49 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه هؤلاء. والله - تعالى - يدل نا على حقائق أحوالهم، ومكنونات قلوبهم الخبيثة، إذا حصل لهم نفوذ أو نج ح لهم تدبير ، أم ا قبل ذلك فهم على ما وص ف هم الله ورسوله ، يلبسون للناس جلد الضأن من اللين، ألسنتهم أحل ى من الس ك ر، و قلوبهم قلوب الذ ئب، قولهم ي عج ب كل سامع، و يشهد أحدهم الله على صح ة ما يقول و على مطابقة قوله فعله. ولهم تفن ن عجيب في ذلك، وورا ء هم من الك ت ل و الأحزاب ما تحيطهم بهالة التعظيم ، و ت ر و ج دعاويهم المغشوشة ، و ت بر زها في أحسن المظاهر ، و ت ق وم بحملات منظ مة ضد المصلحين القيق ي ين بتجسيم أخطائهم تارة ، و افت اء الأكاذيب التي لا حصر لها تارات أخرى ، حتى يستلبوا عقول الناس و يكسبوا م و د تهم، والثقة بهم ويجع ل وهم يم لون التذم ر و القد على م ن ي ر يدون ضربته ؛ ليتخل ى عنه أقرب صديق ، فإذا ت لهذا المنافق الم خاد ع المتمل ق ما ي ر يده، و است طاع القضاء على خصومه ، كش ر عن أنيابه ، و أظهر اللدد في الخصومة، فكان ألد الخ صام بالباطل، وأفت الناس و أبعدهم عن ضروب الق ، و أشد هم عداو ة لأهله، فأظه ر مكنون قلبه - من السعي في الفساد في الأرض ، و تحطيم الأم ة، و إهلاك الرث والنسل ، و عمل كل ما يبغضه الله من أنواع الظلم والجور والإرهاب ، والبطش والتنكيل والتعذيب، و بث جميع أنواع مفاسد الأخلاق ، و تحطيم الدين، و إذلال أهله، وإعزاز الفس ق ة و رفع الأراذل ، وكبت الري ة، و إخراس الق ، و ت ر و يج الباطل ، و تح ط يم التجارة والأعمال الر ة الموجبة للم ناف سة النافعة للأم ة في جميع أنواع م عيش ت ها، و إحاطتها بالأغلال التي تَلب عليها البؤس والفقر و الش قاء، كما هو م شاه د في كل الب لاد التي تغلب عليها هذا الص نف من الناس الذي وص ف الله غايتهم بقوله: ﴿و إ ذ ا ت و لى س ع ى في الأ ر ض ل ي ف س د ف يه ا و ي ه ل ك ال ر ث و الن س ل ...﴾ [205]. وانظر - أي ها المسلم المؤمن - كيف ص و ر الله لك ش د ة مكرهم ، وقبيح إفكهم، أن الواحد منهم ﴿ي ش ه د اللَّ ع ل ى م ا في ق ل ب ه ﴾؛ يعني: من الص دق و الن صح، وهم خصم ل د ود شديد في الع داو ة، و هذا المسل ك في مخ اد عة المسلمين لو سل ك ه المسلم الصحيح ليخدع مسلم ا بأدنّ شيء - وهو على هذه الطريقة من توسيط الله في الموضوع - صار مرتد ا عن الإسلام؛ لأن فعله ليس كالي م ين، بل هو مخادعة لله، و است هزاء بعلمه الم ح يط بكل شيء، فم ن قال لأخيه المسلم: إن مقامك عندي كذا وكذا ، أو: إن ني عامل لك كذا وكذا ، والله
عدد الصفحات ٤٩50 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه يشهد على ما في قلبي لك، وهو في القيقة كاذب، فهو مرتد عن الإسلام. و لكن هذا النوع الذي ص و ر الله لنا حال ه نوع عريق في الن فاق، لا ي ؤم ن إلا بالماد ة و النفعي ة و الوصولي ة إلى م قاص ده، مهما است خد م من المكر القولي و العملي. "و اللدد في الخصومة" شد ة العداوة و الجدال؛ و منه قوله - تعالى -: ﴿و ت ن ذ ر ب ه ق و م ا ل د ا﴾ [97]، مأخوذ من "لديدت العنق" و ها صفحتاه؛ لأن شديد العداوة و الخصومة ي ر يد من التغل ب على خصمه التحك م في رقبته . وقد وص ف الله موقف المنافقين المغر ضين العام لين ض د المؤمنين بثلاثة أوصاف خطيرة يعت م د عليها السامع، و ينج ذ ب إليها حتى ينطبع بها: أولها: حسن القول المعجب، الذي ي ر وق و يكون له وقع في القلوب. و ثانيها: توسيط الله، بعله شاهد ا على هذا القول، و موثق ا له، و هذا من أعظم الجناية على الله - سبحانه وتعالى. و ثالثها: مهارة في الجدل ، و قو ة في الإقناع ؛ لق م ع كل م عار ضة تقف أمام هذا المنافق. و اعل م أن هذا النوع الذي ن ص الله على خ ط ر ه ي وج د في كل زمان و مكان، و يلبس أهله ألوانا من الإيهام و التضليل، بعضهم يد ع ي الوطني ة و العمل لخير الوطن، و يرو ج تحت هذا الشعار ما ي ر يده من أنواع الخداع و التضليل، و يد عي لنفسه و لرفاقه الإخلاص والخبرة ، وي رم ي غيره إم ا بالرجعي ة و الجمود، أو بالخيانة والعمالة ، و نو ذلك من الكلمات المنف رة من م ناف سيه، ولو كانوا أشرف منه و أخلص. وبعض هم يتبج ح بالعمل لصالح قوم ه، و ي كث ر من ش ت م الاست عمار، و اد عاء العمل للتحر ر و المطال بة بالإصلاح، ويدس ضمن هذه الدعاوي ما ي ر يده من الإلاد و التخفيف من شأن الدين، وأن ه سيعمل له بعد تحقيق الوحدة الوطني ة و اطمئنان الأقلي ات، و نو ذلك من أنواع المخادعة للمسلمين حتى لا تثور ثائرتهم ، فهو جاد في هدم الدين و تحطيم العقيدة، و يزع م أن ه مخ ل ص لا يرى المتاج رة بالدين ، بل يت مه عن إقحامه في ميدان الياة حتى يصل على التحر ر الكامل أو على الوحدة الشاملة ، و هناك ي ناص ر العاملين للدين، و بهذا الخداع يكسب دعاية و محب ة عند الدهاء. و قوله - سبحانه و تعالى -: ﴿و ي ش ه د الله ع ل ى م ا في ق ل ب ه ﴾ تنبيه لنا عن هذا المنافق
عدد الصفحات ٥٠51 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه المخادع ، أن ه لعلمه بحقيقة حال ه و سوء ما ي ف يه كأن ه يشى إحساس الناس بما في ضمير ه من الغ ش ، في لج أ إلى الوسيلة الثانية في خداعهم بما هو أعظم من اللف؛ وهو إشهاد الله، وذلك زيدة في إخفاء غش ه و تغطية خداعه بأكبر وسيلة ينخ د ع بها المؤمنون؛ و قد قال - تعالى -: ﴿ق ل أ ي ش ي ء أ ك بر ش ه اد ة ق ل اللَّ ش ه يد ب ي ني و ب ي ن ك م ﴾ [19]. وقد تفاق م غ ش هؤلاء في هذا الزمان ، و ع ظ م خطرهم و أثرهم ؛ لانت شار و سائل الخداع من صحافة ووسائل إعلام أخرى ت ؤ ث ر على أكبر مساحة من عقول الأم ة، و تستخدم أسوأ است خدام لغ س ل العقول من م عان الف ض يلة و الخير، و حشوها بكل ما ي ر يده أهل الباطل و الن فاق من زيغ و تلبيس. وشواهد التاريخ كثيرة للدلالة على خط ر المنافقين و غشهم الذي يؤو ل إلى قت ل أفراد بل جماعات، وتطاحن أمم و شعوب، و ذهاب كثير من المخل صين وقود ا لنار الف ت التي ي شع لها هؤلاء، و قص ة عبدالله بن سبأ و أضرابه مشهورة ، و كذلك أضرابه من د ع اة الدولة العبيدي ة و د ع اة الد روز و القرامطة ، وغيرهم؛ كابن العلقمي والنصير الطوسي - نصير الكفر و الخبث. ولا تزال الماسوني ة اليهودي ة ت بر ز من عملائها م ن ي تاج ر بالقومي ة و الوطني ة، و يظهر التظل م من الأوضاع ، و يتله ف على إصلاحها، حتى إذا تك ن و استتب له أمر ب د ا منه ما كان ي ضم ره. وقص ة ان داع الأتراك بالقومي ة الطورا ني ة التي خسروا فيها البلقان وغيرها، بسبب مكر الماسونية اليهودية القابعة و راء ستار جمعية الاتحاد و التق ي، و عملها على الإحاطة بالخلافة، و إقامة حكم ي د يره (يهود الدونمة)، أصبح مش ه ور ا. وكم قاس ت الأم ة العربي ة المسلمة من نكبات و نكسات بسبب مكر الذين ي لع بون بعقول الناس، و ي تاج رون بالد ين تار ة، وبأنواع ال عهر السياسي، من قومية ووطنية و مذاهب مادية و اشتاكية و بعثية تارة أخرى . وكم رأينا من المفتونين بحب المال أو الجاه و البر وز م ن ي اد ع الناس بوساوس السياسة و أوهام الوطني ة؛ لأجل الوصول إلى مقصده ، وكم رأينا من الم فتونين بالشهوات ود ع اة الان لال م ن يغش الناس باسم المدني ة و التطو ر و الري ة و التقد مي ة ونوها؛ ليجني على العقيدة و الأخلاق، وإذا انبر ى له من المخل صين م ن يدعو إلى الاعت صام بالدين و م كار م الأخلاق، لي جم ع الناس على الق و الفضيلة، و ليخل صهم من جيوش الفسق، انبروا له بألسنة ح داد،
عدد الصفحات ٥١52 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه ورموه با لتزم ت والوحشي ة و الر جوع إلى الو ر اء، و نو ذلك من الألقاب المنف رة للناس عنه و التي هم بها أ لص ق . ود ع اة الشر م ن ي ر يدون فتنة المؤمنين عن دينهم و أخلاقهم، و إحداث القلاقل والفوضى والبلبلة لخدمة مطامعهم و أغراضهم الشخصي ة، و تنفيذ مخ ط طات الماسوني ة اليهودي ة، ي ست ون مآر بهم الهد امة بأساء و شعارات بر اقة؛ كالتحرير والنهضة ، والكرامة والتطو ر، و مسايرة ركب الضارة ، ولا يجدون من الجماهير م ن ي تف ط ن لباطلهم و ي د ينهم من أفواههم؛ وذلك لأن الجماهير لا عقل لها، ولو عقلت لص ر خت في وجههم بسؤال واحد يرسهم ، وهو: "هل أنتم مسيرون أم مسايرون؟ ما قيمتكم إذا تخل يتم عم ا أوج ب الله عليكم من تسيير البشرية ، و تقويها إلى مسايرتها و تقليدها؟". و لكن - مع الأ س ف - لقو ة مكر هؤلاء وجهل أولئك ينشأ جي ل ت عتاد آذان ه ساع ذلك، وهو خال من ح صان ة العقيدة و قو ة الب ص يرة، في ت وه م أنها مشاك ل يجب حل ها على ضوء الواقع، أو يلت م س لها أنصاف اللول؛ لإفلاسه من العقيدة ومن فه م وحي الله ، فيكون أكثر الشباب ضحي ة لهذه الأباطيل، خصوص ا و قد تفاق م شر الم بط لين الم غر ضين، فانتقلو ا من دور الكلام إلى دور العمل و الس ي ط رة؛ لنجاحهم في التسر ب إلى كثير من المراكز و المؤس سات، تك نوا بواسطتها من ت رو يج غ ش هم و ب ث سومهم و تنفيذ مقاصدهم بصمت لا يثور أمام ه معارضه ، وبعضهم ي ظ ى باحت ضان بعض المسؤولين فيحت م ي به؛ وذلك لأن ركائز الماسوني ة الخفي ة من ورائهم تشد أزرهم ، و تهي ئهم لنيل الشهادات العالية، و تبث لهم الدعاية و تحميهم من خصومهم المسلمين ، بل تنع مهاجمتهم في ك بار الص ح ف المنت ش رة لتنفذها في وسائل النشر التي تسم ح للم فس دين بنشر ما ي ر يدون، و تَع ل أصوات المسلمين خافتة ، و مقالاتهم لا تنشر إلا في صحف قليلة الانتشار يرفضها أكثر الناس. فهذه العصابة التي نب هنا الله إلى شد ة خطرها قليلة العدد ، ولكن ها كثيرة خطيرة بتماس كها و قو ة مكرها ، وكثرة دعايتها و ضجيجها، و تركيز الق و ى الخفي ة لها، و كسبها ل م ن ي م يها بسبب ر كائ ز الماسوني ة، فينب غ ي للمسلمين أن يسبوا لها ألف حساب، و يج ن دوا جميع أنواع الرب الفكري ة لمقاومتها، و الوقوف لص د انتشارها بأقوى الأساليب التي تست عم لها، واست عمال الفيلة الدموي ة بمختلف الوسائل لقتل طواغيتها و ركائزها ، كما أرش د النبي أمته إلى ذلك بقوله: ((م ن لي بابن القيق، م ن لي بفلان، فإن ه قد آذ ى الله و رسول ه)).
عدد الصفحات ٥٢53 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه و ألا تخرسهم الع واط ف ووشائج الق ربى عن مقاومتهم؛ فيندمون حيث لا ي نف ع الن د م، نعم، يجب على المسلمين ألا تخرسهم العواطف ووشائج الق ربى عن مقاومة هؤلاء الهد امين، فقد كسبوا أبناء المسلمين، بل أبناء بعض أشرافهم و ع ل مائهم؛ لأنهم يست خد مون نصوص الد ين لأغراضهم . وأذكر - على سبيل المثال - "نصراني ا محن ك ا" رئيس ا لزب مادي قومي مشهور ، أخ ذ ي لق ي محاضرات في مدح الد ين و رسالة ا لسماء - على سبيل الإبهام - و أل ف رسالة في مولد الرسول قديعجز العالم المسلم عن س بك ها، و أكث ر محاضرات ه من التشجيع على الت زام الد ين و الأخذ برسالة السماء - التي أظه ر معناها المنح ر ف فيما بعد - كما أخ ذ ي هاج م الشيوعي ة و يدعو إلى بعث عربي لي صطاد في الما ء الع ك ر، وقد كسب أولاد علماء و شخصي ات كبيرة، و برز م ن ي ش يد بذكره في صحف محسوبة على الإسلام في قلب بلاد المسلمين، و له تعاليم خفي ة لا ي فض ي بها إلا ل م ن يجزم أن ه منخ ر ط في سلكه نهائي ا؛ لأن توزيعه لقيحه و صديده كان على مراحل ، فلم ا تولى أنصاره أخذوا - تحت تعاليمه - يسع و ن بميع أنواع الفساد والإهلاك السي و المعنوي، الذي أخبرنا الله في هذه الآية، وقد فع ل رفاق ه الأفاعيل التي ي ند ى لها الجبين في نواح عديدة من بلاد المسلمين، ذاق المسلمون فيها أعظم م ا ذاقو ه من إخوانهم من الشيوعي ين. اجع ل - أي ها المسلم - هذه الآية دائم ا نصب عين ي ك وفي مخيلتك؛ حتى لا يكون عقلك فريسة للمصادرة ، و د ق ق الن ظ ر في قوله - تعالى -: ﴿و م ن الن اس م ن ي ع ج ب ك ق و ل ه في ال ي اة الد ن ي ا﴾ [204]؛ لتعل م أن ه يغزوك بما ي ر وقك، و يدخل مسامعك من الكلام المزخرف العجيب ، والكلام الذي ي ناس بك، فإن هذا الص نف من الناس يتكل م مع بعض الأفراد بالأنظمة الغربي ة و الدساتير الديقراطي ة؛ لمعرفته بميوله إليها ، و يتكل م مع بعض الناس بأحكام الشريعة و نصوص القرآن ؛ لاعتقاده أن هذا ينخ د ع بالديث عن هذا الجانب، و هكذا ي او ل إقناع ك ل فريق بما ي عج به من الكلام، و يجع ل الله واسطة على ص دق ما يقول، وهكذا أ جر ى الله س ن ته أن كل فريق من الم بط لين الم غر ضين ﴿و ل ي ح ل ف ن إ ن أ ر د نا إ لا ال س نى و اللَّ ي ش ه د إ نه م ل ك اذ ب ون ﴾ [107]. إن أهل القرآن - لو تدب روه حق التدب ر، و انط ب ع وا بمعان يه غاية الانط باع - لما راج عليهم شيء من دج ل هؤلاء ؛ و لهذا قال - تعالى -: ﴿أ ف لا ي ت د ب ر ون ال ق ر آن أ م ع ل ى ق ل وب
عدد الصفحات ٥٣54 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه أ ق ف اله ا﴾ [24]. وكم ر أينا أصناف ا من الناس قاموا بأنواع الفتنة و الضلال، صر ف وا بها قلوب الناس إلى ما ي ر يدون، و دخ ل حب هم في القلوب، و است حس ن الناس ما يصدر منهم ولو كان مخ ال ف ا للدين أو رد ة عنه، ثم بعد مد ة من الزمان انك ش ف أمرهم ، فانص ر ف عنهم بعض الناس و شت م وهم، و بقي بعض الناس على غروره بهم ، ولو تد ب روا وحي الله لما اندعوا بدعايتهم، و لما انجرفوا في محب تهم المخالفة لأصل التوحيد ! وقد ش وه د معنى قوله - تعالى -: ﴿و ي ه ل ك ال ر ث و الن س ل ﴾ من الإهلاك السي، بالضرائب و سن الأنظ مة الم خال فة لواقع ا لبلاد و م صال ها، م ا يتل به المجهود الزراعي ، وي ضع ف الإنتاج، و تكون البلاد المصد ر ة للمحاصيل الزراعية العظيمة مستوردة لما تأ ك له من غيرها؛ كما حصل هذا في ع د ة بلاد اندع أهلها بم ن أعجبهم كلامهم فخانوهم في أفعالهم، و من الإهلاك المعنوي الذي تفس د فيه الأخلاق و المقاصد حتى لا يثق الأخ بأخيه لاختلاف الأهداف، و دق ة التجس س، و سوء التبية بما ي ز يدونه على رجس المستعم رين من سوء البرامج ، و كثرة المراقص ، والبلاجات العارية ، والأفلام الخليعة، و نوها من أنواع الفساد . و قوله - تعالى -: ﴿و اللَّ لا ي ب ال ف س اد ﴾، يقت ض ي أن الله يبغض الف ساد و المفس دين، فخ تام الله لهذه الآيت مناسب لمدلولها؛ وذلك أن ه ل م ا كان هذا الماكر الم غر ض ي سع ى بغش الناس غ ش ا فكري بمطالبته بالإصلاح، و تزع مه لهذه الدعوى، و يج ع ل الله شهيد ا بينه و بين السام عين؛ حتى لا يشك أحد في حقيقة أمر ه، والله - سبحانه - يعل م منه خ لاف ذلك، و يذ ر المؤمنين منه، و يفض ح لهم سرير ت ه، م فص ح ا لهم عن حقيقة حال ه أن ه إذا حص ل له ما يتمن اه م ن تولي الأمر، سعى في الأرض فساد ا، و في هذه الآيت دليل على أن ظواهر الأقوال مهما ز خر فت و أعج ب ت السامعين لا تكون محمودة إلا إذا صد ق ت ها الأفعال، فكانت م طاب قة للأقوال في السن والصلاح و الإخلاص. وبعض الع ل ماء أخ ذ من هذه الآية دليلا على كذب م ن حل ف بالله و است شه د به بدون سبب ي لج ئه إلى ذلك، وفي تراجم بعض كتب السن ة: "باب م ن حلف قبل أن ي ست حلف فهو دليل على كذبه". ولما كان هذا الص نف من الناس على نوعين: نوع ساذج تصدر مخالفته لقول ه عن جهل، أو تقليد، أو خوف، أو مصانعة... و هذا النوع بسيط ، قد ي سر ع بالتوبة، وقد يول بينه
عدد الصفحات ٥٤55 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه و بينها ضغوط داخلي ة أو خارجي ة، لكن ي رج ى منه قبول النصيحة و الر جوع عن الأعمال الباطلة. لكن النوع الثان الخ طير الذي رك ز الله عليه الكلام و التحذير؛ لسوء طوي ته و تصميمه على الشر ، وذلك بأنه ﴿و إ ذ ا ق يل ل ه ات ق اللَّ أ خ ذ ت ه ال ع ز ة با لإ ثم ف ح س ب ه ج ه ن م و ل ب ئ س ال م ه اد ﴾ [206]؛ يعني: إذا نص ح ه الناصح ووع ظ ه بتقوى الله الذي أشه د ه على نفسه ليرت د ع عن منكره و فساده الذي سعى به، ي سر ع إليه الغضب ، و يعظم عليه الأمر، ويأخذه الكبر والأنفة عن قبول الن صح و الإصغاء إليه؛ إذ عز ة المنصب الذي حصل عليه ألبس ت ه الكبر الذي يجع ل ه ملازم ا للإثم، مست هت ا بن ص ح الناصح؛ لأن ه بإصراره على فعل الفساد م ست هز ئ برب ه؛ لأن العز ة التي حص ل عليها قد لابس ت ه مع الكفر؛ لأن ه في الأصل سي ئ المقصد، يغش الناس بالقول الذي ي ر وقهم ويدعهم، وهو م ضم ر في قلبه نكايتهم، فعز ته التي ألبس ت ه الإ ثم ناشئة م ا في قلبه من الكفر و سوء الطوي ة، و لهذا قال: ﴿ف ح س ب ه ج ه ن م ﴾؛ يعني: جزاؤه الذي ي كف يه. ﴿و ل ب ئ س الم ه اد ﴾؛ أي: لبئس الفراش و المستقر ؛ كما قال - تعالى -: ﴿ف لأ ن ف س ه م ي ه د ون ﴾؛ أي: يفرشون و يكنون، وكقوله - تعالى -: ﴿ج ه ن م ي ص ل و نه ا و ب ئ س ال ق ر ار ﴾ [29]. وهذه الآيت القصيرة فيها من الإرشادات العظيمة ما لا ح صر له في أمور الدين و الدنيا، ولو تدب رها المسلمون و عقلوها و ساروا على ضوئها سير ا صحيح ا في معاملة الم غر ضين و اختبارهم ، لما انط ل ت عليهم الأوهام و الأراجيف ، و لما صار للدجاجلة و محت في السياسة بينهم مجال ، و لكن لب ع د هم عن القرآن بم عان يه و م رام يه صار وا كالأطفال، فنسوا حظ ا م ا ذك ر هم الله في القرآن ، و إنهم - من المشرق إلى المغرب - لم ت ف د هم التجارب خبرة ، و لم ي عت بر بعضهم بما جر ى لبعض هم الآخ ر، بل ابت ل يت منهم أ م م و شعوب بم ن وصفهم الله في هذه الآيت الكريات ... اغتوا بم ن صنع ت هم الثقافة الاستعماري ة الماسوني ة، و طبع ت هم بطابع قومي أو وطني بعيد عن الدين، يصرخ أحدهم بعداوة الاستعمار ، و يتزع م الإصلاح، و يكيل وعود الخير لأم ته، و يثوها حثو ا بلا كيل ولا ميزان ، فيملك ش غاف قلوبهم، فيقاتلوا من أجل مبدئه المزعوم ، و ت س يل أموالهم بل أموال غيرهم من المسلمين بالتبر عات، حتى إذا تولى سعى في الأرض -
عدد الصفحات ٥٥56 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه كما وص ف ه الله - يبطش بم ن ي ر يد باسم حماية الوطن أو الثورة ، أو يص ف ه بالخيانة و العمالة مع أن ه يطلب حكم الدين لا يعرف العمالة ولا يسلك مسلكها ، و كم ابت ل ي المسلمون في بلادهم - و يبتلون - بم ن يستورد أنظمة مخالفة للفطرة ، و معاكسة لصالح البلاد، حتى تذهب خيراتها التي كانت قبله تصدر إلى أناء الدنيا، و تكو ن بلاده عالة على غيرها بالاست يراد. هذا في الجانب السياسي و الاقتصادي، أم ا الجانب الثقافي والاجتماعي و الأخلاقي فإن ه ي ز يد شر ا على شر؛ لأن ه يأبى تكييف الثقافة بوحي الله الشافي للقلوب، الم صل ح للجوار ح، ويأبى تطهير البلاد من أرجاس الاست عمار ومرا قصه و خوره ، بل يزيدها ، ويأبى تبديل القوانين "الديثي ة" - المرخصة للأعراض - بإقامة حدود الله الامية لها ، ويأبى ت بد يل القيادات الفكرية المسم مة للعقول و الم فس دة للأخلاق في ميادين الصحافة و النشر، بل يشج عها على مهاجمة الدين بما لا تقدر عليه وقت الاستعمار. هذا كل شيء م شاه د ملموس، وواقع محسوس، م ا أخبرنا الله به في هذه الآيت، و مع هذا ت قام الأعياد الوطني ة، و ي صر ف فيها من الأموال للزينة ، و مكافئة المد احين الكذ ابين لهؤلاء، و ت عط ل الأعمال في سبيل التضليل و البهر ج ة؛ هذا عيد النهضة، و هذا عيد الجلاء، و هذا عيد النصر، و هذا عيد الاستقلال... إلى غيرها م ا يصل به إحاطة الأشخاص بهالة التعظيم. فمتى يعود المسلمون إلى إرشاد الله لهم ، و تحذيرهم من الإصغاء إلى م ن يسن كلامه و يسوء فعله؟
عدد الصفحات ٥٦57 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه المنافقون يـ ت آم رون مع اليهود: وقوله - سبحانه -: ﴿و ق ال ت ط ائ ف ة م ن أ ه ل ال ك ت اب آم ن وا با ل ذ ي أ ن ز ل ع ل ى ال ذ ين آم ن وا و ج ه الن ه ار و اك ف ر وا آخ ر ه ل ع ل ه م ي ر ج ع ون ﴾ [72]. لم يكتف اليهود بت صم يمهم على الكفر بما يعلمون صدق ه و حقيقت ه، ولا بما يقومون به من تلبيس الق بالباطل، ولا بما يكت مونه م ا يؤي د صدق محمد - عليه الصلاة والسلام - ولا بما ي نك رونه من ذك ر شخصي ة محمد وأوصافه و البشارة به ، زاع م ين أن ه ليس هو الموصوف المبش ر به، و إنما غيره، ولم يأت زمان ه بعد . لم يكتف اليهود بكل هذا المكر المتنو ع حتى لجؤ وا لزعزعة عقيدة المسلمين ، و اللعب بعقولهم، و تشكيكهم فيما هم عليه من الهداية، كما أخبرنا الله - سبحانه - في هذه الآية. و إنها ل طريقة خبيثة لئيمة خطيرة في إفس اد القلوب، و بلبلة الخواطر، و ت رو يج النفاق، و إشاعة الإرجاف ، حيث جن دوا جماعة منهم من ذوي المرونة و الذق في المكر و اليلة، ي ظه رون إسلامهم أو ل النهار فيجذبون المسلمين، و يتمك ن ون من قلوبهم، ويصولون ويجولون معهم، ويودعون في قلوبهم أنهم مسلمون مثلهم، غايتهم طلب الق و الرغ بة فيه، فيبحثون في بعض شرائع الإسلام قاص دين التشكيك فيها، فإذا حصل لهم هذا أظهروا الكفر؛ عسى أن يلحق بهم بعض المؤمنين ض عاف الإيان. ووجه الخطورة في هذه ال يلة أن العرب أم ة أمي ة كانت تعت ق د أن أهل الكتاب أعر ف منهم بما يتعل ق بأمر العقيدة و الألوهي ة، فإذا ارتد أهل الكتاب بعد إيانهم و مخالطتهم للمسلمين و الن قاش معهم، ح س ب ض ع فاء الإيان من المسلمين أن هؤلاء لم يكفروا بما آمنوا إلا لشعورهم بأن ما آم نوا به ناقص و م غاي ر لما في دينهم الأو ل. فإم ا أن يكفر الضعفاء من المؤمنين بعد ذلك، أو تخالجهم الش كوك فتجعلهم يتأرج ح ون بين الطرفين ، في ش ك لوا طائفة المنافقين، و مكر اليهود هذا مبني على قاعدة ثابتة في العق ل البشري و هي: أن من علامة الق ألا يرجع عنه م ن عرفه ؛ و لهذا نجد "ه ر قل" ملك الروم قد أخ ذ بهذه القاعدة، عندما سأل "أبا سفيان" هل يرجع عنه م ن دخ ل في دينه؟ فقال: لا. وهذه الطائفة اليهودي ة الم وغ لة في الغش قر رت العمل بهذه القاعدة ليغش وا المسلمين، فيقولوا: لولا أن ه ظه ر لهؤلاء ب طلان ما نن عليه لما رج عوا عنه بعد أن دخلوا فيه و عرفوه ؛ إذ
عدد الصفحات ٥٧58 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه لا ي ك ن في المعقول أن يت ك الإنسان الق بعد معرفته بلا سبب . ولعل الأمر النبوي بقت ل المرتد عن الإسلام كان لز ج ر هؤلاء و تخويفهم؛ حتى يرت د عوا عن تدبير المكائد لإرجاع الناس إلى الكفر بعد دخولهم في الإسلام ، و ذلك بما يبث ونه من التشكيك في فتة إسلامهم المؤق ت، و بما تح د ثه رد تهم الم صط ن عة من بلبلة في الصف ، و زعزعة في العقيدة. فإن قيل: إن بعض الناس ارتد عن الإسلام بدون تأث رهم بهذه اليلة فماذا ي قال فيهم؟ فالجواب: إن دخول هؤلاء في الإسلام ليس عن رغبة صادقة، و إنما دخ ل وه دخو لا انت هازي لطلب منفعة أو رفع م ض ر ة، و هؤلاء غير الص نف السابق يصدق فيهم قوله - تعالى - في الآية: ﴿و م ن الن اس م ن ي ع ب د اللَّ ع ل ى ح ر ف ف إ ن أ ص اب ه خ ير اط م أ ن ب ه و إ ن أ ص اب ت ه ف ت ن ة ان ق ل ب ع ل ى و ج ه ه خ س ر الد ن ي ا و الآ خ ر ة ذ ل ك ه و الخ س ر ان ال م ب ين ﴾ [11]. فينبغ ي التفريق بين م ن أسل م عن رغبة فلا ي رج ع عن إسلامه إلا بمؤث رات عق د ي ة من مثل مك ر اليهود و أشياعهم، و بين ما أدخل ت ه الانتهازي ة الإسلام. فإن الانتهازية - و الع ياذ بالله - تحمل مواليد الإسلام - ذوي الإسلام الأصيل كابر ا عن كابر - على الرد ة عنه؛ طمع ا في منصب أو مال أو شهوة، كما هو م شاه د محسوس. فالانتهازي ة حمل ت بعض العلماء المتبح رين على أن يست خ صوا أنفسهم، و يبيعوا علم هم إلى دجاجلة السياسة حتى جعلوهم نجوة يست جم رون بها! وقوله - سبحانه -: ﴿ي أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا لا ت ت خ ذ وا ب ط ان ة م ن د ون ك م لا يأ ل ون ك م خ ب الا و د وا م ا ع ن ت م ق د ب د ت ال ب غ ض اء م ن أ ف و اه ه م و م ا تخ ف ي ص د ور ه م أ ك بر ق د ب ي ن ا ل ك م الآ ي ت إ ن ك ن ت م ت ع ق ل ون * ه ا أ ن ت م أ ولا ء تح ب ونه م و لا ي ب ون ك م و ت ؤ م ن ون با ل ك ت اب ك ل ه و إ ذ ا ل ق وك م ق ال وا آم ن ا و إ ذ ا خ ل و ا ع ض وا ع ل ي ك م الأ نا م ل م ن ال غ ي ظ ق ل م وت وا ب غ ي ظ ك م إ ن اللَّ ع ل يم ب ذ ات الص د ور ﴾ [118 - 119]. فقوله- سبحانه -: ﴿لا ت ت خ ذ وا ب ط ان ة ﴾ نكرة في س ياق النفي ت ف يد عموم النهي عن كل بطانة كافرة . والبطانة: هم خاص ة الإنسان و أصد قاؤه الذين اختارهم لي فض ي لهم بأسراره و أخباره . وأصل البطانة: الثوب الداخلي الملاص ق لجلد الإنسان و بطنه، فاست ع ير هذا المعنى لكل
عدد الصفحات ٥٨59 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه صديق ي ط ل ع على سريرة ا لآخ ر. ﴿م ن د ون ك م ﴾؛ أي: من غير جنسكم في الد ين؛ و بمعنى آخ ر: أي: من غير م ل تكم، و الجملة هذه إم ا أن تكون متعل قة بقوله: ﴿لا تت خ ذ وا﴾؛ أي: لا تت خ ذوا من دونكم بطانة، و إم ا أن تكون متعل قة ب ﴿ب ط ان ة ﴾ فتكون وصف ا لها، و التقدير: بطانة كائنة من دونكم. فإن قيل: هذه الآية تقتضي المن ع من مصادقة الكفار على الإطلاق، في حين أن هناك آيت أخرى تخ ال ف هذا المفهوم؛ مثل قوله - تعالى -: ﴿لا ي ن ه اك م اللَّ ع ن ال ذ ين لم ي ق ات ل وك م في الد ين و لم ي ر ج وك م م ن د ي ر ك م أ ن ت بر وه م و ت ق س ط وا إ ل ي ه م ﴾ [8]، إلى قوله - تعالى -: ﴿إ نم ا ي ن ه اك م اللَّ ع ن ال ذ ين ق ات ل وك م في الد ين ...﴾ [9] الآية. قلنا: هذا شغب يقوم به بعض الم لاح دة الجه ل ة الذين ي لح دون في آيت الله، فلو قر ؤ وا الآيت السبع السابقة لهذه الآية من سورة الممتحنة ، لوج د وا أنها صرية في النهي القاطع عن م والاة الكفار ، والإدلاء إليهم بالمود ة، و فيها الأمر بالبراءة منهم ، و إعلان بغضهم و عداو تهم؛ اقتداء بإبراهيم - عليه السلام - و اتباع ا لمل ته. وليس في هذه الآية ما يدل على ج واز م والاة الكف ار، ولا مود تهم، و لا مصادقتهم، و إنما فيها رخصة بمبر تهم و العدل فيهم ما داموا لم ي قاتلونا في الدين، و لم ي ظاه روا علينا أحد ا من أعدائنا، و قد جاء في أسباب ن ز ول هذه الآية أنها نزلت في إحدى وال دات المؤمنات و أقاربهن الذين ما زال وا على الكفر، كما هو مذكور في موضعه. وكذلك آيت آل عمران هذه تضم نت النهي القاط ع الص ريح المدعم بالع ل ل الواقعي ة عن اتخ اذ الغريب عن المل ة بطانة ل م ن يقوم بأمر المل ة و إن كانت له صلة نس بي ة، فإن مخالفته في الدين تَعله غريب ا، و الغريب عن الدولة لا يجوز اتخ اذه بطانة لرجال الدولة . واعل م أن الله - سبحانه - لما من ع المؤمنين من اتخ اذ الكاف رين بطانة لهم عل ل هذا النهي بمجموعة ع ل ل وهي: 1 – قوله: ﴿لا يأ ل ون ك م خ ب الا ﴾؛ يعني: لا يقصرون في إيذائكم و إنزال الضرر بكم ، ي قال: ألا في الأمر يألو، إذا قص ر فيه، ثم استعمل م عدى إلى مفعول ين كقولهم: لا آلوك نصح ا، و لا آلوك جهد ا؛ أي: لا أمن ع ك نصح ا، و لا أقص ر في نصحك، و لا أنقصك جهد ا، و منه قوله - تعالى -: ﴿و لا يأ ت ل أ ول و ال ف ض ل م ن ك م ﴾ [22].
عدد الصفحات ٥٩60 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه والخبال: هو الفساد الذي يؤث ر في اخت لال المخ، و المقصود تأثيرهم على العقول بإفساد تصو راتها بما يقذفونه من الغش و التلبيس؛ كما جر ى للمستعصم آخ ر خ ل فاء العباسيين حين است وز ر "ابن العلقمي" الرافضي ركيزة التتار ، خد ع ه و صار فريسة لهم، فكانت نكبة على المسلمين. ومجمل القول : إن هذه البطانة لا تدع جه د ا و لا تد خر وسع ا في مضر تكم، و فساد أمركم ، و إيقاع شتى أنواع الض رر بكم ، والذي ي ساع دهم على ذلك است بطانكم إي هم، و احتضانكم لهم، فتمك نوا من الاط لاع على أسراركم و مخط طاتكم، في خبر ون أعداء كم بذلك؛ لأن صلتهم العقائدي ة بهم أقوى من صلتهم بكم، فشأن العقيدة شأن كبير؛ ولهذا قال - سبحانه -: ﴿لا ت ت خ ذ وا ب ط ان ة م ن د ون ك م ﴾ [118]. 2 - قوله- سبحانه -: ﴿و د وا م ا ع ن ت م ﴾؛ يعني: يب ون إعناتكم، والعن ت هو شد ة الض رر و المشق ة؛ كما قال - تعالى -: ﴿و ل و ش اء اللَّ لأ ع ن ت ك م ﴾ [220]، و تقدير الآية: أحب وا أن يضر وكم في دينكم أشد الضرر، و"ما" مصدرية ك قوله - تعالى -: ﴿و الس م اء و م ا ب ن اه ا * و الأ ر ض و م ا ط ح اه ا﴾ [5 - 6]، وبربط قوله - سبحانه -: ﴿لا يأ ل ون ك م خ ب الا ﴾ بقوله: ﴿و د وا م ا ع ن ت م ﴾ يصير المعنى: أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم و تصو راتكم و إيقاع الضرر بكم بأن لم يصل لهم ذلك لمانع خارجي ، فحب ذلك مستقر في نفوسهم، و متمك ن من قلوبهم. 3 - قوله- سبحانه -: ﴿ق د ب د ت ال ب غ ض اء م ن أ ف و اه ه م ﴾. والبغضاء: شد ة البغض، و مثله الضر والضر اء بعد أن ساق ت الآية فعل هؤلاء القلبي ﴿و د وا م ا ع ن ت م ﴾ [118]، ساق ت فعلهم البدن ﴿ق د ب د ت ال ب غ ض اء م ن أ ف و اه ه م ﴾، فهم لش د ة كرههم و حقدهم و بغضهم للمؤمنين لا ب د أن يظهر هذا على ألسنتهم وفي أثناء أحاديثهم مهما حاو لوا كب ته وضب طه. 4 - قوله- سبحانه -: ﴿و م ا تخ ف ي ص د ور ه م أ ك بر ﴾. أي: إن ه مهما ظه ر من أعداء الإسلام من حقد و كره للمسلمين فإن ه لا ي ساو ي شيئ ا بانب ما أخف ت ه صدور هم، فما ي ف ونه من الب غضاء أكبر بكثير م ا ي ظه رونه. فهم جاد ون في إضرار المسل مين بكل وسيلة، ي بي تون لهم الشر، و ي ضم رون لهم السوء
عدد الصفحات ٦٠61 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه لش د ة ما في قلوبهم من الغيظ. ولا يزال بعض المسلمين مخ د وع ا بهم ي فض ون إليهم بالمود ة، و يجعلونهم موضع ثقتهم، و يت خ ذونهم بطانة و أصدقاء، يأ م ن ونهم على أسرار المسل مين، و هم ير و ن رأي العين أنهم من ع م لاء الكفر، فيغت ون بهم لأنهم ي س نون صنعة الن فاق و ضروبه، حتى أنس و هم تحذير الله منهم، و نهي ه عن مصادقتهم و الر كون إليهم، و قد خ ت م ت الآية بقوله - تعالى -: ﴿ق د ب ي ن ا ل ك م الآ يت إ ن ك ن ت م ت ع ق ل ون ﴾؛ أي: إن كنتم تعقلون العقل الذي يي ز به صاحب ه بين الضار و النافع، و يفر ق به بين الولي و العدو . وقال ابن جرير : معناه: إن كنتم ت عق لون عن الله أمر ه و نهي ه، وقيل: إن كنتم تعقلون فلا ت صافوهم، بل عام لوهم معاملة الأعداء، إن كنتم تعقلون الف ر ق بين معاملة الأعداء و معاملة الأصدقاء في الد ين، و ليس في قوله - تعالى -: ﴿إ ن ك ن ت م ت ع ق ل ون ﴾ غمز لهم بعدم العقل و نقصه، حاشا و كلا . وإنما عل ق حصول الفائدة من هذا النهي على شرط العقل ، لي حر ك نفوسهم و يم سها و ي شج عها على العمل بمقتضى الآية؛ لقول القائل ل م ن يشج عه و يدفعه على العمل: إن كنت رج لا فافعل كذا. وهذه الآيت التي مر ت بنا تدل على وجوب الإخلاص في الدين و حماية العقيدة من موالاة الكفار، و التقر ب منهم، و الالت قاء معهم في أي ميدان من ميادين الياة، وقد قال - تعالى -: ﴿و ال م ؤ م ن ون و ال م ؤ م ن ات ب ع ض ه م أ و ل ي اء ب ع ض ﴾ [71]. ﴿و ال ذ ين ك ف ر وا ب ع ض ه م أ و ل ي اء ب ع ض إ لا ت ف ع ل وه ت ك ن ف ت ن ة في الأ ر ض و ف س اد ك ب ير ﴾ [73]. 5 - قوله- تعالى -: ﴿ه ا أ ن ت م أ ولا ء تح ب ونه م و لا ي ب ون ك م ﴾ [119]. ولفظ﴿ها﴾ للتنبيه، و﴿أنتم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تحبونهم﴾ خبر، و﴿أولاء﴾ م ناد ى منصوب على الاخت صاص، و الأصح قول البصري ين أنها في محل النصب على الال؛ أي: "ها أنت ذا قائلا "، و الال هنا لازمة . والمعنى: ها أنتم أولاء الخاطئون في موالاة غير المؤمنين؛ إذ تحب ونهم ولا يب ونكم. والمحب ة هنا: هي الميل بالطبع لوضع القرابة أو الرضاع أو اللف كما قال ابن عباس ، أو
عدد الصفحات ٦١62 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه لأجل إظهار الإيان و الإحسان للمؤمنين كما قاله أبو العالية. وإذا كان المنع من محب ة الكفار و المنافقين رغم وجود هذه العلائق فكيف بم ن يس تبطنهم من دونها، فلا ت رب طه بهم إلا ما ي سم ى برابطة القومي ة أو الوطني ة، أو الانت ماء لمذهب مادي، أو نو ذلك ، فإن هذا مخ ر ج صاحبه عن الإسلام؛ لأن المحب ة يجب أن ترت ب ط بحب الله و رسوله ، و أن تكون متباد لة على أساس من التقوى و الإيان. 6 - قوله- تعالى -: ﴿و ت ؤ م ن ون با ل ك ت اب ك ل ه ﴾ [119]. في الآيةإضمار تقديره : "وتؤمنون بالكتاب كل ه و هم لا ي ؤم نون"، ويسن الذف هنا لأن الضد ي ن ي عل مان مع ا، فكان ذ ك ر أحدها مغني ا عن ذ ك ر الآخ ر. وقد أفر د الله - سبحانه - ذك ر الكتاب هنا لأن ه ذه ب به مذهب الجنس، كقولهم: كثر الدرهم بأيدي الناس، ولأن المصدر لا يج م ع إلا على التأويل. والمعنى: أن كم تؤمنون بميع ما أنز ل الله من كتاب حتى الكتاب المنز ل إليهم، وهم مع ذلك ي بغ ضونكم و لا ي ؤم نون بشيء من كتابكم، و في هذا توبيخ للمؤمنين المتور طين بهذه الخصلة؛ لكون الكف ار أصلب منهم في عقيدتهم، فلم ي قاب لوا مود ة المؤمنين إلا بالبغض و لا تقربهم إلا بالنفرة ، ولا إيانهم بكتبهم إلا بكفرهم بالقرآن ، فكيف يكون أهل الباطل أصلب في باطلهم من أهل الق في حق هم؟ و كيف يكسب أهل الباطل محب ة أهل الق بدون م قاب ل؟ 7 - قوله- تعالى -: ﴿و إ ذ ا ل ق وك م ق ال وا آم ن ا و إ ذ ا خ ل و ا ع ض وا ع ل ي ك م الأ نا م ل م ن ال غ ي ظ ﴾ [119]. أي: إنهم إذا لقوا المؤم نين أظه ر وا إيانهم مكر ا بالمسل مين وخديعة ؛ ليكسبوا مود تهم، ويصلوا على شيء من أخبارهم وخططهم . وهم في حقيقة الأمر ي بط نون الكفر ويصر ون عليه، و يكر هون الإسلام و أهل ه، و ي ط طون س ر ا و علانية للق ضاء على المسلمين و إبادتهم، يدفعهم إلى ذلك الغيظ الذي لا حدود له، حتى إنهم من فرط غيظهم يعض ون أناملهم؛ حيث لا يستطيعون إيقاع الأذى بالمسلمين. و ع ض الأنامل ي فع له الم غض ب الذي فات ه ما لا يقدر عليه، أو نز ل به ما لا يقدر على دفعه أو تغييره.
عدد الصفحات ٦٢63 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه والع ض هذا يكون بالأسنان كع ض اليد على فائت قريب الفوات ، و كقرع السن النادمة، إلى غير ذلك. و﴿الأ نا م ل﴾ جمع أنملة، و هي أطراف الأصابع ، و ع ض هم للأنامل - كما قد منا - هو من شد ة الغيظ مع عدم القدرة ع لى إنفاذ ما ي ر يدون. وقوله - سبحانه و تعالى -: ﴿ق ل م وت وا ب غ ي ظ ك م ﴾ [119] هو أمر من الله لنبي ه محمد ولكل مؤمن أن يدعو عليهم بهذا الدعاء ؛ أي: الد عاء عليهم أن يزداد غيظهم حتى ي هل كهم، وذلك بازديد م وج بات الغيظ؛ من قو ة الإسلام، وعز ة أهله، فإن هذا يذله م و ي ز يهم حتى يوتوا كمد ا و غيظ ا. وليس المقصود أمرهم بال بقاء على الغيظ الذي منش ؤ ه الاست دامة على الكفر؛ لأن الأمر بالإقامة على الكفر غير جائز. قال في "البحر": قال بعض شيوخنا عن قوله - تعالى -: ﴿م وت وا ب غ ي ظ ك م ﴾: هذا ليس بأمر جازم ؛ لأن ه لو كان كذلك لماتوا من فورهم ، كما جاء في قوله - تعالى -: ﴿ف ق ال له م اللَّ م وت و ا﴾ [243]. وليس بدعاء؛ لأنه لو أم ر ه بالد عاء عليهم لماتوا جميعهم على هذه الصفة؛ فإن دعوته لا ترد ، وقد آم ن منهم بعد هذه الآية كثير ، و ليس خبر ا؛ لأن ه لو كان خبر ا لوق ع على حكم ما أخبر به، و لم يؤمن أحد منهم بعد ذلك، و لكن ه قد آم ن. وإنما هو أمر معناه التوبيخ و التقريع ؛ كقوله: ﴿اع م ل وا م ا ش ئ ت م ﴾ [40]، و((إذا لم تست ح فاصنع ما شئت))، ا.ه . وقيل: يجوز أن يكون أمر ا ي طي ب نفوس المؤمنين ، و ي قو ي رجاء هم، و يصل لهم به الاست بشار بو ع د الله أن ي هل ك أعداء هم غيظ ا بإعزاز الإ سلام و إذلالهم به. 8 - قوله- سبحانه -: ﴿إ ن ت س س ك م ح س ن ة ت س ؤ ه م و إ ن ت ص ب ك م س ي ئ ة ي ف ر ح وا به ا و إ ن ت ص بر وا و ت ت ق وا لا ي ض ر ك م ك ي د ه م ش ي ئ ا إ ن اللَّ بم ا ي ع م ل ون مح يط ﴾ [120]. وصف لأعداء الله و أعداء المؤمنين من الكافرين والمنافقين بأنهم يستاؤون إذا أصاب المسلمين خير ، و إن كان هذا الخير يسير ا لا ي ز يد على ما يس باليد، فالتعبير عن السنة بالمس لأجل الإشعار بالقل ة.
عدد الصفحات ٦٣64 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه و المراد بالسنة كل ما فيه منفعة دنيوي ة ؛ كصح ة الأبدان، وحص ول خصب، و انت صار على أعداء، و فوز بغنيمة، وحصول مود ة و ألفة بين المؤمنين. كما أنهم يفر حون بنزول السي ئة بالمؤمنين مهما كان نوعها؛ كالمرض، و الفقر، و الهزية ، و حصول التباغ ض و التداب ر بين المؤمنين. قال ابن عطي ة: ذك ر الله المس في السنة ليبين أن المساءة تق ع بنفوس هؤلاء الم بغ ضين بأدنّ طروء السنة ، ثم عاد ل ذلك في السي ئة بلفظ الإصابة ، و هي ت ف يد التمك ن؛ لأن الشيء المصيب لشيء آخ ر م تمك ن منه أو فيه، فدل هذا النوع البليغ على شد ة العداوة؛ إذ هو حقد لا يذهب عند نزول الشدائد و الفرحة بها ، ا.ه . وقوله - سبحانه -: ﴿و إ ن ت ص بر وا و ت ت ق وا لا ي ض ر ك م ك ي د ه م ش ي ئ ا ﴾ [ 120] "الكيد": هو احتيال الإنسان لي وق ع غير ه في مكروه ، و"الصبر": هو حبس النفس على المكروه، و تحم ل الأذى، وانت ظار الفر ج، و"التقوى": هي اتخ اذ الوقاية من عذاب الله، بالت زام أوامره و تنفيذها برض ا وإخلاص، واجت ناب نو اهيه و حفظ حدوده. وقد حذف الله متعلق الصبر و متعلق التقوى من الآية ليفهم من ذلك عموم معان الصبر والتقوى و أنواعهما. وفي هذا بشارة للمؤمنين، و تثبيت لأنفسهم، و إرشاد لهم إلى الوقاية من أذى الم شر كين وكيدهم بالصبر و التقوى؛ فإن م ن وفّ بعهد العبودي ة لله، فالله أ كر م بالوفاء له بما وع د ه من الفظ و الرعاية ؛ ﴿و م ن ي ت ق اللَّ يج ع ل ل ه مخ ر ج ا * و ي ر ز ق ه م ن ح ي ث لا ي ت س ب ﴾ [ 2،3]. هذا، و قد ذك ر الله هذه الع ل ل العظيمة للنهي عن موالاة الكاف رين و استبطانهم و الثقة بهم، موض ح ا أنهم لا يصلحون لشيء من ذلك، ﴿و م ن أ ح س ن م ن اللَّ ح ك م ا ل ق و م ي وق ن ون ﴾ [50]. وقد قال الشاعر: ك ل الع د او ات ق د ت ر ج ى إ ز ال ت ه ا = إ لا ع د او ة م ن ع اد اك في د ين وعن عمر - رض ي الله عن ه - أن ه قال: لا تست عم لوا أهل الكتاب؛ فإنهم يستحل ون الر شا، واست ع ينوا على أموركم و على رعي تكم بالذين يش و ن الله، وق يل له: إن ها هنا نصراني ا
عدد الصفحات ٦٤