المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فوائد ندية من السور القرآنية

أديم

صفحة ٢ من ٦

الأنعام ٢٢- (... قُل إِنَّ اللَّـهَ قادِرٌ عَلى أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلـكِنَّ أَكثَرَهُم ل يَعلَمونَ ﴿٣ الله قادر على أن ينزّل آية، ومع ذلك لم ينزلها! لأفعال الله سبحانه وتعالى متعلقات كثيرة لا تنفك عن بعضها.. فقدرته غير المحدودة لا تنفك عن رحمته، ورحمته لا تنفك عن حكمته، وحكمته لا تنفك عن عدله وسائر صفات كماله.. والنظر لصفة من صفاته دون اعتبار غيرها قصور في العلم. وأنت إذا فهمت هذا المعنى، انحلَّ في قلبك كثير من عُقد الاشتباه.. فتنبّه!.. ٣٢- (فَلَول إِذ جاءَهُم بَأسُنا تَضَرَّعوا ... ﴿٤٣﴾) الشدائد من أعظم مواطن التوبة، وإظهار الافتقار والتذلل لله.. مغبون من اقتصر في شدته على الشكوى للناس، أو النياحة على ما فات، فتناسى ما اقترف وما تاب.. الشدة هي أذان الضراعة في محراب روحك، فلا تحرم قلبك من السجود الطويل على عتبة العفو الغفور.. الكريم الوهاب. ٤٢- (وَتِلكَ حُجَّتُنا آتَيناها إِبراهيمَ عَلى قَومِهِ ... ﴿٨٣﴾) لم يقطع الخليل حجة قومه بشيء من عند نفسه؛ إنها حجة الله.. وهو من وفقه لها وأعطاه إياها.. كل نصر للحق جرى على لسانك فالله هو من أجراه، كل كلمة طيبة كتبتها فانتفع بها إنسان فالله هو من وفقك لها.. ولولاه لما دريتَ ولا وعيتَ! إذا كان عون الله للمرء شاملا .. تهيأ له من كل شيء مرادُه وإن لم يكن عون من الله للفتى .. فأول ما يقضي عليه اجتهادُه ٥٢- (فَإِن كَذَّبوكَ فَقُل رَبُّكُم ذو رَحمَةٍ واسِعَةٍ وَل يُرَدُّ بَأسُهُ عَنِ القَومِ المُجرِمينَ ﴿١٤ يُرغّب الله المكذبين في رحمته فيقدمها على العذاب، ويُشعرهم بعظمة فرصة الإمهال التي يتمتعون بها.. فكيف هي رحمة الله بمن آمن به وصدّق رسوله صلى الله عليه وسلم؟ اللهم ظننا فيك أن تدخلنا في رحمتك الواسعة يا أرحم الراحمين. 16

عدد الصفحات ١٨

٦٢- (... وَرَفَعَ بَعضَكُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجاتٍ لِيَبلُوَكُم في ما آتاكُم إِنَّ رَبَّكَ سَريعُ العِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفورٌ رَحيمٌ﴿١٦٥﴾) لكل منا نصيب مقسوم من الخلق والرزق، نتفاضل فيهما في أعين الناس وفق معايير لا يد لنا فيها.. لكن المفاضلة عند الله تكون دوما بما لنا فيه يد، تكون بموقفنا تجاه نصيبنا المقسوم: هل كفرنا وتسخطنا أم شكرنا وصبرنا؟.. وجزاء كل منهما بحسبه، فإن ربنا سريع العقاب وإنه لغفور رحيم! 17

عدد الصفحات ١٩

الأعراف 7 أَنتُم تَحزَنونَ ﴿٤ الظنون السيئة المغروسة في قلوب من أعماهم الكبر وأصمّهم، ينبت منها الخذلان أَهـؤُلءِ الَّذينَ أَقسَمتُم ل يَنالُهُمُ اللَّـهُ بِرَحمَةٍ ادخُلُوا (الأعظم في يوم يقال فيه لهم: )!الجَنَّةَ ل خَوفٌ عَلَيكُم وَل أَنتُم تَحزَنونَ ﴿٤ ٨٢- (وَأُلقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدينَ ﴿١٢٠﴾) هناك أناس يصطفيهم الله في لحظات لمنازل تعيي السائرين في أعوام.. كثيرا وأنا أقرأ في القرآن عن سحرة فرعون أتعجب من هذا التحول المفاجيء والإصرار والثبات على الحق.. من سلاح في يد عدو الله إلى شوكة في حلقه، ومن طلب الدنيا إلى بذل المهج بلا تردد ابتغاء ما عند الله، ولما توعدهم فرعون بالعذاب قالوا له كما في سورة الشعراء- لا ضير أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وأن يصلبوا في جذوع النخل؟! ربما يشتغل الإنسان بالتعلم ويجهد نفسه بالبحث ثم هو لا يتحصل على بعض هذا اليقين والثبات عند المحنة.. ربما يقرأ عشرات الكتب عن الخشوع ثم لا يصل إليه، وآخَر كانت معرفته أنه يقف بين يدي الله كافية جدا لأن يرمي الدنيا خلف ظهره بتكبيرة الإحرام موليا قلبه شطر الآخرة.. هذا ليس تقليلا منشأن التعلم بالتأكيد، بل إننا لا نملك فعل شيء ينجينا دون التعلم في الحقيقة.. لكنها ذكرى لمن تحدثه نفسه باحتقار إنسان؛ فكلنا مساكين.. لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا.. والله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. 9 كثير منا ينظر إلى التمكين في الأرض على أنه غاية، من تحققت له فقد أدى المطلوب، وربما هذا أحد آثار الواقع الأغبر الذي نعيشه.. لكن في الحقيقة، التمكين في الأرض هو أحد صفحات الاختبار أيضا، يرى به الله ما فعل الناس فيما أعطاهم.. هل أدوا حقه واتقوه أم غرّتهم الدنيا فعصوه؟ وإذا أردت أن تعرف درجتك في هذا الاختبار، فانظر في حالك مع ما مكنك الله فيه، وجعل لك فيه التدبير والتصرف بالفعل.. هل تؤدي حق الله فيه؟.. في أهلك ومالك وصحتك وشبابك وعقلك مثلا؟ الله ينظر كيف تعمل فيما استخلفك فيه، فأره من نفسك خيرا. 18

عدد الصفحات ٢٠

الأنفال ٠٣- (... وَل تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصّابِرينَ ﴿٤٦﴾) التفرق والاختلاف على الأمور الثانوية وإهمال الهدف الكبير المشترك من أكبر أسباب الفشل.. ولو تمسك كل فرد من العاملين بما يعجبه في كل أمر لما قامت للفلاح قائمة. اجتماع الكلمة مركز عظيم من مراكز القوة.. فاللهم إنا نعوذ بك من الشقاق. التوبة ١٣- (إِلّ تَنفِروا يُعَذِّبكُم عَذابًا أَليمًا وَيَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم وَل تَضُرّوهُ شَيئًا ... ﴿٣ التقاعس عن العمل الصالح وقت الحاجة سبب من أسباب الهلاك.. وليس لأحد على الله منّة في شيء يبذله لهذا الدين، إنما يقدّم العبد منا أسباب فلاحه ونجاته.. والسعيد من امتثل الأمر، وأجاب الداعي. اللهم استعملنا ولا تستبدل بنا. ٢٣- (لَو كانَ عَرَضًا قَريبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لَتَّبَعوكَ ... ﴿٤٢﴾) بعض الناس لا يمتنع عن عمل الخير ما دام ذلك يصبّ في مصلحة هواه.. لم يرفض المنافقون الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك لأنهم يرفضون فكرة الخروج بحد ذاتها، وإنما لأنه خروج صعب ومتعب ومخاطره كبيرة، ونسبة الاستفادة الدنيوية منه محدودة.. هنا يعرف الإنسان حقيقة نفسه.. إذا كان المرء سيقعد عن الصيام لأنه يجوع، وعن الصدقة لأن مسؤولياته كثيرة، وعن الصلاة لأنه مشغول، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه قد يعرضه للإحراج، وعن طلب العلم لأن محاولته الأولى لم تنجح، وعن تقويم السلوك لأنه لم يتعود.. فماذا يتبقى له من دينه؟ اللهم لا أبريء نفسي.. استرنا واعف عنا يارب! 19

عدد الصفحات ٢١

٣٣- (فَلا تُعجِبكَ أَموالُهُم وَل أَولدُهُم إِنَّما يُريدُ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُم بِها فِي الحَياةِ الدُّنيا وَتَزهَقَ أَنفُسُهُم وَهُم كافِرونَ ﴿٥٥﴾) ما أشدّ أن تكون النعمة الظاهرة عذابا باطنا لأصحابها، فلا هم نالوا متعتها ولا انتهى أمرهم بمجرد الحرمان منها، بل كانت هي نفسها محل وبال ومصدر شقاء.. اختلفت أقوال المفسرين في العذاب المقصود، وكان من أكثرها أثرا في نفسي ما ذكره الشيخ السعدي رحمه الله حيث قال: “والمراد بالعذاب هنا: ما ينالهم من المشقة في تحصيلها، والسعي الشديد في ذلك، وهمّ القلب فيها، وتعب البدن . . فلو قابلت لذاتهم فيها بمشقاتهم، لم يكن لها نسبة إليها، فهي -لما ألهتهم عن الله وذكره- صارت وبالا عليهم حتى في الدنيا . . ومن وبالها العظيم الخطر: أن قلوبهم تتعلق بها، وإرادتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبهم وغاية مرغوبهم ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيب، فيوجب ذلك أن ينتقلوا .من الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون تأملتُ في هذه العقوبة المخيفة، وتذكرت أناسا ظنوا في المال السعادة فتعبوا في جمعه، وما كان لهم إلا مصدرا للقلق والخوف، وأناسا تباهوا بالولد صغيرا وظنوا فيه السند والقوة فلما كبر لم يكن إلا عاقا فاسدا، وأناسا ملكَتهم النعمة بدلا من أن يملكوها، فحُرموا طعم الاحتساب ولم يكن لهم على فقد شيء من دنياهم صبر ولا عزاء! ثم تأملت خفاء هذه العقوبة على العقول، حتى بيّن الله سبحانه لنبيه أن إنعامه على المنافقين بالمال والولد من طرق تعذيبه لهم.. فاستفدت من هذا كله فوائد ثلاث: الأولى: أن المؤمن لا ينبغي أن ينبهر بالعطاءات الدنيوية، فقد يكون في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب. الثانية: مناسبة هذا العقاب الخفي بالنعم لأهل النفاق، لأنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر وظنوا أنهم يخادعون الله، فلعل في هذه العقوبة مصداقا لقول ربنا خادعهم 20

عدد الصفحات ٢٢

الثالثة: مشابهة هذه العقوبة الخفية للمنافقين في الدنيا -بوجه ما- لعقاب الله لهم في الآخرة، كما في سورة الحديد، فإنهم لما قالوا للذين آمنوا (انظرونا نقتبس من نوركم) ما قيل لهم لن تقتبسوا فأنتم من أهل النار، وإنما قيل: (ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا)، فضُرب بينهم بسور له باب، باطنه مما يلي المؤمنين رحمة، وظاهره مما يلي المنافقين عذاب.. فكان الأمل الذي تعلقوا به لتحقيق النجاة مصدرا لحسرتهم وعذابهم كما كانت النعمة بالمال والولد لتحقيق السعادة والقوة في الدنيا مصدرا لألمهم وشقائهم، وقد خُدعوا في الحالتين جميعا. وإن كان من فائدة رابعة؛ فهي أن يدعو العبد ربه دوما ألا يعذبه بنعمة أنعمها عليه، وأن يستره وينجيه ولا يجعله من المنافقين.. اللهم لي ولمن قرأ.. آمين. والله أعلم وأحكم وعليه قصد السبيل. ٤٣- (... وَالَّذينَ ل يَجِدونَ إِلّ جُهدَهُم فَيَسخَرونَ مِنهُم سَخِرَ اللَّـهُ مِنهُم وَلَهُم عَذابٌ أَليمٌ ﴿ لم يتوعدهم الله بالعذاب فحسب، وإنما دافع سبحانه عن الصادقين الذين لا يجدون إلا اليسير ليتصدقوا به، وجبرهم وردّ عنهم السخرية.. بينما توعد المنافقين الذين فيهم « عظيما في أعين الناس، وأن العبرة بالصدق لا بالكثرة.. فسبحانك ربي ما أعظمك وما أرحمك! 21

عدد الصفحات ٢٣

يونس ٥٣- (بَل كَذَّبوا بِما لَم يُحيطوا بِعِلمِهِ وَلَمّا يَأتِهِم تَأويلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم فَانظُر كَيفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمينَ ﴿٣ بيَّن الله سبحانه أن تكذيب الكافرين ليس راجعا إلى كونهم يعتقدون أنه مفترى، ولكنهم لم يرتقوا إلى الإحاطة بعلم هذا الكتاب، فعادوه وكذبوا به دون أن يتدبروا ما فيه، استكبارا منهم عن الإصغاء لما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم إصغاء استرشاد وقبول.. بيّن الله تعالى لنا أنهم جمعوا بين عدم تأمل معانيه وفهمها حق الفهم مع عجزهم عن الإتيان بمثله، وبين التكذيب به والمعاداة للرسول صلى الله عليه وسلم.. فالقضية ليست في اعتقادهم أن الرسول كاذب، ولكن في أنهم جاهلون مستكبرون. كما بين أن هذه الحال ليست حالهم وحدهم، لكنها حال من سبقوهم ممن ألحق الله بهم عذابه بسبب ظلمهم.. -وفي هذا لنا عبرة عظيمة، وهي أن نحذر المعارضة والتكذيب قبل التثبت والتأمل والسؤال، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، فمن حكم على شيء قبل أن يستوفي تصوره تصورا صحيحا فهو أجدر أن يحكم عليه حكما جائرا.. ولهذا علينا ألا نشابه هؤلاء المكذبين ممن كذبوا نبيَّنا محمدا صلى الله عليه وسلم وممن كان قبلهم ممن كذبوا الرسل السابقين سلام الله .عليهم 22

عدد الصفحات ٢٤

هود ٦٣- (قالوا أَتَعجَبينَ مِن أَمرِ اللَّـهِ ... ﴿ لا يوجد شيء عجيب بالنظر إلى قدرة الله تعالى.. فهو سبحانه لا يتعاظمه شيء، ولا يعجز عن شيء.. بيده الخزائن ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء.. يعطي من شاء ما شاء كيفما شاء.. أتيأس وهو ربك؟ لا تنصرف عن بابه، فإن اللجوء إليه أمن وعز وغنى، واللجوء لغيره قلق وذل وفقر. 7 أَو قَومَ صالِحٍ وَما قَومُ لوطٍ مِنكُم بِبَعيدٍ ﴿٨ صورة فريدة من صور الرحمة في الدعوة يرسمها شعيب عليه السلام.. أن لا تحملك عداوة المدعوّ لك على أن تتوقف عن نصحه، وإنما تحملك على مزيد من النصح والإشفاق.. فتقول له: إذا كنت تكرهني، فتمسّك بحرصك على نجاتك ولا تعرّض نفسك للهلاك بسبب هذه الكراهية. ٨٣- (... وَما أَنتَ عَلَينا بِعَزيزٍ ﴿ لم يكن شعيب عزيزا عليهم لكن الله اصطفاه نبيا.. كانوا في يوسف من الزاهدين وكان عند الله من المخلصين.. كان إبراهيم في نظرهم مجرد فتى وهو خليل الرحمن.. انتقاص الناس منك لا وزن له إذا كنت تتقي الله وتسعى في رضاه. 23

عدد الصفحات ٢٥

يوسف 9 أنت سبَّاح ماهر طالما أنك على الشاطيء، تستخفّ بالموج وتصدر الأحكام.. حتى إذا أبحرتَ وعيت.. من يستهن بالاختبار يُخدَع، ومن يستشرف الفتنة تستشرفه، فإياك وهذا تسلم! ٠٤- (... وَقَد أَحسَنَ بي إِذ أَخرَجَني مِنَ السِّجنِ وَجاءَ بِكُم مِنَ البَدوِ ... ﴿١٠٠﴾) هكذا المحسن.. يحدّث بإحسان الله له، ويعدد أفضال الله عليه. ١٤- (... تَوَفَّني مُسلِمًا وَأَلحِقني بِالصّالِحينَ ﴿١٠١﴾) حتى النبي المخلَص الصدّيق يدعو أن يموت على الإسلام، وقد كان من أكثر دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم والأبصار صرّف قلبي إلى طاعتك 24

عدد الصفحات ٢٦

الرعد ٢٤- (لَهُ دَعوَةُ الحَقِّ ... ﴿١٤﴾) في سورة الرعد يفصّل الله لنا الآيات لنوقن بلقائه ولنتفكر ولنتعقل، ويضرب لنا الأمثال لنميّز بين الحق والباطل..تتجلى في هذه السورة العظيمة دلائل ربوبية الله سبحانه، فهو من رفع السماوات بلا عمد وسخر الشمس والقمر ومدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا وأخرج أنواع الزروع، وهو من يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، وهو من يستوي عنده السر والعلن لتمام علمه، ولا يُردّ أمر أراده لتمام قدرته، ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته لتمام عظمته.. من يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ومن هو رقيب على أفعال العباد.. ومع ذلك كله ينكر الكفار أن من يفعل كل هذا قادر على أن يحييهم بعد أن يموتوا.. ومع ذلك كله يجادلون في الله.. فما أعجب قولهم! فإذا كان الله وحده هو من يفعل كل هذا، فهل من العقل أن يُعبد من دونه أحد؟، إنه وحده هو من يجيب الدعاء وما مثل الذين يدعون غيره إلا كعطشان يقف أمام بئر ويبسط يده لينتقل الماء من البئر إلى يده ومن يده إلى فمه، فما أخفّ عقله، وما أعجب صنيعه.. إن الآلهة التي يدعوها من دون الله لا تملك له نفعا ولا ضرا، وهو مع ذلك يتخذها أولياء من دون الله، ألا ما أعمى بصيرته!.. ألم يكن من الأولى أن يعبد من رفع السماء وأنبت الأرض وعلم سره وعلانيته واستجاب دعاءه؟.. من المؤكد أن هذا لا يستوي مع من يؤمن بالله الحق، ويجيب دعوة التوحيد بالحق.. فمن يؤمن بالله ويوفي بعهده ويصل ما أمره بوصله ويخشاه ويخاف من عاقبة سيئاته ويصبر على ما أصابه ويقوم بشرائع الله، له الطمأنينة بذكر ربه وله السلام ونعيم الجنة.. ومن يجحد دعوة الحق وينقض عهد الله ويقطع ما أمره بوصله ويفسد في الأرض، له اللعنة وعذاب النار.. في سورة الرعد يثبت الله سننه في الأسباب، ويهدينا إلى حقائق تغيب عنا كثيرا، من أعظمها أن بسط الرزق الدنيوي لا يدل على تحقق النعيم الأخروي، فما هذه الحياة الدنيا إلا متاع زائل، لا تستحق أن نفرح بها، ولا أن نجعلها غاية؛ لأن الصورة فيها دوما غير مكتملة.. تأمل مثلا قول الله سبحانه لنبيه نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب الجزاء وإنما هي دار البلاء.. ولتعرف كذلك أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مشروطة بشيء لم يعده الله به، وأن ما تراه حولك من بعض من يريدون العمل لدين الله -من يشترطون أن يروا أثرا فوريا لما يقولون ويفعلون كي يتحركوا- هو نوع من التعالي على وظيفة الدعوة.. لم يكن على الرسول إلا البلاغ، فما بالك تريد جزاء البلاغ أو جزاء أي عمل صالح آخر فوريًّا في الدنيا؟.. 25

عدد الصفحات ٢٧

نتعلم في رحاب سورة الرعد أن الجزاء الحق هو الجزاء الأخروي، كما نتعلم أن أقدار الله نافذة بما يريده سبحانه وفق حكمته لا بمجرد ما نريده نحن العباد، مهما كنا نظن أن ما نريده هو الصالح والصواب، فما يقدره الله هو الأصلح والأصوب.. فكل شيء عنده بمقدار وهو عالم الغيب والشهادة.. وكذا نتعلم أن أمر الله هو أجدر الأمور بالاتباع لا أهواء الناس، وأنت إذا تأملت قول الله سبحانه لنبيه أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهذا الخطاب، وأن اتباع أهواء الناس في سخط الله مَهلكة. في هذه السورة نتقلب بين أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين، بين الوعد والوعيد وبين الخوف والرجاء، لكننا نعرف أن رحمة الله سبقت غضبه فإنه سبحانه مغفرة للناس على ظلمهم في سورة الرعد تحيطك دعوة الحق.. دعوة التوحيد.. فهلاّ ختمتها مستجيبا؟ فـ (لِلَّذينَ استَجابوا لِرَبِّهِمُ الحُسنى ... ﴿١٨﴾) 26

عدد الصفحات ٢٨

إبراهيم ٣٤- (... وَلَنَصبِرَنَّ عَلى ما آذَيتُمونا وَعَلَى اللَّـهِ فَليَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلونَ ﴿١٢﴾) بعض الناس يتصورون أن أهل الحق لا يمكن أن يُؤذَوا، لكن الاختبار ليس هكذا.. إنه طريق جهاد وبذل، قد يؤذى فيه الصالحون لكنهم يصبرون حتى يصلوا إلى الجنة، ومن ابتغى مبتغاهم عليه أن يتبع آثارهم. ٤٤- (... وَاجنُبني وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنامَ ﴿٣٥﴾) هذا خليل الله يتعوذ بالله من الشرك، فمن ذا الذي يأمن على نفسه ذنبا من الذنوب؟ اللهم سلمنا وثبتنا حتى نلقاك على التوحيد الخالص. الحجر ٥٤- (وَنَزَعنا ما في صُدورِهِم مِن غِلٍّ ... ﴿٤ كان هذا من تمام نعيم أهل الجنة، فالضغائن رهق لأصحابها كما هي رهق لمن حولهم.. ومن أوتي قلبا صافيا فقد أوتي ضربا من النعيم. ٦٤- (... وَإِنَّ السّاعَةَ لَتِيَةٌ فَاصفَحِ الصَّفحَ الجَميلَ ﴿٨٥﴾) التذكير بأجور الآخرة من أعظم ما يعين المؤمنين على بذل الندى وتجاوز الصعاب، وليس لمن لا يؤمنون بالآخرة عزاء حين يصيبهم ما يكرهون أو يفوتهم ما يبتغون.. فاللهم حسن العمل، وحسن العاقبة. 27

عدد الصفحات ٢٩

النحل 7 تفهُّم العبد هذه الحقيقة وقبوله إياها يقيانه من كثير من أمراض القلوب، كالحسد والمنافسة على الدنيا.. فالأرزاق أوسع من المال كما هو معلوم.. ويدخل فيها كثير من الأمور المادية والمعنوية الأخرى.. فإذا عرف العبد أن الجمال والجاه والزواج والمحبة والفهم والعلم كلها من أرزاق الله، لم يحقد على من فُضّل عليه فيها، بل يستريح فؤاده لقسمة الله سبحانه له، ولم يطلبها بمعصية الله لأنه يعرف أن الله هو من بيده العطاء والمنع، فلا يطلبها إلا بالوجه الذي يرضاه الله، بالدعاء وبالورود على الأسباب التي جرت سنة الله بعملها.. ثم يرضى بعد ذلك بالقسمة ويفوض لله أمره.. وكم يعجبني قول أحد الشناقطة: وقسمة الحظوظ فيها يدخلُ.. فهم المسائل التي تنعقلُ فيُحرم الذكي من فهم الجلي.. إن لم يكن من حظه في الأزلِ! فالمسألة ليست بالأسباب فقط، لكنها أرزاق مقسومة.. ولهذا قد تجد الماهر أقل نصيبا من البليد، وتجد الفتاة الجميلة صاحبة الخلُق لم تُرزق زوجا، إلى غير ذلك من الصور التي تؤكد معنى: ومن الدليل على القضاء وحكمه**بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وما أعظم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أرشدنا إلى أنه: (قد أفلح من جعلنا الله وإياكم من المفلحين. أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه).. ٨٤- (ما عِندَكُم يَنفَدُ وَما عِندَ اللَّـهِ باقٍ ... ﴿ هذه الحقيقة البليغة ينبغي ألا تغيب عن قلب المؤمن حين تتنازعه مادة الدنيا ومادة الآخرة، فمهما كانت حصيلته الدنيوية فإنها -بالإضافة إلى قلتها- منتهية زائلة، وأما الأجر من عند الله فهو الكثير الباقي.. والعاقل يؤثر الباقي على الفاني. 28

عدد الصفحات ٣٠

الإسراء 9 يَصلاها مَذمومًا مَدحورًا ﴿١٨﴾ ما أبأس حال من اشترى دنياه بآخرته!، خسر الآخرة ثم لم يأته من الدنيا إلا ما أراد الله له وليس ما تمنى هو لنفسه.. وهذا معنى ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عمن كانت الدنيا همه اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا. ٠٥- (وَمَن أَرادَ الخِرَةَ وَسَعى لَها ... ﴿١ من أراد الآخرة يلزمه أن يسعى لها بالعمل الصالح، والإرادة من غير سعي هي إرادة المغرورين الكاذبين.. يقول ابن عاشور رحمه الله حول هذا المعنى: أن إرادة خير الآخرة من غير سعيٍ غرورٌ، وأن إرادة كل “وفي الآية تنبيه على شيء لابد لنجاحها من السعي في أسباب حصوله، قال عبد الله بن المبارك : ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها.. إن السفينة لا تجري على اليبس ١٥- (وَإِمّا تُعرِضَنَّ عَنهُمُ ابتِغاءَ رَحمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرجوها فَقُل لَهُم قَولً مَيسورًا ﴿٢٨﴾) يعلمنا الله أن عطاء المؤمن لا يتوقف عند حد المال، فهو إن لم يعط المال أعطى الكلمة الطيبة ونشر البشرى واليُسر.. وفي هذه الآية من اللطف والرحمة بالعباد ما يفقهه من يدرك معنى أن يخبر الملك الجليل سبحانه في كتابه المعجز بأمر لا يهتم له كثير من الناس، وهو الطريقة التي ينبغي أن يُردّ بها مسكين أو عابر سبيل حينما لا يتوفر لدينا ما نعطيه إياهم، فتأمل! 29

عدد الصفحات ٣١

الكهف ٢٥- (الحَمدُ لِلَّـهِ الَّذي أَنزَلَ عَلى عَبدِهِ الكِتابَ ... ﴿١﴾) إنزال القرآن نعمة عظيمة تمدح الله عز وجل بها، وهي جديرة أن نحمده سبحانه عليها.. فكتاب الله نور وهدى وبشرى ورحمة.. يا سعد من شكرها فتلاه وتدبره وعمل بما فيه، ويا حسرة من غفل عنها، فما تلا ولا وعى ولا عمل.. اللهم برحمتك لا تجعلنا ممن ضيع! ٣٥- (... وَل تَعدُ عَيناكَ عَنهُم تُريدُ زينَةَ الحَياةِ الدُّنيا ... ﴿٢٨﴾) إن شرف المعرضين وجاههم لا يقارن بقلبٍ يريد وجه الله سبحانه.. لا تنتقِ جلساءك بقدر جاههم وشرفهم، بل بقدر ما في قلوبهم من إيمان صادق تصدقه أعمالهم الصالحة.. فهؤلاء صحبة الخير والبركة، ادنُ منهم.. ابق معهم.. ولا تعدُ عيناك عنهم! ٤٥- (قالَ إِن سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَها فَلا تُصاحِبني ... ﴿ أحيانا نقرر لأنفسنا الجزاء ثم لا نقوى على الأداء.. أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام لو صبر لكان رأى عجبا، وهو عليه السلام لم يكن ينوي ألا يصبر، لكن ما رآه أنساه ما كان عزم عليه أول مرة، وهو رسول من أولي العزم.. ففي هذا لنا درس عظيم: ألا نوجب على أنفسنا شيئا لا نعرف هل هو الأولى لنا أم لا، وهل نطيقه أم لا، فلربما نكون في حاجة إلى غيره، أو نكون أضعف منه.. ولعل هذا أحد أوجه الحكمة في كون إبرام النذر مكروها في هذه الشريعة الميسرة الرحيمة.. فتأمل! وصلى الله على موسى الكليم، وعلى رسولنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. 30

عدد الصفحات ٣٢

مريم ٥٥- (فَكُلي وَاشرَبي وَقَرّي عَينًا ... ﴿٢٦﴾) كان يكفي أن يقول لها كلي واشربي وحسب، لكن الله سبحانه جبر نفسها المنكسرة في أشد لحظاتها ضعفا.. في لحظة تمنّت فيها الموت.. فقال لها فسبحان ربنا الودود. ٦٥- (وَكانَ يَأمُرُ أَهلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ... ﴿٥٥﴾) لم يكتفِ إسماعيل عليه السلام بصلاح نفسه وإنما كان يسعى في إصلاح من حوله، وأخص الناس بذلك وأحقهم به هم الأهل.. وقد امتدحه الله سبحانه في القرآن العظيم بهذه الصفة.. فلا يظنن ظان أن دوره في أسرته يقتصرعلى توفير المأكل والملبس والمسكن، بل غاية ذلك كله هو سعيك في إصلاح دينهم، فلا يلهينك الفرع عن الأصل. طه 7 يعلمنا موقف موسى وهارون عليهما السلام لما (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) أن نشكوا إلى الله مخاوفنا كلما اشتدت علينا الخطوب، فالله سبحانه هو من يثبتنا، وهو من يمنحنا الأمان.. كما يعلمنا جواب الله لهم (قال لا تخافا إنني معكما) أن استحضار معية الله سبحانه يبدد المخاوف مهما عظمت.. 31

عدد الصفحات ٣٣