المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سوى ومشتقاتها في القرآن الكريم دراسة معجمية

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ٣ من ٤

33 ودلالة الاستواء عموما: هي الانتقال إلى حالة لاحقة مثالٍ من حالة سابقة مباينة. والمجيء بـ(إلى)، يحدد مدى الانتقال وقصده، تقول العرب: كان زيد مقبلا على زينب، ثم استوى إليّ فشتمني، أي: انتقل إقباله من زينب إليّ ، كما يدل على أن إقباله على زينب يختلف عن إقباله علي، فحين أقبل علي شتمني، وهذا يدل على أنه كان ودودا مع زينب. فاستخدام الاستواء دل على التباين والانتقال، والمجيء بـ(إلى) دل على الانتهاء، أي انتهى بإقباله علي، ولم يقبل على أحد بعدي. وهذا يشير إلى أن حالة السماء وهي دخان كانت حالة فاصلة بين مرحلتين، المرحلة الأولى: خلق السماوات والأرض وما فيهما، وكانتا رتقا، حتى فتقهما الله، ثم تحولت السماء إلى دخان، فاستوى الله إليها بأمره، ثم مرحلة تسوية السماء ودحو الأرض، ثم تسوية السماوات السبع. فالانتقال كان من مرحلة الخلق (للسماء والأرض) إلى مرحلة التسوية، وكل ذلك بأمر الله، فالخلق العظيم كان للس ماوات والأرض، (فطرهن)، وما تم بعد ذلك كان تقديرا وتسوية وإتماما، ولذلك نجد القرآن الكريم في الموطنين حين تحدث عن مراحل الخلق، لم يقل (خلق السماوات)، بل قال (فسواهن)، (فقضاهن)، فالخلق الذي هو الإنشاء الأول كان للسماوات والأرض، وأنشأ فيهما كل شيء، ثم بعد ذلك قصد بأمره إلى السماء وهي دخان، فأخذ ذلك الخلق مداه، فبنى السماء وسواها، ومد الأرض ودحاها... الخ.

عدد الصفحات ٣٣

34 وقد بينت في بحثي (السماء والسماوات في القرآن الكريم) هذا الأمر، وبسطت أدلته. والخلاصة أن مرحلة الرتق تم فيها الخلق، ثم مرحلة التسويةلتسوية إلى السماء وهي دخان) دل على الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية التي تبدأ بالدخان. فالفعل في المرحلة الأولى هو الخلق، والفعل في المرحلة الثانية هو إتمام الخلق.

عدد الصفحات ٣٤

31 (5) تركيب[ والاستخدام الرابع: (استوى على)، فهيمتعدية بالحرف (على). وقد جاءت اثنتي عشرة مرة، سبع منها منسوبة إلى الله سبحانه وتعالى (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )، (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ). وخمس منها هي: سفينة نوح: ( وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ )، ونوح ومن آمن معه (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ )، والراكبون: ( لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ )، وفي مثل الزرع: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُ وقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ). كما تبين لنا أن (استوى) تستخدم لتدل على انتقال إلى مرحلة لاحقة مباينة لمرحلة سابقة. فكذلك القول هنا: استوت على الجودي: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ )، الضمير يعود إلى السفينة بإجماع المفسرين، أي: استوت السفينة على الجودي، ولكن المعنى الدقيق، ليس: رست، بل يصف انتقال السفينة من حالة سابقة إلى حالة لاحقة مباينة، وهو وصف لحالة عجيبة، حالة الأرض وقد ملأها الماء، وغرق الكافرون فيها، ونجا المؤمنون في هذه السفينة بأمر ربهم، هذه الحالة انتهت بأمر الله ( وَقِ يلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )، فهي مرحلة مختلفة عن السابقة، مرحلة بلعت الأرض ماءها، وبدت تلك الأرض بع د أن كانت بحرا، فالسف ينة لم ترسُ ؛

عدد الصفحات ٣٥

36 لأن الرسو لا يكون إلا في الميناء أو أطراف اليابسة حذاء الماء، أما سفينة نوح فاستوت على الجودي، فالماء من حولها جف، وغيض الماء، فكانت مرحلة فارقة في حياة أهل السفينة. كما أنها كانت مرحلة فارقة في حياة البشرية كلها، فاستواء السفينة على الجودي كان به هلاك الظالمين، ولم يبق إلا المؤمنون بربهم، ومن نسلهم جاءت البشرية، وانقرضت الأصول السابقة. فالحالة اللاحقة هي حالة مثال بالنسبة إلى ا لحالة السابقة، لا يستويان فيها. فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك)، الخطاب لنوح ومن آمن، واستواؤهم على الفلك يفيد انتقالهم من مقام إلى آخر، الانتقال من السير على اليابسة إلى السير على الفلك في الماء، فهما حالتان متباينتان، والح الة الثانية كانت مثالا بالنسبة إلى نوح وصحبه؛ ففيها نجاتهم من الطوفان، ولذلك دعا ولده فقال: (يَا بُنَيَّ ارْكَ بْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ( 41) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ). لتستووا على ظهوره: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ )، أي: ظهور الفلك والأنعام، وعامّة ما يركبه الإنسان، ولا شك أن استواء الإنسان على ظهر مركوب يفيد انتقاله من حالة (المشي) إلى حالة (الركوب)، وهما حالتان مختلفتان، وحالة الركوب بالنسبة إلى ا لإنسان مثال لحالة المشي،

عدد الصفحات ٣٦

37 ولذلك امتن الله عليه بأن جعل له من الفلك والأنعام ما يركبه فالفلك يجري به في الماء، والأنعام هذه المخلوقات العظيمة ذللها وسخرها للإنسان. فاستوى على سوقه: (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ )، الآية تتحدث عن مؤازرة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتخبرنا أن هذا مثلهم في الإنجيل، (كزرع أخرج شطأه)، فهي تصف نوعاً من النباتات لنجيلية فهي التي تخرج الأشطاء. والمعنى: أن الزرع (أخرج شطأه)، الشطء: فرع يشبه الأصل تماما، حيث ينبت الزرع فتخرج ساقه الأصلية، ثم يخرج شطأ وراء شطء، (فآزره)، أي قواه، فحين يخرج الشطء (وهو الفرع) فإن الزرع الأصل يقويه، فيعتمد في غذائه عليه. (فاستغلظ)، أي أن الشطء أصبح قويا، وبدأ بالاستغلاظ، فيصبح أغلظ مما كان عليه. وكل هذه المراحل تمثل النمو الأساسي لهذا الزرع، ولكن حتى الآن لم ينتقل الشطء الذي استغلظ إلى مرحلة بدوّ السنابل، وهي المرحلة الفارقة في حياة الزرع بالنسبة إلى ا لمزارعين، قال (فاستوى على سوقه)، أي أن الشطء أصبح زرعا مستويا على سوقه، بدت عليه السنابل، وأصبح يعجب الزراع. فهي مرحلة النضج والاستواء، وقد تميزت عن مرحلة التكوين والنمو.

عدد الصفحات ٣٧

38 ثم استوى على العرش وردت في ستة مواضع ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )، وفي الموضع السابع: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ). وبتدبر هذه المواضع السبعة يتبين ما يلي: 3. أغلبها جاء بعد بيان (خلق السماوات والأرض في ستة أيام)، ثم يعطف عليها حرف (ثم): (ثم استوى على العرش، فـ(استوى على العرش) بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وه ي الأيام التي خلق الله فيها الخلق وسواه. وفي سورة الرعد ( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )، فدل على أن مرحلة رفع السماوات وتسويتها هي آخر المراحل في الخلق والتسوية، ثم استوى على العرش. 1. ذكر امن أسماء الله الحسنى مع قوله (ثم استوى على العرش)، وهما: ا [ ولم يستخدم سواهما، هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )، و(الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ). كما أنهما الاسمان اللذان اقترن بهما الأمر بالسجود في القرآن الكريم ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُ نَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا )، و( وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ )... وهما الاسمان اللذان أضيفت إليهما الآيات ( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا )، و( يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ )... وهما الاسمان اللذان خير الله عباده في الدعاء بأحدهما: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ

عدد الصفحات ٣٨

39 ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ). وهناك خصائص أخرى تجمعهما دون عامّة الأسماء الحسنى، سأتناولها في بحث آخر. فالرحمن هو أصل الأشياء الذي تعود إليه كلها، واشتقاقه متصل بالرحم لا بالرحمة، ففي الحديث القدسي الصحيح الذي رواه الترمذي: (قال الله عز وجل: أنا الرحمنُ ، وأنا خلقتُ الرَّحِمَ، واشتققتُ لها من اسمي، فمن وصلها وَصَلْتُهُ، ومن قطعها بتَتّه )، واستخدامه في عامة الآي ليس في مقام الرحمة والعطف (كالرحيم)، بل في مقام ا لخلق والتدبير والألوهية والربوبية (كالله). 1. في أغلب الآيات جاء بعد قوله (ثم استوى على العرش)، الحديث عن تدبير الأمر، (ألا له الخلق والأمر) في الأعراف، و(يدبر الأمر) في يونس والرعد، و(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْ هِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) في السجدة. كما جاء الحديث عن بعض مظاهر التدبير، كإيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، وتسخير الشمس والقمر والنجوم، وجريانها إلى أجل مسمى. كما جاء الحديث عن علمه بذات الصدور، وبما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وملكه ومعيته. كما تحدث عن خضوع كل خلقه له، فتحدث مرتين عن أنه ما من شفيع إلا بعد إذنه، ومالكم من دونه من ولي ولا شفيع. فهذه كلها مظاهر التدبير.

عدد الصفحات ٣٩

42 4. في أغلب الآيات جاء الحديث في سياق ربوبية الله تعاإن ربكم..) (فتبارك الله رب العالمين)، فهو يقول: إن ربكم هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، فهو خلق ولم يترك ما خلق، فكمال ربوبيته على خلقه أن يدبر الخلق (ألا له الخلق والأمر). 5. في أربعة مواطن جاء عقب الحديث عن ذلك توجيه الناس إلى عبادته، فهو ربهم، وإلى دعائه تضرعا وخفية، وإلى السجود له، وإلى ولايته، وبين في الموطن الخامس أنه معهم أينما كانوا، وأنه عليم بذات صدوره. فتبين بذلك أن قيامه على خلقه، وهدايته لهم، هو من أمره الذي يدبر به الخلق. فقوله (ثم استوى على العرش)، لفظ (استوى) يحمل دلالة مرحلتين متباينتين، يكون الانتقال من المرحلة السابقة إلى اللاحقة. فالآيات تبين هذا الانتقال، باستخدام حرف العطف (ثم)، وسياقها كما تقدم يبين أن ذلك مرتبط بحالة سابقة (وهي حالة خلق السماوات والأرض في ستة أيام)، وحالة لاحقة هي غير حالة الخلق، وهي حالة (تدبير الأمر)، كما جاء ذلك في سياق أغلب الآيات التي ذكرت (استوى على العرش)، فيعقبها: يدبر الأمر، أو: له الخلق والأمر. فهي مرحلة الأمر وتدبيره، ويؤكد ذلك ارتباطها بالاسمين العظيمين: الله والرحمن، وهما الاسما ن الواردان في سياق الخلق والتدبير.

عدد الصفحات ٤٠

41 والملاحظ أن قوله (ثم استوى على العرش) ورد ست مرات القرآن الكريم، والمرة السابعة قوله ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )، فاختلفت الصيغة، وهذا يبين ارتباط الدلالة بخلق السماوات والأرض في ستة أيام. واللفظ في مختلف س ياقاته يركز في الفعل لا في الذات، فالفعل هو: تدبير الأمر، وأن هذا التدبير بعد الخلق والتسوية، وبذلك نفهم قوله (ألا له الخلق والأمر). ونحن نهتم بما يهتم به القرآن الكريم، ولا نبحث عن أشياء لا تعنينا كبشر، وليس مرادا منا أن ندركها، فما الذي يعنينا الحديث عن ذاته سبحانه وتعالى والقول بأنه على العرش، والقرآن لم يقل ذلك بل: قال (استوى على العرش)، وجاء ذلك كله في سياقات واضحة ومكررة. ومن ثم يمكن القول أن (استوى على العرش) هي المرحلة الثالثة الفاصلة في مسيرة السماوات والأرض وما فيهن. وذلك كالتالي: المرحلة الأولى: مرحلة الخلق (خلق السماوات والأرض)، وفيها خلق الله السموات والأرض وما فيهن، فكانت السماوات والأرض رتقا. [ في القرآن الكريم المرحلة الثانية: مرحلة التسوية: وهي إتمام الخلق، فرفع السماء وسواها، و دحا الأرض وفرشها، ثم سوى السماوات السبع. وهذه المرحلة بدأت حين (استوى إلى السماء)، فاستوى إلى السماء وهي

عدد الصفحات ٤١

42 دخان، ثم فتق الله الأرض والسماوات، ثم سوى السماء، ودحا الأرض، ثم سوى السماوات السبع المرحلة الثالثة مرحلة التدبير : فبعد خلق السماوات والأرض استوى على العرش، يدبر الأمر. والمرحلتان الثانية والثالثة، بدأهما بالحديث عن الاستواء، فأول المرحلة الثانية قال: (ثم استوى إلى السماء)، وأول المرحلة الثالثة قال: (ثم استوى على العرش). ولم ينسب فعل (استوى) إليه إلا في هذين الموضعين.

عدد الصفحات ٤٢

43 (6) تركيب[ سوّى يسوي تسوية، وقد جاء الفعل (سوّ ى) ماضيا إحدى عشرة مرة، كلها أسند فيها إلى الله. مرة دون مفعول (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى )، وفي سبع آيات كان المفعول هو الإنسان: ( سَوَّاكَ ، سَوَّاهُ ، سَوَّيْتُهُ ، سَوَّاهَا )، وفي آية وقع على السماء ( فَسَوَّاهَا )، وفي آية على السماوات السبع ( فَسَوَّاهُنَّ )، وآية على الأرض: ( فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ). وجاء مضارعا واقعا على مفعول فقط مرة واحدة أسند فيها إلى الله (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ). وجاء مضارعا واقعا على مفعول، ومتعديا إلى الثاني بالحرف، مرة واحدة أسند فيها إلى المشركين (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ). وجاء مضارعا مبنيا للمجهول مرة ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُ ا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ). فالخلاصة أن سوى له تركيبان، الأول: سويت الشيءَ، والثاني: سويتُ الشيءَ بالشيءِ (نحو: سويتُ فلاناً بفلان). (سوى) فعل متعد، يقتضي أن يقع على مفعول به، بخلاف (استوى). وقد ذكرت أن لـ(س و ى) خصائص دلالية، وهي: وجود شيئين، أحدهما مقياس للآخر، كان بينهما تباين سابق. فـ(استوى) اقتضى انتقال الفاعل من الشيء السابق إلى الشيء اللاحق. أما

عدد الصفحات ٤٣

44 (سوى) فإنه يقتضي: نقل الشيء المقيس إلى مستوى الشيء المقيس عليه، ليستويا. فالفاعل يُ لحق أحد الشيئين بالآخر التركيب: سويت الشيءَ با لشيء سابقة إلى حالة لاحقة، فالفاعل ينقل الشيء من حالة مقيسة إلى مستوى آخر هو حالة مقيس عليها الشيءَ فمثلاً تقول: سويت العودَ فاستوى. فالعود كان بحالة اعوجاج، فهذه الحالة الأولى له، والحالة المقيس عليها هي حالة استقامته، ومن ثم قمت بنقله من حالة الاعوجاج إلى حالة الاستقامة. ومثلاً: سويتُ زيدا بعمرو، أي جعلتهما مستويين، فهنا تم نقل زيد إلى مستوى عمرو، قد يكون النقل في الرفعة أو الضعة. وقد ألمح الراغب إلى أن تسوية الشيء ( جعله سواء، إمّا في الرّفعة، أو في الضّعة ).

عدد الصفحات ٤٤

41 أولا: تسوية الشيء وهذه لم ترد إلا بمعنى التسوية التي تعقب الخلق (خلق فسوى)، وهذه أسندت إلى الله سبحانه وتعالى. خلق فسوى: (خلق فسوى)، التسوية تمثل المرحلة الثانية للخلق، فالخلق هو الإنشاء الأول للشيء، وهو المرحلة الأولى، ثم تأتي التسوية وهي المرحلة الثانية، فيتم الله فيها الخلق وفق المقاييس التي قدرها لخلق الشيء، وفي مرحلة التسوية يأخذ الخلق تمامه، وتميزه عما سواه، فهي مرحلة فاصلة في الشيء المخلوق. ونجد أن القرآن الكريم يسمي هذا المقياس الذي يسوي الشيء المخلوق وفقا له: قَ دَر، قال تعالى: ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا )، وقال: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )، وقال: ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ( 10) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ 13) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ )، أي خلقناكم في أطوار إلى قدر معلوم محدد واضح، فتمت التسوية وفقا لهذا القدر، كما قال: ( مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ). وقال: ( الَّذِي خَلَقَ فَسَ وَّى ( 1) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى )، أي: سوى وفق ما قدره سبحانه. فتسوية الخلق: إتمام الخلق وفقا لما قُدّر له أن يكون، بحيث يأخذ خصائصه التي تميزه عن غيره. وبهذا نفهم عامة آيات التسوية.

عدد الصفحات ٤٥

46 (تسوية الإنسان تسوية الإنسان: إتمام خلقه وفقا لما قدر له أن يكون، فيكون إنسانا متميزا عن عامة الخلق. وبالنظر في الآيات التي تحدثت عن تسوية الإنسان، نجد أنها تنقسم ثلاث مجموعات: الأولى: ثلاث آيات جاءت في سياق الحديث عن مراحل خلق البشر، وفي اثنتين منها يخاطب الله ملائكته بذلك، وهي قوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَ ةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 12 ) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) في الحجر، وقوله: ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ( 73) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) في ص، وقوله: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ( 7) ثُم جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ( 2) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ). الثانية: ثلاث آيات، آية منها جاءت على لسان أحد المؤمنين يذكر كافرا بربه: ( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْ فَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ) في سورة الكهف. وآيتان في سياق الإنكار على غرور الإنسان وإساءة ظنه بربه: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ( 6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ) في سورة ا لانفطار، و( أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ( 16) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى 17) ثُم

عدد الصفحات ٤٦

47 كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى 12) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ) في سورة القيامة. وفي الآيات الست كلها ذكرت التسوية عقب الخلق. والثالثة: آية سورة الشمس، وتتحدث عن تسوية النفس: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ( 7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 2) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا 9 ) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ). وبتدبر هذه الآيات نجد أنها تتحدث عن ثلاث متعلَّقات للتسوية، وهي: نفخ الروح، وتسوية الصورة، وتسوية النفس. أ/ نفخ الروح: آيات المجموعة الأولى: نفخ الروح اقترنت التسوية فيها بالنفخ في الإنسان من روح الله، وجاءت بحرف العطف (الواو): (سواه ونفخ فيه من روحه). وهذه التسوية كانت لأبينا آدم، أي للإنسان الأول، الذي هو أصل البشر، وقد استخدم لفظ (بشرا) في آيتين منها، وفي الثالثة لفظ (الإنسان) مع بيان بدء خلقه (بدأ خلق الإنسان). فسوى الله آدم، ونفخ فيه من روحه، فأصبح إنسانا حيا، بنفخة الله. وكما كانت نفخة الروح هي أول تس وية آدم، فكذلك تسوية الإنسان تبدأ بنفخ الروح فيه، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل

عدد الصفحات ٤٧

48 الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد). وآية السجدة (الذي أحسن كل شيء خلقه)، أتت في سياق إحسان الله في خلق كل شيء، وإحسانه يقوم على تسوية كل مخلوق تسوية خاصة به، تميزه عن غيره من المخلوقات، ثم جاء الحديث عن تسوية الإنسان، وقرنها بنفخ الروح، وجعل السمع والأبصار والأفئدة، وهذا ما يميز الإنسان عن غيره، كما بينت عند حديثي عن (الفطرة) (انظر بحث: من أفعال الخلق في القرآن الكريم). ففِطرة الله ينشئها الله في الإنسان عقب نفخ الروح، كما بينت آية السجدة، وهذه الفطرة هي الأمانة التي حملها الإنسان: ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَ اوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا )، فالأمانة هي شيء استودع عليه الإنسان، والله سبحانه وتعالى يذكر أن الإنسان هو من حمل الأمانة، فلم يحملها مخلوق سواه. ولا يصح حمل الأمانة على العبادة أو الطاعة أو التكليف؛ لأن الله سبحانه وتعالى بين لنا أن الجن أيضا مكلفون (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )، وغير ذلك من الآيات، فتبين لنا أن الأمانة شيء آخر غير التكليف. وسر إدراك ذلك بفهم التسوية ونفخ الروح، وجعل السمع والأبصار والأفئدة، وتهيئته لخلافة الأرض، كما

عدد الصفحات ٤٨