17 إلى حركة ذات طبيعة بشرية،وهي التعلق من السقف. كما أن الآية تبين أن أفق الأرض كالسقف لها، فهو يتدلى منه. فحالة الاستواء التي ان تقل إليها هي حالة مثال بالنسبة إلى البشر، ولذلك قال (فكان قاب قوسين أو أدنى)، وهذا يدل على غاية الاقتراب، وأنه قد تحول إلى حالة بشرية تتيح له أن يكون على هذه المسافة من رجل بشري، ولو كان بحالته السابقة لما تيسر ذلك. والله أعلم.
عدد الصفحات ١٧18 (1 ) [- سواء يستويان: والاستخدام الثاني: (استوى) وفاعلها إما مثنى أو مفردان معطوف أحدهما على الآخر، وهذه لم تأت إلا بصيغة المضارع، وقد جاءت في سبعة عشر موضعا، ولم تأت إلا منفية بـ(لا)، أو (ما)، أو (هل) الدالة على النفي. كقوله: ( قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ )، وقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ )، وقوله: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ )، وقوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ). والدلالة هنا واضحة، فهو ينفي التماثل بين شيئين، حيث إن أحدهما يعد مقياسا للآخر، ودل النفي عل ى أنه مقياس يقتضي التباين التام سابقا ولاحقا، أي: هما متباينان وسيظلان متباينين، ولا يمكن أن يستويا.
عدد الصفحات ١٨19 (سواء)، وأما (سواء) فهي اسم فاعل لـ(يستوي)، بمعنى: (مستوي)، ولا داعي لتأويلها بالمصدرية، فهي تقوم مقام الفعل المضارع دلالة وتركيباً. كقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ )، أي: مُستوٍ عليهم الأمران، وقوله ( سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ )، مستوٍ منكم الأمران، وقوله: ( لَيْسُوا سَوَاءً )، أي: ليسوا مستوين. واطرد استخدام القرآن الكريم للفعل (يستوي) في حال النفي [ إثبات استواء الأمرين وتراكيبها الواردة في القرآن الكريم، هي: 3 /سواء كذا أم كذا كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْ ذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ )، ويأتي بعدها فعلان ماضيان، أولهما مسبوق بهمزة الاستفهام، والآخر بـ(أم)، وتقترن بها (على)، ولم تأت إلا في مقام الذم، وجاءت في ستة مواضع. والموضع السابع قوله: (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَ اءٌ عَلَيْكُمْ )، حيث تقدم الفعل بصيغة الأمر. والمعنى: يستوي الأمران في الحكم. فهي تأخذ دلالة (يستوي)، وقد سبق الحديث عنها. والأمران المذكوران مع (سواء) يكونان متباينين، والمتكلم يبين أنه بالرغم من تباينهما فإنهما مستويان في الأثر، فقوله مثلا: (سَوَاءٌ
عدد الصفحات ١٩22 عَلَ يْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ )، يبين أن الاستغفار وعدمه (وهما شيئان متباينان) سواء في أثرهما، فلن يؤديا إلى نتيجة (فلن يغفر الله لهم). 1 /سواء كذا وكذا وجاءت في ثلاثة مواضع، قوله: (وَالْمَسْجِدِ الْحَ رَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ )، وقوله ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ )، و( سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَ رَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ). فيأتي بعدها اسمان مرفوعان، والثاني معطوف على الأول. والمعنى: يستوي الأمران في الحكم، والأمران متباينان كما أوضحت في التركيب الأول. 1 /(هم) سواء، مجيؤها خبرا كقوله: (لَيْسُوا سَوَاءً )، و(فَتَكُونُونَ سَوَاءً )، و(وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ )، و( فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ). والمعنى في كل ذل ك: الاستواء بين فريقين متباينين، أي: فهم مستوون النفيسَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ). وسأبينها بعد قليل. فقوله: (لَيْسُوا سَوَاءً )، ينفي استواءهما، فهم فريقان متباينان.
عدد الصفحات ٢٠21 وقولهفَتَكُونُونَ سَوَاءً ) أي فتصبحون مستوين، ولا يكون بينكم تبان.
عدد الصفحات ٢١22 4 /مجيؤها صفة كلمة سواء: وذلك في قوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ )، أو صفة مقدرة (على سواء)، في قوله: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ )، و(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ ). وقد فسرها المفسرون والمعاجم بأنها بمعنى: عدل ونصفة، وهذا تفسير بالمعنى، أما دلالته الدقيقة وفقا للجذور، فهي: مستوية، أو نقول تجوزا: وسط. فـ(كلمة سواء)، أي: مستوية، والكلمة المستوية هي الكلمة التي تستوي إليها نظرة الطرفين، فيرتضيها كل منهم، فكل طرف له كلمة تخصه، والكلمة السواء هي المشتركة بينهم. وتجوزا نقول: وسط، فالوسط هو المكان الذي يلتقي فيه الطرفان، فتستوي إليه المسافة من عند كل طرف. فانبذ إليهم على سواء: وكذلك قوله ( فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ )، أي: على طريقة مستوية، لا عوج فيها ولا ميل، يراها الطرفان بوضوح، ومعنى الآية: أعلمهم بانتهاء عهدهم، ويكون نبذ عهدهم واضحا بينا لهم معلنا، لا مواراة فيه، بحيث يكون واضحا لكلا الطرفين، ولا يكون الشيء واضحا تمام الوضوح لطرفين متقابلين إلا إذا كان مستويا بينهما، أي: تستوي النظرة إليه من كل طرف، فكأنه يضع نبذ العهد في
عدد الصفحات ٢٢23 الوسط بينهما ليكون الطرف الآخر على بينة من الأمر. وكذلك القول في الآية الثالثة. مكانا سوى: ومن مجيئها صفة قوله تعالى: (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى )، قال في لسان العرب: (تقول: هذا مكان سواء، أي: متوسط بين المكانين، ولكن لم يُقرأ إلا بالقصر: سِوىً وسُوىً). فجاء بمعنى: مستوٍ، وهو الوسط بين مكانين.
عدد الصفحات ٢٣24 5 /مجيؤها مضافة وقد أضيفت في القرآن الكريم إلى ثلاثة ألفاظ، وهي: (سَوَاءَ السَّبِيلِ ) في ستة مواضع، و( سَوَاءِ الْجَحِيمِ ) في موضعين، و( سَوَاءِ الصِّرَاطِ ) في موضع. قال ابن الأثير في غريب الحديث: ( وسَوَاءُ الشَّيء: وسَطُه ؛ لاستواء المسافة إليه من الأطراف)، فالشيئان هنا مقدران، وهما طرفا الشيء، وكلاهما متباينان، ومقيسان إلى شيء آخر يباينهما، وهو الوسط، والوسط يمثل نقطة التقاء طرفين يتماثلان إلى تلك النقطة. فـ(سواء) لم يخرج عن دلالته (مستوٍ)، فالطرفان مستويان إلى الوسط. سواء الجحيم: وسواء الجحيم هي أصلها، حيث تخرج شجرة الزقوم ( إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ )، (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ( 41) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ 45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ 46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ( 47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ). سواء السبيل: وأما تركيب (سواء السبيل)، فتخرج الإضافة على تقدير (في)، كقوله: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ )، أي: مكر في الليل، وكذلك (سواء السبيل)، أي: سواءٌ في السبيل، كما تقول: وسط السبيل، أي: المنطقة الوسط فيه، فكأنك تقول: المنطقة السواء (المستوية) فيه.
عدد الصفحات ٢٤21 وبذلك فهو يختلف عن ا لقول: الصراط السوي، فالوصف هنا يلاحظ التباين بين الاستقامة والعوج، كما أسلفت. سواء الصراط: أما (سواء الصراط)، فيلحظ في الإضافة الوسط بين طرفيه.
عدد الصفحات ٢٥26 6 /(سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) قوله تعالى: ( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ). تخريج العلماء للآية: حيّ ر تخريج (سواء) أئمة التفسير واللغة، وقد قرأها الجمهور بالنصب، كما قرئت بالرفع والجر. قال سيبويه في الكتاب: ( هذا درهمٌ سواءً . كأنه قال هذا درهم استواءً . فهذا تمثيل وإن لم يتكلم به. قال عز وجل: "في أربعة أيامٍ سَواءً للسائلين". وقد قرأ ناسٌ: "في أربعةِ أيامٍ سواءٍ". قال الخليل: جعله بمنزلة مستويات. وتقول: هذا درهمٌ سواءٌ، كأنك قلت: هذا درهمٌ تام ). وقال الزجاج في معاني القرآن: (من خفضها جعلها صفة لأيام، أي: أربعة أيام مستويات، ومن نصب فعلى المصدر، أي: استوى استواء وسواء، ومن رفع فعل معنى: هي سواء. ومعنى للسائلين: معلق بقوله: (وقدر فيها أقواتها) لكل محتاج إلى القوت. ويجوز أن يكون للسائلين لمن سأل في كم خلقت السماوات والأرضون؛ فقيل: خلقت الأرض في أربعة أيام سواء لا زيادة فيها ولا نقصان جوابا لمن سأل). وقال الرازي في مفاتيح الغيب: (ما المراد من كون تلك الأيام الأربعة سواء؟ فنقول إن الأيام قد تكون متساوية المقادير كالأيام الموجودة في أماكن خط الاستواء ، وقد تكون مختلفة كالأيام
عدد الصفحات ٢٦27 الموجودةعامّة الأماكن، فبين تعالى أن تلك الأيام الأربعة كانت متساوية غير مختلفة). وفي البحر المحيط: (ثم قال في أربعة أيام سواء، دل على أن هذه الأيام مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ونقصان... وقال ابن زيد وجماعة: معناه مستو مهيأ أمر هذه المخلوقات ونفعها للمحتاجين إليها من البشر، فعبر بالسائلين عن الطالبين لأنهم من شأنهم ولا بد طلب ما ينتفعون به، إذ هم بحال حاجة). وقال الشوكاني في فتح القدير: (وانتصاب سواء على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف هو صفة للأيام، أي: استوت سواء بمعنى استواء، ويجوز أن يكون منتصبا على الحال من الأرض، أو من الضمائر الراجعة إليها. قرأ الجمهور بنصب سواء وقرأ زيد بن علي، والحسن، وابن أبي إسحاق، وعيسى، ويعقوب، وعمرو بن عبيد بخفضه على أنه صفة الأيام. وقرأ أبو جعفر برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف. قال الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة، وقوله: للسائلين: متعلق بسواء، أي: مستويات للسائلين، أو بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر للسائلين في كم خلقت الأرض وما فيها؟ أو متعلق بقدر، أي: قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين المحتاجين إليها. قال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين في أربعة أيام، واختار هذا ابن جرير). وقال اب ن عاشور في التحرير والتنوير: ( وسواء قرأه الجمهور بالنصب على الحال من أيام أي كاملة لا نقص فيها ولا زيادة. وقرأه
عدد الصفحات ٢٧28 أبو جعفر مرفوعا على الابتداء بتقدير: هي سواء. وقرأه يعقوب مجرورا على الوصف لـ أيام. وللسائلين يتنازعه كل من أفعال: جعل وبارك وقدر فيكون للسائلين جمع سائل بمعنى الطالب للمعرفة، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، أي بينا ذلك للسائلين ويجوز أن يكون للسائلين متعلقا بفعل قدر فيها أقواتها فيكون المراد بالسائلين الطالبين للقوت). نقد التخريجات السابقة: تدور التخريجات السابقة على جعل (سواء) متعلقة بـ(أربعة أيام)، وصفا أو حالا أو مصدرا أو خبرا. فهي أربعة أيام كاملة لا زيادة فيها ولا نقصان. غير أن القول بأن (سواء) مصدر: (استوى) فيه نظر، فلم يرد في استخدام العرب (سواء) بمعنى (استواء)، بل هي بمعنى اسم الفاعل: (مستوي). وعادة ما يطرد استخدام اسم الفاعل مع الفعل المضارع، ويطرد استخدام المصدر مع الفعل الأمر، فنحو: يقوم زيدٌ، قائمٌ زيدٌ اختصم زيد وعمرو وذلك في اللازم أو المتعدي. ومن ثم فـ(سواء) تطرد مع (يستوي)، كما في الأمثلة السابقة، وهذا يدل على أنها اسم فاعل له، لا مصدر. وأما القول بأنها صفة لأربعة أيام، والتقدير: مستوية، بمعنى: كاملة لا زيادة فيها ولا نقصان، فلا وجه لهذا القول، و(سواء) في اللغة العربية لا تفيد معنى الكمال، وقد سبق بيان ذلك عند قوله
عدد الصفحات ٢٨29 (آيَتُكَ أَلَّا تُكَل مَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا )، والأيام توصف بالكمال أو التمام لا بالاستواء، كقوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ )، وقوله: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَ ة)، و(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ). ولا تقاس على: مكان سواء يمكن تخيله إذا كان في وسطه، كما أسلفت بيانه. وقد ورد في العربية: سواء النهار، أي وسطه، فهو الوقت الزمني الذي تستوي ساعات النهار من أوله وآخره، وهو الوسط. كما جاء قولهم: ليلة السواء، وهي ليلة وسط الشهر، فيستوي عدد الأيام إليها من أول الشهر وآخره. ولا يتصور هذا المعنى في قوله: (أربعة أيام مستوية). الوجه في تخريجها: أما الوجه عندي فهو أن (سواء) لا علاقة لها بـ(أربعة أيام)، بل هي متعلقة بالآية السابقة، ففي الآية السابقة: ( أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ) فالسؤال هنا إنكاري، وهو يخاطب المشركين منكرا عليهم أن يكفروا بالله وأن يجعلوا له أندادا، ثم قال (ذلك رب العالمين... في أربعة أيام)، فرب العالمين الذي خلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام. وهنا انتهت الجملة، فهو يقول هذا رب العالمين، ثم استأنف فقال: (سواء للسائلين)، أي: أيكون رب
عدد الصفحات ٢٩32 العالمين والأنداد سواءً، أي: مستوين، ذلك رب العالمين قد عرفتم شأنه، فماذا عن الأنداد، أيكونون سواءً؟! أو: أفهم سواءٌ؟! وهذا التخريج يتسق مع معنى (سواء): مستوي، ومع استخدامها في القرآن الكريم، دون الحاجة إلى تكلف أو تأول. كما سبق في قوله ( لَيْ سُوا سَوَاءً )، وقوله ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً )، وقوله (وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ )، وقوله (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ )، فـ(سواء) في كلها بمعنى: مستوين. كما يتسق مع دلالة (سواء)، حيث تدل على استواء شيئين متباين العالمين الذي خلق الأرض وخلق ما فيها، والأنداد التي جعلوها - سواء، فهم ليسوا سواء. كما ينتظم مع سياق الآي، فموضوع الحديث جاء إنكارا لهؤلاء الكافرين أن يكفروا بالله ويسووا به الأنداد، كما قال (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ )، ثم ذكر أن الله هو الخالق الذي خلق الأرض، فماذا فعل الأنداد؟ أفهم سواء؟! ثم بعد ذلك بين أن رب العالمين استوى إلى السماء فسوى السماوات السبع، ثم قال: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِ قَةً )، أي: فإن استمروا في إعراضهم وجعل الأنداد وتسويتهم برب العالمين فقل: أنذرتكم صاعقة.
عدد الصفحات ٣٠31 وقوله (للسائلين): من السؤال بمعنى طلب المعرفة، وليس من السائل بمعنى المحتاج، أي: أفيكونون سواء للسائلين، والسائلون إما يقصد بهم الكافرون الذي يسألون عن الله، وعن أحقيت ه بالتوحيد، كما قال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ )؟ وكما قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا )، وسؤالهم سؤال إنكار وتعجب. وعلى هذا فيكون التقدير في حال النصب: أفيكونون سواءً للسائلين؟ وفي حال الرفع: أفهم سواءٌ، وفي حال الجر: أهم بمنزلةٍ سواءٍ؟! وإما يكون المعنى عاما، فيقصد به أي سائل، كقوله: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ )، أي: لمن يسأل عنهم. وهنا يكون التقدير نفيا، أي: ليسوا سواء للسائلين، فهو يقول: إذا كانوا سواء عند هؤلاء الك افرين فليسوا سواء للسائلين، الذين يريدون معرفة الحق ويؤمنون به. وعليه فالتقدير في حال النصب: فليسوا سواءً، أو: فما هم سواءً (كقوله: مَا هَذَا بَشَرًا )، وتقدير الرفع: فما هم سواءٌ [ ليسوا بسواءٍ كقوله: وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )، و(كقوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ). والله أعلى وأعلم.
عدد الصفحات ٣١32 (4) تركيب[ والاستخدام الثالث: (استوى إلى)، فهي متعدية بالحرف (إ وقد جاءت في موضعين (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )، في سورة البقرة، و قوله: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْ عَالَمِينَ ( 9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (30) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْ هًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( 33) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) في سورة فصلت، فالله هو الذي استوى إلى السماء. بالرجوع إلى الآيتين نجد ما يلي: يتحدث الله عن السماء والأرض التي خلقها، وخلق ما في الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض: ائتيا طوعا أو كرها... فأتم الله خلقهن، ثم سوى الله السماوات السبع في يومين. فالسماء التي استوى إليها الله هي السماء الأولية التي خلقها قبل خلق السماوات، وآية فصلت تبين أنها كانت في مرحلة الدخان حين استوى الله إليها (وهي دخان)، أي حالة كونها دخانا، فأتم خلقها وخلق الأرض كما تبينه آية فصلت، ثم بعد ذلك سوى السماوات السبع من تلك السماء. وقد فسر المفسرون الآية بالقصد والإقبال، وقال الراغب أي: بتدبيره، أي: أقبل إلى السماء بتدبيره.
عدد الصفحات ٣٢