المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فوائد ندية من السور القرآنية

أديم

صفحة ٣ من ٦

الأنبياء ٨٥- (إِنَّ هَـذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴿ ما أجمل تفسير الشيخ السعدي رحمه الله لهذه الآية إذ يقول: “أي: هؤلاء الرسل المذكورون هم أمتكم وأئمتكم الذين بهم تأتمون، وبهديهم تقتدون، كلهم على دين واحد، وصراط واحد، والرب أيضا واحد” اهـ تأمل هذه الآية الكريمة بهذا المفهوم لتتسع الأمة في تصورك زمانا ومكانا وشعورا.. فأنت لا تنقطع عن الرسل السابقين بحال، ولا تعرف أنك على ملة التوحيد كما هو حالهم فحسب، وإنما تتأسى بهم وتتعلم من صنائعهم وتحبهم وتواليهم وتعظمهم وتدافع عنهم، وإن تباعد الزمان واختلف المكان.. فهم أمتك، وأئمتك.. وكل هذه المعاني داخلة في أصل من أصول الإيمان (الإيمان بالرسل).. لكن عبارة الشيخ رحمه الله في تفسير الآية جمعتها ببساطة وعمق.. فرضي الله عنه وكتب أجره .ورفع درجته في الفردوس الأعلى.. في صحبة الرسل الحج 9 في تعليق نفيس للإمام القرطبي رحمه الله على تقرير نعمة تسخير الأنعام لنا وهي “ذلك ليعلم العبد أن الأمور ليست على أعظم منا أبدانا وأقوى منا أعضاء يقول: ما تظهر إلى العبد من التدبير، وإنما هي بحسب ما يريدها العزيز القدير، فيغلب اهـ الله الواحد القهار فوق عبادهالصغير الكبير ليعلم الخلق أن الغالب هو قلتُ: فلعل هذا معنى من مناسبة ذكر التكبير بعدها، وعند الذبح كذلك، كي لا يطغى الإنسان بقدرته على هذه المخلوقات المسخرة، وإنما يعلم أن ربه أقوى منه وأقدر وأكبر.. وأنه لولا تسخيره تلك الأنعام له لما ذلّت له ولما قدر منها على شيء.. والله أعلم. 32

عدد الصفحات ٣٤

المؤمنون ٠٦- (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾) قد يغفل كثير من الناس عن تلك الصفة من صفات ورثة الفردوس لا سيما وسط هذا العالم الذي لا يتوقف عن الكلام، وربما لم يعد لديهم الوقت ليفكروا فيما يتكلمون به أو يسمعونه أو ينشرونه، أهو لغو أم حق؟.. وهل يستحق الخوض أم الإعراض؟.. فعلى المؤمن أن لا يتوانى في مراقبة حاله وتعاهد نفسه فيما يقول ويسمع ويكتب، وكما يقول السعدي رحمه الله: “وإذا كانوا معرضين عن اللغو، فإعراضهم عن المحرم من باب أولى وأحرى، وإذا ملك العبد لسانه وخزنه -إلا في الخير- كان مالكا لأمره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين وصاه بوصايا قال: “ ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ “ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: “ كف عليك هذا “ فالمؤمنون من صفاتهم الحميدة، كف ألسنتهم عن اللغو والمحرمات.” اهـ النور ١٦- (رِجَالٌ لَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَْبْصَارُ﴿٣ لم يمتنع هؤلاء الصالحون عن التجارة والبيع مطلقا، وإنما كانوا يعرفون أن عبادة الله هي نهاية القصد وغاية المراد فلم تلههم الدنيا عن عمارة المساجد بالصلاة والذكر، لأن إيمانهم بالآخرة كان أقوى داعيا مما تحبه النفس من الانشغال بالأموال والاتجار.. ولهذا قال الله فيهم 33

عدد الصفحات ٣٥

الفرقان ٢٦- (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ... ﴿ من عظيم نعمة الله على العبد أن يرى زوجه وولده مسلمين لله، يطيعونه ويحسنون عبادته، ولا يجرون عليه الجرائر كما يقول ابن جريج رحمه الله.. وما أعظم ابتلاء من ابتلوا برؤية أحبابهم على غير الطريق المستقيم فتضرعوا لله أن يقر أعينهم برؤية أحبابهم طائعين.. والله سبحانه مطلع عليهم، يعلم كيف يتألمون وماذا يتحملون.. فذكر دعاءهم ووعدهم الأجر الجزيل.. وكم يؤثر في نفسي قول المقداد رضي الله عنه في هذا الأثر، وأشعر في كل كلمة منه بوجه من علو قدر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن اصطفاءهم لصحبته وثناء الله عليهم في القرآن، وتثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبشيره لهم لم يكن بلا ضريبة.. كم تعبوا وكم عانوا وكم صبروا! .. رضي الله عنهم وأرضاهم.. “عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت.. فاستغضب، فجعلت أعجب ما قال إلا خيرا.. ثم أقبل إليه فقال لو شهده كيف كان يكون فيه؟ والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام أكبهم الله على مناخرهم في جهنم!، لم يجيبوه ولم يصدقوه.. أولا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين لما جاء به نبيكم قد كفيتم البلاء بغيركم؟ والله لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان.. فجاء بفرقان فرّق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرا وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان يعلم أنه إن هلك دخل النار.. فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار. وأنها للتي قال عز وجل (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة .أعين فما أعظم هذا الدعاء.. دعاء من يُجزون الغرفة وسلاما.. 34

عدد الصفحات ٣٦

الشعراء ٣٦- (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَْرْذَلُونَ ﴿١١١﴾) كان المفترض أن يذكروا بعد استفهامهم شيئا أخطأ فيه نوح عليه السلام، أو عيبا فيما يدعوهم إليه، فلما اعترضوا بأن أتباعه عليه السلام من الفقراء والضعفاء عرفنا أن حجتهم مقطوعة وأنهم هم الأرذلون لا من وصفوهم.. وعرفنا كذلك أن الكبر يعمي أهله عن اتباع الحق مهما كان جليَّا، فيرفضونه حتى لا يتساووا مع غيرهم من الناس.. ولهذا نظائر كثيرة في القرآن. النمل ٤٦- (... فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ... ﴿٢٢﴾) قد يبلغ الضعيف ما لم يبلغه القوي، وقد يطلع الجندي على ما يخفى على القائد.. فحتى سليمان الذي وُهب ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، سبقه هدهد بمعرفة خبر سبأ.. فلا تستهن بما يحمله الآخرون مهما استصغرتهم عينك، ربما كان بين أمتعتهم البسيطة كنز من علم لم تبلغه، أو خير لم يصل إليك بعد. القصص ٥٦- (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ ﴿٢٦﴾) من أفضل ما يحرص عليه والد الفتاة هو أن يربيها على أن تكون امرأة عاقلة.. تزن الأمور وتقدرها بقدرها، حتى إذا حزبه أمر فاستمع إليها وجدها لا تجلب له مضرة، ولا تفوّت عليه خيرا، وإنما تشير عليه بالنظر الصائب والرأي الحكيم. 35

عدد الصفحات ٣٧

العنكبوت ٦٦- (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ... ﴿٥١﴾) ويح من جاءته معجزة القرآن فأعرض عنها.. فإن من يقرأ القرآن طالبا منه الهداية، ويفهم مقاصده ويتدبر معاني آياته لن يحتاج إلى معجزة أخرى ليوقن أنه كتاب الله حقا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله حقا، وأن الإسلام دين الله حقا.. فالحمدلله الذي أنزل القرآن وجعل فيه الكفاية. 7 يَعْلَمُونَ ﴿٦٤﴾ هل تفهم حقا معنى أن هذه الدنيا بكل ما فيها من تنافس وصراعات وتعلقات وضغائن وهموم، ما هي إلا لهو ولعب؟! من المزعج في محاولات الخلط بين رؤية الإسلام ومختلف الرؤى الفكرية المعظمة للدنيا، تلك الغفلة المؤسفة عن هذا الأصل الكبير.. عن فرعية الدنيا وحقارتها، ومركزية الآخرة وعظمتها. الروم ٨٦- (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴿ قال ابن عباس رضي الله عنهما الدين جهال ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي قلتُ: نفى الله سبحانه عنهم العلم مع أنهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا لتحقير العلم المقتصر على الدنيا ولا يتجاوزها، وأما إذا كان العلم الدنيوي نافعا مستعملا في مرضاة الله سبحانه، وكان صاحبه ليس من الغافلين عن أمر الدين، فهو باب خير عظيم، وواجب على المسلمين تعلم العلوم الدنيوية النافعة كما شرح ذلك الشيخ الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان، والشيخ السعدي في تفسيره. 36

عدد الصفحات ٣٨

لقمان 9 من أنعم الله عليه بأن يكون عبدا شاكرا فقد أتاه شيئا من الحكمة يقول الإمام الطبري رحمه اهـ من الحكمة التي كان أوتيها، كان شكره الله على ما آتاه وهذا من أوضح الأمور، لأن شكر الله سبحانه مجلبة للخير ومنجاة من الشر في وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لأََزيدَنَّكُم : (الدنيا والآخرة.. فقد وعد الله الشاكرين بالزيادة وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ ﴿آل عمران: (: ، وتكفل بجزاءهم فقال ) ﴿إبراهيم... )وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴿آل عمران: ١٤٥﴾ (: وقال) ١٤٤﴾ وإذا كان العبد يشكر من يحمل له متاعه أو يأتيه بهدية أو يناوله كوب ماء، فكيف يفوته أن يشكر الله الذي فطره وأنعم عليه بالسمع والبصر وسائر النعم إلا إذا فاتته اللهم ما أمسى وأصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا .. الحكمة؟ شريك لك فلك الحمد ولك الشكر. 37

عدد الصفحات ٣٩

السجدة ٠ يمكن اعتبار ميزان العدل أحد أهم الدروس التي نتعلمها من تدبر سورة السجدة، فدلائل تفرد الله سبحانه بالربوبية ومن ثم تفرده بالألوهية في أول السورة وآخرها ما جاءت عبثا، وإنما جاءت إنذارا للناس ويسمعوا، ويبصروا حقائق الأمور، ولا يتهاونوا في موقفهم من تلك الآيات لأن الجزاء سيكون فارقا حقا.. في هذه السورة تتجلى أمامنا مفارقة العمل والجزاء.. فمن نسوا يوم الحساب وتركوا العمل الصالح كان جزاؤهم على شاكلة عملهم فتركهم الله في العذاب.. من أخلصوا لله العبادة فقاموا بين يديه وقد خفي على الناس أمرهم كان جزاؤهم على شاكلة عملهم فلا تعلم نفس ما جنات المأوى لأنهم عندما ذُكّروا بآيات الله قابلوها بالانقياد فخروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم، بينما أهل الفسق في عذاب النار فإنهم لما ذكروا بآيات الله أعرضوا عنها فانتقم الله منهم.. من أيقنوا بآيات الله عند الاختبار جعلهم الله أئمة يهدون بأمره، ومن لم يوقنوا إلا عند الاضطرار جاءوا عند ربهم ناكسي الرؤوس.. من صبروا على الطاعة تقر أعينهم بالنعيم، ومن استعجلوا يوم الجزاء يطلبون الرجوع للعمل مرة أخرى.. لتحيا في نفوسنا مع كل آية حقيقة أنهم بالفعل الأحزاب ١ كلما مرّت بك شدة، انظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وافعل كما كان يفعل.. كلما اشتبه عليك أمر، انظر في سنته وامتثل ما أمر به.. كلما رأيت الناس يتشعب بهم التأسي، فلا ترضَ عن التأسي به بدلا.. وكلما نالت الدنيا من صفو بالك فاعلم كان يحزن ويتألم ويصيبه الهم، ولكنه لم يتوقف عن العمل أبدا .. لم يصده البلاء عن العمل، ولم يكن يرضى إلا بالإحسان والزيادة .. صلى الله عليه وسلم.. فسِر على آثاره تصل. اللهم لا تفرق بيننا وبين نبيك حتى تدخلنا مدخله. 38

عدد الصفحات ٤٠

سبأ ٢ بعض الناس يستنتجون من توسيع الله سبحانه في أرزاقهم الدنيوية أن الله راض عنهم، وقد بيّن الله في القرآن خطأ هذا الاستنتاج.. فبين الله أن القرب منه غير مرتبط بالأموال والأولاد، وأنه حين يعطي عباده من الدنيا أو يمنعهم فإن هذا لا يدل على حبه أو بغضه لهم، أو قربهم أو بعدهم منه.. وإنما يفعل ذلك اختبارا لهم.. وقد تكرر هذا المفهوم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم لشيوعه عند الناس، ولهذا يقول الطبري رحمه ولكنهم يظنون أن ذلك منه محبة لمن بسط له ومقت لمن قدر عليه ومن أعظم المواطن التي تبين هذا المفهوم في نفسي في غير سورة سبأ -وكل كلام ربي عظيم-، آيات سورتي الزخرف والفجر.. ولعل هذا المفهوم يريح قلب العبد كثيرا، ويفتح عينيه على حقيقة الاختبار، كما يعلّمه أن أصل الثواب إنما هو الثواب الأخروي، كما يبين حقارة الدنيا عند الله، وأنها لو كانت تساوي عنده جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.. ونسأل الله أن يرزقنا رزقا طيبا مباركا فيه وأن يعافينا في الدنيا والآخرة. فاطر ٣ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ﴿٤٥﴾) كل ما تشاهده حولك من الظلم والكفر والطغيان والتمادي لا يغفل الله عنه أبدا، وإنما له موعد فيه سيعلم العباد أن الله سبحانه كان بصيرا بما يفعلون، وفيه يُقضى بالحق ولا مهرب فيه من القصاص والجزاء. 39

عدد الصفحات ٤١

يس ٤ عظيمة الشأن حقا تلك القصة.. قصة ذلك الرجل الداعية، الذي لم يكن نبيا ولا رسولا.. ولكنه ذاق طعم الإيمان، ووهبه الله سبحانه قوة قلبية تخالطها رحمة عجيبة.. تأمل حاله وهو آت من أقصى المدينة.. لم يجيء على مهل بل جاء يسعى.. ولم يجيء ساكتا بل جاء مناديا لم تكن له حاجة دنيوية يريد قضاءها.. لم يرد إلا أن يدافع عن رسل الله، وأن يقول كلمة الحق.. كلمة الإيمان.. فبالله انظر كيف خاطب هؤلاء العتاة المتجبرين الذين كذبوا ثلاثة من الرسل وهددوهم بالرجم والتعذيب.. انظر كيف تنهمر كلماته بالنصح الشفيق في استرسال ينبيك أن الإيمان قد ملأ هذا القلب حتى صار ينبض حبا لله ولدينه.. “يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا ين * إني آمنت بربكم تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذًا لفي ضلال مب فاسمعون كلمات منهمرة كالغيث.. لم يقطعها إلا أنهم قتلوه.. “قيل ادخل الجنة”.. فكأنه صار منعما فور قتله شهيدا ولم يضره بعد ذلك شيء، فاتصل إدخاله الجنة بآخر كلمة قالها داعيا إلى الله.. لكن قضيته لم تنتهِ هنا.. فقد أجاب نداء دخول الجنة جوابا يذيب القلوب المتحجرة.. « ألا يذوب لهذه الكلمات جمود قلب يرى الناس يهلكون بالكفر والعصيان فلا يهتز له طرف ولا يفعل لنصرة دين الله شيئا؟ وهذا الرجل القوي القلب الرحيمه يحمل هم إيمان الطغاة ونجاتهم حتى وهو في الجنة! 40

عدد الصفحات ٤٢

يقول صاحب الكشاف وأهل البغي، والتشمر في الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار تخليصه والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام؟ فسبحان الله الذي أكرمه وأهلك الظالمين من بعده.. ورضي الله عن هذا الرجل المؤمن الصابر الذي قص الله علينا خبره وأبقى فينا كلماته ودعوته إلى يوم الدين.. الصافات ٥ من الأصحاب من سيوردك الهلاك إن لم تفارق طريقه، ويصعب على المرء أن يضبط مساحة تأثره بأصحابه بشكل محدد، فهناك قدر لا شعوري من التأثر ربما لا تلحظه أنت في نفسك وينبهك له من حولك.. فأنت تتأثر بطريقته في الكلام ونبرته في الضحك وألفاظه عند الحزن والفرح، فما بالك بما فوق ذلك من أفعال وأفكار؟.. فارق طريق البطالين فإنهم يكادون يُرْدونك! 41

عدد الصفحات ٤٣

ص ٦ قال ابن عاشور اهـ وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم؛ فإن الله قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين فاتخذ هذا شعارا، ولا تكن من المتكلفين. 42

عدد الصفحات ٤٤

الزمر 77 تتجلى في سورة الزمر عظمة توحيد العبادة، وطمأنينة توحيد العبادة، وأثر العلم في العبادة، وجزاء من أفردوا الله بالعبادة.. في سورة الزمر نشهد شرف عبادة الله سبحانه، بطريقة القرآن العظيمة وهي ارتباط أحقية الله في العبادة بدلائل ربوبيته.. فمن خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر، ومن خلقنا من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها، ومن أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض، ومن يملك النفع والضر، ومن له الشفاعة جميعا، ومن يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، ومن يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ومن له مقاليد السماوات والأرض وحده من يستحق العبادة.. نتلقى فيها أوامر العبادة أعبد « ويتوالى إخبار الله لنا بأننا عباده، عباده وفيها نرى مشاهد من أعظم مشاهد الآخرة، إذ يحط كل مسافر رحله، ويساق العباد كل إلى مستقره ويقال الحمدلله رب العالمين.. نتعلم من سورة الزمر أن عبادتنا لله هي أعظم لوازم العلم يعلمون والذين لا يعلمون خير البشريات حتى إذا جاءنا أعداء الله يريدون أن يصدونا عن عبادته، قابلهم منا استنكار العبد المستيقن 43

عدد الصفحات ٤٥

غافر ٨ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿ - لم تقتصر الآية على بيان استغفار الملائكة للمؤمنين، وإنما ذكر الله دعائهم مفصلا لما فيه من العظمة والتفضل.. فالمستغفرون هم حملة العرش ومن حوله من الملائكة من أرق بجلال قدرهم وعظمة صفتهم.. فلا شك أن دعائهم يناسب هذا الجلال، وهو أدعية القرآن لمن تأمله. - أخبر الله تعالى أن الملائكة يستغفرون للذين آمنوا، مع أنهم يقولون “فاغفر للذين تابوا”.. وفي ذلك إثبات لإيمان التائبين وأن التوبة من أجلى أماراته.. ومن اللطائف أن هؤلاء المستغفرين لا يذنبون أبدا، ومع ذلك ألهمهم الله الدعاء لمن فما أشرف مقام التوبة، وما أعظم فضل الله على التائبين! أذنبوا ثم تابوا.. - في استحضار سعة رحمة الله وعلمه في هذا الموطن تمهيد لطلب المغفرة لهم بعد ذلك.. فإنه سبحانه قد وسع كل شيء علما ومن ذلك علمه بندمهم وإنابتهم، فلا جرم أنه سيشملهم برحمته لعلمه بحالهم هذا، لأنه كما وسع كل شيء علما فقد وسع كل شيء رحمة.. 79 تعوذ بالله من الكبر وأهله، فإنهم داء قبيح فتّاك لا ينجيك منهم إلا اللجوء إلى القوي العزيز سبحانه، والاحتماء بجنابه من شرهم. 44

عدد الصفحات ٤٦

فصلت ٠٨- (... وَلَـكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّـهَ لَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢٢﴾ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٢٣﴾) من ظن بالله السوء هلك.. فإن هذا الظن السيء من أخطر ما يجرّيء المرء على قبيح الفعال ويورده سوء العاقبة، لأنه يخيل إليه فقدان الحسيب والرقيب، فيتمادى غير آسف على ما اقترف.. والمؤمن لا يظن بربه إلا كل كمال وخير، فهو إذا أذنب ندم وتاب، وإذا ذُكّر انتهى وتذكر لأنه يظن بالله تمام العلم والعظمة.. وإذا أحسن عرف أن الله ذا الإحسان لن يضيع إحسانه، وإذا دعا عرف أن سميع الدعاء سيعيد دعائه عليه بالخير في العاجل أو الآجل.. فهو يظن بالله الخير في كل الأحوال، والله الكريم عند ظن عبده، فأحسن الظن بالله تفز بالنجاة. ١٨- (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ ... ﴿٥٣﴾) في كل زمان نقرأ هذه الآية (سنريهم) لا (أريناهم)، فكل زمان يأتي، يأتي بجديد لصالح هذا الدين الأغر حتى إذا قرأناها قبيل قيام الساعة، سنرى حينها أيضا من ..الآيات ما يبين أن هذا الدين حق، وأن هذا القرآن حق 45

عدد الصفحات ٤٧

الشورى ٢٨- آيتان في سورة الشورى تشعران بصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حقا.. وأتساءل في نفسي كيف تلقاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف بلغهما إن لم يكن حقا رسول الله؟ الأولى في قول الله سبحانه: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا فَإِن يَشَإِ اللَّـهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّـهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٢٤﴾).. أي جلاء لحقيقة الرسالة هذا؟ يقول الله لنبيه أنه لو شاء لأنساه الوحي، فلا هو مفتر، ولا هو يستطيع أن يفتري!، فالله يمحو باطل المفترين ويمكّن لدعوة الصادقين، وما محمد صلى الله عليه وسلم إلا عبد الله ورسوله! والثانية في قول الله سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَ الِْيمَانُ وَلَـكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٥٢﴾).. أي إقرار للافتقار إلى الله هذا؟.. يقول الله لنبيه أنك قبل نزول الوحي لم تكن تعلم الكتب المنزلة ولا كنت تعرف شرائع الإسلام، ولكن هذا القرآن هدى للعباد، أنزل عليك لتدلهم على طريق الحق.. فكيف يخطر لشخص كاذب أن يقول هذا الكلام عن نفسه؟.. أن يقر بأنه لا يملك لنفسه شيئا، وبأنه لم يكن عالما بالكتاب والإيمان.. وأن يبلغ هذا الكلام للناس فيقرؤوه ويحفظوه عنه؟ فإنا نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.. وأن القرآن كلام الله حقا.. ليس بمكذوب ولا بمفترى، ولا قاله بشر، وما هو بسحر ولا شعر.. وإنما وحي من الله، ونور يهدي به من يشاء من عباده.. فاللهم برحمتك لا تحرمنا هذا النور وذاك الهدى. ٣٨- (... وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٢٨﴾) سورة الشورى سورة يتجلى فيها معنى ولاية الله لعباده، والفرق بين من تولاه الله ومن وكله إلى نفسه فضلّ ولم يعد له ولي من بعده.. انظر كيف يحصي الله أعمال من رضوا بولاية غيره؟ وانظر كيف أن الظالمين ما لهم من ولي؟ وانظر في هذا الاستنكار المهيب الناس أم ماذا دهاهم؟.. أيتركون ولاية الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، والذي تكاد السماوات أن يتفطرن من عظمته والذي تسبح الملائكة بحمده ويتولون غيره؟ 46

عدد الصفحات ٤٨

ثم تأمل ذاك التقرير المؤكد من دونه عجزة مغلوبون لا يقدرون على شيء، وهو على كل شيء قدير.. ويأخذنا معنى الولاية إلى معنى الاطمئنان لما يفعله الولي.. فسورة الشورى سورة الطمأنينة إلى أقدار الله والرضا عنه في حكمه يقينا بحكمته البالغة.. فيها يخبرنا الله أنه لطيف بعباده، وأنه يرزق من يشاء، وأنه لا يقسم الأرزاق عن ضعف وعجز، فهو القوي الذي لا يُغلب.. لكنه يقيم الاختبار الدنيوي بحكمته، ليتم الجزاء الحق في الآخرة.. يخبرنا الله أنه لا يطردنا إن أخطأنا، وإنما يتقبل منا التوبة، ويمحو سيئاتنا، ويعلم ما نفعل من خير وشر فيجازينا.. يخبرنا أن ولايته لنا لا تقتصر على ما ندعوه به، وإنما يزيدنا من فضله.. وأن ما يمنعه عنا ليس تعذيبا لنا بالفقد، وإنما لأنه خبير بصير بنا، يعلم ما يصلحنا فيعطيناه، ويعلم ما يدفعنا نحو الظلم فيحجبه عنا، وأنه كما ينزل المطر فينجدنا به حين نترقب الهلاك، فهو يفرج عنا الكُرَب بعدما تجدب أرواحنا، فينشر رحمته ونحيا من جديد.. يخبرنا أن الدرجات السيئة التي نحصل عليها في جولات الحياة ليست سوى نتائج لأداء سيء، ومع ذلك فإنه لا يعاقبنا على كل أداء سيء، بل يعفو عن كثير من أخطائنا.. فيها يخبرنا أن الذرية هبة منه.. لا ينالها العبد بالقوة ولا بالتشهي، وإنما يهبها الله من يشاء ويمنعها عمن يشاء، وكل ذلك عن علم وقدرة.. لا يخفى عليه رغبة من منعه، وهو قادر على إعطائه، وإنما منعها عنه في وقت ما لحكمة ما.. فيها يخبرنا الولي سبحانه أنه لا يحب الظالمين، وأنهم يأتون في الآخرة لهم من أولياء ينصرونهم من دون ما سُلب منه، وأنه غير مؤاخَذ بذلك.. فمن يؤاخَذ حقا هو من يظلم الناس ويفسد في الأرض من دون وجه حق.. في هذه السورة يتعلم المؤمن أن يفرح بولاية ربه، ويطمئن لقضائه، ويوقن بحكمته، ويذعن لأمره.. فهو الولي الحميد. 47

عدد الصفحات ٤٩