(سوّى) ومشتقاتها في القرآن الكريم (دراسة معجمية) عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي 3414هـ1031م موقع رحى الحرف
عدد الصفحات ١2 (سوّى) ومشتقاتها في القرآن الكريم (دراسة معجمية) عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي 3414هـ1031م موقع رحى الحرف جميع الحقوق محفوظة للمؤلف. (ترقيم الكتاب موافق لنسخة المؤلف) للاقتباس: (سوّى) ومشتقاتها ، عبد المجيد بن محمد الغيلي، 3414هـ1031م، منشور على موقع المؤلف: رحى الحرف، ص ...
عدد الصفحات ٢3 الفهرس الفهرس: .................................................... 3 مقدمة: ..................................................... 6 خلاصة الدلالات: ........................................... 7 مقدمة: دلالة (س و ى) في اللغة ............................ 8 (س و ى) في المعاجم: ................................... 8 التحقيق في الدلالة اللغوية لـ(س و ى): ............... 9 (3 )تركيب[ :سَوِي فهو سَوِيّ ] ........................... 11 صراط سوي: ......................................... 11 بشر سوي: ............................................ 12 ثلاث ليال سويا: ..................................... 12 (1 )تركيب: [استوى] .................................... 13 بلغ أشده واستوى: ................................... 13 ذو مرة فاستوى: ...................................... 11 (1[ )يستويان - سواء] .................................. 18 يستويان: ............................................. 18 (سواء)، ............................................... 19 3 /سواء كذا أم كذا ........................... 19 1 /سواء كذا وكذا ............................ 22 1( /هم) سواء، مجيؤها خبرا. .................. 22 4 /مجيؤها صفة ................................ 22 كلمة سواء: ................................ 22 فانبذ إليهم على سواء: ..................... 22
عدد الصفحات ٣4 مكانا سوى: ................................. 23 5 /مجيؤها مضافة .............................. 24 سواء الجحيم: .............................. 24 سواء السبيل: ............................... 24 سواء الصراط: .............................. 21 6( /سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) ............................. 26 تخريج العلماء للآية: ....................... 26 نقد التخريجات السابقة: ................... 28 الوجه في تخريجها: ......................... 29 (4 )تركيب[ :استوى إلى] ................................ 32 (5 )تركيب[ :استوى على] ............................... 31 استوت على الجودي: ................................. 31 فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك: .......... 36 لتستووا على ظهوره: ................................. 36 فاستوى على سوقه: .................................. 37 ثم استوى على العرش: .............................. 38 (6 )تركيب[ :سوّى ] ..................................... 43 أو: تسوية الشيء [سوّى الشيءَ ] .................... 41 خلق فسوى: ..................................... 41 (تسوية الإنسان) ................................. 46 أ/ نفخ الروح: ............................... 47 ب/ تسوية الصورة: .......................... 49 ج/ تسوية النفس: ........................... 12 خلاصة آيات تسوية الإنسان: ............... 11
عدد الصفحات ٤1 (نسوي بنانه) .................................... 13 (تسوية السماء) ................................. 11 (تسوية السماوات السبع) ........................ 16 ثانيا: تسوية الشيء بالشيء ......................... 18 إذ نسويكم برب العالمين: ......................... 18 لو تسوى بهم الأرض: ............................ 19 فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها: ............ 62 (7 )تركيب[ :ساوى] ..................................... 64 حتى إذا ساوى بين الصدفين: ........................ 64
عدد الصفحات ٥6 مقدمة هذا البحث يدرس جذر (سوى) ومشتقاتها في القرآن الكريم. وقد بدأ ببيان الدلالة العامة للجذر. ثم بينت الصيغ التي ورد فيها اللفظ، وهي: سوِي، واستوى، وسوّى ، وساوى. ودرست الآيات في كل صيغة. أسأل الله الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى، ألا يردنا إلى أسفل سافلين، وألا ينكسنا في الخلق. عبد المجيد محمد علي الغيلي الرياض جمادى الثانية – 3414هـ / أبريل1031م abdmmys81@hotmail.com
عدد الصفحات ٦7 خلاصة الدلالات جذر (س و ى): يدل على: مماثلة شيئين، متباينين، أحدهما مقياس للآخر. (استوى استواء): انتقل إلى حالة (مثال) بالنسبة إلى حالة سابقة مباينة لها. (سوّى): نقل الشيء المقيس إلى مستوى الشيء المقيس عليه، ليستويا. فالفاعل يُلحق أحد الشيئين بالآخر. تسوية الخلق: إتمام الخلق وفقا لما قُدّر له أن يكون، بحيث يأخذ خصائصه التي تميزه عن غيره.
عدد الصفحات ٧8 مقدمة: دلالة (س و ى) في اللغة (س و ى) في المعاجم: قال في الصحاح: (السَواءُ: العدلُ. وسواء الشئ: وسطه. واستوى على ظهر دابته، أي علا واستقر . واسْتَوى إلى السماء، أي قَصَدَ . واستوى الشئ: اعتدل. والاسم السَواءُ ). وفي مقاييس اللغة: (السين والواو والياء أصل يدل على استقامة واعتدال بين شيئين. يقال هذا لا يساوي كذا، أي لا يعادله. وفلان وفلان على سوية من هذا الأمر، أي سواء). وقال الراغب في المفردات: ( الْمُسَاوَاةُ: المعادلة المعتبرة بالذّرع والوزن، والكيل، يقال: هذا ثوب مُسَاوٍ لذاك الثّوب، وهذا الدّرهم مساو لذلك الدّرهم، وقد يعتبر بالكيفيّة، نحو: هذا السّواد مساو لذلك السّواد، وإن كان تحقيقه راجعا إلى اعتبار مكانه دون ذاته ... وتَسْوِيَةُ الشيء: جعله سواء، إمّا في الرّفعة، أو في الضّعة ). وسأبين أقوال أهل اللغة في بقية تركيبات (سوى) أثناء بحثي في كل تركيب.
عدد الصفحات ٨9 التحقيق في الدلالة اللغوية لـ(س و ى جذر (س و ى)، يدل على: مماثلة شيئين، متباينين، أحدهما مقياس للآخر. وسأبين هذه الدلالة على مختلف التركيبات الواردة في القرآن الكريم. وقد جاء جذر: س و ى، في القرآن الكريم، في التراكيب التالية: سوِيَ، واستوى، وسوّى، وساوى. فأما (سوِيَ، واستوى) فهما فعلان لازمان، وأما (سوّى، وساوى) فهما فعلان متعديان. استوى الشيءُ: أصبح مثل شيءٍ مباين له، وقيس عليه. وسوّى الشيءَ: جعله مستويا مع شيءٍ آخر مب اين له، وقيس عليه. وبتتبع مشتقات الجذر (س و ى)، والتراكيب اللغوية المختلفة الواردة في اللغة العربية، نجد أنه يتميز بأربع خصائص دلالية، هي: [ السابق بينهما 3. المماثلة، سواء بالإثبات أو النفي، نحوسواءٌ البعيدُ والقريبُ، ونحو: لا يستوي الأعمى والبصير. وقد تكون المماثلة مقدرة، نحو (صراط سوي) أي: مستقيم، فنفى مماثلة الاستقامة بالعوج، ونحو: سواء السبيل، أي وسطه، والوسط هو نقطة التقاء طرفين يتماثلان إلى تلك النقطة.
عدد الصفحات ٩12 1. وجود شيئين في دلالته، سواء أظاهرين كانا، مثل: لا يستوي الأعمى والبصير، أو مقدرين، مثل: (سواء الطريق)، أي: وسطها، لاستواء المسافة إليها من الأطراف، فالشيئان المقدران هم الطرفان. وسواء أشيئين كانا أم حالتين، أم مكانين، أم زمانين... الخ. وفي تركيب (استوى) غالبا ما يذكر الشيئان في نحو: لا يستوي الأعمى والبصير، ويقدر المقيس عليه في نحو: بلغ أشده واستوى، ونحو: استوى إلى السماء، يقدر الشيء المقيس عليه، نحو: (خلقك فسواك)، وقد يذكر، نحو: (إذ نسويكم برب العالمين). 1. أحد الشيئين يكون مقياسا (أو نموذجا، أو معيارا، أو مثالا)، والشيء الآخر يقاس إليه. فنحو: لا يستوي الأعمى والبصير، البصير هو الشيء المثال أو النموذج أو المعيار، وقيس عليه الأعمى، ومن ثم تم نفي هذه النسبة، ونحو: هل يستوون مثلا؟ وكونه مقياسا يشمل الرفعة والضعة، نحو: استوى قاسم وحسن في سوء الخلق. 4. دلالة ال تباين السابقة، وانتقال الشيء المقيس إلى حالة المقيس عليه (النموذج)، فنحو: استوى زيد وعمرو، يدل على أنهما لم يكونا كذلك من قبل، فمن قبل كان ثمة تباين بينهما. وبهاتين الدلالتين تفسر كل تراكيب (س و ى). وهذه بعض الآيات، وسأبين بها تلك الدلالة
عدد الصفحات ١٠11 (3 )تركيب[ صراط سوي (صراط سوي): مستقيم لا يميل إلى جهة دون أخرى، فلا إفراط فيه ولا تفريط، فالإفراط والتفريط يمثلان الاعوجاج في الصراط، والاعوجاج يباين الاستقامة، فـ(الصراط السوي) ينفي التماثل بين هذين الشيئين المتباينين: الاعوجاج والاستقامة، والاستقامة هي المقياس. وقد اطرد وصف (ا لصراط) في القرآن الكريم بـ(المستقيم): الصراط المستقيم، وفي بعض المواضع جاء وصفه بـ(سوي): الصراط السوي. ووصف أولئك الذين لا يتبعون الصراط السوي بأنهم ناكبون، أي مائلون عن وسطه ( وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ). وقال تعالى: ( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )، فـ(يمشي سويا)، جاءت مقابل: يمشي مكبا، فهما حالتان متقابلتان ، وهذا يفسر الاهتداء في قوله: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى )، أي: ومن اهتدى لأن يمشي سويا عليه. كما وصف الناكبون أيضا بالملحدين، قال تعالى: (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ )، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا )، والملحد هو من يميل عن الوسط المستقيم. قال ابن فارس: (اللام والحاء والدال أصل يدل على ميل عن استقامة. يقال: ألحد
عدد الصفحات ١١12 الرجل، إذا مال عن طريقة الحق والإيمان. وسمي اللّ حْد لأنه مائل في أحد جانبي الجَ دَث). بشر سوي: (بشر سوي)، في قوله تعالى: ( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا )، أي: بشرا سويا في بشريته، ولا يبدو عليه شيء من صفات الملائكية، فقوله (سويا) وصف يحترز به من توهم أن الروح تمثل لها بشرا وفيه بعض خصائص الملائكة، كالطيران وغيره، وقد يحدث هذا التوهم من قوله (فتمثل لها)، وهذا يدل على أنه دخل إليها كما يدخل إليها أي بشر، فخصائصه أمام مريم تغيرت تماما إلى الخصائص البشرية. فاللفظ هنا وازن بين حالتين: حالة البشرية وحالة الملكية، وكانت حالية البشرية مقياسا لتمثل الروح فيها، فهي حالة بشرية خالصة. ثلاث ليال سويا: وقوله: ( قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا )، فسرها الزجاج، بأن (سويا) حال من ضمير المخاطب، أي: تمنع الكلام وأنت سوي لا أخرس. وتفسيره أولى ممن فسرها بأنها صفة لـ(ليال)، أي: ثلاث ليال تامة، فالمخاطَب يهتم بحالته أكثر من تمام الليالي أو نقصها، فهو يخبره أنه سيمنع الكلام وهو سوي وليس عن خرس، وهذه هي آيته، فيعرف بعدها مجيء الولد. كما أن الأيام والليالي لا يوصف كمالها بالاستواء، بل بالكمال أو التمام. ولذلك مزيد بيان عند قوله (سواء للسائلين).
عدد الصفحات ١٢13 (1) تركيب[ (استوى) جاءت في القرآن الكريم على أربعة استخدامات، 3. استوى 1. يستويان، سواء 1. استوى إ 4. استوى على الأول: (استوى) وفاعلها مفرد واحد غير معطوف، وهذه لم تأت إلا بصيغة الماضي، وقد جاءت في موضعين، قوله تعالى في سورة القصص (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْ مًا وَعِلْمًا )، وقوله تعالى في سورة النجم: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ( 5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ). بلغ أشده واستوى: فأما آية القصص فتتحدث عن موسى عليه السلام، فبلوغ الأشد، يعني: بلوغه مرحلة القوة، وهي المرحلة التي تأتي بعد الضعف (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً )، فمرحلة الضعف هي مرحلة الطفولة، ثم تأتي مرحلة القوة ببلوغ الإنسان، وتستمر معه حتى الشيخوخة (وهي مرحلة الضعف والشيبة). وقد قال تعالى عن يوسف: (وَلَمَّ ا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا )، (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ )، (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا
عدد الصفحات ١٣14 وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا )، فكلها تدل على أن بلوغ الأشد هو مرحلة القوة، وهي بلوغ الإنسان، حيث تحدث كثير من التغييرات في جسمه ونفسه وعقله، ويمنحه الله قوى عدة، تناسب دوره ومسؤوليته في الحي اة. وفي قوله (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ )، دل على أن بلوغ الأربعين يمثل مرحلة فارقة بالنسبة إلى بلوغ الأشد، وبعد ذلك يبدأ الإنسان في مرحلة الضعف والشيبة، فالآية تعني أنه يبر بوالديه ويشكر ربه حين يبلغ أشده وحين يبلغ الأربعين أيضأ وما بينهما، ولا تأخذه نشوة السباب فتلهيه أو تطغيه. وأما لفظ (واستوى) فلم يرد إلا مع موسى عليه السلام، ولم يرد في مختلف الآيات التي تحدثت عن المراحل العمرية، وهذا يدل على أن (استوى) لا تعني مجرد بلوغ مرحلة عمرية، بل لها دلالة خاصة، لا تتعلق فقط بالعمر. جاء في قصة موسى بعد هذه الآية قصته حين دخل المدينة ووجد رجلين يقتتلان أحدهما من شيعته والآخر من عدوه، فوكز عدوه فقضى عليه، ثم قصته مع الفتاتين، حيث سقى لهما، ثم عمله مع الشيخ الكبير، حتى قضى الأجل وسار بأهله. وكل هذه لم تذكر إلا في سورة القصص، وهذا يدل على أن لها صلة بـ(استوى).
عدد الصفحات ١٤11 وبالعودة إلى دلالة (س و ى)، نجد أن قوله (واستوى) تدل على أنه انتقل إلى حالة (مثال) بالنسبة إلى حالة سابقة مباينة لها . وانتقال الإنسان من مرحلة الضعف إلى مرحلة القوة سماه القرآن الكريم في ستة مواضع: بلوغ الأشُدّ (وبلغ أشده)، فدل على أن (استوى) ليست بلوغ الأشد، كما أن بلوغ الأربعين سماه القرآن كذلك، وقد جاء عطف (واستوى) بالواو على (بلغ أشده)، فيدل على أنه يتحدث عن أمرين: عن المرحلة الزمنية التي بلغها (بلغ أشده)، وعن حالة من القوة والمسؤولية ليست عند نظرائه ممن بلغوا أشدهم، فهو (استوى)، أي انتقل من حالة الضعف وغير المسؤولية إلى حالة القوة والمسؤولية، في هذه المرحلة العمرية المبكرة يبلغها إلا في مرحلة لاحقة من عمره ذكرها بعد، والتي تبين عن مدى المسؤولية التي تحملها، والقوة التي أوتيها. ذو مرة فاستوى: وأما آية النجم فهي تتحدث عن جبريل عليه السلام، وهو الذي كان ينزل بالوحي، فهي تثبت رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل، وتلقيه عنه، وأن الرسول ما ضل وما غوى في ذلك، بل عاينه وتلقى عنه حقيقة. فقال: ( عَلَّمَهُ ) أي: أنزل القرآن عليه، ( شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ ): أي أن جبريل عليه السلام لديه القوى الشديدة التي خلقه الله بها لتساعده في إنجاز مهامه، ومنها الوحي، فهو ذو
عدد الصفحات ١٥16 قوى شديدة وليست قوة واحدة، وقوله (ذو مرة)، أي أن هذه القوى الشديدة مستجمعة مترابطة غير منقوضة، وبجميعها يستطيع القيام بمهامه. والعرب تقول للحيل إذا أحكم ربطه (مِرّ)، ويقولون: أمرّ الحبلَ يُمِرّه: إذا فتله فتلا شديدا، ويقابل ذلك: نقضه. ففي الآية يتحدث عن قوى شديدة عديدة قد ترا بطت واستجمعت فيه، فهو ذو مِرّة. ثم قال ( فَاسْتَوَى ( 6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى )، كما بينت دلالة (استوى)، انتقل إلى حالة مثال بالنسبة إلى حالة سابقة عليها. فالحالة السابقة هي الحالة التي خلقه الله عليه (شديد القوى ذو مرة)، وهي حالة تناسب أن يقوم بمهام ه فينزل بالوحي من رب العالمين إلى الأرض فيخترق السماوات كلها حتى يصل إلى الأرض. وهذه الحالة تناسب حالة انطلاقه من فوق السماوات إلى أن يصل إلى الأفق الأعلى للأرض، وحينئذ ثمة حالة أخرى تناسبه ليخترق أفق الأرض، فقال: (فاستوى وهو بالأفق الأعلى)، أي: انتقل إلى حالة خاصة حين بلغ الأفق الأعلى، ولم يرد الأفق في القرآن الكريم إلا مرتبطا بسماء الأرض، وذكر هذه الحالة بعد الحالة السابقة (شديد القوى ذو مرة)، يبين مباينتها لها، فهي حالة أقرب ما تكون إلى الحالة البشرية، كما قال (فتمثل لها بشرا)، ويدل على هذا قوله بعدها ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى )، أي بعد أن استوى وهو بالأفق الأعلى للأرض دنا من الأرض فتدلى، أي كان في حالة يشبه حالة من يتعلق بالسقف، فهنا يصف حركته حين يدخل الأرض، وهذه الحركة تبين أن ثمة تغييراً في سرعة حركته وطبيعتها، هي أقرب ما تكون
عدد الصفحات ١٦