المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فوائد ندية من السور القرآنية

أديم

صفحة ٤ من ٦

الزخرف ٤٨- (وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٣٥﴾) كل رغباتك الدنيوية التي تتألم لرحيلها عنك أو لرحيلك عنها وتركض نحو المزيد منها، ليست سوى متاع لا يدوم، ولا يقاس به مقدار صلاحك أو محبة الله لك؛ فإن سقوف الفضة، ومعارج الترف، واتساع المساكن، ونعومة الفرش، وكثرة الأموال وكل زخرف الدنيا.. ليس سوى عرَض زائل هيّن محدود القيمة، وأما الجزاء الحق، والعطاء الحق، فمقياسه الآخرة.. والآخرة عند ربك للمتقين. ٥٨- (الأَْخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُتَّقِينَ ﴿٦ نعيش أقسى انكسارات الخذلان حين تنقلب محبة المقربين منا عداوة وقت الاحتياج، فما أشد معاناة أخلاء السوء بتخلي رفاقهم عنهم في أشد أوقات المرء احتياجا على الإطلاق! تخير خليلا لا يخذلك يوم النشور، تحرَّ في أصفيائك التقوى. الدخان ٦٨- (وَما خَلَقنَا السَّماءَ وَالأَرضَ وَما بَينَهُما لعِبينَ ﴿١٦﴾) تذكر دوما أن وجودك ووجود الأشياء من حولك لم يكن عبثا، وأن تصاريف الأمور من حولك ليست خبط عشواء، وأن كل شيء صائر إلى الوعد الحق كما وجد بالحق أول مرة.. فاختر لنفسك ما تريد، فإن يوم الحق آت. 48

عدد الصفحات ٥٠

الجاثية 7 الجزاء من جنس العمل، وليس لأحد عند الله ضمان للنجاة بغير ما قدّم، فمن رام حسن الجزاء فليحسن العمل، ومن نسي الجزاء فترك العمل الصالح، تُرك في العذاب غير مقبول نداؤه، ولا مسموعة دعواته.. فاللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، لا تجعلنا ممن نسوا يوم اللقاء! الأحقاف ٨٨- (... وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴿١١﴾) بعض أهل الكبر يجعلون أنفسهم معيارا للحق، ويعتقدون أنهم النموذج المثالي للصلاح، فمن خالفهم رموه بالكذب والباطل زورا، ومن سبقهم في خير أثاروا اللغط حول مسعاه. 9 من شيم أهل الكفر أنهم يسيئون الفعل ولا يخشون العذاب، أما المؤمن فإنه يحاسب نفسه ويخشى عاقبة ذنوبه ولا يأمن مكر الله. 49

عدد الصفحات ٥١

محمد ٠ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴿ من يكرهون أمر الله وحكمه وشرعته فهم للتعاسة أهل.. وما لهم لا يتعسون وهم يكرهون الهدى، والبشرى، والرحمة، والنور؟ والله ما بقي لمن كره ما أنزل الله من السعادة إلا ما تخدع به الدنيا أهلها ثم توردهم مهاوي الندم! اللهم املأ قلوبنا حبا لما أنزلت من الهدى والنور. ١ نقل الطبري رحمه الله في تفسيره: عن خالد بن معدان قال: ما من آدميٍّ إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه وما وعد الله من الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله به غير ذلك طمس عليهما، فذلك قوله (أم على قلوب أقفالها). اهـ ويقول القرطبي رحمه الله: “وقال: على قلوب لأنه لو قال على قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة. كانوا بهذه الصفة أقفالهاوالمراد أم على قلوب هؤلاء وقلوب من قلتُ: فنعوذ بالله من هذه الصفة.. من تيه فقدان الفقه، ومن ظلمة حرمان التدبر، ونسأله سبحانه أن يفتح لنا قلوبا أوصدها شر ما فعلت فيغيثها ببركة القرآن. الفتح ٢ علامة فساد المرء وعنوان هلاكه هو أن يظن بالله ظن السوء.. فلما ظن المنافقون أن الله لن ينصر دينه وأن المؤمنين مغلوبون، أوقعهم ذلك في ذنب عظيم وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم راحوا يكذبون لتبرير ما فعلوا، فجعل الله كشف حقيقة فعلهم قرآنا يُتلى لبيان غشهم وخداعهم، وما رأس ذلك كله إلا أنهم ظنوا بالله ورسوله والمؤمنين ظن السوء. 50

عدد الصفحات ٥٢

الحجرات ٣ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ... ﴿١١﴾) قال القرطبي رحمه الله: “وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا له، والاستهزاء بمن عظمه ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره ال الله... وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وهذا حديث عظيم يترتب عليه ألا يقطع بعيب أحد لما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال. ولعل من رأينا عليه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه. فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية. ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة. بل تحتقر وتذم تلك الحالة السيئة، لا تلك الذات المسيئة. فتدبر هذا، فإنه نظر دقيق، وبالله التوفيق قلتُ: فتأمل قوله رحمه الجملة توسط بين طرفين منتشرين في هذا العصر، أحدهما: يرى أن الأعمال الظاهرة لا اعتبار لها ولا بها، وهؤلاء ينزلون من ظاهره الإحسان والعدالة منزلة من ظاهره الإساءة والفسوق، وربما رفعوا أهل الإساءة على أهل العدل بدعوى أنهم (قد) يكون باطنهم الإحسان. والآخر: يشدد في الحكم بالظاهر فيجزم بصلاح فلان وفساد فلان، وربما يصل الأمر ببعضهم أن يجزم بمصائرهم في الآخرة، كما يقولون (فلان لا يرد الجنة).. وليس هذا ولا ذاك بمقصود الآية.. وإنما المقصود عدم الغلو فيمن ظاهره الإحسان حتى يُجزَم بعدم وقوع السوء منه، وعدم تحقير المسيء بحيث لا يُتصوَّر وقوع الخير منه، ويبقى ظاهر المرء أمارة ظنية في معاملته.. نسأل الله أن يصلح سرنا وعلانيتنا بما يرضيه عنا، والله أعلم. 51

عدد الصفحات ٥٣

ق ٤ أولئك الذين يحجبون عن الناس خيرا يقصدونه، أو حقا يستحقونه.. أولئك الذين يأكلون أموال الناس ويخوضون في أعراضهم ويجرعونهم مرارات الأذى والعدوان، هل سمعوا هذا الوعيد؟! ٥ تذكّر هذا التبرؤ كلما زين لك شيطانُك العصيان، تذكر حين يعدك أنه سيُخلفك، وحين يمنِّيك أنه سيخذلك، وحين يسوغ لك الأعذار أنه أول من سيثبت عليك الجريمة وينفي عنك العذر.. فاحذر! الذاريات ٦ لا تكتم أنفاس روحك بنظرتك الجامدة للمخلوقات من حولك.. ..دعها تمتطي بساط التأمل في فسحة الكون تتنسّم عَرف الجمال، وتفتح عيون الدهشة، وتضيء بنور الاعتبار، وتترقى في معارج اليقين، لتغمرك ببهاء التسبيح وجلاله. 52

عدد الصفحات ٥٤

الطور 97 تَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾) .. (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١ لا أحد أعظم فرحا من المجتهد الذي يتلقى الجائزة جراء فوزه، ولا أعظم حسرة من الكسول الذي يرى المجتهد وهو يتلقى الجائزة.. فكيف إذا كانت الجائزة الجنة؟ وكيف إذا كان الكسول مسيئا مضيِّعا معذبا؟ والله لو لم يكن عذابه إلا فوات النعيم لقتلته الحسرة، فكيف بمن عقابه نار يصلاها بسوء عمله! اللهم برحمتك نستغيث، نعوذ بك من العذابين يا أرحم الراحمين! النجم ٨ نحن لا نملك لأنفسنا شيئا في الحقيقة، نسعى ولا نعرف مقدار النتيجة، نحسب فيصفعنا الإخفاق، نحب ونفارق، نحاذر ولا نملك ضمانا بعدم الوقوع. لهذا دوما، نحتاج عون القادر، ولطف القيوم، وعناية المقيت، ورزق الغني، وتدبير العليم، وجبر الرفيق، وحمى الملك.. تبارك من له الآخرة والأولى. 53

عدد الصفحات ٥٥

القمر 99 مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴿٢٥﴾ يعلمنا القرآن أن الحق لا يلزم أن يقدمه أناس خارقون، فالنبي كان بشرا.. يعلمنا أن الحق لا يلازم الكثرة، فالنبي كان واحدا.. يعلمنا أن الحق لا يختص به وجهاء الناس وأغنيائهم، بل الله يصطفي له من يشاء من الصالحين. الرحمن ٠٠١- (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴿٢ كل شؤون هذا الكون واقعة تحت تدبير الله سبحانه، لا يغفل عنها لحظة ولا يشغله منها شأن عن شأن.. يسأله الناس جميعًا فلا تختلط عنده مسألة إنسان بآخر، ويسيرون إليه جميعًا فلا يحل عنده عمل أحدهم محل غيره.. سبحانه وبحمده! :يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية “يغني فقيرا، ويجبر كسيرا، ويعطي قوما، ويمنع آخرين، ويميت ويحيي، ويرفع ويخفض، لا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه إلحاح الملحين، ولا طول مسألة السائلين، فسبحان الكريم الوهاب، الذي عمت مواهبه أهل الأرض والسماوات، وعم لطفه جميع الخلق في كل الآنات واللحظات، وتعالى الذي لا يمنعه من الإعطاء معصية العاصين، ولا استغناء الفقراء الجاهلين به وبكرمه، وهذه الشئون التي أخبر أنه تعالى كل يوم هو في شأن، هي تقاديره وتدابيره التي قدرها ضاها، لا يزال تعالى يمضيها وينفذها في أوقاتها التي اقتضته حكمته، في الأزل وق وهي أحكامه الدينية التي هي الأمر والنهي، والقدرية التي يجريها على عباده مدة مقامهم في هذه الدار، حتى إذا تمت هذه الخليقة وأفناهم الله تعالى وأراد تعالى أن ينفذ فيهم أحكام الجزاء، ويريهم من عدله وفضله وكثرة إحسانه، ما به يعرفونه ويوحدونه، نقل المكلفين من دار الابتلاء والامتحان إلى دار الحيوان 54

عدد الصفحات ٥٦

الواقعة ١٠١- (وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً ﴿ في سورة الواقعة ننتقل من مشاهد الدنيا إلى مشاهد الآخرة، ومن هوان الدنيا إلى هول الآخرة ومن درجات الدنيا إلى درجات الآخرة، ومن جزاءات الدنيا إلى جزاءات الآخرة.. تشهد في هذه السورة رجة الأرض وتفتت الجبال، حتى تصير الأرض بلا مَعلم.. لا قصور، لا أبراج، لا تباهي بالأملاك والدور.. هناك ننقسم إلى فئات أخرى، فلا يقال هؤلاء الكبراء أو الرؤساء أو السياسيون.. هناك نكون فقط أزواجا ثلاثة، صفوتنا هم السابقون، من تفوقوا بالعمل لهذا المشهد.. والناجحون هم أصحاب اليمين، والفاشلون هم أصحاب الشمال.. في سورة الواقعة نتيقن بصدق هذا المشهد من ائتمان المخبر به وقدرته.. فهو الذي أنشأنا، من أصدق منه حين يخبرنا؟ ومن أقدر منه على الإنفاذ حين يبشرنا وينذرنا؟.. إن الذي بدأ الخلق قادر على أن يعيده، إنه يحيي كما يميت.. ينبت الزرع زادا. ينزل الماء عذبا.. ينشيء الوقود متاعا.. وهو قادر على أن يجعل الزاد حطاما والعذب أجاجا فلا تستقيم حياة لبشر.. فما أعظم الإعجاز في يوم الإنسان البسيط، في مأكله ومشربه ومتاعه! وما أعظم مبدع هذا كله، وما أعظم ما يقول.. سبحان ربنا العظيم! ذلك الرب العظيم يقسم قسَما عظيما.. يقسم الله العظيم لنا نحن الضعفاء العجزة، أن هذا الكلام حق منزل من عنده.. أبعد هذا البيان يجحده البشر؟.. يقابلون إحسان الخلق والرزق والتدبير والإعانة بتكذيب وعد الخالق الرازق؟ لا مفر إذًا من مجيء المشهد الأخير في عالَم الشهادة، والأول في عالَم الغيب.. المشهد الذي نعرفه ونجهله في آن واحد.. المشهد الذي تلتقي فيه نهاية التكذيب ببداية التصديق، ونهاية الغطرسة ببداية الافتقار.. مشهد خروج الروح، إن لم يكن طوعا فكرهًا.. إن ما كان في أول السورة خبرا يصبح في آخرها الآن معايَنة. حينها يرى كل امريء حقيقة مآله إما مع المقربين أو أصحاب اليمين أو المكذبين الضالين، فيا ترى من أي الأزواج الثلاثة سنكون؟! 55

عدد الصفحات ٥٧

الحديد ٢٠١- (... وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿٢٠﴾) حينما يغيب عنا معنى زوال الدنيا نقع في مأزق الحزن، ونتورط في سكرة الفخر.. فنيران الفقد التي تلهبك تنبع من اعتقاد صامت في لحظة ما بأن المفقود خالد، وزهوات الفخر التي تمسّك تسولها غفلة عن أنك وما تفخر به مرهونان بقانون الفناء.. شبابك فان.. جمالك فان.. عبقريتك صفحة سيطويها التاريخ.. ستموت في نهاية المطاف! أتأسف بعد ذلك على صديق هجرك؟ أو تزهو بعد ذلك بتابع يتمنى رضاك؟.. أنت هنا في مهمة كدٍّ تسعى فيها نحو رزقك المكتوب.. يهونها وليُّك بنسمات لطفه، ويبشرك فيها بأبعاض الجزاء.. لا تنس ذلك طول عمرك. المجادلة ٣٠١- (... فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّـهُ لَكُمْ ... ﴿١١﴾) يعلمنا الله أن تكاثر الخير يتحقق بمشاركته لا بمحاولة الاستئثار به. ذلك أن فسحة الخير أرحب من أن يستأثر بها إنسان واحد، وهي لا تضيق بكثرة قاصديها؛ لأن من يفسح للعباد هو الله، والله هو الواسع.. من يسع غناه مفاقر عباده. 56

عدد الصفحات ٥٨

الحشر ٤٠١- (... وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّـهِ فَأَتَاهُمُ اللَّـهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ... ﴿٢﴾) لا عمل للأسباب دون خالق الأسباب سبحانه، ولا شيء في الكون يجري إلا بأمره وتدبيره، فلا الحصون تمنع، ولا الجبال تعصم، ولا الذكاء ينفع، ولا المال يغني إلا بأمره. لذلك دوما.. من اعتمد على الأسباب من دون الله تجرع علقم الخذلان من !حيث لا يحتسب ٥٠١- (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلِْنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ ...﴿١٦﴾) بعض البشر معجونون بهذه الصفة الشيطانية الخسيسة، يغوونك ثم ينسحبون.. يورِّطونك ثم يتبرؤون.. يعدونك ثم يخلفون، ويوقعون بك ثم يشمتون. احذر رفاق السوء! 57

عدد الصفحات ٥٩

الممتحنة ٦٠١- (... تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ... ﴿١﴾) حينما تتعلق القضية بأوامر الله سبحانه، لا تفكر في أي محاولة للخداع؛ لأن الرقيب عليك يستوي عنده علم الظاهر والباطن.. لا تخفى عليه خواطرك، ولن تخدعه مراوغاتك السرِّية. 7 ..بوصلة الولاء وامتحان الإيمان تسمى سورة الممتحنة، بكسر الحاء وفتحها.. فهي إيمان كل منا، وهي بنت عقبة بن أبي معيط. في سورة الممتحنة، نتعلم أن الولاء لله سبحانه وتعالى فوق كل ولاء، وأن أعداءنا هم أعداء دينه. ونتربى على أن لا ود لمن يحارب دين الله ولا موالاة لأعدائه، في السر والعلانية على السواء. “لا تتولوا ففي بداية السورة قوما غضب الله عليهم”.. وبينهما ضبط لبوصلة هذا الأصل العظيم في الدين، أصل الولاء والبراء. حيث ندرك من خلال عظات الله المحكمة وأوامره المعظمة أن مودة الكافرين لن تنفعنا، فهم يعدّوننا أعداء لهم ويتمنون أن نكفر بالله.. كما أن هذه المودة -ولو كان الذين نطلب ودهم من الكفار أقاربنا أو أبناءنا- لن تنفعنا يوم القيامة، فعلام نخالف أمر الله؟ ولما كان هذا أصلا في عقيدتنا وتجريد توحيدنا، أخبرنا الله سبحانه بمثال تطبيقي عنه لنتأسى به، ذلك الذي يتمثل في سيدِنا إبراهيم عليه السلام ومن آمنوا معه، حينما أعلنوا لقومهم ولاءهم لله وبراءهم من الكفر به.. متوكلين على الله ومنيبين إليه. لكن هذا التبرؤ الشرعي ليس همجية رعناء.. يخبرنا الله أن البراءة من أعداءه يحكمها قانون ينهدم فا 58

عدد الصفحات ٦٠

وهكذا ينبغي لكل منا أن يمتحن إيمانه حين يستحسن موالاة أعداء ربه، أو يبحث لذلك عن تبريرات واهية. فالإيمان ليس مجرد ادعاء تردده ألسن غافلة عن حقيقته ومقتضاه.. الإيمان تبريز يجلّيه الامتحان، فمن يرجو الله واليوم الآخر سيقدم برهان صدقه الامتحان.. فتاة قرشية لا زوج لها، تخرج في صحراء قاحلة وحدها لتهاجر إلى الله ورسوله.. حتى إذا وصلت بعد ثمان ليال من السفر، وجدت أخويها قد تبعاها ليعيداها إلى الكفار بحسب شرط صلح الحديبية.. فماذا قالت تلك التي لم توالِ إلا ربها ولم تخرج إلا طالبة حمى دينه؟ قالت رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ال النساء في “أتردني يا رسول الله إلى الكفار يفتنوني عن ديني ولا صبر لي، وح الضعف ما قد علمت؟ لقد اطلع الله على هذا القلب الصادق، ورحم ضعف امرأة غريبة بإيمانها بين قوم كافرين، فأنزل فيها آية الامتحان.. ليس بسماحه باستثناء النساء من الشرط فحسب، وإنما بحكم يزدان بالعدل في دين قوامه العدل، حيث يعطى مهرها لزوجها « هكذا لطف الله سبحانه بهذه الممتحنة ومن تلاها من النساء المهاجرات، كما لطف بالمجادلة الحائرة ومن يشبهن مسألتها فأنزل آية الظهار.. فمن للضعفاء والغرباء إلاك يارب! هكذا نتعلم في سورة الممتحنة أن للإيمان أمارات صدق، لا يُكتفى فيها بقطع المفاوز للهجرة، وإنما يضاف سؤال آخر: “آلله ما أخرجكن إلا حب الله ورسوله والإسلام! ما خرجتن لزوج ولا مال؟!”.. فإنما الأعمال بالنيات.. كما نتعلم منها في آية بيعة النساء أن للإيمان لوازم يجب أن يعيها القلب ويؤديها.. فماذا عنا إذن؟.. هل تنضبط بوصلة ولائنا لله سبحانه، فنجتاز امتحان الإيمان؟ 59

عدد الصفحات ٦١

الصف ٨٠١- (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَ تَفْعَلُونَ ﴿٣﴾) أي عظمة لقدر الكلمة عند الله سبحانه؟ وأي ميثاق هذا الذي يعقده المؤمن على نفسه بأقواله؟!.. يعلمنا الله أن المؤمن لا ينبغي أن يلقي الكلام جزافا، بل يكون كلامه عنوانا لفعله، فهو إذا حدَّث صدق، وإذا وعد أوفى، وإذا عزم أتمَّ. الجمعة 9 الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٦﴾ إذا تيقن الإنسان من تحقق نجاته ورفعة درجته، فلماذا يتمسك بالدنيا؟ إن العبد الصالح لا يحرص على الحياة إلا رجاء أن يعمل حسنة تنجيه وترفعه أو يتوب من ذنب يرديه ويهلكه، ولا يخاف الموت إلا لما يخشى من عواقب ما اقترف، أو من فوات رفعته في درجات الجنة. ولهذا نهينا عن تمني الموت، لأننا لا ندري هل يكون موتنا أنفع لنا عند الله من الحياة أم تكون الحياة أنفع، وأرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم بدلا من ذلك إلى الدعاء لي، وتوفني ما علمتَ الوفاة خيرا لي الآخرة -كما زعم اليهود اختصاصهم بذلك-، لم يؤثر على ذلك البقاءَ في أكدار الدنيا وفتنها وكرباتها. وهكذا كان أمرهم بتمني الموت كاشفا زيف هذا الضمان. 60

عدد الصفحات ٦٢

المنافقون ٠١١- (... كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ... ﴿٤﴾) من الناس برَّاقون لكنهم مزيفون، ألفاظ بلا معنى.. صور بلا مضمون. لا تنخدع بقوة الأجسام وحسن المنظر وبيان القول، فقد يقال للرجل ما أعقله؟.. وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان التغابن ١١١- (... فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّـهُ ... ﴿٦﴾) يظن المعرضون عن الدين أنهم ينالون منه، لا والله ما نالوا منه ولن يفعلوا.. الله غني عن إيمان الكافرين، وإن كفر أهل الأرض جميعا فهو غني عنهم سبحانه وتعالى، والفقير الذي يعرض عن الغني هو الخاسر. الطلاق ٢١١- (... قَدْ جَعَلَ اللَّـهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴿٣﴾) في سورة الطلاق نخلع كل عباءات تدبيرنا خاضعين لأوامر الله سبحانه وتعالى.. ليس لنا في أخص علاقاتنا أن نتجاوز نشهد في سورة الطلاق أن الرجل راع مسؤول، يخاطبه الله بشأن المرأة، فهو من بيده كلمة الطلاق، وبيده المراجعة، وعليه واجب السكنى والنفقة.. كما نشهد أنه عبد مأمور وليس صاحب سلطة مطلقة، فهو لا يطلق وقتما شاء ولا كيفما شاء بل يأمره « 61

عدد الصفحات ٦٣

في هذه السورة يتأكد لنا مبدأ مصاحبة المعروف بأداء الحقوق وحسن المعاملة في الإمساك أو الفراق على السواء وحتى بعد الفراق في الحديث بشأن الأولاد للظلم أو سوء الخلق أو الضرار، لا سيما والمذكور هنا ليس مجرد خبر يتلى علينا، بل وبهذا نعرف حقا أن التقوى ليست مجرد عبارات تُتداول في مجالس الوعظ، بل إن حقيقتها تظهر في المواقف الشديدة.. في موطن من أجلِّ مواطن الخلاف والفراق كالطلاق.. تحضر التقوى بالأمر بها الألباب فيها فيها تحذير من مخالفة أوامر الله لأن هذا تشريعه الله فقد ظلم نفسه شديدا وعذبها عذابا نكرا.. عرفنا أنه علينا ألا نكون مثلهم بعدما أنزل الله إلينا هذا القرآن على رسول يخبرنا أوامر الله ونواهيه لنخرج بها من ظلمات الحيرة حول معايير الحقوق والواجبات إلى نور تشريع إلهي مهيمن على كلا الزوجين.. وفيها تتجلى رحمة الله بالنساء الكسيرات كما أخبر نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم « سبحانه بيتا لها وإلا فلا تكون قد نُزعَت من حياتها فجأة.. بل تتوفر لها فرصة للتواؤم مع الوضع الجديد.. كما تتجلى رحمة الله بالأزواج، فإذا كان أمرهم بتوفير السكن والنفقة للمطلقة طلاقا رجعيا، أو بالإنفاق على الحامل مطلقا، وأداء سائر حقوق المرأة، فإنه سبحانه لم يكلفهم ما لا يطيقون، بل قال لا يكلف نفسا إلا ما آتاها.. شريطة ألا يتوانى أو يخادع في أداء الحقوق، فقد قال سبحانه يُعفِ المقدورَ عليه رزقُه من الإنفاق.. لكنه يقول له -وليس أصدق من الله قيلا- أنه سيجعل له بعد هذا العسر يُسرًا جزاء أدائه الحقوق المفروضة.. تعلمت من سورة الطلاق أن أقدار الله نافذة على الناس جميعا بما تشتهيه نفوسهم أو تكرهه، لكن من يركن إلى جنب الله مسلِّما له أمره فهو موعود بالكفاية، والله لا يخلف وعده.. تعلمت منها أن شرع الله هو أعظم القوانين قاطبة، لأنه تشريع الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، لا تخفى عليه منهن خافية ولا يعجزه فيهن أحد ولا شيء، فيدبر شؤونهن عن تمام علم وقدرة، وما سواه من القضاة يعتريهم الجهل والعجز.. ومن رضي بالجاهل العاجز دون العليم القدير فهو أحمق. 62

عدد الصفحات ٦٤

التحريم ٣١١- (قَدْ فَرَضَ اللَّـهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّـهُ مَوْلَكُمْ ... ﴿٢﴾) لا يرفع الله عنا ولايته حتى حينما نضيّق على أنفسنا ونستجلب لها العنَت، ولو شاء لجعل اليمين واجب التنفيذ حتى وإن أراد الحالف أن يتحلل منه، فانظر إلى تشريع الله لتبصر كيف أنه سبحانه أرحم بك من نفسك. الملك ٤١١- (أَمَّنْ هَـذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ... ﴿٢١﴾) مهما تهيأت لك أسباب الرزق على تمامها، لن تحصِّله إذا أراد الله منعه عنك.. انظر إلى المتلهف لشربة ماء لا ينالها بسبب مرضه رغم ثروته الطائلة، وانظر إلى الحاذق يطلب المال فلا يحوزه رغم ذكائه، وانظر إلى جميلة المنظر حسنة الأخلاق لم يطرق بابها خاطب، وانظر إلى ذي الحصن المنيع يموت بين عصابته، وانظر إلى أبواب الطاعات المفتوحة اليسيرة كيف يزهد الناس فيها.. انظر في كل ذلك وتعبد لربك باسمه الرزاق، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. القلم ٥١١- (وَإِنَّ لَكَ لأََجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿٣﴾) اتهم المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون فأقسم الله على تبرئته، ثم وعده بالأجر الجزيل.. مهما كانت عظمة الإنسان أو قوته النفسية، يظل وسط مشاق الحياة ومتاعبها بحاجة إلى بشرى تصبّره وتقشع عنه سواد الهموم.. فبشّروا المتعبين بالأجر.. بشّروا بشّركم الله. 63

عدد الصفحات ٦٥