َرِ ال � �
عدد الصفحات ٢1 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد؛ فقد اطلعت على نماذج مما كتبَته الأخت الفاضلة “أديم” في كتابها القيّم (فوائد نَدِيَّة من السور القرآنية) فألفيتها فوائد قيمة أحسنت الباحثة كتابتها وصياغتها وانتقاءها، لعلها تكون زادًا علميًّا نافعا، ومغذيا للقلوب في هذا الشهر المبارك، فللقلوب غذاؤها وللأبدان غذاؤها، وخير الغذاء غذاء القلوب الرباني أسأل الله أن ينفع بما كتبَت الباحثة، وأن يجعله في ميزان أعمالها، والله ولي التوفيق وكتبه أ. د/ فهد بن عبد الرحمن الرومي أستاذ الدراسات القرآنية جامعة الملك سعود. ٢٥/ ٨/ ١٤٤١ ه كلمة الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي
عدد الصفحات ٣مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فإن تدبر القرآن العظيم من أعظم مقاصد إنزاله،إذ هو بوابة العمل به ؛ وبه تحيى القلوب وتنير العقول، وبه يتحقق الاعتبار فتستقيم نفوس البشر، قال الله تعالى: فمن .(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَْلْبَاب لا يتدبر القرآن لا ينتفع بما فيه من عظائم المعاني وأنوار الهدايات، وسرعان ما تعصف به الشهوات أو تتلقفه الشبهات -ولو كان مقيمًا لحروفه-، ذلك أنه غطى الجوهر الرديء بالقشرة الثمينة، وطلى الوجه القبيح بأجمل أنواع الزينة، وأورد النور المبين على بيت بابه موصَد، فلم يغيِّر الغطاء والطلاء من حقيقته، ولم يبدد أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى ( النور ظلام بيته لما حجبته الأقفال، قال الله تعالى: [ )قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ولما أهلَّنا شهر رمضان المبارك للسنة الفارطة، رأيت أن من أعظم المغانم التي أغتنم بها الشهر الذي أنزِلَ فيه القرآن، هو أن أجمع عزمي على تدبر معانيه، ولما كان القرآن كريمًا، لم يحرمني الله سبحانه فيوض كرمه، .والريِّ من غيثه وفتح علي بفوائد نَدِيَّة كانت بلسمًا لصدوع قلبي، ومعينا على أجادب القسوة فيه. وقفت فيها مع آيات أو بعض آيات من سور القرآن العظيم كلها بحيث ما من سورة إلا ووقفت ولو على فائدة واحدة منها، وانتخبت في بعضها أقوالاً لأعلام المفسرين مع ذكر أسمائهم وتحديد كلامهم، ومصادرها في تفاسيرهم المشهورة ميسَّرة، وصُغتُ الأكثر منها بتعبيري. وكنتُ أكتبها مفرَّقة، فلما انتهيت إلى سورة الناس واقترب شهر رمضان، رأيت أن أجمعها في موضع واحد، لأرجع إليها بين حين وآخر فيتجدد أثرها في قلبي، وأنشرها مجموعةً لعل الله سبحانه ينفع بها أحدًا من المسلمين. أسأل الله أن ينوِّر قلوبنا بأنوار القرآن، وأن يفيض علينا من حِكَمِه وبركاته ويجعلنا من أهله، وأن يشفعه فينا ويرفعنا به عنده درجات.. أديم الخميس 2 2
عدد الصفحات ٤الفاتحة ١- (الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾) يقول شهاب الدين الآلوسي وتعظيمه لأحد أمور أربعة: إما لكونه كاملا في ذاته وصفاته وإن لم يكن منه إحسان إليهم، وإما لكونه محسنا إليهم ومتفضلا عليهم، وإما لأنهم يرجون لطفه وإحسانه في الاستقبال، وإما لأنهم يخافون من كمال قدرته.فهذه هي الجهات الموجبة للحمد والتعظيم. فكأنه سبحانه يقول يا عبادي إن كنتم تحمدون وتعظمون للكمال الذاتي والصفاتي فاحمدوني فإني أنا الله، وإن كان للإحسان والتربية والانعام فإني أنا رب العالمين، وإن كان للرجاء والطمع في المستقبل فإني أنا الرحمن الرحيم، وإن كان للخوف فإني أنا مالك يوم الدين ٢- (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾) مهما بلغ الإنسان من المعرفة والفضل فإنه لا يستغني عن طلب الهداية من الله.. هداية يُدَلّ بها على الخير، وهداية يُوفَّق بها إلى اغتنامه. ومما يدل على شدة حاجة العباد إلى الهداية، أن الله جعل الدعاء بها واجبا في كل ركعة من ركعات الصلاة، فأنت تسأل الله الهداية سبع عشرة مرة في اليوم والليلة على أقل تقدير، فاجعله سؤال مفتقر راج محب، لأغنى مسؤول وأكرم مجيب. 3
عدد الصفحات ٥البقرة ٣- (.. خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ .. ﴿٦٣﴾) هذا شأن الأمور الجليلة دومًا، لا يناسبها التخاذل والتواني. وأنت لا تأخذ الشيء بقوة إلا إذا كنت تعلم مدى نفعه لك، وأنت لا تأخذ الشيء بقوة إلا وأنت تدرك قدر معطيه، وأنت لا تأخذ الشيء بقوة إلا وأنت تعي أنك إن ضيعته فلن تجد مثيلا له بله وجود ما هو أفضل منه.. وإن الوحي هو أجلّ الأمور قاطبة، فلزمت مقابلته بالجد والعزم؛ إذ ليس في الوجود ما هو أنفع في الدنيا والآخرة من اتباعه، ولا أعلى قدرا من معطيه وهو الله سبحانه، ولا أكثر خسارة من تضييعه. فخُذ ما آتاك الله بقوة.. قوة تدفعك إلى الخير، وتلجمك عن الشر. ٤- (ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَ فَضْلُ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٤﴾) لقد تولوا بعد أخذ الميثاق عليهم، لكن الله لم يهلكهم مع قدرته على ذلك، وهم يعلمون أنه أهلك الذين اعتدوا منهم في السبت.. فيا بؤس من ضيّع فرص الإمهال! كم من عهد عقدته مع الله ثم نكثتَ فما عذبك!.. كم من نعمة أحدثها لك فقابلتها بإحداث الذنوب وما سلبها!.. وكم من يوم أسرفت فيه فلم يقبضك!.. أمهلنا الله بفضله ورحمته.. أمهلنا لنتوب، لنحسن، لكيلا نكون من الخاسرين. ٥- (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿ لقد كان بنو إسرائيل ينتظرون خروج الرسول منهم ليتبعوه، فلما خرج من العرب كفروا به.. وهذه مشكلة خطيرة: أن تريد اتباع الحق، ولكن بشروطك ووفق هواك.. تريده عندما تكون أنت مصدره وزعيمه، وليس عندما يكون مع أحد غيرك.. تريد أن تكون متبوعا وتستكبر أن تكون تابعا.. ومن هذه حاله ليس مريدا للحق في الواقع، وإنما يحركه تقديس أناه.. فنعوذ بالله من هذه الآفة. التجرد للحق عزيز، وجميعنا بشر خطّاء، والسعيد من أدام المجاهدة. 4
عدد الصفحات ٦٦- (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ... ﴿١ المقاييس عند الله مختلفة، فالهلاك الحقيقي ليس فقدانك شيئا من الدنيا، ولكنه تقاعدك عن عبادة الله؛ لأن الدنيا كلها فانية، ستتركها أو تتركك عاجلا أو آجلا، وما قدمته لنفسك عند الله من الطاعات هو ما يبقى لك، وهو حقا ما ينجيك. 7 أحيانا لا يكون العيب في الحجة، ولكن في عين الرائي.. فكيف يمكن أن تهدي شخصا أعمى إلى نور الشمس؟ هكذا لم يؤمنوا.. ليس لقلة الحجج، ولا لقصور في بيانها.. وإنما لفساد البصائر وسوء الطوية.. فاللهم بصّرنا بالحق وارزقنا اتباعه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضلّ. ٨- (... وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لأََعْنَتَكُمْ ... ﴿٢٢٠﴾) من تأمل سورة البقرة من أولها إلى آخرها، تبين له أن أمة الإسلام أمة مرحومة، قد تفضل الله عليها ويسّر دينها، ولم يلبسها ثوب العنت.. فمن قارن حال هذه الأمة بحال بني إسرائيل المذكورة في السورة، وكيف أنهم شقوا على أنفسهم فكانت في شريعتهم من المشقة ما جعل أمرا من أوامر الله ليتوب عليهم من عبادة العجل أن يقتلوا أنفسهم.. وكيف أنهم حين عصوا شدد الله عليهم العقوبة فرفع فوقهم الطور.. وكيف أنه ابتلى بعضهم بألا يشربوا من نهر وهم عطشى إلا غرفة.. إلى غير ذلك من صور البلاء.. عرف أن هذه الأمة أمة مرحومة.. ومن تدبر تشريعات الله في هذه السورة، من تخفيف في أحكام الصوم، وتشريع الفدية للمريض في الحج، وإباحة التجارة فيه، ورفع الإثم عمن تعجل في يومين أو تأخر، وإباحة مخالطة اليتامى في الأموال، وعدم المؤاخذة باللغو في الأيمان، وجعل الطلاق مرتين، وإباحة التعريض للمعتدة بالخطبة، إلى غير ذلك من التشريعات.. علم حقا أن هذه الأمة أمة مرحومة.. ومن تأمل مضاعفة أجر الصدقة، والأمر بالترفق مع الفقراء، والنهي عن المن والأذى، والأمر بإنظار المعسر.. تبين له أن هذه الأمة أمة مرحومة.. ومن نظر في تثبيت الله للمؤمنين من هذه الأمة ببيان حقد الكافرين عليهم، وحسد كثير من أهل الكتاب لهم، وذكر خصوصيتهم برحمة الله، وأنه ما ينسخ من آية أو ينسها إلا أتى بخير منها أو مثلها، ورأفته بهم فيما حرم عليهم من الخمر والميسر بإيضاح أن إثمهما أكبر من نفعهما، وتفهيمهم أن في القتال جانبا من الخير قد يخفى عليهم، وتذكيرهم بقربه من السائلين، وبأنه يعلمهم، وبأنه غفور حليم، واسع عليم.. عرف كذلك أن هذه أمة مرحومة.. 5
عدد الصفحات ٧ثم ختمت هذه السورة بآيات من أعظم آيات التيسير في القرآن، بما فيها من رفع للمشقة وإشادة بسمع المؤمنين وطاعتهم لأمر الله، ومن تقرير حقيقة كونية كبرى هي من أعمق ما يعين المؤمن على كدر الدنيا ومصاعبها، ويدفعه للعمل الصالح :أن الله سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها ... (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّـهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٢٨٥﴾ لَ يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَ تُحَمِّلْنَا مَا لَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٨٦﴾) وكأن في ختم السورة بهذه الآيات إشعارا بكل معاني الرحمة بأمة الإسلام المذكورة فيها، وصرفا للأذهان عما قد تتوهمه من فرض الله على عباده شيئا لا يطيقونه.. فما أعظمه من ختام! تذكرني كل هذه المعاني بما رواه الإمام البخاري رحمه الله: عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين.. فقال أهل الكتابين: أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا، ونحن كنا أكثر عملا.. قال: قال الله عز وجل أجركم من شيء؟ فالحمدلله على كل فضل وتيسير.. الحمدلله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.. ونسأل الله أن يعيننا على شكر نعمه، وأن يعيذنا من السلب بعد العطاء. 6
عدد الصفحات ٨آل عمران 9 كل همومك المتراكمة، كل انكساراتك الداخلية، كل رعدة خدٍّ لم يشعر بها أحد حين قلقتَ، كل إحسان بذلته فما جنيت إلا الجحود، وكل أمنية بعيدة أودعتها صدرَك.. لا يخفى على الله من ذلك شيء.. وكذا كل ذنوب خلواتك، كل عهودك المنقوضة، كل ظن سيء أسررته، كل ظلم لعباد الله اقترفته، وكل تحايل على الذنب ألبسته ثوب الضرورة.. لا يخفى على الله من ذلك شيء.. فانظر ما أبلغ هذه الآية، كيف تجمع في قلبك الخوف والرجاء! ٠١- (وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ إحدى ألاعيب أعداء الدين للصد عنه، لكنها فعلا في غاية العجَب.. يقول قتادة أجدَرُ أن يرجعوا عن دينهم ويقول السدي فأخبر الله رسوله بذلك فمن يُظهر لك الأخوة والرضى بما أنت عليه ثم ينقلب عنه، سيجعلك تتساءل عن السبب ليجيبك بما يصدك عن دينك، ويدعوك إلى أنها بيضاء بينما هو في الحقيقة قد طلاها بتلبيسه وخبثه.. لكن الله سبحانه وتعالى أخبرك بهذه المؤامرة، وأشار إلى معتقد من يريدون خداعك ودوافعهم حتى تحذر أنت. إنهم لا يؤمنون حقا إلا لمن تبع دينهم، ولا يفعلون ذلك إلا نكاية بك، وحقدا لسبقك إياهم بالهدى والخير.. وما دروا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وأن محاربتهم النور الذي تحمله أياد غير أيديهم لا تضر النور ولا حامليه بينما تبقيهم هم في ظلمة!.. هذه الخدعة تتكرر في أيامنا هذه بكل أسف، يفريها بعض دعاة الحقيقة دينهم، بعد مزاعم أنهم قرأوا القرآن وحفظوا كتب السنة!.. ولا حول ولا قوة إلا فيا معشر المسلمين، لا تنطلين عليكم الألعوبة! بالله. 7
عدد الصفحات ٩١١- (... لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَْمْرِ شَيْءٌ ... ﴿١٢٨﴾ تحديد مصائر الناس ليس من شأننا، فما نحن جميعا إلا عبيد فقراء ضعفاء لله الغني القوي، وإذا كان الله سبحانه قد خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية وهو أكرم الخلق عنده، فإننا أجدر أن ننتبه لهذا المعنى.. إياك أن تنصّب نفسك حاكما على مستقبل الناس، فإنك لا تملك لنفسك نفعا ولا ضرا فضلا عن أن تملك ذلك لغيرك.. تذكر دوما أن الله هو الملك الذي له كل شيء، وأنك المملوك الذي ليس له من الأمر شيء. ٢١- (... وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ... ﴿١٥٢﴾) كم ساق الله إلينا من بشريات نحبها، فتعجلنا الثمرة، وذهلنا عن الأمر، فعصينا وضيعنا البشائر، وليس بهذا تُشكر النعم.. على المرء أن يجدد عزمه مع كل جديد وافد عليه، إن كان أمرا يحبه عزم على الثبات شاكرا، وإن كان أمرا يكرهه عزم على الثبات صابرا. ٣١- (... لَتُبْلَوُنَّ ... ﴿١٨٦﴾) هذه إحدى الحقائق الكبرى التي تضمنتها سورة آل عمران وأكدت ثبوتها؛ فمن تأمل مقصد التمحيص وابتلاء ما في الصدور، وكيف أننا لن ندخل الجنة حتى يعلم الله الذين جاهدوا ويعلم الصابرين، وكيف أن الله ما كان ليذر المؤمنين حتى يميز الخبيث من الطيب، عرف ثبوت حقيقة الابتلاء، وأن المؤمنين لن يعيشوا حياتهم في صفاء تام، وأنه لابد من خوض الاختبار.. ومن تأمل ذكر تزيين الشهوات للناس في أول السورة، ثم شبهات أهل الكتاب وأباطيلهم، وذكر صنوف الفتن التي تعرض لها المؤمنون من فتنة القتال، والموت، وحظوظ الدنيا، وتثبيط المنافقين، والحرمان من المغنم، وإشاعة قتل الرسول، وأذى المشركين، .. عرف أن الأمر جد، وأن الابتلاء حق.. وربما لهذا السبب تعددت صور تثبيت الله للمؤمنين على مدار هذه السورة العظيمة.. وأذكر من أهمها: - الإرشاد إلى الذكر واللجوء إلى الله، فمن بدايات السورة ونحن ندعوا “ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا”، ثم نسمع مناجاة المتقين الفائزين بما هو خير من شهوات الدنيا “ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار”، ونتأمل أثر دعاء زكريا السلام في إمداده بالولد على نحو ليس معهودا في حياة الناس، ونقف في عليه وجل واقتداء بمن سبقونا من الصالحين وهم يقولون في احتساب ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين مع من قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم واللجوء لله سبحانه من أعظم وسائل الثبات عند المحن. 8
عدد الصفحات ١٠- ذكر أخبار السابقين، فمن طبيعة البشر أنهم يتأسون ويتسلون بما يحدث لغيرهم، ولهذا يرشدنا الله سبحانه إلى ما خلا من قبلنا من سنن، ويدعونا إلى التأمل في عاقبة المكذبين، ويخبرنا عمن سبقونا من الصالحين الذين أصيبوا في سبيل الله فما وهنوا..، وما ضعفوا، وما استكانوا.. وإنما صبروا ولنا فيهم أسوة. - معايشة مشاهد الآخرة، فكل شيء مكتوب من خير وسوء، وجزاء المسارعين للخير جنة عرضها السماوات والأرض، والنار مثوى الظالمين، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وكل نفس ذائقة الموت، والأجور توفى يوم القيامة، والله عنده حسن المآب، وما عند الله خير للأبرار.. فمن عرف أن الدنيا زائلة وأن الآخرة باقية، هان عليه البلاء فثبت. - المفاصلة في الحديث عن أهل الكتاب، وبيان تلبيسهم وصدهم عن سبيل الله وجدالهم فيما ليس لهم به علم، وذكر افتراء النصارى، وبيان القصص الحق، بالتأكيد الدائم على مركزية التوحيد وأن عليه مدار كل شيء، مما ينير طريق المؤمنين ويبصرهم بحقائق الأمور فيثبتوا على ما هم عليه من الحق. - ذكر بعض دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى “قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم” وقد نزلت في اليهود وتحققت بقتل بني قريظة إجلاء بني النضير وفتح خيبر كما ذكر البيضاوي رحمه الله، وكما في قوله تعالى “ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون” وقد ذكرها البيهقي رحمه الله في دلائل النبوة، وكما في قوله تعالى “ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون” وفيها يقول الطبري رحمه الله: (ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه، حجةً على نبوته، وتحقيقًا لصدقه، وقطعًا منه به عذرَ منكري رسالته من كفار أهل الكتابين، الذين يعلمون أنّ محمدًا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها، ولم يدرك معرفتها مع خُمولها عند أهلها، إلا بإعلام الله ذلك إياه. إذ كان معلومًا عندهم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم أميٌّ لا يكتب فيقرأ الكتب، فيصل إلى علم ذلك من قِبَل الكتب، ولا صاحبَ أهل الكتُب فيأخذ علمه من قِبَلهم.) اهـ، ولا شك أن في ذكر هذه الدلائل ما يثبت المؤمنين. 9
عدد الصفحات ١١- مواساة المؤمنين وتبشيرهم بعفو الله عنهم، والتأكيد على خيريتهم وعلوهم بالإيمان وإقامة شرائع الله، وإيصائهم بالاعتصام بحبله وعدم التفرق.. والتأكيد على سفول الكافرين وخسرانهم، وعلى أنهم سيُغلبون، وعلى أن نفقتهم لمحاربة الدين ستعود عليهم وبالا، وعلى أن مأواهم جهنم وبئس المهاد.. وذلك كله رغم ما حل بالمؤمنين من مشاق وفتن.. فمن أراد أن يثبت عند البلاء فليتأمل هذه السورة العظيمة، وليعتبر بما فيها من تثبيت الله لعباده المؤمنين، وليحرص على الفوز بما فيها من حب الله للصابرين، وإخباره بأن الصبر مع التقوى من عزم الأمور، وليعلم أن المعركة لم تنته بعد.. وأننا سنظل نبتلى ما حيينا، فـ واتقوا الله لعلكم تفلحون والله أعلم. 10
عدد الصفحات ١٢النساء ٤١- (... آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ... ﴿١١﴾) حقيقة لابد أن ينطلق منها الأبوان لتحقيق العدل بين الأبناء، فالابن الذي تظلم إخوته بسببه قد يعقك، والابن الذي تظلمه بسبب إخوته قد يكون بارا بك.. والإنصاف كله في اتباع أمر الله ولزوم شرعته، لأن الله عليم بما خفي عليك، حكيم في أمره إليك. ٥١- (... إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴿٣٤﴾) كانت هذه خاتمة آية القوامة، يقول القاسمي رحمه الله معلقا عليها:- “إن الله كان عليا كبيرا؛ فاحذروه. تهديد للأزواج على ظلم النسوان من غير سبب، فإنهن - وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم - فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر، ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة منهن، فإن الله أعلى منكم وأقدر منكم عليهن، فختم الآية بهذين الاسمين فيه تمام المناسبة” اهـ ٦١- (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ وَلِيًّا وَلَ نَصِيرًا ﴿١٢٣﴾) ليس لأحد من الخلق عند الله عهد، ولا بينه سبحانه وبين أحد منهم نسَب، ولا وزن عنده إلا للحسنة والسيئة.. لا نسَبك ينفعك، ولا جمالك، ولا جاهك، ولا مالك، ولا أي شيء إن لم تقدم عملا صالحا.. عملك زادك، وما سواه فهو من الأماني، والأماني رأس مال المفلسين! 7 تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١٢٨﴾ يقول ابن جزي رحمه لأنها جُبلت عليه. والشح هو ألا يسمح الإنسان لغيره بشيء من حظوظ نفسه 11
عدد الصفحات ١٣قلتُ: وهذه الصفة كغيرها مما جُبلت النفوس عليه يتفاوت الناس فيها، فمنهم من تغلب عليه ومنهم من تخفى فيه على من نظر إليه.. ومن رحمة الله بنا أنه لم يكلفنا انتزاعها، وإنما كلفنا اتقائها، ولهذا ذُكر في تفسير قول الله سبحانه (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) أن الشح في هذا الموضع هو أكل أموال الناس بالباطل، وكان من بديع كلام ابن زيد رحمه الله أنه قال في هذه الآية: (من لم يأخذ شيئًا لشيء نهاه الله عزّ وجلّ عنه، ولم يدعه الشحّ على أن يمنع شيئًا من شيء أمره الله به، فقد وقاه الله شحّ نفسه، فهو من المفلحين.) اهـ أي: من لم يدعه الشح إلى فعل المحرم أو ترك الواجب.. وأما ما دون ذلك فهو محل التفاوت بين الناس، وهو قبيح، كما ذكر الطبري رحمه الله في تفسيره أن رجلا قال لابن مسعود رضي الله عنه: (إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، قال: ليس ذاك بالشحّ الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ذلك البخل، وبئس الشيء البخل!) اهـ فبئس الشيء البخل.. ومجاهدة النفس في ذلك من الفضائل، وللناس بين الأبيض والأسود درجات لا تعد من الألوان الرمادية.. ونسأل الله ألا يحرمنا حلية الكرم وشيم أهله. والله أعلم. ٨١- (... وَلَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ إِلَّ قَلِيلاً ﴿١٤٢﴾) يأتي الأمر بذكر الله في القرآن مقرونا بالكثرة في مواضع متعددة، (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا)، (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات)، (وذَكر الله كثيرا)، (وذَكروا الله كثيرا).. وحين ذم الله المنافقين قال: (ولا يذكرون الله إلا قليلا) 9 يقول ابن عاشور رحمه الله: (وعد باستيفاء الإجابة عن الاستفتاء، وهو ضرب من تبشير السائل المتحير بأنه قد وجد طلبته، وذلك مثل قولهم: على الخبير سقطت... وتقديم اسم الجلالة للتنويه بشأن هذه الفتيا) اهـ في سورة النساء، الله هو من يفتينا.. فما أشرف هذه الفتيا.. وأنت إذا تأملت الأحكام المبثوثة في هذه السورة وجدت كثيرا منها في حق الضعفاء الذين يرفض المجتمع المادي أن يسمع لهم صوتا.. 12
عدد الصفحات ١٤- فمن يهتم بإيتاء اليتامى أموالهم على نحو وافٍ؟ الله سبحانه يذكرهم في كتابه ويتوعد من يأكلون أموالهم ظلما بأنهم إنما يأكلون في بطونهم نارا.. ويخبرهم بأنه رقيب على كل شيء، وبأنه حسيب.. وكفى بالله حسيبا.. - تلك المرأة اليتيمة التي نشأت فوجدت نفسها في رعاية رجل هو وليها، وهو وارثها إذا ماتت، ثم أراد هذا الرجل أن يتزوجها لسبب ما.. ربما لأنها تعجبه فعلا، وربما لأنه طامع بها ولا يريدها أن تتزوج من رجل آخر فيشاركه في المال الذي تعب في إدارته وصيانته.. أو لأي سبب.. من يهتم إذا كان هذا الرجل سيعطيها صداقا أو لا؟ ومن يهتم بطيب نفسها عندما تعطيه من مالها ليحل له؟ ثم من يهتم بأنه إذا تزوجها فقد يأخذ من مالها ظلما ولا يعدل؟.. الله يذكر ذلك في كتابه ويقول لهؤلاء الرجال غيرها كي لا تأثموا.. - ثم تلك المرأة اليتيمة إذا لم يكن لهذا الرجل رغبة في أن يتزوجها، من يهتم بكونه يصرف عنها الخاطبين ليستأثر بالمال فيحرّم عليه ذلك؟ - وتلك المرأة التي لا يريد زوجها البقاء معها، وفي نفس الوقت يرفض تطليقها فيضيق عليها حتى تتنازل له عن حقوقها ظلما واضطهادا، من يهتم بنهيه عن هذا التحايل ويصفه بأنه بهتان وإثم مبين؟ ويأمره أن يعاشرها بالمعروف، ويرشده إلى الصبر إن بدا له منها ما يكره؟ - وذلك الرجل الذي يميل عن امرأته فيتركها كالوقف، لا هو يرضيها ولا هو يطلقها فيحررها، من ينهاه عن ذلك؟ من يرى للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان حقا في أن يقاتَل من أجلهم؟ وفي أن يُعذروا فيما لا يُعذر فيه غيرهم؟ يذكر الله في كتابه ذلك كله، ويعلمنا في هذه السورة العظيمة أن القوي يحرم عليه أن يأكل الضعيف، وأن الضعيف إذا كان ثقافة ما؛ فإنه في حكم الله ذو حق يجب أن يُوفى، وأن آكل حقه ظالم آثم.. وأنه إذا غفل عنه الخلق ولم يسمع صوته أحد، فإن الله ليس بغافل عنه، وإنما يبين حقه ويفتي في أمره.. 13
عدد الصفحات ١٥في هذه السورة يبين الله لنا ويهدينا، فيفرض علينا في الميراث أحكاما، ويحررنا من ربقة التنافس والصراع فينهانا أن نتمنى ما فضل الله فيه بعضنا على بعض، ويرشدنا إلى فسحة فضله لنسأله.. فيها يعظنا الله بأمره إيانا بتأدية الأمانة، ويأمرنا بالعدل في الأحكام والشهادات، ويحذرنا من التهاون في إهلاك الناس طمعا في عرَض دنيوي، فيوجهنا إلى كثرة ما عنده من مغانم إن اتقيناه.. فيها يعظم الله في نفوسنا معنى القول المعروف، والمعاشرة بالمعروف، والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس.. يحبب إلينا الإحسان، كما ينهانا عن الظلم والبهتان.. فيها يرشدنا الله إلى ضرورة العمل، وأنه سبيل النجاة أو الخسارة، وأن من يقطعه الموت عن إتمام عمله الصالح فسيبلغه بنيته الصادقة، ويبين لنا أن الناس درجات، ويدعونا إلى الجهاد في سبيله، ويعرّفنا فضل المجاهدين وخسارة القاعدين.. فيها يأمرنا بتجديد الإيمان، وينبهنا إلى ضرورة الاحتكام إلى شرعه، والتسليم لأمره، ويعلّمنا كيف نحذر الأعداء، ويذكرنا أن الولاء الأول لله، وينهانا عن موالاة الكافرين، ويكشف لنا خبايا المنافقين، ويرشدنا دوما إلى أن التوبة تستثني أهلها من الوعيد.. فيها يستنكر ألا يتدبر الناس القرآن، ويخبر أنه نور مبين.. وفيها نرى كيف أن الإنسان ضعيف، وكيف أن الله سبحانه رحيم بنا، لن يعذبنا إن شكرنا وآمنا.. إنه يريد أن يتوب علينا.. ويريد أن يخفف عنا.. فيها يبين الله لنا كي لا نضل، فإنه بكل شيء عليم! لكن من العجب أن أناسا لا يعرفون من سورة النساء سوى ما وافق الأهواء، ثمة رجل أرعن لا يعرف منها سوى آية التعدد، فيذل زوجته بالتهديد في كل ذهاب ومجيء، كما يعرف آية القوامة فلا تُرى امرأته إلا بكدمة في ذراعها أو ورم في عينها جراء مزاح لطيف.. وثمة امرأة غافلة لا تعرف منها سوى أنها مظلومة في الميراث وأن الإسلام يحتقر الإناث.. ذلك مبلغهم من العلم، فهل من أذن تصغي لقول الحق: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (١ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَِّ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (١ 14
عدد الصفحات ١٦المائدة ٠٢- (... قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّـهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا ... ﴿١ سبحان الملك الحي القيوم.. اللهم نعوذ برضاك من سخطك! يقول الطبري رحمه الله: “ففي ذلك لكم معتَبرٌ إن اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم: في أن المسيح، بَشَر كسائر بني آدم، وأن الله عز وجل هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يردُّ له أمر، بل هو الحيُّ الدائم القيُّوم الذي يحيي ويميت، وينشئ ويفني، وهو حي لا يموت.” اهـ ١٢- (قَالَ اللَّـهُ هَـذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ... ﴿١٢٠﴾) في هذا اليوم تسقط كل أقنعة الكذب والبهتان، وتنكشف الحقائق للعيان.. لن ينفع المال أهله، ولن ينفع السلطان أهله، ولن ينفع النسَب أهله.. لكن الصدق سينفع أهله.. أولئك الذين كانوا في الدنيا مثل نبع صافٍ، لم تلوثهم أدران الكذب، تصدّق أقوالهم ما في قلوبهم، وتصدّق أعمالهم ما تقوله ألسنتهم.. اللهم اجعلنا منهم يا جواد يا كريم! 15
عدد الصفحات ١٧