما يفعله أهل الترنسفال من الوقذ وأنه لا يَل وإن ىبح وسال دمه. وقد زادت على كلام الترنسفالَ قولها: (ثُ يذبحونَّا تتميمًا لقتلها فيسيل منها الدم مصفرًّا دالاًّ على حصول الارتجاج المخي المفسد للدم ... ) ... إلخ والسائل لم يقل ىلك ولو قاله لما كان مانعًا لصحة التذكية وحل الذبيحة؛ إى لم يشترط أحد من المسلمين أن يسيل الدم أحمر أو أسود وإنما اشترطوا علامة تدل على الحياة حتى حركة أصغر الأعضاء كالجفن وسيلان الدم بِي لون من أقوى علامات الحياة. ولكن السياسة إىا تلاعبت بالدين لا تبالَ بكتاب ولا سنة ولا قول إمام ولا مفسر ولا فقيه ولا لغوي فقد خالفت جميع العلماء في الموقوىة. * * * (الْلاف في التسمية) خلُص لنا مما تقدم أن كتاب الله تعالى أباح لنا طعام أهل الكتاب مطلقًا لم يشترط في ىلك أن يأخذنا بِحكام الِسلام في التذكية وأن أكثر المسلمين من السلف والْلف أخذ بهذا الِطلا ؛ فأْكل النبِ وأصحابه من اللحوم التي طبخوها والجبْ الذي عملوه إلا أن الحنفية اشترطوا أن لا يعلم اْكل أن ما عرض له من اللحم قد أُهل به لغير الله أو تُرك ىكره عليه وكل ما نقلته الجريدة فهو عن مفسريهم وفقهائهم وخالفهم في ىلك أكثر العلماء كما تقدم ونص على ىلك مفتي الحنفية في بغداد الشهاب اْلوسي في تفسيره. وقال الطبري في تفس} 121) اْية: (واختلف أهل العلم في هذه اْية هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟

عدد الصفحات ٧٥

76 فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء وهي مكمة فيما عينت به وعلى هذا قول عامة أهل العلم. وروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد قال: حدثنا يَيَ ابن واضح عن الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة والحسن البصري قال: {118{ ) تأَْكُلُوا ممَ ا لمَْ يُذْكَرَ اسْمُ الِلّ َ عَلَيْهَ وَإَن هُ لَفَسْقٌ121) فنسخ واستثنَ من ىلك فقال5) والصواب من القول في ىلك عندنا أن هذه اْية مكمة فيما أنزلت لم ينسخ منها شيء وأن طعام أهل الكتاب حلال وىبائحهم ىكية وىلك مما حرم على المؤمنين أكله بقولهلاَ تأَْكُلُوا ممَ ا لمَْ يُذْكَرَ اسْمُ الِلّ َ121) بمعزل؛ لأن إنما حرم علينا بهذه اْية الميتة وما أهل به للطواغيت. وىبائح أهل الكتاب ىكية سَوا عليها أو لم يسموا؛ لأنَّم أهل توحيد وأصحاب كتب لله يدينون بِحكامها يذبحون بِديانَّم كما يذبح المسلم بدينه سَى الله على ىبيحته أو لم يسمه إلا أن يكون ترك من ىكر تسميته على ىبيحته على الدينونة بالتعظيم أو بعبادة شيء سوى الله فيحرم حينئذ أكل ىبيحته سَى الله أو لم يسم َ) ا. ه ويعني بالأخير من يترك التسمية لترك الدين السماوي بالمرة أو للدخول في الوثني ة. ويؤيد تخصيصه اْية بالذبح للطواغيت أن اْية مكية وآية حل طعام أهل الكتاب مدنية وهي من آخر القرآن نزولاً. والشافعية يَلون ترك التسمية ولو عمدًا وقالوا: إن النهي مقيد بقوله تعا أُهَل لَغَيرَْ اللهَ بَهَ145) وهو ما كان يفعله المشركون لطواغيتهم وأهل الكتاب يَرمونه مثلنا وقد أطال الِمام الرازي في ترجيحه (راجع التفسير الكبير) أما إىا لم يعلم اْكل أنَّم أهلوا به لغير الله أو تركوا التسمية فأْكله حلال بإجماع السلف والْلف كاللحم الذي يباع عادة في بلاد اليهود والنصارى ولم يَضر المسلم ىبحه ومنه اللحم الذي يباع في بلاد الترنسفال. وأما ضرب البقر بالبلطة قبل ىبحه ليضعف فهو لا ينافي التذكية الشرعية عندنا لو فرضنا أنَّم مطالَبون بها وقد علمت أنَّم غير مطالبين. * * * (تأييد الفتوى وحقيقتها وما به الِفتاء )

عدد الصفحات ٧٦

77 فظهر أن الفتوى مؤي دة بالكتاب والسنة وعمل السلف والْلف وأقوالهم وأن خلاف الحنفية فيها لا يتحقق في واقعة الفتوى؛ إى لا يَكن العلم بِن كل لحم يراه المسلم هناك لم يذكر اسم الله عليه ولو فرضنا أنه حمقق فمذهب الجمهور أقوى من مذهبهم لقوة أدلته والمفتي يجب عليه أن يفتي بما يراه أقوى دليلاً وأقوم قيلاً وأنفى للحرج بإجماع المسلمين من السلف والْلف وإىا كانت المحاكم الشرعية تسأْل المفتي في مصر عن الصحيح من مذهب أِ حنيفة فليس كل مسلم مكلفًا بهذا المذهب بل المسلمون مكلفون بكتاب الله وما صح عن رسوله وعلى العلماء ال نظر في ىلك والترجيح به بين أقوال العلماء. وقد نقل عن أِ حنيفة وأصحابه أنَّم كانوا يقولون: لا يصح لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف دليلنا وكذلك كان يقول جميع أئمة المسلمين (راجع نصوصهم في مقالات المصلح والمقلد من مجلد المنار الرابع) فلم يبق بعد هذا إلا أن يرجع صاحب تلك الجريدة عن اعتراضه بغير علم ويعلن ىلك في جريدته ليظهر أنه غير سيء القصد وغير متلاعب بنصوص الدين عمدًا ومتهجم على حمريَ ما أحل الله قصدًا ويثبت أن ما يقوله بعض النا من أن هذه الجعجعة قد انفرد بها صاحب هذه الجريدة الذي ليس من أهل هذا الشأْن دون العلماء والفقهاء وسائر الجرائد؛ لغرض سياسي لغيره شخصي له فهو يتوقع قضاء لبانته منه كما قضاها من غيره. وَتم الكلام بتذكير المفتات على الشرع بقوله تعالى في سورة النحل بعد حصر المحرمات في الميتة والدم ولحم الْنزير وما أهل لغير الله به إلا المضطر إليه. وهو عَلَى الِلّ َ الكَذَبَ إَن ال ذَينَ ي َفْترَُونَ عَلَى الِلّ َ الكَذَبَ لاَ ي ُفْلَحُونَ * مَتَاعٌ قَلَيلٌ وَلهَُمْ عَذَابٌ أَلَيمٌ116-117. ) * * * (قول في اجتهاد المفتي وتقليده أما اللغط بِن إفتاء مفتي الديار المصرية بغير مذهب الحنفية يتضمن دعوى الاجتهاد فيمكن الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن تقليد أهل النظر الذين يسمون علماء بالمذاهب هو عبارة عن اتباع ما يعتقدون أنه الأقوى دليلاً من أقوال الأئمة وقد أشرنا إلى أن مفتي الديار المصرية لهذا العهد تلقى مذهب الِمام مالك في أول حمصيله للعلم فيجوز أن يكون يعتقد

عدد الصفحات ٧٧

78 ترجيحه إلى اْن وإن كان تلق ى مذهب الحنفية وبرع فيه وعرف صحيحه من غيره فنن لم يكن يرجح جميع مسائله فيجوز أن يكون يعتقد رجحان بعضها وقد قال العلماء كافة بِن تقليد بعض الأئمة في بعض المسائل وتقليد آخر في بعضها جائز وما من عالم شهير إلا وله فتاوى فيما يُالف المذهب الذي ينسب إليه. وفي مقالات المصلح والمقلد بيان في ىلك. والثان: أنه مجتهد وما كان لمَن يفسر القرآن بمثل ما يفسره به ويقيم الحجج منه على بطلان التقليد واستحقا صاحبه لمقت الله وعذابه أن يكون مقلدًا وحسبك من ىلك تفسير اْيات المنشورة في هذا الجزء فراجعها واعتبر بها إن كنت من المؤمنين أما إنكار المقلدين الجاهلين عليه الاجتهاد فلا قيمة له؛ إى ليس للمقلدين من حجة ولا هم من أهلها فَبمَ ينكرون؟ و قد نشرنا ولا نزال ننشر من الدلائل والبراهين على بطلان التقليد في غير التفسير ما فيه مقنع لمن لم يُتم الله على قلبه وسَعه ويجعل على بصره غشاوة. وقد كتب مفتي الديار المصرية في التوحيد والتفسير ما يقصر عنه كل ما كُتب فيهما مما وصل إلينا من كتب الأولين واْخري ن وفضل الله ليس مصورًا في زمن معين ولا رحمته مقيدة بِفراد مخصوصين بل تسع كل شيء. ولا ينافي ىلك إفتاؤه الحكومة والمحاكم بمذهب الحنفية فننَّم يسأْلونه عنه لا عن اجتهاده ومن يسأْله عن رأيه يفتيه به. فنن قيل: إن من علماء هذا العصر من يطعن فيه. نقول: إن هؤلاء الطاعنين من الحاسدين أو المقلدين الذين أخذوا على أنفسهم تفنيد مَن يتبع الكتاب والسنة من غير نظر في أدلته وقد طعن في الأئمة العظام من قبله مَن هم في طبقتهم علمًا واجتهادًا ولهذا قال ابن عبا (رضي الله عنه) : (استمعوا قول القراء ولا تصدقوا بعضهم على بعض فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايرًا من التيو في زروبها) رواه ابن عبد البر في كتاب العلم والمراد بالقراء العلماء وبه عبر في الِحياء وروى مثل ىلك عن مالك بن دينار بلفظ (العلماء) وقد ىكرت بعض ما طعن به على الأئمة الأربعة لغيرهم كالبخاري وأضرابه بعض أهل العلم في عصرهم في كتاب (الحكمة الشرعية) . * * * (واقعة تناسب ما تقدم)

عدد الصفحات ٧٨

79 جاء في ىكر حوادث المحرم سنة ست وثلاثين ومائتين وألف من الجزء الرابع من تاريخ الجبرتي ما نصه (ص 316: ) وفيه من الحوادث أن الشيخ إبراهيم الشهير بباشا المالكي بالِسكندرية قرر در الفقه أن ىبيحة أهل الكتاب في حكم الميتة لا يجوز أكلها وما ورد من إطلا اْية فننه قبل أن يغيروا ويبدلوا في كتبهم فلما سَع فقهاء الثغر ىلك أنكروه واستغربوه ثُ تكلموا مع الشيخ إبراهيم المذكور وعارضوه فقال: أنا لم أىكر ىلك بفهمي وعلمي وإنما تلقيت ىلك عن الشيخ علي الميلي المغرِ وهو رجل عالم متورع موثو بعلمه ثُ إنه أرسل إلى شيخه المذكور بمصر يعلمه بالواقع فأْلف رسالة في خصوص ىلك وأطنب فيها فذكر أقوال المشايخ والْلافات في المذاهب واعتمد قول الِمام الطرشوشي في المنع وعدم الحل وحشا الرسالة بالحط على علماء الوقت وحكامه وهي نح و الثلاثة عشر كراسة (كذا) وأرسلها إلى الشيخ إبراهيم فقرأها على أهل الثغر فكثر اللغط والِنكار خصوصًا وأهل الوقت أكثرهم مخالفون للملة وانتهى الأمر إلى الباشا فكتب مرسومًا إلى كَتْخُدَا بيك بمصر وتقدم إليه بِن يجمع مشايخ الوقت لتحقيق المسأْلة وأرسل إليه أيضًا بالرسالة المصنفة. وأحضر كتخدا بيك المشايخ وعرض عليهم الأمر فلطف الشيخ ممد العروسي العبارة وقال: الشيخ علي الميلي رجل من العلماء تلقى عن مشايُنا ومشايُهم لا ينكر علمه وفضله وهو منعزل عن خلطة النا إلا أنه حاد المَزَاج وبعقله بعض خلل والأولى أن جْتمع به ونتذاكر في غير مجلسكم وننهي بعد ىلك الأمر إليكم. فاجتمعوا في ثان يوم وأرسلوا إلى الشيخ علي يدعونه للمناظرة فأْبى عن الحضور وأرسل الجواب مع شخصين من مجاوري المغاربة يقولان: إنه لا يَضر مع الغوغاء بل يكون في مجلس خاص يتناظر فيه مع الشيخ ممد بن الأمير بحضرة ال شيخ حسن القويسني والشيخ حسن العطار فقط؛ لأن ابن الأمير يناقشه ويشن عليه الغارة فلما قالا ىلك القول تغير ابن الأمير وأرعد وأبر وتشاتُ بعض مَن بالمجلس مع الرسل وعند ىلك أمروا بحبسهما في بيت اْغا وأمروا اْغا بالذهاب إلى بيت الشيخ علي وإحضاره بالمجلس ولو قهرًا عنه فركب اْغا وىهب إلى بيت المذكور فوجده قد تغيب فأْخرج زوجته ومن معها من البيت وسَ ر البيت فذهبت إلى بيت بعض الجيران.

عدد الصفحات ٧٩

80 ثُ كتبوا عرضًا مضرًا وىكروا فيه بِن الشيخ علي على خلاف الحق وأ عن حضور مجلس العلماء والمناظرة معهم في حمقيق المسأْلة وهرب واختفى لكونه على خلاف الحق ولو كان على الحق ما اختفى ولا هرب والرأي لحضرة الباشا فيه إىا ظهر وكذلك في الشيخ إبراهيم باشا السكندري (كذا) وتمموا العرض وأمضوه بالْتوم الكثيرة وأرسلوه إلى الباشا. وبعد أيام أطلقوا الشخصين من حبس اْغا ورفعا الْتم عن بيت الشيخ علي ورج ع أهله إليه. وحضر الباشا إلى مصر في أوائل الشهر ورسم بنفي الشيخ إبراهيم باشا إلى بني غازي ولم يظهر الشيخ علي من اختفائه) ا. ه (المنار) هذا ما كان من علماء الأزهر في أوائل القرن الماضي وهم شيوخ علماء الأزهر الحاضرين أو شيوخ شيوخهم فيجدر بمشيخة الأزهر اليوم أن تنتصر للحق الذي انتصرت له من قبل. وإىا كان العروسي شيخ الأزهر يقول يومئذ في تلطيف أمر من يَرم ىبائح أهل الكتاب من العلماء أن في عقله خللاً فماىا ينبغي أن يقول شيخ الأزهر اليوم في جاهل بالشرع يَرم ىبيحة أهل الكتاب ردًّا على فتوى مفتي الديار المصرية بالحل المحتج عليها بالقرآن الكريَ؟ وإىا كان أمير مصر في القرن الماضي رأى وهو في كمال استقلاله وعدم دخول النصارى في أعماله - أن العالمَ الذي قال بعدم حل ىبائحهم يستحق النفي من بلاده فماىا يرى أمير مصر اليوم في ىلك وهو أعلم من جده بوجه الحاجة إلى ماسنة الأم م النصرانية والأخذ بالأقوال الشرعية التي تقنعها بِن ديننا دين مدنية وعمران! لعل الرئيسان العظيمان يريان ويقولان: إن سلفنا اهتموا بتأْديب الشيخين اللذين حرما ىبائح النصارى؛ لأنَّما من العلماء الذين ينخدع العوام بِقوالهم وأما المحرم لها اليوم فهو من رجال القوا نين فلا يلتفت أحد إلى قوله في الدين وهو رأي صائب. وإن كان النهي عن المنكر من الواجب. __________(1) 73. 27-"الكاتب: ابن القيم الجوزية __________ (1) مجلة المنار6/771

عدد الصفحات ٨٠

81 فصل من كتاب مدارج السالك بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين للإمام العلامة الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في مشاهد الْلق في المعصية وهي ثلاثة عشر مشهدًا1] وقضاء الشهوة- ومشهد اقتضاء رسوم الطبيعة ولوازم الْلقة - ومشهد الجبر - ومشهد القدر - ومشهد الحكمة - ومشهد التوفيق والْذلان - ومشهد التوحيد - ومشهد الأسَاء والصفات - ومشهد الِيَان وتعدد شواهده - ومشهد الرحمة - ومشهد العجز والضعف - ومشهد الذل والافتقار - ومشهد المحبة والعبودية. فالأربعة الأول للمنحرفين والثمانية البواقي لأهل الاستقامة. وأعلاها المشهد العاشر. وهذا الفصل من أجل َ فصول الكتاب وأنفعها لكل أحد وهو حقيق بِن تثنَ عليه الْناصر ولعلك لا تظفر به في كتاب سواه إلا ما ىكرناه في كتابنا المسمى بسفر الهجرتين في طريق السعادتين. *** فصل فأْما (مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة) فمشهد الجهال الذين لا فر بينهم وبين سائر الحيوان إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوة بِي طريق أ فضت إليها. فهؤلاء نفوسهم نفو حيوانية لم تتر عنها إلى درجة الِنسانية فضلاً عن درجة الملائكة. فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها. (فمنهم) من نفسه كلبية لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليه ا وحماها من سائر الكلاب ونبح كل كلب يدنو منها فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة ولا يسمح لكلب بشيء منها وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق: ميتة أو مذكى خبيث أو طيب ولا يستحيي من قبيح إن حممل عليه يلهث أو تتركه يلهث إن أطعمته بصبص بذنبه ودار حولك وإن منعته هر ك ونبحك. (ومنهم) من نفسه حمارية لم تخلق إلا للكد والعلف كلما زيد في علفه زيد في كده أبكم الحيوان وأقله بصيرة. ولهذا مثل الله سبحانه وتعالى به من حمله كتابه فلم يعرفه معرفة ولا فقهًا ولا عملاً. ومثل بالكلب عالم السوء الذي آتاه الله

عدد الصفحات ٨١

82 آياتهفانسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتبع هواه. وفي هذين المثلين أسرار عظيمة ليس هذا موضع ىكرها. (ومنهم) من نفسه سَبُعية غَضَبية همته العدوان على النا وقهرهم بما وصلت إليه قدرته طبيعته تتقاضى ىلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه. (ومنهم) من نفسه فاري ة فاسق بطبعه مفسد لما جاوره تسبيحه بلسان الحال: سبحان من خلقه للفساد. (ومنهم) من نفسه على نفو ىوات السموم والحمات كالحية والعقرب وغيرهما وهذا الضرب هو الذي يؤىي بعينه فيدخل الرجل القبر والجَمَل القَدْر والعين وحدها لم تفعل شيئًا وإنما النفس الْبيثة السمية تكيفت بكيفية غضبية مع شدة حسد وإعجاب وقابلت المعين على غرة منه وغفلة وهو أعزل من سلاحه فلدغته كالحية التي تنظر إلى موضع مكشوف من بدن الِنسان فتنهشه فنما عطب وإما أىى. ولهذا لا يتوقف أىى العائن على الرؤية والمشاهدة بل إىا وصف له الشيء الغائب عنه وصل إليه أىاه. والذنب لجهل المعين وغفلته وغرته عن حمل سلاحه كل وقت. فالعائن لا يؤثر في شاكي السلاح كالحية إىا قابلت درعًا سابغًا على جميع البدن ليس فيه موضع مكشوف فحق على من أراد حفظ نفسه وحمايتها أن لا يزال متدرعًا متحصنًا لابسًا أداة الحرب مواظبًا على أوراد التعوىات والتحصينات النبوية التي في السنة والتي في القرآن 2. ] وعلى هذا الشبه اعتماد أهل التعبير للرؤيا في رؤية هذه الحيوانات في المنام عند الِنسان وفي داره أو أنَّا حماربه. وهو كما اعتمدوه. وقد وقع لنا ولغيرنا من ىلك في المنام وقائع كثيرة. فكان تأويلها م طابقًا لأقوام على طباع تلك الحيوانات. وقد رأى النبِ صلى الله عليه وسلم في قصة أحد بقرًا تنحر فكان ما أصيب من المؤمنين بنحر الكفار فنن البقر أنفع الحيوان للأرض وبها صلاحها وفلاحها مع ما فيها من السكينة والمنافع والذ َل (بكسر الذال) فننَّا ىلول مذللة منقادة غير أبية والجواميس كبارهم ورؤساؤهم 3] نقرات فكان طعن أِ لؤلؤة له. والديك رجل أعجمي شرير ومن النا من طبعه طبع خنزير يَر بالطيبات فلا يلوي عليها فنىا قام الِنسان عن رَجَيعة قَم ه. وهكذا كثير من النا يسمع منك و يرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوي فلا يَفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فنىا رأى سقطة أو

عدد الصفحات ٨٢

83 كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ون ُقْلَه (ومنهم) من هو على طبيعة الطاوو ليس له إلا التطو والتزين بالريش وما وراء ىلك شيء ومنهم من هو على طبيعة الجمل أ حقد الحيوان وأغلظه كبدًا. (ومنهم) من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث وعلى طبيعة القرد 4. ] أحمد طبائع الحيوانات طبائع الْيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسًا وأكرمها طبعًا وكذلك الغنم وكل من ألف ضرباً من ضروب هذه الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه فنن تغذى لحمه كا ن الشبه أقوى. فنن الغاىي شبيه بالمتغذي5. ] ولهذا حرم الله أكل لحوم السباع وجوارح الطير لما يورث آكله 6] بها والله أعلم. والمقصود أن أصحاب هذا المشهد ليس لهم شهود سوى ميل نفوسهم وشهواتهم لا يعرفون ما وراء ىلك ألبتة. *** فصل المشهد الثان: مشهد رسوم الطبيعة ولوازم الْلقة كمشهد زنادقة الفلاسفة والأطباء الذين يشهدون أن ىلك من لوازم الْلقة والطبيعة الِنسانية وأن تركيب الِنسان من الطبائع الأربع وامتزاجها واختلاطها كما يقتضي بغي بعضها على بعض وخروجه عن الاعتدال بحسب اختلاف هذه الأخلاط فكذلك تركيبه من البدن والنفس والطبيعة والأخلاط الحيوانية يتقاضاه إثر هذه الْلقة ورسوم تلك الطبيعة ولا تنقهر إلا بقاهر إما من نفسه وإما من خارج عنه. وأكثر النوع الِنسان ليس له قاهر من نفسه فاحتياجه إلى قاهر فوقه يدخله حمت سياسة وإيالة ينتظم بها أمره ضرورية 7] كحاجته إلى مصالحه من الطعام والشراب واللبا . وعند هؤلاء أن العاقل متى كان له وازع - من نفسه - قاهر لم يَتج إلى أمر غيره ونَّيه وضبطه8] الموجبة للجنايات كمشهدهم من حركات الطبيعة الاضطرارية الموجبة للتغيرات 9] وليس لهم مشهد وراء ىلك. *** فصل المشهد الثالث: مشهد أصحاب الجبر وهم الذين يشهدون أنَّم مجبورون على أفعالهم وأنَّا واقعة بغير قدرتهم

عدد الصفحات ٨٣

84 بل لا يشهدون أنَّا أفعالهم ألبتة. ويقولون: إن أحدهم غير فاعل في الحقيقة و قادر وإن الفاعل فيه غيره والمحرك له سواه وإنه آلة م ضة وحركاته بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار وهؤلاء إىا أنكرت عليهم أفعالهم احتجوا بالقدر وحملوا ىنوبهم عليه وقد يغلون في ىلك حتى يروا أفعالهم كلها طاعات خيرها وشرها لموافقته للمشيئة والقدر. ويقولون: كما أن موافقة الأمر طاعة فموافقة المشيئة طاعة. كما حكى الله تعالى عن المشركين إخوانَّم أنَّم جعلوا مشيئة الله تعالى لأفعالهم دليلاً على أمره بها ورضاه. وهؤلاء شر من القدرية النفاة وأشد عداوة لله ومناقضة لكتبه ورسله ودينه حتى إن من هؤلاء من يعتذر عن إبليس ويتوجع له ويقيم عذره بجهده وينسب ربه تعالى إلى ظل مه بلسان الحال والمقال ويقول: ما ىنبه وقد صان وجهه عن السجود لغير خالقه؟ وقد وافق حكمه ومشيئته فيه وإرادته منه؟ ثُ كيف يَكنه السجود وهو الذي منعه منه وحال بينه وبينه؟ وهل كان في ترك السجود لغير الله إلا مسنًا؟ ولكن: إىا كان المحب قليل حظ ... فما حسناته إ لا ىنوب وهؤلاء أعداء الله حقًّا وأولياء إبليس وأحباؤه وإخوانه. وإىا ناح منهم نائح على إبليس رأيت من البكاء والحنين أمرًا عجيبًا ورأيت من تظلم الأقدار واتهام الجبار ما يبدو على فلتات ألسنتهم وصفحات وجوههم وتسمع من أحدهم من التظلم والتوجع ما تسمعه من الْ صم المغلوب العاجز عن خصمه. فهؤلاء هم الذين قال فيهم شيخ الِسلام ابن تيمية في تائيته: ويدعى خصوم الله يوم معادهم ... إلى النار طرًّا فرقة القدرية *** فصل المشهد الرابع: مشهد القدرية النفاة ويشهدون أن هذه الجنايات والذنوب هم الذين أحدثوها وأنَّا واقعة بمشيئتهم دون مشيئة الله تعالى وأن الله لم يقدر ىلك عليهم ولم يكتبه ولا شاءه ولا خلق أفعالهم وأنه لأي قدر أن يهدي أحدًا ولا يضله إلا بمجرد البيان إلا أن ه يلهمه الهدى والضلال والفجور والتقوى فيجعل ىلك في قلبه ويشهدون أنه يكون في ملك الله ما لا يشاؤه وأنه يشاء ما لا يكون وأن العباد خالقون لأفعالهم بدون مشيئة

عدد الصفحات ٨٤

85 الله. فالمعاصي والذنوب خلقهم وموجب مشيئتهم لا أنَّا خلق الله ولا تتعلق بمشيئته. وهم لذلك مبخوسو الحظ جدًّا من الاستعانة بالله والتوكل عليه والاعتصام به وسؤاله أن يهديهم وأن يثبت قلوبهم وأن لا يزيغها وأن يوفقهم لمرضاته ويجنبهم معصيته؛ إى هذا كله واقع بهم وعين أفعالهم لا يدخل حمت مشيئة الرب. والشيطان قد رضي منهم بهذا القدر فلا يؤز هم إلى المعاصي ىلك الأز ولا يزعجهم إليها ىلك الِزعاج. وله في ىلك غرضان مهمان: (أحدهما) أن يقرر في قلوبهم صحة هذا المشهد وهذه العقيدة وأنكم تاركون الذنوب 10] إليكم واقع بكم وأنكم العاصمون لأنفسكم المانعون لها من المعصية (الغرض الثان) أنه يصطاد على أيديهم الجهال فنىا رأوهم أهل عبادة وزهادة وتورع عن المعاصي وتعظيم لها قالوا: هؤلاء هم أهل الحق. والبدعة آثر عنده وأحب إليه من المعصية فنىا ظفر بها منهم واصطاد الجهال على أيديهم كيف يأمرهم بالمعصية؟ بل ينهاهم عنها ويقبحها في أعينهم وقلوبهم ولا يكشف هذه الحقائق إلا أرباب البصائر. *** فصل المشهد الْامس وهو أحد مشاهد أهل الاستقامة: مشهد الحكمة وهو مشهد حكمة الله في تقديره على عبده ما يبغضه سبحانه ويكرهه ويلوم ويعاقب عليه وأنه لو شاء لعصمه منه ولحال بينه وبينه وأنه سبحانه لا يعصى قسرًا وأنه لا يكون في العالم شيء إلا بمشيئته ت َبَارَكَ الِلّ ُ رَبُّ العَالَمَينَ54. ) وهؤلاء يشهدون أن الله سبحانه لم يُلق شيئًا عبثًا ولا سدًى وأنه له الحكمة البالغة في كل ما قدره وقضاه من خير وشر وطاعة ومعصية وحكمة باهرة تعجز العقول عن الِحاطة بكنهها وتكل الألسن عن التعبير عنها فمصدر قضائه و قدره لما يبغضه ويسخطه اسَه الحكيم الذي بهرت حكمته الألباب وقد قال تعالى لملائكته لما قالوا وَن ُقَد َ ُ لَكَ30) ؛ فأْجابهم سبحانه بقولها لاَ ت َعْلَمُونَ30) فلل ه سبحانه في ظهور المعاصي والذنوب والجرائم وترتب

عدد الصفحات ٨٥

86 آثارها من اْيات والحكم وأنواع التعرفات إلى خلقه وتنويع آياته ودلائل ربوبيته ووحدانيته وإلهيته وحكمته وعزته وتمام ملكه وكمال قدرته وإحاطة علمه ما يشهده أولو البصائر عياناً ببصائر قلوبهم سُبْحَانَكَ191) ؛ إن هي إلا حكمتك الباهرة وآياتك الظاهرة ولله في كل حمريكة ... وتسكينة أبدًا شاهد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد فكم من آية في الأرض بينة دالة على الله وعلى صد رسله وعلى أن لقاءه حق كان سببها معاصي بني آدم وىنوبهم كآيته في إغرا قوم نوح وعلو الماء على رؤو الجبال حتى أغر جميع أهل الأرض وجْى أولياءه وأهل معرفته وتوحيده. فكم في ىلك من آية وعبرة ودلالة باقية على ممر الدهور؟ وكذلك إهلاك قوم عاد وْود. و كم له من آية في فرعون وقومه من حين بعث موسى إليهم؟ بل قبل مبعثه إلى حين إغراقهم لولا معاصيهم وكفرهم لم تظهر تلك اْيات والعجائب. وفي التوراة أن الله تعالى قال لموسى: اىهب إلى فرعون فنن سأْقس َي قلبه وأمنعه عن11]عل سبحانه فأْظهر من آياته وعجائبه بسبب ىنوب فرعون وقومه ما أظهر. وكذلك إظهاره سبحانه ما أظهر من جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم بسبب ىنوب قومه ومعاصيهم وإلقائهم في النار حتى صارت تلك آية وحتى نال إبراهيم ما نال من كمال الْلة. وكذلك ما حصل للرسل من ا لكرامة والمنزلة والزلفى عند الله والوجاهة عنده بسبب صبرهم على أىى قومهم وعلى ماربتهم لهم ومعاداتهم. وكذلك اتخاى الله تعالى الشهداء والأولياء والأصفياء من بني آدم بسبب صبرهم على أىى بني آدم من أهل المعاصي والظلم ومجاهدتهم في الله وحمملهم لأجله من أعدائه ما هو بعينه وعلمه واستحقاقهم بذلك رفعة الدرجات. إلى غير ىلك من المصالح والحكم التي وجدت بسبب ظهور المعاصي والجرائم وكان من سببها تقدير ما يبغضه الله ويسخطه وكان ىلك مض الحكمة لما يترتب عليه مما هو أحب إليه وآثر عنده من فوته بتقدير عدم المعصية. فحصول هذا المحبوب العظيم أحب إليه من فوات ىلك المبغوض المسخوط فنن فواته وعدمه وإن كان مبوباً له؛ لكن حصول هذا المحبوب الذي لم يكن يَصل بدون وجود ىلك المبغوض أحب إليه فوات هذا

عدد الصفحات ٨٦

87 المحبوب أكره إليه من فوات ىلك المكروه المسخوط وكمال حكمته تقتضي حصول أحب الأمرين إل يه بفوات أدنَ المحبوبين وأن لا يعطل هذا الأحب بتعطيل ىلك المكروه. وفرض الذهن وجود هذا بدون هذا كفرضه وجود المسببات بدون أسبابها والملزومات بدون لوازمها مما تمنعه حكمة الله وكمال قدرته وربوبيته. ويكفي من هذا مثال واحد وهو أنه لولا المعصية من أِ البشر بِ كله من الشجرة لما ترتب على ىلك ما ترتب من وجود هذه المحبوبات العظام للرب تعالى من امتحان خلقه وتكليفهم وإرسال رسله وإنزال كتبه وإظهار آياته وعجائبه وتنويعها وتصريفها وإكرام أوليائه وإهانة أعدائه وظهور عدله وفضله وعزته وانتقامه وعفوه ومغفرته وصف حه وحلمه وظهور من يعبده ويَبه ويقوم بمراضيه بين أعدائه في دار الابتلاء والامتحان. فلو قدر أن آدم لم يأكل من الشجرة ولم يُرج من الجنة هو وأولاده؛ لم يكن شيء من تلك ولا ظهر من القوة إلى الفعل ما كان كامنًا في قلب إبليس يعلمه الله ولا تعلمه الملائكة ولم يتميز خبيث الْلق من طيبه ولم تتم المملكة حيث لم يكن هناك إكرام وثواب وعقوبة وإهانة ودار سعادة وفضل ودار شقاوة وعدل. وكم في تسليط أوليائه على أعدائه وتسليط أعدائه على أوليائه والجمع بينهما في دار واحدة وابتلاء بعضهم ببعض من حكمة بالغة ونعمة سابغة؟ وكم في طيها من حصول مبوب للرب وحمد لله من أهل سَاواته وأرضه وخضوع له وتذلل وتعبد وخشية وافتقار إليه وانكسار بين يديه؟ أن لا يجعلهم من أعدائه إى هم يشاهدونَّم ويشاهدون خذلان الله لهم وإعراضه عنهم ومقته لهم وما أعد لهم من العذاب. وكل ىلك بمشيئته وإرادت ه وتصرفه في مملكته فأْولياؤه من خشية خذلانه خاضعون مشفقون على أشد وجل وأعظم مخافة وأتُ انكسار. فنىا رأت الملائكة إبليس وما جرى له وهاروت وماروت وضعت رؤوسها بين يدي الرب خضوعًا لعظمته واستكانة لعزته وخشية من إبعاده وطرده وتذللاً لهيبته وافتقارًا إلى عصمته ورحمته وعلمت بذلك منته عليهم وإحسانه إليهم وتخصيصه لهم بفضله وكرامته. وكذلك أولياؤه المتقون إىا شاهدوا أحوال أعدائه ومقته لهم وغضبه عليهم وخذلانه لهم ازدادوا له خضوعًا وىلاًّ وافتقارًا وانكسارًا وبه استعانةً وإليه

عدد الصفحات ٨٧

88 إنابةً وعليه توكلاً وفيه رغبةً ومنه رهبةً وعلموا أنَّم لا ملجأْ لهم منه إلا إليه وأنَّم لا يعيذهم من بِسه إلا هو ولا ينجيهم من سخطه إلا مرضاته فالفضل بيده أولاً وآخرًا. وهذه قطرة من بحر حكمته المحيطة خللقه. والبصير يطالع ببصيرته ما وراءه فيطلعه على عجائب من حكمته لا تبلغها ال عبارة ولا تنالها الصفة. وأما حظ العبد في نفسه وما يُصه من شهود هذه الحكمة فبحسب استعداده وقوة بصيرته وكمال علمه ومعرفته بالله وأسَائه وصفاته ومعرفته بحقو العبودية والربوبية وكل مؤمن له من ىلك شَرْبٌ معلوم ومقام لا يتعداه ولا يتخطاه 12. ] *** فصل المشهد الساد : مشهد التوحيد وهو أن يشهد انفراد الرب تبارك وتعالى بالْلق والحكم وأنه ما شاء كان وما لم يشأْ لم يكن وأنه لا تتحرك ىرة إلا بإىنه وأن الْلق مقهورون حمت قبضته وأنه ما من قلب إلا وهو بين أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه. ف القلوب بيده وهو مقلبها ومصرفها كيف شاء وكيف أراد وأنه هو الذي آتى نفو المؤمنين تقواها وهو الذي هداها وزكاها وألهم نفو الفجار فجورها وأشقاها (من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له) يهدي من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته. هذا فضله و عطاؤه وما فضل الكريَ بممنون13]23. ) قال ابن عبا : الِيَان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده ومن آمن بالقدر صد إيَانه توحيده. وفي هذا المشهد يتحقق للعبد مقام: {5) علمًا وحالاً فيثبت قدم العبد توحيده 14] الضر والنفع والعطاء والمنع والهدى والضلال والسعادة والشقاء كل ىلك بيد الله لا بيد غيره وأنه الذي يقلب القلوب ويصرفها كيف يشاء وأنه لا موفق إلا من وفقه وأعانه ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلى عنه وإن أصح القلوب وأسلمها وأقومها وأرقها وأصفاها وأشدها وألينها من اتخذه وحده إلهًا ومعبودًا فكان أحب إليه من كل ما سواه وأخوف عنده من كل ما سواه وأرجى له من كل

عدد الصفحات ٨٨

89 ما سواه فتتقدم مبته في قلبه جميع المحاب فتنسا المحاب تبعًا لها كما ينسا الجيش تبعًا للسلطان ويتقدم خوفه في قلبه جميع المخوفات فتنسا المخاوف كلها تبعًا لْوفه ويتقدم رجاؤه في قلبه جميع الرجاء فينسا كل رجاء تبعًا لرجائه. فهذا علامة توحيد الِلهية في هذا القلب والباب الذي دخل إليه منه توحيد الربوبية أي باب توحيد الِلهية توحيد الربوبية 15]16] بتوحيد الربوبية ثُ يرتقي إلى توحيد الِلهية كما يدعو سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى ال نوع اْخر ويَتج عليهم به ويقررهم به ثُ يُبر أنَّم ينقضونه بشركهم به في الِلهية. وفي هذا المشهد يتحقق له مقام (إياك نعبد) قال الله تعا م نْ خَلَقَ الس مَوَاتَ وَالأَرْضَ وَسَخ رَ الش مْسَ وَالْقَمَرَ لَي َقُولُن الِلّ ُ فَأَْنَ ي ُ ؤْفَكُونَ61) ؛ أي فمن أين يصرفون عن شهادة أن لا إله إلا الله وعن عبادته وحده وهم يشهدون أنه لا رب غيره ولا خالق سواه 17] {85) ؛ فتعلمون أنه إىا كان وحده مالك ا لأرض ومن فيها وخالقهم وربهم ومليكهم فهو وحده إلههم ومعبودهم فكما لا رب لهم غيره فهكذا لا إله لهم سواه العَرْشَ العَظَيمَ * سَي َقُولُونَ لِلَّ َ قُلْ أَفَلاَ ت َت قُونَ * قُلْ مَنْ بَيَدَهَ مَلَكُوتُ كُل َ شَ يْءٍ وَهُوَ يجَُيرُ وَلاَ يجَُارُ عَلَيْهَ86-88) ... اْيات. وهكذا قوله في سورة النمل أَم نْ خَلَقَ الس مَوَاتَ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَ كُم م َنَ الس مَاءَ مَاءً فَأَْن ْب َت ْنَا بَهَ حَدَائَقَ ىَاتَ بهَْ جَةٍ م ا كَانَ لَكُمْ أَن ت ُنْبَتُوا شَجَرَهَا أَإَلَهٌ م عَ الِلّ َ بَلْ هُمْ ق َوْمٌ ي َعْدَلُونَ59-60 ) إلى آخر اْيات يَتج عليهم بِن من فعل هذا وحده فهو الِله وحده فنن كان معه رب فعل هذا فينبغي أن تعبدوه وإن لم يكن معه رب فعل هذا فكيف تجعلون معه إلهًا آخر؟ ولهذا كان الصحيح من القولين في تقدير اْية: (أإله مع الله فعل هذا؟) حتى يتم الدليل فلا بد من الجواب بلا. فنىا لم يكن معه إله فعل كفعله فكيف تعبدون آلهة أخرى سواه؟ فعلم أن إلهية ما سواه باطلة كما أن ربوبية ما سواه باطلة بإقراركم وشهادتكم. ومن قال: المعنَ: هل مع الله إله آخر؟ من غير أن يكون المعنَ (فعل) فقوله ضعيف لوجهين: (أحدهما) أنَّم كانوا يقولون: مع الله إلهة

عدد الصفحات ٨٩

90 أخرى ولا ينكرون ىلك (الثان) أنه لا يتم الدليل ولا يَصل إفحامهم وإقامة الحجة عليهم إلا بهذا التقدير؛ أي فنىا كنتم تقولون: إنه ليس معه إله آخر فعل مثل فعله فكيف تجعلون معه إلهًا آخر لا يُلق شيئًا وهو إعجاز؟ وهذا كقوله جَعَلُوا لِلَّ َ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقَهَ ف َتَشَابَهَ الَْلْقُ عَلَيْهَمْ قُلَ الِلّ ُ خَالَقُ كُل َ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحَدُ القَه ارُ 16) . وقوله مَن دُونَهَ11) . وقوله 17) . وقولهونَ الِلّ َ لاَ يَُْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُُْلَقُونَ 20) وقوله {3) وهو كثير في القرآن وبه تتم الحجة كما تبين. والمقصود أن العبد يَصل له هذا المشهد من مطالعة الجنايات والذنوب وجريانَّا عليه وعلى الْليقة بتقدير العزيز الحكيم وأنه لا عاصم من غضبه وأسباب سخطه إلا هو ولا سبيل إلى طاعته إلا بمعونته ولا وصول إلى مرضاته إلا بتوفيقه فموارد الأمور كلها منه ومصادرها إليه وأزَم ة التوفيق جميعها بيديه فلا مستعان للعباد إلا به ولا متكل إلا عليه 18] خطيب الأنبياء88. ) *** فصل المشهد السابع: مشهد التوفيق والْذلان وهو من تمام هذا المشهد وفروعه ولكن أفرد بالذكر لحاجة العب د إلى شهوده وانتفاعه به. وقد أجمع العارفون بالله أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك19 ] والْذلان هو أن يُلي بينك وبين نفسك. فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا فيطيعه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه له ثُ يعصيه ويُالفه ويسخطه ويغفل عنه خلذلانه له. فهو دائر بين توفيقه وخذلانه فنن وفقه فبفضله ورحمته وإن خذله فبعدله وحكمته وهو المحمود على هذا وهذا له أتُ حمد وأكمله ولم يَنع العبد شيئًا هو له وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله. فمتى شهد العبد هذا المشهد وأعطاه حقه علم ضرورته وحاجته إلى التوفيق كل نفس وكل لحظة وطرفة عين وإن إيَانه وتوحيده بيده تعا 20]

عدد الصفحات ٩٠