كانت حياة الواحدي حلقات متصلة بالعلم والبحث عن روافد المعرفة. فقد «أنفق صباه وأيام شبابه في التحصيل» فأتقن الأصول على الأئمة. وطاف على أعلام الأمة».(" وظل هذا دأبه. حتى بلوغه الدرجة التي سمحت له بالانتقال من مرحلة التلميذ والطالب الى مرحلة الاستاذ المدرّس, والاشتغال بالتأليف والتصنيف. وقد جاء شرحه لديوان المتنبى, آية ساطعة على عمق اخلاصه ونظّرته الفاحصة الدقيقة. وهو ما أُقَرَ به الدالزسون والمؤرخون؛ فعله ابن خلكان أفضل الشروح وأوفاها على الاطلاق» وقال حاجّي خليفة: وقفت له [اي المتنبي ] على أكثر من أربعين شرحًا.. فوجدت أن شرح الواحدي هو أجل الشروح نفعًا وأكثرها فائدة ليس في شروح المتنبي مثله . مع كثرتها »7 ولعلهم قصدوا جميعًا . هذا الطابع الشمولي المتنوع , وتلك النظرة النقدية الموضوعية, مما تفصّله الصفحات التالية. المقومات العامة لشرح الواحدي, وموقفه النقدي الشمولي . رمينا من وراء هذا العنوان. الحديث عن الطرق والأساليب التي حقق فيها الواحدي شرحه. وبلغ قصدهء وما تحصّل من ملاحظات وانطباعات, حرّرناها بموضوعية وشيء يسير من النقد والتحليل». لكي نبقى على رباط ذاتي وثيق بيننا وبيله , فنعجّب ونغتيمط بما توصل إليه من شروح وتعليقات واراء هامة ومفيدة, ونقف ونتساءل أمام مواقف وخلاصات لم يُصِبْ فيها أو لم توافق المنحى الايجابي الذي اختطه. . فجعلناها تحت هذا العنوان العام الذي يجمع بين العرض والنقد ؛ - المؤلفين ا/7؟. 50 وقبلهما: معجم الأدباء لياقوت 2717١-7017/١١ سير أعلام النبلاء 4١/رو- 885 , وفيات الاعيان */؛ .". النجوم الزاهرة 4/8 »٠١ وبغية الوعاة .7888-51/١ وطبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي */روم؟ .55 ء وطبقات المفسرين للداودي »74.-0/١ وطبقات النحاة لابن قاضي شهبة .188-1١6/٠ وكشف الظنون, في مواضع محتلفة... وغيرها.. (؟) معجم الأدباء : 509/17 . () كشف الظنون ١//رة١٠8. دن
عدد الصفحات ٣٤وحاولنا أن يكون شاملاً ما أمكن؛ فتناولنا جملة من النقاط الأدبية واللغوية والبلاغية والفكرية العامة التي نعرضها بتؤدة الباحث وعدسة المصور, استكمالا للفائدة واستيفاء للغرض؛ ع في ذلك» ذكر الملاحظة النقدية العامة فالشاهد الشعري أو النثري. فالربط والتعليق... وهكذ 1 - اعتماد الواحدي الشرح المعلل, المفضي الى نتائج ملموسة . مما يؤكد اتجاهه نحو تفسير واقعي ». كقوله في شرح بيت المتنبي : أمطّ عنك تشبيهى بما وكأنه فما أحد فوقى وما أحد مثلى « الإماطة: الدهْعٌ والتنحية. وحكى ابن جني, عن أبي الطيب, أنه كان يقول في تفسير «بما وكأنه؛ أن «ماء سببُ للتشبيه. لأن القائل اذا قال لآخرء بم 1 هذا ؟ قال له المجيب : كأنه الأسدى أو كانه الأرقم, فجاء بحرف التشبيه » وهو «١ كأن» وبلفظ «ماء التى كانت سؤالاء فأجيب عنها بكأن, فذكر السبب والمسّب جمعا: فيكت أنا الفضل العروضي يقول: ما » وإن لم يكن للتشبيه. فإنه يقال: ما هو إلا الأسدء فيكون أبلغ من قولهم: كأنه الأسد. يقول المتنبي: لا تقل لي ما هو إلا كذا أو كأنه كذاء لأنه ليس فوقي أحد ولا مثلي أحدء فتشبهني به. . وهذا توك القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز حكاه عن أبي الطيب » فيقول: ١ ما » يأتي لتحقيق التشبيه.... الخ... ؛ ول وربما أدى به التفسير والتحليل؛ الى نوع من النقد. يستند الى مفاضلة بين قول وقول ورأي على رأي. كأن يقول في تعليقه على مديح المتنبي لأبي المنتصر . شجاع بن محمد الأزدي» الى اجاح اخ شاه قد رك تكاس و... والأمرٌ فى غراب البين أشهر من أن يفسّر بما فسَّرهُ به. وقد انتقل ابو (4) شرح الواحدي ص 5١ . وبيت المتنبي, من أبيات له قالها في صباه. ومطلعها : محبّى قيامي ما لذا لكم النصلٍ بريًا من الجرحى سليمًا من القتلٍ >30
عدد الصفحات ٣٥الطيب من النسيب. الوعظ , وذكر الموت, ومثئل هذا بُمْنَحسَن في المرائي لا في المدائح .0 وبالنسبة الى المفاضلة والمقارنة نذكر عَرْضه لأربعة شواهد شعرية» شبيهة بما ذكره ابو الطيب. في قوله: فتاةٌ تساوّى عقدها وكلامّها 0 مِمَبْسمُها الدرّي في الحُسْن والنظم فإذا به يلحظ التشابه والتساوي . من جهة, والنقص والزيادة على قول المتنبى- من جهة أخرى 7) ؟ - الشرح الوافي الذي لا يكاد يسمح بأي لبس أو غموض, حتى في الأبيات التي حمّلها الشاعر فوق طاقتها أو خامرها التعقيد. وهي كثيرة في ديوانه. فانظر الى أبي الحسن كيف تناهى في شرحه لهذا البيت : يُباعذن حيًا يَجتمعن ووصلّة فكيف بحب يجتمعن وصذدة يُباعدن » معناه: يبعٌدن. 2 وصده» معطوفان على الضمير فى ١ يجتمعن ). من غير أن يأتي بتوكيد, وهو جائز في الضرورة. وجعل «الأيام» -في البيت الأول: ١ أودٌ من الأيام...؛- تجتمع مع الوصل والصد لأنهما يكونان فيهاء والثرف يتضمّن الفعل, واذا تضمنه فقد لابسه. فكأنه 0 معه. يقول: اذا كانت الأيام يبعدن منا الحبيب المواصل لنا ؛ فكيف يقر بن الحبيب المقاطع المهاجر لنا ؟ والمعنى أن الأيام يبعدن عنا حبينًا » ووهكه كك 1 ف الطمع في حبيب موجود ؟ 0" . (60) نفسهء. 9؟. ومطلع القصيدة : « أرق على أرق | ومثلي يأرق. (3) انظر شرحه للبيت الرابع من قصيدته التي بمدح بها 5 بن اسحق التنوخي , ومطلعها : « ملامٌ النوى في ظُلْمها غاية الظلم ..» ( الواحدي .)١59-١58 )1٠( شرح الواحدي ص .151١-714٠ وشرح الواحدي. كله. ينحو _بعامة هذا المنحى التوضيحي , ولا سبيل الى الاكثار من الشواهد .. نا
عدد الصفحات ٣٦فقد عمد الى الشرح اللفظي الأولي. وازالة اللبس. ثم شرح البيت مرتين متواليتين , زيادة في التوضيح والابانة.. + - عدم تعمقه في الشروح التي تتطلب أبعادًا حكمية أو فلسفية... والوقورف موققفًا ٠ محايدًا» أمام الأشعار الوجدانية والفخرية المطئّمة بنفحات حكمية. وهو ما رأيناه إزاء كلام الشاعر عن نفسه في الاإباء والوفاء والانتصار للقيم. وقد اكتفى الواحدي بالشرح العابرء السريع لأبيات تسمح له بالتعليل والغرص إلى خبايا النفس الانسانية وما يعتريها من مشاعر خيلاء وتعال من قبل دري الطموح الكمبير والاعتداد الشديد ؛ فلما أنَخا ركَزنا الرما حَ فوق مكارمنا والعلى «يقول: لما نزلنا الكوفة, وأنخنا ركابنا وركزنا الرماح كعادة من يترك السفرء كانت رماحنا مركوزة فوق مكارمنا وعّلاناء لما فعلّنا من فراق الأسْوّد, وقتال من قاتلنا في الطريق , وظفرنا بمن عادانا » وكل هذا مما يدل على المكارم والعلى . وظهرت مكارمنا بما فعلنا وكأنا نزلنا على المكارم والعلى. وبثنا نقثل أسياقنا ولمسكحها من دماء العدى نقيّلها لأنها أخرجتنا من بين الأعداء وَنجَنّنا من المهالك . لتعلم مصرٌ ومّن بالعراق2 مِمَنْ بالعواصم أنَّي الفتى المعنى : لتعلم أهل مصر. فحذف المضاف . وأني وفيت وأني ايت وأني عَتَوْتَ على من عَنَا وفيت لسيف الدولة إذا رجعت إليه وأبيت ضيمَ كافورء ولم أَذِلَ لمن عصاني. . ولا بد للقلب من آلة ورأي يُصدّع صم الصّفا يقول: آلة القلب: العقل والرأي وما فيه من السجايا الكريمة. وقوله: « يصع يذنا
عدد الصفحات ٣٧صم الصفا » أي يشق الحجارة الصلبة وينفذ إليها ..» الخ.. 8) على هذا المنوال يجري شرح الواحدي لهذه القصيدة الفخرية الحكمية. فلم نره توقف عند واحدة من الحكم والخواطر النفسية الشجاعة, أو فتح الكوى التي تقع خلف الكلمات . والموقف نفسه. نجده في كثير من الأبيات الشبيهة, كشرحه الهامشي لأبيات فى وصف الخيل وجمالها المادي والمعنوي الأخَاذْ, بحيث لم يتخط المفردات الى ما وراءها من ظلال الحركة والسكون والانسياب الخفى: «وجُرْدًا مَدَدْنا بين آذائها القنا فبتن حَفافًا يتبِعْن العواليا «أي وخيلًا « جردا مددنا» الرماح بين آذانهاء فباتت تَنتَبِعٌ عوالي الرماح في سيرهاء كما قالت الخنساء : زلا أن رايت يدن نك "لساري بالسدرد كن س0 وكذلك فعْلّه مع البيت الحكمي المأثور : وكل امرىء يُولي الجميل مُحبَّبْ وكل مكان ينبت العِزّ طيبُ «يريد أنه يوليه الجميل فهو يحبه. وأنه يُعزه» وطاب مكانه عنده كما قال البحثري : وأحبٌ آفاق البلاد الى الققفى ارضص ينال بها كريم المطلب١) (4) الواحدي: 7١5-1٠١١ ومطلع القصيدة. في هجو كافور: وألا كل ماشية الخيزلى..» (9) الواحدي: 516. من قصيدة يمدح فيها كافورًا. ومطلعها: « كفى بك داء أن ترى الموت شافيا .١ : الواحدي: 37714. من قصيدة في مدح سيف الدولة. ومطلعها )٠١( .: «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب كنا
عدد الصفحات ٣٨هابك الليل والنهارٌ فلو تن -هاهما لم تَجّرْ بك الأيام «يقول: الدهر يهابك. فلو نهيتة عن المرور بك, لم يمرّ. اي لو أمرت الدهر أن يقف. لوقف6١. هكذاء من غير تقويم أو كلمة إعجاب أو تأمل. كما فعل مع أبيات كثيرة» مدحية وغير مدحية من نوع آخرء مما سيمر معنا.. لكنه. فيما يتعلق بالأبعاد الداخلية لطموح الشاعر. يسترسل في شرح وجوه المعنى المختلفة وإن كان ذلك متفاوتًا من بيت لآخر أو من قصيدة إلى ثانية. ونمثل على ذلك . ببيت المتنبي التالي . وفيه يبلغ ذروة الفخر والاعتداد بالنفس : أريد من زمني ذا أن يبَلُغني “ليس دلق من تفش الزمدن قال الواحدي: «يقول: أطلبُ من الزمان استقامة الأحوال. والزمان للا يبلغ مه 0 هذا من نفسهء لأنه ربيع وصيف وشتاء وخريف. ويجوز أن المعنى: أن همَته أعلى من أن يكون في ومْع الزمان البلوغ إليهاء وهو يتمنى على الزمان أن يُبلَعَهُ ما في همته. ويجوز أن يريد أنه يطالب الزمان بأن يُخْلَيّه من الأضداد . والزمان ليس يبلغ هذا من نفسه, فإن الليل والنهار كالمتضادّين؛ ويجوز أن يريد إني أقترح على الزمان الاستبقاء, وهو لم ينل في نفسه البقاء» فيكون قد ألم بقول البحتري: تناب النائبات اذا تّناهفت ويَدْمٌرٌ في تصرّفه الدمارم9) واذا كان قد استعان بالشعر لشرح هذا البيت. فإنه قد استعان به مرارًا وتكرارًاء سواء في شرح المعاني الذاتية الطّموح في شعر المتنبي, أم في غيرهاء حتى بات الشعر. ركنا أساسًا في شرح ديوان المتنبي. ونظرة الى فهرس الشواهد )1١( الواحدي: .50٠١ من قصيدة في مدح أبي الحسن علي بن احمد المري الخراساني (ص 6؛؟). (؟١) شرح الواحدي ص77 . ومطلع القصيدة: ٠ بم التعلل لا أهل ولا وطن..» ١
عدد الصفحات ٣٩الشعرية في شرح الواحدي تكشف الثروة الكبيرة التي تزود بها هذا الأخير في تحقيق شرحه, وقد أحصينا عدد الشواهد التى أتى بها فى شرحه. فإذا بها قاربت الألف بيت. بينما بلغ عدد الشواهد في شرح العكبري (التبيان) حوالى ألفين وخمسمائة شاهد شعري . أي ما يقارب نصف شعر المتنبى... - قدرته على التمييز البلييغ بين المعاني الجديدة المبتكرة, والتقليدية.. كالذي قاله في بضعة أبيات لأبي الطيب في مدح كافور تنتهي بقوله : نو الفلك الدوار القفيك ,نكتة ٠ . لفرقة شية عن الدوران فقال الواحدي: «يقول: لو أبغضت دوران الفلك لحدث شيء يمنعه عن الدوران, وهذه أبيات ليس في معناها مثلّ لها . ) 9) وفي المقابل. لا يتوانى الواحدي عن رد كلام الشاعر ووضعه في الميزان . اذا رأى أن الكلام لا يؤدذي معنى 5 وظيفة.. كما جاء في شرح البيت )٠١( من القصيدة الميمية التي مدح فيها أبا الحسن علي بن أحمد المري الخراساني: ليلها صْبّحُها مِن النار والإصطا باحٌ ليل من الدخان تمام قال الواحدي: وقوله « تمام» أتى به لإتمام القافية فقط. وتم المعنى دونه. ومعناه : « تام في الطول » !؛') ه - محاولته الاحاطة بالروايات المختلفة التي تناولت الشرح. ممع التدقيى والنقد. كفعله مع روايتين. إحداهما لعلسي بن حمزة (توااه/ 460و م( والثانية لابن جني .2 في شرح كلمة في بيت المتنبي , التالي : تصرّفه للطعن فوق حَوادر 2 قد الْقَصّفَت فيهنَ منه كعاب . 177 نفسه ص 770 , من قصيدة مطلعها : و عدوّك مذمومٌ بكل لسان» ص )١١( نفسه ص58؟. )١:(
عدد الصفحات ٤٠قال الواحدي: « ورَوَى علي بن حمزة «١: خوادر » [بالخاء المعجمة] أي كأنها أصابها الخَدّرء لما لحقها من التعب والجراحات. وروى ابن جني: حواذر» [ بالذال] وقال: يعني خيلا تحذرٌ الطعن, لأنها معوّدة. وهذه الرواية ضعيفة, لأنه قال فى باقى البيت. « قد انقصفت فيهن منه كعاب ». فكيف يصفها بالحذر وقد أخبر بانكسار الرماح فيها ؟.. »0 وقد لا يكتفى بذلك. بل يعمد إلى التخطىء والاستغباء . اذا وجد رأيا خاطتًا أو رفض منطق الشارح؛ مثالنا لذلك. موقفه من القاضي الجرجاني, وه وأحد النقاد القدامى المترنيق المشهود لهم بالعلم والموضوعية؛ وذلك في شرح البيت التالى : من اقتضى بسِرّى الهندي حاجتّةٌُ أجاب كل سؤال عن هل بكم قال الواحدي: قال القاضي ابو الحسن ابن عبد العزيز: كان الواجب أن يقول: «عن هل بلا» لأن الطالب بغير السيف يقول: هل تتبرّعٌ لي بهذا المال؟ فيقول المسؤول: لا فأقام «لم' مقام ولا لأنهما حرفان للنفي . وهذا ظَلْم منه للمتنبي , قل فَيْمِ من القاضي... والذي أراده أبو الطيب أن الناس يسألونه: هل أدركت حاجتك ؟ هل وصلت الى بغيتك ؟ فيجيب, ويقول في الجواب: لم أدرك » ولم أبلغ ؛ لم أظفر . ولم أصل 7" . : الواحدي: ص 587» ومطلع القصيدة. يمدح كافورً )1١6( مُنى كن لي أن البياض خضاب». ٠ )١1( نفسه ص .لاء من قصيدة في رثاء فاتك: وحتى مْ نحن نساري النجم في الظلم ؛. راجع تصويب الواحدي لابن جني ولابن فورجة وموقفه الرافض لشرحيهما معًا ص 5١7” بيت رقم (4 ) ومثله وبرفض أعنف- ص 064١ بيت رقم (50). 1١
عدد الصفحات ٤١5 موقف الواحدي. من ابن جني ١ وكذلك معظم الشراح الأخرين , هو موقف الناقد المتعقّب, المتسم عموما باللارضى وعدم القبول. ولنا في ذلك مواضع كثيرة جدّاء لا يمكن إحصاؤها لسبب هامء هو أن ابن جني بمثابة المصدر الرئيس لجميع الشروح التي توالت على ديوان المتنبي , ولأن ابن جني كان بصحبة الشاعر يتلقى منه الملاحظات والمراجعات حول هذا البيت وذاك أو هذه الكلمة وتلك. وكأنهم بذلك يريدون إثبات ذاتهم وشخصياتهم في كفاءاتهم وقدراتهم على الفهم والشرح , كل من زاويته. ولم يخرج الواحدي عن هذا الاطار. فإذا يه ينطلق . في شروحه. من مصدرين بارزين هما ابن جني. وأبو الفضل العروضي أستاذ الواحدي الذي كان يملى شروحه ومعارفه إملاء فينسخها الواحدي مباشرة. وقد أشار هو إلى ذلك مرارًا وتكرارًا.. ويتلخص موقف الواحدي من ابن جني. في أن هذا الأخير لم يدرك المعاني الحقيقية لشعر المتنبي , أو بالأحرى, لم يوّفق في نقل مدركاته, وبالتالي لم يكن له المقام الذي يستحقه كمصدر أساسى ورئيس لفهم شاعر كبير كالمتنبي . وقد لا نهتدي الى حصر لمواضع الخلاف التي صادفها ابن جني مع هذا الشارح أو ذاك؛ ولكننا نكتفى ببعض الأمثلة التى تظهر رفض الواحدي لشروحه وآرائه؛ قال المتنبي من قصيدة بمدح مساور بن محمد الرومي: وقَشْتْ سرائرنا إليك وشَفّنا2 تعريضنا فبدا لك التصريمٌ قال الواحدي: «ذكر ابن جني في هذا البيت أوجهًا فاسدة. ثم قال أقوى هذه الوجوه: لما جَهدنا التعريض استروخنا الى التصريح, فانهتك الستر. ولم يقف على حقيقة المعنى. وهو أنه يقول: كتماننًا هَرَلَناء فصار الهزال صريح المقال. يعني انه استدل بالهزال على ما في القلب من الحب فقام ذلك مقام التصريح» 9" . )١1( الواحدي ص 8 ٠١ . ومطلع القصيدة: « جَللًا كما بي فليك التبريح ». 3
عدد الصفحات ٤٢غيرٌ خافية قدرةٌ الواحدي على استكناه المعنى وحسن الاستيعاب» مما لم نستشعره لدى ابن جني . ويقول المتنبي » في القصيدة نفسها : هذا الذي خلت القرون وذكره ويشيرية في كتبها مشروح شرح الواحدي هذا البيت فقال: «لم يعرف ابن جني البيت فلم يفسّرهء وفسّره ابن دوست بخلاف الصواب», فقال إن الله تعالى بَشر به فى كتب الماضين, وهذا كذب صريح لأن الله لا ببشر بغير نبي . أُوَلمُ يسمع قول أبي الطيب: ل دادر يتوالة انها ين بر ونيا رسن ا وفي شرح البيت التالي : اذا بيَتَ الأعداة كان استماعئهم صرير العوالي قبل قَمْقعة اللّجْم قال الواحدي , وبلهجة أقوى. واستخفاف صريح: قال ابن جني : أي يبادر الى أخذ الرمح فإن لحق إسراج فرسه فذاك ول ركبّه عريانا. وهذا هَدَيانَ المُبَرْسَم والنائم » وكلامٌ من لم يعرف المعنى... 9 واذا كان الواحدي قد أخذ على أبي الفتح أخطاءً وأوهامًا في الشرح. فإنه وافقه فى كثير من المواضع وان كانت جزئية » وبصورة ليا تؤكد رضاه عيه )١14( نفسه ص .١١١ (19) من قصيدة في مدح الحسين بن اسحق التنوخي . الواحدي ص ١١8 و١؟١ وللمزيد من الاطلاع يمكن الرجوع الى القصيدة البائية ٠ بأبي الشموس» البيت رقم (1) ص ١77 وإلى القصيدة اللامية وصلة الهجر ..» البيت )١1( ص189١.ء والى القصيدة اللامية الا الحلم جاد..» البيت رقم (؟) ص7١4 ». والقصيدة اللامية أيضًا: «لا خيل عندك..؛ البيت رقم )١+( ص5١7ء كذلك ص 70١ البيت ١14 وص 17٠١ البيت رقم ؟ وص 001١ البيت ١١ وص 8//ا بيت 7١ وغيرها. 1
عدد الصفحات ٤٣كليًا» نذكر على سبيل المثال. شرحه للبيت التالى : قال الواحدي: واي لم تدر كهاء' ولم تتميّنها . فان الفم لا يسمع )2 اي لم يُفدّك السماع فَهُما فصرت كأنك لم تسمع . وقال ابن جني: أي نمت على الانشاد, فكأن ما سمعت منها بأَذْنكَ مُرْقِد شَربْتَة بفيك . وهذا هو القول.7©. مما يؤكد الرابط العلمي الموضوعي بين الواحدي وابن جني. وأنَ ما هو صواب في نظر الواحدي» فورّجة البروجردي (المتوفى 6ع ه/ 77١٠1م) وابو الفضل العروضي( المتوفى بعد سنة 4١7 ه/ ٠١50 م) فقد قَسَوَا على ابن جني وسخرا من شروحهء على الأقل. من خلال نقل أبي الحسن الواحدي لتعليقاتهما وردودهما التى ضمِّها شُرْحه الذي نحن بصدده... وهذه طائفة من مواقفهما نوردها على سبيل التوضيح.. ونبدأ بمواقف الرفض الموضوعي . قال الواحدي في شرح البيت الثالث, من قصيدة يمدح فيها ابن العميد , ويهنثه بالنيروز : يني عنك آخر اليوم منةٌ | ناظرٌ أنت طَرفه ورقادة قال ابن جني : اي اذا انصرف عنك هذا اليوم» خلّف طرفه عندك ورقاده. فبقي بلا لحظ ولا نوم. الى أن يعود إليك. قال العروضي: هذا هجاء قبيح للممدوح إن أخذنا يقول أبي الفتح . لأنه يراه وينصرف عنه أعمى عديم النوم . )٠١( الواحدي ص87. انظر قصيدة « ملام النوى..؛ ص ١١51 بيت رقم .2٠١ والنظر قصيدته في مدح ابي العشائر الحمداني: «أتراها لكثرة العشاق ؛ البيت 56 ص 705 وغيرها . وفيها موقف الواحدي . الرافض لرأي أستاذه العروضي ء وموافَقَةُ ابن جني في رأيه: ص 765١ بيت .. ( راجع كلام الواحدي أعلاه) وانظر ترجيح رأي ابن جني على رأي ابن فورّجة. ص 88 البيت 57 . ءءء
عدد الصفحات ٤٤ومعناه أنه يقول لما رآك استفاد منه النظرٌ والرقاد. وهما اللذان يستطيبهما العَيْنء إليه , 0" , «رَوَى ابن جني الذي يُرى » بضم الياء . وقال: أي نحن كل يوم في سرورء لأن الصباح كل يوم . يُرَى . يريد اتصال سرورهم. قال أبو الفضل العروضي: ليس كما ذهب إليه. وانما يريد أن يخص صباح نيروز بالفضل ..» ونمضي ايضا لشرح البيت السادس : ما لبسشْنا فيه الأكاليل حتى لبستها تلاعُهةُ ووهاذة قال ابو الفتح: يريد أن الصحراء قد تكامل زهرهاء فجعله كالأكاليل عليها. قال العروضي كيف يصمح ما قال, وابو الطيب يقول: وما لبسنا فيه الأكاليل» ولم يقل: ما لبست الصحراء أو ما يشبه؟.9"). ومن المواقف الني تجاوزت الرفض أو الخلاف الموضوعيين؛ الى شيء من الهزء والاستخفاف. ذاك الذي أنكر فيه ابو الفضل شرح ابن جني لبيت المتنبي )١17( من القصيدة الدالية السابقة : وتقلّدت شامةً فى داه جلدها مِنْفِسَاتَها رعتاذة «... قال ابن جني : يعني أنه يلوح فيما أعطاه كما تلوح الشامةٌ في الجسد لحّدْنهِ ونَقّاسته... وقال ابو الفضل العروضي. منكرًا على أبي الفتح: ألم يجد أبو الفتح مما يَحْسّن في الجلد شيئًا فوق الشامة كالعين الحسناء 9.. 9" . (١؟) شرح الواحدي». 7475-154١ (البيت 7). (؟؟) نفسه. ص 15. وفى ص ١79ء بيت 49 - خلاف موضوعى مشابه . (*؟) نفسه ص 756. 16
عدد الصفحات ٤٥ونقل الواحدي, شرح ابن جني للبيت التالي ١18( ) من القصيدة نفسها : فرستنا سوابق كن فيه فارقت للِدَة وفيها طسراذة .. قال ابن جني : :اي قد صرت معه كأحد مَنْ في جملته؛ فإذا سار الى موضع» سرت معه وطاردت بين يديه, فكأنه هو المطارَدٌ عليها لال العر وي هذا كلام مّن لم ينتبه بعد من نوم الغفلة. انما يقول: فارقت هذه الخيل لبدَهُ وفيها تاديبه وتقويمه ». ويعلق الواحدي على ذلك : ١ هذا على ما قال. وما ذكره ابن جني هَوَسّ وسوداء مَلُموم ليس في البيت منه شيء 9" . وجاء فى شرح الواحدي., للقصيدة اللامية. في مدح أبي شجاع عضد الدولة فتاخسروء البيت (88): عطسي سَلاحَهُم وراحَهم ما لم يكن لتَنالَهُ المقل «... قال ابن جني : قولهُ: « وراحَهُم؛ جفا في اللفظ على المخاطب. ونَيْل منه قال ابن فورّجة: أي جفاءٍ في هذا ؟ رحم الله من عرّفنا ذلك .. 29" . ولعل الموضع الأكثر استخفافًا وإشفاقًا في آن. رد أبي الفضل العروضي على شرح ابن جني للبيت )١7( من القصيدة الدالية , في وداع ابن العميد عند مسيره الى بلاد فارس سنة 015" ه: إذا ما استجيبن الماء يَعْرِضَ نفْسَهٌ كَرِعْنَ بِسِبْت في إناء من الوردٍ «رَوَى ابن جني: «اذا ما استَحين الماء » وفَسَّرَ أن الابل استّخيت الما لكثرة عَرّض نفسه عليها... ومعنى البيت على روايته وتفسيره: أنه يصف كثرة مياه الأمطار فى طريقه. وأنه أينما ذهب رأى الماة. فكأنه يَعرض نفسّه على (14؟) نفسه ص 16!-57. (6؟) شرح الواحدي ص 779 , وهناك مواقف مشابهة راجعها في ص87/ البيت (8؟) والصفحة الأخيرة من شرح الواحدي ص 807-8١5 » البيت الأخير من القصيدة الكافية في وداع عضد الدولة. لح
عدد الصفحات ٤٦الابل, والابل تَستَحِْي من ود الماء إذا كثُرَ عَرْضه نفسّه عليهاء فتكرع فيه بمشافر كأنها السبت... قال ابو الفضل العروضي: ما أصنع برجل ادعى أنه قرأ الديوان على المتنبي , ثم يروي هذه الرواية, ويفسر هذا التفسير ؟..,7) وهذا لا يعني أن دور ابن جني ملغى لدى الشراح . أو أنهم أهملوا جائيه . . فقد رأينا ابا الفضل العروضي ننفسه يؤيد كليّاء رأي ابن جني في شرحه للبيت (0") من القصيدة الرائية في مدح علي بن أحمد بن عامر الانطاكي : لساني وعيني والفؤادُ وهمّتني أُوَْدُ اللواتتني ذا أَسْمُها منك والشطر و قال ابن جني : يقول لساني وعيني وفؤادي وهمتي تود لسانك وعينك وفؤادك وهمتك ولشدة محبتي لك كأنك شقيقي. سمعت العروضي يقول: قد أكثر الناس في هذا البيت , والذي حكاه ابو الفتح أجود ما قالوه..» 9" . وقد يتبادر الى الذهن ان ابا الحسن الواحدي. قد تأثر بأستاذه أبي الفضل . في تغليط أبي الفتح؛ والحقيقة أن الواحدي كرّم استاذه وحفظ له الجميل» عندما كان يسند ما يقوله. من حين لآخرء الى أمالي أبي الفضل. التي كان ابو الحسن يتلقاها بنفسه.. ومع ذلك فهو لا يتردد في نصرة الصواب الذي يراه. كفعله. موازنا بين شرحَيْ ابي الفتح وأبي الفضل » للبيت الأول من القصيدة الدالية في مدح سيف الدولة: فارقتكُمْ فإذا ما كان عندكم2 قبل الفراق أذئ بعد الفراق يد قال الواحدي, بَعْد العرض الأمين لكلا الشرحين, « ..وقول ابن جني أظهرٌ من قول العروضي 2٠0 . وهذا هو الخط العام لمواقف الواحدي., لا يتخذ رأيًا (1؟) راجع الشرح اتمذكورء ص705-1707. وفيه يوافق الواحديّ رأي ابن جني دون أن يخطىء العروضى . (/07؟) الواحدي, ص 5 ؟ - 540 . (4؟) نفسه. ص05٠5. ف
عدد الصفحات ٤٧عن هوى. أو تسرّع أو مراعاة... فالذي غلّط ابن جني . يغلّط الآخرين كلما اقتضى ذلك. وها هو يغلّط ابن جنى وابن فورجة على السّواء ؛ قال المتنبي . يمدح القاضي أحمد الانطاكي: لو لم يَهَبْ لَجَبَّ الوفود حَوالَهُ لسرى إليه قطا الفلاة الناهل «يقول: لو لم يَخفٍ القطا أصوات الوفود ببابه. لَسَرى إليه ليشرب منه. قاله ابن جني . وقال ابن فورجة, يعني أن القطا يراه ماء مهيئا فَيَهُمّ بوروده. وتشفق من لَجَب وفوده, على عادة الطير. هذا كلامه. وا لمعنو أنه لعموم نفعه تهم الطير بالورود عليه. لتنقع غلّتهاء ليس أنه ما يُشْرَبُ منه أو تراه الطير ماءًع كما ذكر الشيخان و9" , وقد وقف الموقف نفسه تقريبًا. عندما رفض شرح ابن جني للبيت (5) من القصيدة اللامية فى مدح سيف الدولة عند مسيره الى اخيه ناصر الدولة. ووافق جزئيًا على شرح ابن فورّجة رافضا في الوقت نفسه شرحه للمصراع الثاني من البيت المذكور 7" . وربما كان نقده الآني لابن فورجة أقسى ما قاله فيه. عندما أقدم هذا الأخير على شرح البيت ( 0" ) من القصيدة اللامية. في مدح سيف الدولة» وهو: نُدَبَرُ شرق الأرض والغرب كفَّهٌُ وليس لها وقًا عن الجود شاغل» قال الواحدي: لله وتهوس ابن فورجة في هذا البيت » فروى: « وليس لها وقت» -رفعًاء و« شاغلٌ» صفته. قال: وفيه معنى لطيف ليس يؤديه اللفظ اذا نُصب «الوقت »... وهذا الذي قاله [ابن فورجة] باطلّ محال لا يقوله غير جاهل . والوجه نصبٌ ١ وقنًا » لأنه ظرف ١ الشاغل » ( شرح الواحدي .)81١ (9؟) نفسه, ص 7318 البيت (١؟) انظر كذلك رفضه لشرحيهما البيت 1٠ من القصيدة اللامية ص 191 . والشيخان هما ابن جني وابن فورجة.. 0م نفسه. ص 5١" . 1/4
عدد الصفحات ٤٨وهكذا. بجرأة وموضوعية. نقل ابو الحسن, آراء الأخرين,. ودوّن شروحهم2 وتعامل معهم وفقًا للمقتضى الذي أملاه عليه شعر المتنبي ) والاطار العام الذي وضع نفسه فيه منذ اللحظة الأولى التى انتدب نفسه فيها شرح غامضه ولطيفه ومخترعه البديع. وقد « خفيت على أكثر من روى شعره من أكابر الفضلاء والأئمة العلماء , حتى الفحول منهم والنجباء كالقاضى أبى الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني . وأبي الفتح عثمان بن جني النحوي وأبي العلاء المعري, وأبي على بن فورّجة البروجردي ؛ رحمهم الله تعالى... 20 . شعر المتنبي ومعانيه. وقوم الالتواء وحقق الاستقامة لشروح الأخرين المضطربة. وَهَوساتهم ووساوسهم واذعاءاتهم , فلم «يُجمجم القول موريا في إرابة» كما قال في مقدمته.. إغناؤه للشرح بالشواهد الشعرية المختلفة, التي تدل على ذوق فني مرهف. وثقافة شعرية واسعة. ومن هذا القبيل, ما أورده في شرح البيت الثاني » من القصيدة (الهمزية) «أُمِنَ ازديارك في الدجى الرقبا..» ولا نجد ضرورة للتزيد , فهو كثير.. قلق المليحة وهي مِسْك هَنْكُها ومسيرها في الليل وهي ذُكاء فنراه يتحدث عن الجمال الخارجي , وأنواع العطور, والحلي؛ والابتسام.. وإن كانت كلها تر جع الى محورين: محور الاإشعاع الجمالي المضيء . . ومحور الرائحة الذكية الفائحة من ضروب المشمومات الجميلة . فقال: (1) شرح الواحدي., المقدمة» ص"» وهناك أسماء أخرى تعامل معها الواحدي؛ وكان له إزاءها مواقف رافضة وفي مقدمتها ابن دوست (ت 4١ ه ) الذي تعرض لأقسى الملاحظات النقدية التي ماقها الواحدي لشراح المتنبي. ولم نتوقف عنده لضيق المجال (أنظرء على سبيل المثال» تهزئته في شرح البيت ١١ من القصيدة الدالية» ص ٠١8 وص ١١٠١ وغيرها.. 1:
عدد الصفحات ٤٩