49 أوضحت هذا سابقاً. وهذه لم تكن لأحد من الخلق سواه، فهي الأمانة التي حملها. ب/ تسوية الصورة: آيات المجموعة الثانية: تسوية الصورة آية الكهف تبين أن التسوية مرحلة لاحقة (ثم)، ولم تحدد زمنها، وإنما بينت نتيجة من نتائجها، وهي الرجولة (رجلا)، وهي إشارة إلى جنسه حيث أصبح رجلا، ولم يصبح امرأة، وهذا يدل على صلة جنس الجنين بالتسوية. وآية الانفطار بينت أن التسوية عقب الخلق (فـ)، ويعقبها عدل الإنسان ليكون في الصورة التي تميزه عن عامّة الخلق، فهي متصلة بهذه الحالة، حيث إن التسوية تتعلق بالهيئة والصورة التي تحدد تركيب الإنسان. وآية القيامة تبين أن التسوية تعقب الخلق، وهو الخلق الذي يعقب طور العلقة، وكما نعلم فالمضغة هي التي تعقب طور العلقة، ومن ثم فالخلق المراد به (خلق المضغة)، وتسوية الإنسان تعقب هذا الطور، وتحديد جنس الجنين (ذكرا أم أنثى) عقب هذه التسوية. فهذه الآيات الثلاث تتحدث عن تسوية الصورة، بحيث يتميز الإنسان بصورته عما عداه من المخلوقات، وفي ذلك تعديل لخلقه وتصوير له. وهذه التسوية تكون عقب النفخ في الروح.
عدد الصفحات ٤٩12 ج/ تسوية النفس آية المجموعة الثالثة: تسوية النفس قوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ( 7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 2 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا 9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا )، أي أن الله يسوي كل نفس تسوية تخصها، وفي التسوية يلهمها فجورها وتقواها، فالتسوية تكون بنفخ الروح فيها، وحين ينفخ الروح فيها تلهم الفجور والتقوى، وتمنح إرادة الاختيار والمشيئة، وبعد ذلك يختار الإنسان أن يكون شقيا أو سعيدا. وإلهام الفجور والتقوى له آثار مصيرية في حياة الإنسان، يمكنه من الحصول على المدركات الأساسية، وهذا قوله (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى )، فهو هداية لكل مخلوق وفق ما سواه، والله سوى الإنسان ليكون إنسانا له خصائص مميزة، وهدايته يتعلق بتلك الخصائص. قال أبو السعود في تفسير الآية: ( أي أنشأها وأبدعها مستعدة لكمالاتها). وإلهام الفجور والتقوى يعني أن كل نفس تبرمج برمجة ذاتية على إدراك الفجور والتقوى، وهذا قوله: ( بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 34) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ )، فهو بصيرة على نفسه؛ إذ هي ملهمة فجورها وتقواها، فلا يكون لها عذرا. وهذا يرجح أن المراد بالنفس هنا: نفس الإنسان، يسويها الله فيلهمها فجورها وتقواها. ونكرها للعموم، أي: كل نفس، فكل نفس سواها الله تسوية تخصها.
عدد الصفحات ٥٠11 ويؤكد الاستدلال السابق في المواطن الثلاثة، الحديث الذي صحيح مسلم: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد). خلاصة آيات تسوية الإنسان: خلاصة آيات تسوية الإنسان، أنها حددت مفهومها، وزمن بدئها، وطبيعتها، ومراحلها. فتسوية الإنسان: إتمام خلقه صورة ونفساً ليكون إنسانا، وتبدأ بنفخ الروح، بعد طور المض غة، ويعقب ذلك تحديد جنس الجنين (ذكرا أو أنثى)، ومن ثم فيكون الجنين إنسانا حين يسويه الله وينفخ فيه من روحه، وينمو الجنين في صورة إنسان متميز عن غيره من المخلوقات. ويتبين أن تسوية الإنسان تتعلق بثلاثة أمور: الأول: نفخ الروح فيه،لحجر و ص وهي أول مراحل التسوية، وترتبط أيضا بجعل السمع والأبصار والأفئدة، وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، كما بينت سابقا، [
عدد الصفحات ٥١12 والثاني: تسوية الصورة، حيث يسوي صورة الإنسان وهيئته التي تميزه عن صور المخلوقات الأخرى، كما تميز صورة كل إنسان عن غيره من الناس والثالث: تسوية النفس، حيث يسوي كل نفس بإلهامها فجورها وتقواها، فهذه التسوية تميز كل نفس عمن سواها من البشر الواردة في سورة الشمس ومن جهة ثانية فإن تسوية الإنسان تتعلق به بالنظر إلى جنسه، وبالنظر إلى فرده، فمن حيث جنس الإنسان، فالله سوى الإنسان وخصه بخصائص تميزه عن كل المخلوقات الأخرى، بالفِطرة، وتسوية صورته، وتسوية نفسه. ومن حيث الفرد فالله سوى كل إنسان وميزه عن عامّة الناس، وذلك بتسوية صورته وبتسوية نفسه.
عدد الصفحات ٥٢13 (نسوي بنانه قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ( 1) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ )، وقع فعل التسوية على بنان الإنسان، والبنان (ج: بنانة): أطراف الأصابع، وقيل تطلق على الأصابع. فاستدلت الآية على تسوية العظام بتسوية البنان، وهذا يدل على أن تسوية البنان أكبر من تسوية العظام، فالقرآن يستدل بالقدرة على الأكبر ليدل على ما هو دونه، كما قال: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّ مَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ )، وخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس. وتسوية البنان يتعلق بتسوية الصورة، أي إتمام خلقها وفقا لما قدر الله لها أن تكون بنانا، ذات خصائص تميزها عن غيرها. ولا تكون التسوية إلا بعد الخلق، أي فهو ق ادر على أن يسوي البنان فيعدل خلقتها، ويعيدها في صورتها. فمن باب أولى أنه قادر على إعادة خلق الجسد كله. والمتتبع لآي القرآن الكريم يجد أن فعل التسوية المتعلق بالإنسان لم يقع إلا على الإنسان كله، كما سبقت الأمثلة، ووقع على النفس، ولم يقع على عضو من الأعضاء إلا على البنان، وكان دليلا على القدرة، وفي هذا دلالة بينة على أن تسوية البنان ذات خصائص معجزة باهرة، تميز كل إنسان عن غيره، بل تميز كل أصبع عما سواها.
عدد الصفحات ٥٣14 وقد أصبحت (بصمات الأصابع) في عصرنا إحدى أهم الأدوات التحقق من هوية الإنسان وتوثيقها؛ إذ لا تتشابه بصمات فردين أبدا، وعلى حد تعبير بعض العلماء فإن هوية الناس مشفرة في بنانهم (بصمات أطراف أصابعهم). يقول علماء بصمات الأصابع، أن بصمة الأصبع تتكون من خطوط (نتوءات) بارزة في بشرة الجلد، تجاورها منخفضات، وتتشكل هذه الخطوط وتنحني وتتفرع عنها فروع لتأخذ شكلا مميزا يميز كل شخص عن غيره. والله يسوي البنان للإنسان وهو جنين، وتظل بصمته ثابتة لا تتغير حتى يتحلل جسده بعد الموت. وجاء في الموسوعة العربية العالمية: (و يصنف خبراء البصمات البصمات وفقًا لِصيغ التصنيف ، وترتكز معظم هذه الصيغ على شكل البصمة، وعلى عدد الخطوط بين ن قاط معينة في نطاق الأشكال. وتوجد أربعة أنواع رئيسية لأشكال البصمات: شكل العروة وهو أكثر الأنواع شيوعًا، وفيه تبدأ الخطوط من جوانب الأصبع وتنحني إلى الخلف بشكل حاد، وتنتهي على نفس الجانب. وفي الشكل الحلزوني، تكون الخطوط على شكل دائري . وفي شكل القوس، تمتد الخطوط من أحد جانبي الإصبع إلى الآخر مرتفعة في منطقة الوسط . أما الشكل العشوائي، فليس له شكل محدد، إذ يوجد فيه كثير من أشكال العُرَى المجمَّعة والأشكال الحلزونية والأقواس).
عدد الصفحات ٥٤11 (تسوية السماء قال تعالى: ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ( 17) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ( 12) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا 19) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ). تسوية السماء: إتمام خلقها وفقا لما قُدّر لها أن تكون، بحيث تأخذ خصائصها التي تميزها عن غيرها. وتسوية السماء هي المرحلة الثانية للخلق، حي ث خلق الله السماوات والأرض فكانتا رتقا، ثم فتقهما الله، وعندئذ استوى إلى السماء وهي دخان، فسواها، حيث أتم خلقها، وفي هذه المرحلة تميزت عن الأرض، وأخذت خصائصها، فبناها، ورفع سمكها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها... الخ. وهي خصائص مميزة لها عن غيرها، وتجد الأفعال ا لمستخدمة معها مختلفة عن تلك المستخدمة مع الأرض (دحاها، طحاها، فرشها...). وبعد اكتمال مرحلة تسوية السماء بدأ دحو الأرض ( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ). والمقصود بالسماء: السماء الأولية التي كانت قبل أن يسويها الله سبع سماواتوات في القرآن الكريم
عدد الصفحات ٥٥16 (تسوية السماوات السبع قال تعالى: ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ) في سورة البقرة، وقال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (30) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَ وْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( 33) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) في سورة فصلت. تسوية ال سماوات: إتمام خلقها وفقا لما قُدّر لها أن تكون، بحيث تأخذ خصائصها التي تميزها عن غيرها. وكما تبين آيات القرآن الكريم أن الله خلق السماوات والأرض بادئ الأمر (في مرحلة الخلق)، فكانتا رتقا، وفي أول مرحلة التسوية فتق الله السماوات والأرض، فانفصلت الأرض، وظلت السماوات في رحم السماء الأولية، ثم سوى الله السماء الأولية، وبعد ذلك دحا الأرض، ثم سوى السماوات السبع، فاستقلت كل سماء عن الأخرى، وأصبحت السماء التي تحيط بالأرض هي السماء الدنيا. فتسوية السماوات السبع، هو إتمام لخلقهن، بحيث تمايزت السماء الأولية إلى سبع سماوات، أدناهن السماء الدنيا، فبناهن الله (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا )، فلا فروج فيهن ولا فطور: ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ )، ورفعهن بغير ع مد مرئية: ( اللهُ الَّذِي رَفَعَ
عدد الصفحات ٥٦17 السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )، وجعلهن طباقا، أي: متطابقة بعضها فوق بعض، كل سماء تحيط بالتي تحتها، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ). وكما تبين آية فصلت، فإن الله سواهن سبع سماوات، وأوحى في كل سماء (أمرها)، وإضافة (أمر) إلى كل سماء يفيد تخصيصها بأمر يختلف عن غيرها، ثم ذكر لنا ما يخص السماء الدنيا، فقال: (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِ فْظًا )، فهذه الزينة من الأمر الذي يخص السماء الدنيا، فحيث ذكرت الزينة اقترنت بالسماء الدنيا. وكانت تسوية السماوات السبع هي الجزء الأخير في مرحلة التسوية، وهي الجزء الأخير في الأيام الستة. ثم بعد ذلك كما قال تعالى: (ثم استوى على العرش)، فدخل الخلق في مرحلة التدبير.
عدد الصفحات ٥٧18 ثانيا: تسوية الشيء بالشيء جاءت في موضعين : (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( 97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ )، وقوله: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ). إذ نسويكم برب العالمين: جاءت في موضعين، الأول قول قوم إبراهيم حين يأخذهم الندم يوم الدين، مخاطبين أصنامهم التي كانوا ينحتون: ( تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( 97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ )، أي نجعلكم مستوين مع رب العالمين، فالمشركون نقلوا أكابرهم من مستواهم البشري إلى مستوى الألوهية، فجعلوهم متماثلين مع رب العالمين، والتماثل منحهم حق الألوهية فعبدوهم، أو جعلوهم شركاء. قال ابن عاشور: (أي: إذ نجعلكم مثل رب العالمين، فالظاهر أنهم جعلوهم مثله مع الاعتراف بالإلهية وهو ظاهر حال إشراكهم، ويحتمل أنهم جعلوه مثله فيما تبين لهم من إلهيته يومئذ إذ كانوا لا يؤمنون بالله أصلا في الدنيا فهي تسوية بالمئال وقد آبوا إلى الاعتراف بما تضمنته كلمة إبراهيم لهم في الدنيا إذ قال لهم : {فَإِنَّهُمْ عَدُو لِي إِلَّ ا رَبَّ الْعَالَمِينَ }.)
عدد الصفحات ٥٨19 لو تسوى بهم الأرض وجاء في قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ). التركيب الشائع في التسوية أن يكون الشيء المقيس أولاً والشيء المقيس عليه ثانياً بعد الباء، فتقول: سويت زيدا بعمرو، فعمرو هو المقيس عليه، وفي قوله: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) فهم قاسوا أصنامهم وجعلوها مستوية مع رب العالمين. وعلى ذلك يقال: سويتُه بالأرض، إذا جعلته مستوياً مع الأرض، فالأرض هي المقيس عليه. وأما في الآية فق د جاء التركيب عكس ذلك (تسوى بهم الأرض)، كأنْ تقول: سويتُ الأرض به، فهو المقيس عليه، والمعنى: أنك تجعل الأرض مساوية له. وبالرجوع إلى كتب التفسير نجد أنهم يفسرون التركيب الأول بدلالة التركيب الثاني، فيقولون – كما في الطبري وغيره: (المعنى: لو سوّاهم الله والأ رض، فصاروا ترابًا مثلها بتصييره إياهم .. كقوله {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا })، وهذا يستقيم لو قال: يُسَوَّون بالأرض. وقال الزمخشري: ( لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. وقيل: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء . وقيل: تصير البهائم ترابا، فيودون حالها). وقال ابن عطية: ( واختلف فيه، فقالت فرقة: تنشق الأرض فيحصلون فيها ثم تتسوى هي في نفسها عليهم وبهم. وقالت فرقة: معناه لو تستوي هي معهم في أن يكونوا ترابا كآبائهم، فجاء اللفظ
عدد الصفحات ٥٩62 على أن الأرض هي المستوية معهم، والمعنى إنما هوأنهم يستوون مع الأرض، ففي اللفظ قلب يخرج على نحو اللغة التي حكاها سيبويه، أدخلت القلنسوة في رأسي وأدخلت فمي في الحجر، وما جرى مجراه)، وافتراض القلب لا مسوغ له. وقال ابن كثير: ( أي: لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة و التوبيخ، كقوله: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا } . وقال البقاعي أي تكون مستوية معتدلة بهم، ولا تكون كذلك إلا وقد غيبتهم واستوت بهم، لم يبق فيها شيء من عوج ولا نتوّ بسبب أحد منهم ولا شيء من أجسامهم؛ وإنما ودوا ذلك خوفاً مما يستقبلهم من الفضيحة بعتابهم ثم الإهانة بعقابهم)، وزاد فتح القدير قولا: ( وقيل: الباء في قوله: بهم بمعنى على، أي: تسوى عليهم الأرض). ** وأما ابن عاشور في التحرير والتنوير فقد نقل تفسير الجمهور، ثم جاء بقول وجيه، قال: ( والأظهر عندي: أن المعنى التسوية في البروز والظهور، أي أن ترتفع الأرض فتسوى في الارتفاع بأجسادهم، فلا يظهروا، وذلك كناية عن شدة خوفهم وذلهم، فينقبضون ويتضاءلون حتى يودوا أن يصيروا غير ظاهرين على الأرض، كما وصف أحد الأعراب يهجو قوما من طيء، أنشده المبرد في الكامل: إذا ما قيل أيُّ همُ لأيٍّ ... تشابهتِ المناكبُ والرؤوسُ
عدد الصفحات ٦٠61 وهذا أحسن في معنى الآية وأنسب بالكناية). وهذا القول هو الأنسب معنىُ وكنايةً، وتركيباً أيضاً. فالمعنى: لو ترتفع الأرض حتى تسوى بهم، فتغطيهم، فهم من شدة خوفهم تجمدت الحركة لديهم، فلم يعودوا قادرين على الحركة، ولا حتى الاختفاء في الأرض، ويتمنون حينئذ أن تتحرك الأرض فترتفع وتخفيهم، وهم على حالهم. وهذا تصوير بديع لنفوس الكافرين في ذلك الموقف، وفزعها من شدة هوله.
عدد الصفحات ٦١62 فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها وأما قوله تعالى: ( فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ( 34) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ). فالسؤال في هذا المقام: إلى أين يعود الضمير في قوله (فسواها)؟ قال الطبري: (فسوّى الدمدمة عليهم جميعهم، فلم يُفْلِت منهم أحد)، وقال الفراء: (فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً )، وقال الزمخشري بعد ذكر القول الأول: ( ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى: فسواها بالأرض. أو في الهلاك). وقال ابن عطية: (فسوى القبيلة في الهلاك لم ينج منهم أحد)، وقد جمعها الشوكاني فقال: (والضمير في «فسواها»يعود إلى الدمدمة، أي: فسوى الدمدمة عليهم وعمهم بها فاستوت على صغيرهم وكبيرهم، وقيل: يعود إلى الأرض، أي: فسوى الأرض عليهم فجعلهم تحت التراب، وقيل: يعود إلى الأمة، أي: ثمود. قال الفراء: سوى الأمة: أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها بمعنى سوى بينهم). والذي يترجح لدي أن الضمير عائد على (ثمود)، ولكن ليس على تقدير: سوى بينهم في الهلاك، ولكن على التقدير الذي ذكره الزمخشري أولاً: سوّ ى ثمود بالأرض، فهو التركيب المستخدم في هذا السياق: سواه بالأرض، ولم يذكر (بالأرض) لدلالة المقام عليه. ولا مسوغ للقول: سوى بينهم في الهلاك، فالاشتقاق الشائع الاستخدام مع (بين) عادة هو: ساوى، وليس: سوى، كما أن تقدير: (سوى القبيلة في الهلاك) ضعيف.
عدد الصفحات ٦٢63 وقد جاء الاستخدام هنا وفق التركيب: سواهم بالأرض، و الآية السابقة: سوى الأرض بهم؛ فالآية السابقة تتح دث عن أمنية الكافرين يومئذ، وحالتهم النفسية في أن تصبح الأرض مساوية لهم فتبتلعهم أو تخفيهم وهم واقفون، فهو تصوير رائع وبديع لحالة الخوف والفزع الرهيب الذي اعتراهم، وانعدام الزمن عندهم لدرجة أنهم لا يتمنون أن يدفنوا ويسوون بالأرض، فذلك وقت طويل، لا يطيقون ا نتظاره، بل الأرض تبرز فجأة وسريعا لتبتلعهم وهم واقفون. أما الآية التي في سورة الشمس، فهي تتحدث عن حالة وقعت في الدنيا، فكان الأنسب القول: أن الله سوى القبيلة بالأرض، حيث أهلكتهم الصيحة فسوتهم بالأرض، فأصبحوا جاثمين، كما قال: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَ أَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ )، وقد وصفهم بالجثوم في ثلاثة مواطن، وقال: (فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ )، فهي حالة الجثوم التي سوتهم بالأرض فما قاموا بعدها. فكأنها جمدتهم فما استطاعوا من قيام، وقد كانوا مستطيعين. ولم يَ رِدْ وصف قوم بالجثوم إلا ثمود (قوم صالح) ومدين (قوم شعيب)، وكلاهما أخذتهم الرجفة، وقد جمع الله بينهما فقال: (أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ )، وهذا يدل على أن الصيحة التي أخذتهم لها ميزة تخصها في أنها تُـجْثم الهلكى فتسويهم بالأرض.
عدد الصفحات ٦٣64 (7) تركيب[ ورد مرة في قوله تعاآتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا )، مسندا إلى ذي القرنين. حتى إذا ساوى بين الصدفين: يقال: ساوى بين الشيئين مساواة، قال الراغب: ( الْمُسَاوَاةُ: المعادلة المعتبرة بالذّ رع والوزن، والكيل .. وقد يعتبر بالكيفية). وفي لسان العرب: ( يقال: ساويت هذا بذاك إذا رفعته حتى بلغ قدره ومبلغه. وقوله (ساوى بين الصدفين)، أي: سوى بينهما حين رفع السد بينهما. ويقال: ساوى الشيءُ الشيءَ إذا عادله. وساويت بين الشيئين إذا عدلت بينهما وسويت.). ودلالة المساواة لا تخرج عن الدلالة العامة للجذر، فثمة شيئان بينهما تباين، والفاعل يريد إلغاء هذا التباين، وفقا لمقياس ما، قد يكون المقياس أحد الشيئين، وقد يكون المقياس غيرهما، فيعدلهما وفقا له. وهذا المعنى في الآية، فذو القرنين تخير جبلين يمثلان مضيقا بين القومين ليجعل بينهم سدا. فأخذ زبر الحديد (قطع الحديد)، فملأ بها ما بين الصدفين، حتى ساوى بينهما، أي: جعل حافتيهما متماثلة في مقدار الارتفاع. فالصدفان كانا متباينين، وقد ساوى بينهما حين ردم الفجوة التي بينهما، فأصبحا كأنهما خطا واحدا، وليسا قمتين مختلفتين.
عدد الصفحات ٦٤