33 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه و الله م ا س ل م ال ذ ي ه و د أ ب ه = أ ب د ا م ن الإ ش ر اك با لر حم ن ال ق ل ب ب ي ت الر ب ج ل ج لا ل ه = ح ب ا و إ خ لا ص ا م ع الإ ح س ان ف إ ذ ا ت ع ل ق با لس م اع أ ص ار ه = ع ب د ا ل ك ل ف لا ن ة و ف لا ن ث ق ل ال ك ت اب ع ل ي ه م ل م ا ر أ و ا = ت ق ي يد ه ب ش ر ائ ع الإ ي ان و الل ه و خ ف ع ل ي ه م ل م ا ر أ و ا = م ا ف يه م ن ط ر ب و م ن أ ل ان ق وت الن ف وس و إ نم ا ال ق ر آن ق و = ت ال ق ل ب أ نّ ي س ت و ي الق وتا ن ؟ و ل ذ ا ت ر اه ح ظ ذ ي الن ق ص ان ك ال = ج ه ال و الص ب ي ان و الن س و ان ولا شك أن م ن تعل ق قلبه بغير الله ي ص ير فيه نوع أو أنواع من الشرك قد تخ ر جه عن المل ة الإسلامي ة إن فض ل ما أحب ه أو ما ي ر يده محب ة أو ما يفعله محب ة على مراد الله ومرضاة الله ، فالقلب خطير جد ا؛ و لهذا قال : ((أ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كل ه، وإذا فسدت فسد الجسد كل ه، ألا و هي القلب))، فالب لله و في الله هو خالص التوحيد ، و أم ا الب مع الله فهو شرك ، فإن الشرك ليس مقصور ا على عبادة صنم، و إنما هو يتمث ل بانص راف القلب عن الله إلى غيره من أي محبوب أو مر غوب؛ ولهذا قال : ((تع س عبد الدرهم ، وت ع س عبد الدينار...)) إلخ. وكذلك اللسا ن إذا انش غ ل بالنطق الباطل من أنواع اللغو لم يتمك ن صاح ب ه من النطق بالذ كر والتلاوة والك ل م الطي ب حتى ينقله عن الباطل ويفرغه لذلك ، وكذلك الأذنان إذا أصغتا لاست ماع له و الديث لم يبق فيها محل ولا قابلي ة لاست ماع ذ ك ر الله وما نز ل من الق، وهكذا كل جارحة يشغلها صاحبها بما لا ي رض ي الله لا يكون فيها قابلي ة للسعي في مرضاته ، وقد قال : ( لأ(ن يت ل ئ جوف أحد كم قيح ا حتى يريه خير ا له من أن يت ل ئ شعر ا))، و المقصود: الشعر الفاتن الم فس د للقلب بالإغراء إلى الفاحشة، فكيف بم ن يت ل ئ صدر ه بالشبهات والشكوك والخيالات والنظريت الفاسدة ، والتقديرات التي لا وجود لها ، و سائر أنواع الد ج ل التي تبث ه وسائل النشر الديثة ، و العلوم المبتدعة الفاسدة الضار ة؛ كنظريت "فرويد" و غيره من طواغيت اليهود، و كمسائل الجنس والكايت المائعة، و نو ذلك من وحي شياطين الإنس أعداء الرسل وأ م هم إلى يوم القيامة؟! لا شك أنها من الش عر المنصوص عليه في هذا الديث، و من المعلوم أن مهم ة شياطين
عدد الصفحات ٣٣34 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه الجن والإنس غزو القلوب وإفسادها بكل وسيلة ، و إذا امت لأ القلب بهذه الأشياء لم يكن فيه محل و لا قابلي ة لأنوار القرآن ، و حقائق الوحي المنز ل على محمد وكذلك إذا بذلت النصيحة لرجل قلب ه مت ل ئ من صنوف وحي الش ياطين المتقد مة لم يكن فيه استعداد لقبولها.
عدد الصفحات ٣٤35 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه فوائد من تمثيل المنافقين في القرآن (1): من أراد الانت فاع بالقرآ ن فلي جم ع قلب ه عند تلاوته إي ه، أو عند ساع ه له، و لي لق بسمعه، و ليحضر حضور م ن ي اط به مولاه الكبير الم ت عال ؛ فر ح ا به أعظم فرحة ، م عت ز ا به و مفتخر ا أيا افتخار، يرى نفس ه أسعد الناس بذلك، و حينئذ ي ي ا قلب ه و ينت ف ع بما يتلوه منه أو يسمعه، و ليكن خاشع ا خاضع ا متدب ر ا باكي ا أو متباكي ا متحزنا ، و ذلك أن كمال التأثير موقوف على المؤث ر الصالح والمحل القابل، والشرط المحصل للأ ثر، و انتفاء المانع الذي ينع منه؛ كما قال - تعالى -: ﴿إ ن في ذ ل ك ل ذ ك ر ى ل م ن ك ان ل ه ق ل ب أ و أ ل ق ى الس م ع و ه و ش ه يد ﴾ [ 37]، فالمحل القابل هو القلب الي الذي ي عق ل عن الله؛ كما قال - تعالى -: ﴿ل ي ن ذ ر م ن ك ان ح ي ا﴾ [70]؛ أي: حي القلب، وأم ا الشرط المحصل للتأ ث ر بالوحي فهو إلقاء السمع بصدق الإصغاء، وهذا في قوله: ﴿أ و أ ل ق ى الس م ع ﴾ [37]، وأم ا ش هود القلب فهو حضوره و انهماكه بالتدب ر، و ذلك في قوله: ﴿و ه و ش ه يد ﴾ [37]، مستمع لكلام الله، غير غافل عنه ولا ساه . وهذا إشارة إلى انت فاء المانع من حصول التأثير، وهو السهو و الغفلة، فإذا حص ل المؤث ر وهو القرآن ، و المحل القابل وهو القلب الي، ووجد الشرط وهو الإصغاء، وانتفى المانع وهو اشت غال القلب و ذهوله عن خطاب الله إلى غيره، حص ل الأثر وهو الانت فاع و التذكير، و إذا تحق ق ما ذكرناه في هات ين الفائدت ين حص ل الإيان و تكو نت المجتمعات الصالة، أم ا إذا انع ك س الأمر من هات ين الفائدت ين فإن ه بضرورة الال ي كثر الفسق و الفجور حتى يصل إلى الكفر، أو تشعب الن فاق الم ش ين الذي مض ى ذك ر بعض أوصاف أهله، و سيأت مزيد لذكر أوصافهم الخبيثة في تفسير عدد من السور الم قب لة - إن شاء الله. و بالله التوفيق. وقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿إ ن اللَّ لا ي س ت ح ي ي أ ن ي ض ر ب م ث لا م ا ب ع وض ة ف م ا ف و ق ه ا ف أ م ا ال ذ ين آم ن وا ف ي ع ل م ون أ ن ه ال ق م ن ر به م و أ م ا ال ذ ين ك ف ر وا ف ي ق ول ون م اذ ا أ ر اد اللَّ به ذ ا م ث لا ي ض ل ب ه ك ث ير ا و ي ه د ي ب ه ك ث ير ا و م ا ي ض ل ب ه إ لا ال ف اس ق ين * ال ذ ين ي ن ق ض ون ع ه د اللَّ م ن ب ع د م يث اق ه و ي ق ط ع ون م ا أ م ر اللَّ ب ه أ ن ي وص ل و ي ف س د ون في الأ ر ض أ ول ئ ك ه م الخ اس ر ون ﴾ [26 - 27]. المع: أن ه ليس الياء بمانع لله - سبحانه - من ض ر ب الأمثال بهذه المخلوقات
عدد الصفحات ٣٥36 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه الصغيرة القيرة في نظركم - أي ها الكفار والمنافقون - كالب ع وض والذباب و العنكبوت، فإن فيها من دلائل القدر ة، و بدائع الص نع ما ي ير العقول، و يشه د بحكمة الخالق؛ فإن ه كما لم يست نك ف عن خلقها، لا يست نك ف عن ضر ب المثل بها، كما ضر ب المثل بالذباب في الآية 172 من سورة الج ، و بالعنكبوت في الآية 41 من سورة العنكبوت . وذلك أن الله ل م ا ضر ب للمنافقين المثلين السابقين: المث ل الناري فيم ن استوقد نار ا، و المث ل المائي كصي ب من السماء، قالوا: الله أجل و أعلى من أن يضرب الأمثال ، كما أن الكافرين ل م ا سعوا بضر ب المث ل لآلهتهم بالذباب و العنكبوت قالوا: أي شيء يصنع م ن ذك ر ذلك؟ و هم يقصدون نسبة القر آن الذي فيه تلك الأمثال لمحمد لا إ، فأنز ل الله هذه الآية، إن ما است نك ره الس ف هاء وأهل الع ناد و الم راء و است غر بوه من أن تكون المحق رات من الأشياء مض روبا بها المث ل، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب ؛ لأن التمثيل ي صار إليه لما فيه من كشف المعنى و رفع الا لتباس و إدناء المتوهم إلى المشاهد، و تقريب البعيد إلى الأذهان ، فإن كان الممثل عظيم ا كان المتمث ل به مثله، وإن كان حقير ا كان المشب ه به حقير ا، فليس العظم و القائق إلا بالنسبة للشيء المضروب من أجله المثل. فلم ا كان المعبود م ن دون الله و المرجو من دون الله أحقر و أعجز من أن ي ل ق الذباب، بل لا يستطيع استجاع ما سل ب ه الذباب منه، سار ضرب المث ل بالذباب، و كذلك القول في العنكبوت، و غير ذلك م ا التمثيل به صادق على الممث ل له، و لكن القوم ظن وا أنهم وج د وا في ضرب الأمثال بهذه الأشياء مجالا للت شك يك في ص د ق الوحي ، بحج ة أن هذه الأمثال فيها تصغير لهم وتحقير لآلهتهم، ولا ي ك ن صدور ها من الله؛ فإن ه ي تعالى عن التمثيل بكل حقير، وهذا من فرط جهلهم ، وشد ة لعب الشيطان بعقو لهم، وإلا فالله خالق الكبير والصغير، خالق البعوضة و الجمل، والمعجزة الموجودة في الجمل و ما فوق ه موجودة في البعوضة والذباب و ما دونها؛ لأنها معجزة الياة ، معجزة الروح التي هي من أمره - سبحانه - لا يعلمها إلا هو. وليس في ضر ب الأمثال منق ص ة، بل على العكس؛ كما قال - تعالى -: ﴿و ت ل ك الأ م ث ال ن ض ر به ا ل لن اس و م ا ي ع ق ل ه ا إ لا ال ع ال م ون ﴾ [43]، و إن كان الغرض التأثير، فالبلاغة و الكمة ت قض ي بأن تضرب الأمثال لما يراه تحقيره و التنفير عنه بحال الأشياء التي جر ى العرف بتحقيرها ، و اعتاد ت النفوس النفور منها، خصوص ا إذا كان فيها مناسبة
عدد الصفحات ٣٦37 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه لال الممثل به كما أسلفنا. ثم إن لله حكمة في ذلك؛ وهي تييز الخبيث م ن الطي ب، و ظهور علمه فيه بادي واضح ا للمؤمنين؛ و لذا قال - سبحانه -: ﴿ف أ م ا ال ذ ين آم ن وا ف ي ع ل م ون أ ن ه ال ق م ن ر به م ﴾ [ 26]؛ لأن إيانهم بالله يجع ل هم يتقب لون كل ما يصدر عنه برحابة صدر و انشر اح خاطر؛ لما يعرفون من حكمة ، و يعتقدونه على ما ي ل يق بلاله، و ي سل مون له تسليم ا؛ لاعتقادهم أحقي ته و كفايته، و انف تاح قلوبهم المتنو رة من الله على م دار كه، وثقتهم بوجود الكمة في كل ما ي صد ر عن ربهم ، فيست ض يئون أن الباطل لا يرم حوم ا. وأم ا الص نف الثان من الكافرين و المنافقين و هم الذين غشي الجهل على بصائرهم ، و ان ج ب عنهم نور الله لانق طاع صلتهم به يت ساء لون عن خبث و تشكيك فيقولون: ﴿م اذ ا أ ر اد اللَّ به ذ ا م ث لا ﴾ [26] يقصدون الإنكار و التشكيك بلفظ الاستفهام لقل ة أدبهم مع الله، وحرص هم على الصد عن سبيله، و هكذا المرتاب يذه ب به جدل ه إلى إنكار الأمثلة و القياس على رب ه، وهو لا ينكرها على نفسه و لا على الناس، و في الآية إشعار بنسبة الياء إلى الله - سبحانه - و قد ص ح الديث بذلك، و مذهب السلف إيراد هذا و أمثاله على ما ورد بدون تأويل و لا تعطيل و لا تشبيه ، بل مع اعت قاد التنزيه ؛ لأنهم لا ي ق يسون صفاته على صفات المخلوقين كشأن الخلف الذين أضاعوا أوقاتهم فيما لا طائل تحته. هذا، و للأمثال شأن عظيم في إحقاق الق و إظهار زيف الباطل ، فهي مشكاة الهداية ونبراسها، وميزان البلاغة و قسطاسها المستقيم ؛ قال العلا مة عبد القاهر الجرجان إمام البلاغة: "اعلم أن م ا ات فق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعان، أو برزت هي باختصار في معرضه ، و نقلت عن صورتها الأصلي ة إلى صورته ، كساها أبه ة وأكس ب ها منق ب ة، و ر ف ع من أقدارها ، و ش ب من نارها ، و ضاع ف قواها في تح ر يك الن فوس لها، و دعا القلوب إليها، فإن كان مدح ا كان أبهى و أفخم وأهز للعطف، وأجلب للفرح ، و أغلب على الممتدح، وأوجب ش فاعة للمادح، و أ و لى بأن تعلقه القلوب. و إن كان ذ م ا كان م س ه أوجع ، وميسمه ألذع ، ووقعه أشد، وإن كان حجاج ا كان برهانه أنور ، و سلطانه أقهر، و بيانه أبهى، وإن كان افت خار ا كان شأو ه أبعد، وشرفه أجد ، و لسانه ألد، و إن كان اعت ذار ا كان إلى القبول أقرب ، و للقلوب أخلب، وللسخائم أسل ، وللغضب أفل ، و على حسن الرجوع أبعث ، و إن كان و عظ ا كان أشفى للصدر، و أدعى إلى
عدد الصفحات ٣٧38 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه الفكر، و أبلغ في التن بيه والزجر ، و أجدر بأن يبرئ العليل و يشفي الغليل"، انتهى باختصار. ولذلك فالمؤمنون ي عل مون أن ه الق فيؤمنون به و يذعنون له؛ فتزداد ق لوبهم نور ا على نور و ي زدادون أجور ا، و أم ا الكافرون في زدا دون ريبة و انراف ا، وهذه حكمة الله من ضرب الأمثال ؛ كحكمته من ذكر خز ن ة النار، كما سنوضحه - إن شاء الله - و لذا قال - تعالى -: ﴿ي ض ل ب ه ك ث ير ا﴾ [26]؛ أي: من المنافقين و الكافرين م ن ي زدادون ض لالا فوق ضلالهم، ورجس ا إلى رجسهم ، ﴿و ي ه د ي ب ه ك ث ير ا﴾ من المؤمنين المستحق ين الهداية، الطالبين ثواب الله، الخائ فين من ع قوباته، فهذه الأمثال المضروبة ينت ف ع بها الذين يقدرون الأشياء بغايتها، وي زداد الم نك ر ون لها ض لالا ، وما سبب ذلك إلا الفسوق الذي يجر صاحبه إلى أفظع دركات الشر والضلال ؛ ولذا قال - تعالى -: ﴿و م ا ي ض ل ب ه إ لا ال ف اس ق ين ﴾ الخارجين عن هداية الله وطاعته. فالف س ق في اللغة هو الخروج ، ويسمى الكافر فاسق ا لخ ر وجه عم ا ألزمه العقل واقتض ت ه الفطرة ، وفي ذلك إياء إلى أن عل ة إضلال الفاسقين خروج هم عن السنن الكوني ة التي جع ل ها الله عبرة ل م ن تذك ر، فقد انص ر فت أنظار هم عن التدب ر في حكمة الأمثال إلى حقارة الممثل به؛ لعمايتهم عن صح ة الانط باق الظاهر ة التي لا تخ ف ى إلا على عميان البصيرة من عباد الهوى، وليس المراد بالفاسقين ما هو معروف بالمصطلحات الفقهي ة من الع صاة، فإنها اصطلاحات حاد ث ة لا يصح تأويلها لمدلول التن زيل ، فإن الفاسقين في القرآن هم الكافرون ؛ لرسوخ الضلال في قلوبهم وأعمالهم وأحوالهم ؛ ولذا وص ف هم الله بما ي ف يد غاي ة الكفر من ثلاثة أصول فظيعة قبيحة: (أحدها) قوله: ﴿ال ذ ين ي ن ق ض ون ع ه د اللَّ م ن ب ع د م يث اق ه ﴾ [27]، والعهد المجمل هنا يشم ل العهد الفطري والعهد الديني الموثق من الله توثيق ا حسي ا ومعنوي ، فعهد الله الفطري هو ما ركب فيهم من العقول والأحاسيس التي ي در كون بها السنن الكوني ة، وي عر فون بها صدق ما جاء به الرسل ، أم ا عهده الديني فهو الوحي الذي جاء ت به الرسل مؤي دة بالجج و البراهين، و آخ رهم محمد ون ق ض العهد الفطري هو سوء است عمال ما وه ب هم الله من الأحاسيس و الأفئدة، حتى كان لهم قلوب لا يفق ه ون بها، و أعين لا ي بص رون بها، و آذان لا ي سم عون بها. و لأهل الكتاب نصيب فظيع من نقض عهد الله بعد ميثاقه؛ لأن ه أخ ذ عليهم العهد في
عدد الصفحات ٣٨39 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه التوراة على العمل بها ، و على الإيان بمحمد الموصوف فيها بأوصاف جعل ت هم ي عر فونه كما ي عر فون أبناء هم، فعهد الله الديني مكر ر توثيقه على اليهود، فأصب ح وا ناق ضين لعهود الله جميعها، و كافرين بالتوراة لكفرهم بالقرآن . أم ا كف ار هذه الأم ة و م ناف قوها فقد نق ض وا عهد الله الفطري الم شار إليه في قوله - تعالى -: ﴿و إ ذ أ خ ذ ر ب ك م ن ب ني آ د م م ن ظ ه ور ه م ذ ر ي ت ه م و أ ش ه د ه م ع ل ى أ ن ف س ه م أ ل س ت ب ر ب ك م ق ال وا ب ل ى ش ه د نا أ ن ت ق ول وا ي و م ال ق ي ام ة إ نا ك ن ا ع ن ه ذ ا غ اف ل ين * أ و ت ق ول وا إ نم ا أ ش ر ك آبا ؤ نا م ن ق ب ل و ك ن ا ذ ر ي ة م ن ب ع د ه م أ ف ت ه ل ك ن ا بم ا ف ع ل ال م ب ط ل ون ﴾ [172 - 173]. وهذا العهد الفطري ي قد ر كافر على التهر ب منه بأية وسيلة؛ لأن الله جع ل فيه ما يذكره إي ه من آيته الكوني ة والنفسي ة التي تراها عينه ، وتسمعها أذنه، ويبصره ا قلبه، ثم نق ض وا العهد الديني المدعم بوحي عظيم ي صو ر لهم ما غاب كأن ه م شاه د، وي بر هم بأحوال الأ م م الماض ي ة ما كانو ا يجه ل ونه قبله تام الجهل؛ كما قال - تعالى -: ﴿ت ل ك م ن أ ن ب اء ال غ ي ب ن وح يه ا إ ل ي ك م ا ك ن ت ت ع ل م ه ا أ ن ت و لا ق و م ك م ن ق ب ل ه ذ ا ف اص بر إ ن ال ع اق ب ة ل ل م ت ق ين ﴾ [49]. فهذا العهد الذي أقام ت ه الرسل على أ م هم وآخرهم محمد ثم نقضوا العهد الثالث عهد القرآن بنبذه وراء ظهورهم واط راحهم لجميع ما فيه، وقد قال :((إن هذا القرآن حبل الله المتين - يعني: عهده - والنور المبين، والصراط المستقيم ، والعلم النافع، عصمة ل م ن تس ك به، ونجاة ل م ن ات ب عه)). وقال - تعالى -: ﴿و اع ت ص م وا بح ب ل اللَّ جم يع ا و لا ت ف ر ق وا ﴾ [103]، وحبل الله هو القرآن بلا خلاف ، وقد قضى الله بحصول الش قاق على م ن تولى عنه، كما سي أت بيان ه عند الكلام على الآية 183 من هذه السورة . فالكف ار والمنافقو ن في كل وقت قد نقضوا عهود الله جميعها، وهذا هو سبب إضلالهم؛ لأن نور الفطرة قد انط ف أ من قلوبهم، وم ن ات ص ف بهذه الص فات المذكورة في هذه الآية فإن كل ما ينزله الله عليه من الوحي أو ينحه به من ضر ب الأمثال أو غيرها ي ك ون سبب ا في إضلاله؛ لأن ه لا ي ت بص ر بها، فلا يقف على المقصود، ولا يتفك ر في وجه الكمة فيه ، بل ي لج أ إلى الشبهات في تقرير المجمل بالباطل ، وإلا فليس الله خالق الضلال والكفر. وقد أو ض ح الإمام الرازي في "تفسيره الكبير" هذه القيقة، و ر د على القدري ة والجبري ة،
عدد الصفحات ٣٩40 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه وقر ر الق من ذلك بكلام حسن. والثاني من أصول ضلالهم: أنهم ﴿و ي ق ط ع ون م ا أ م ر اللَّ ب ه أ ن ي وص ل ﴾ [27]، فهم أو لا نق ض وا حبل الله المحكم الطاقات، الموثق الفتل، بنبذهم وصايه في وجهه ، ورفضهم لتشريعاته ، وتفريقهم بين رسله ، وهم ثاني ا قط ع وا هذا البل الم ت ين الذي تحص ل به الصلة بين الوشائج البشري ة، وتح ق ق به الوحدة الأخوي ة بين شعوب الأرض جميعها لو لم يقطعوه، فكلمة ﴿ما﴾ هي من أدوات العموم، وت ست عم ل في الخبر والاست فهام للعاقل وغيره؛ ولذا عبر الله بها لشمول قطعهم جميع أنواع القطعة ، فإنهم قاموا بكل فظيعة لا يرضاها الله؛ كقطيعة الر ح م التي بينهم وبين المصطفى والتي بينهم وبين المؤمنين اجاو رين ، مع أن ه - سبحانه - أوج ب على أتباع الأنبياء أن يكون البل موصو لا بينهم وبين المؤمنين، فقط ع ه المنافقون وأهل الكتاب عنهم وات ص لوا بكل كاف ر، فكل م ن أعر ض عن موالاة المسلمين المؤمنين في كل زمان ومكان فقد قط ع ما أم ر الله به أن ي وص ل من الميثاق الإسلامي حبل الله الذي يربط العربي بالعجمي ، والشرقي بالغربي ، والأبيض بالأسود، وبميع الملونين الذين م ن ناب ذ نوع ا منهم فقد قط ع ما أم ر الله به أن ي وص ل، وم ا ينب غ ي معرفته في كل ميدان من ميادين الياة، هو أن جميع ما فيه رفض خير أو فعل شر هو يقط ع ما بين الله وبين صاحبه من الوصلة التي هي المقصودة بالذات من كل وصل وفصل؛ لأن العامل للخير يجلب الخير على ع باد الله في أي شأن من شؤون الياة، و العامل على الشر يجلب عليهم الشر. وأعظم صلة يأم ر الله بو ص لها هي صلة العقيدة الإسلامي ة والأخو ة الإياني ة بين جميع البشر، على اخت لاف أجناسهم وألوانهم وتباع د أقطارهم ، والجناية على هذه الصلة، فضلا من قطعها تكون أعظم من كل جرية ، والعامل على فتنة المسلمين عن هذا المبدأ الأخوي العام إلى أخو ة محدودة مقصورة على عنصر أو بلد ، فإن جريته أشد من القتل وأكبر، ويكون عمله قر ة عين أعداء الإسلام من اليهودي ة العالمي ة وأذيلها ، وبهذا كانت مهم ة الماسوني ة اليهودي ة تركيز النعرات القومي ة؛ لتفتيت الوحدة الإس لامية بشتى أنواع المكر والد ج ل، وقلب القائق، وتش ويه التاريخ با صط ناع المفت يت تار ة، وتَسيم الأخطاء تار ة، وبث السد وإلهاب نيران القد، وقد ت لهم ما أرادوا ، بل تحم س لما ي ر يدونه ف ئام من كل بلد ومن كل جنس. والعجب أن ك إذا أمع نت النظر ترى أغلب ر ؤ ساء القومي ات ليسوا من أهل القومي ة التي
عدد الصفحات ٤٠41 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه يدعون إليها ويتحم سون لها ، حتى إن نا نرى أع اج م من تركي وقبطي وشركسي وباري وفرغان وقوقازي وأشكالهم يتحم سون للعروبة، وي صن فون في سبيلها ما يهد م مل ة إبراهيم ومحمد وهم لم يبرزوا إلا على حساب المسلم، وقد تفي ؤ و ا من فضل أهله ظ لا ظ ل يلا ، ولكن الأيدي الخفي ة أو القو ة الماسوني ة الخفي ة تحر كهم وتع د هم وت ن يهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرور ا، فكل م ن انر ف ت فطرته لا ب د أن يت ص ف بصفات أسلافه المنح ر فين الذين ش خ ص الله لنا طبيعتهم، وصو ر لنا نماذ ج من أصول سيرتهم في هذه الآية الكرية . فكل عهد بين الله وبين هذا الص نف من الناس فهو منقوص ، وكل ما أم ر الله به أن ي وص ل فهو مقطوع ؛ ولهذا تفك كت الق و ى وانل ت الروابط، وحص ل التمز ق، وأ ق يمت حدود اصطناعي ة، حتى بين أرباب القومي ة الواحدة؛ نتيجة الجرية الأولى التي هي نقض م يثاق الله، وجر ت قطع ما أمر الله به أن ي وص ل، وهكذا الجرية تَر جرية أخرى أو جرائم عديدة . والأصل الثالث من أصول كفرهم الإفساد في الأرض بميع أنواع الإفساد ؛ ولذا قال - تعالى -: ﴿و ي ف س د ون في الأ ر ض ﴾. فوائد م ن تمثيل المنافقين في القرآن (2): وأعظم إفساد وأخطره شيئان يقومون بهما دائم ا هم وورثتهم من المنافقين وتلاميذهم إلى يوم القيامة: أحدهما: إهال هداية العقل وهداية الدين، وقطع الص لة بين المقدمات والنتائج، وبين المطالب والأدلة والبراهين. وثانيهما: ص د هم عن سبيل الله بدعوتهم إلى ما ي ر يدون من كل باطل، وما ينت ح لونه من مبادئهم العصبي ة ومذاهبهم الم ادي ة، وما يقومون به من الإغراء ع لى الفواحش وتحبيب المنكرات ، باسم التطو ر والمدني ة، وما يقومون به من عداوة الأمر بالمعروف وأهله، فهم الفاسدون بأنفسهم، المفسدون لغيرهم من كل م ن تك نوا من إفساده، سواء في العقيدة أو في الأخلاق؛ ولذلك قضى الله عليهم بالخسران ، وحص ر ه فيهم حصر ا بقوله: ﴿أ ول ئ ك ه م الخ اس ر ون ﴾ [27] الذين لهم الخزي في الدنيا ، خزي الذل وخزي الفرقة والش قاق، وخزي البؤس والإرهاب والفتك ، الذي يصل عليهم بتقل ب الك ام والثور ات المتلاح قة، وض ياع الطاقات وجميع معان الت عاس ة التي دعا عليهم بها الرس ول ثم الخزي في الآخ رة يوم يقوم الأشهاد.
عدد الصفحات ٤١42 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه فح ظوظ هم م نح ص رة في الخ سران بميع أنواعه حكم ا من الله الذي لا م بد ل لكلماته، يبصره ذوو البصائر السليمة، وي ف ى على م ن يغت بالمظاهر، وير و نهم مست مت عين باللذ ات والشهوات، فيحس ب ون أنهم في سعادة ي غب طون عليها، ولو سبر و ا الأغوار وابتلو ا الأخبار، لأدر كوا ما هم فيه من الإزعاج والإرهاق والسرات ، وظلمة النفوس وف ساد الأخلاق ووحشة الصدور والتهابها بأنواع القد المتجد د، واستيلاء الأوهام والجشع المسعور، وانع كاس المقاصد عليهم من كل ناحية ، فأعمالهم جميعها هدم لا بناء، وإفساد لا إصلاح، وتخريب متواصل للأرض والقلوب. وبعد ، فإن بين سبب ضلال الفاسقين من نقضهم م يثاق الله الذي هو الج ة القائمة على ع باده والذي يكر رونه مع الله؛ حيث حكى عنهم: ﴿و أ ق س م وا با للَّ ج ه د أ ي انه م ل ئ ن ج اء ه م ن ذ ير ل ي ك ون ن أ ه د ى م ن إ ح د ى الأ م م ف ل م ا ج اء ه م ن ذ ير م ا ز اد ه م إ لا ن ف ور ا ﴾ [42]، وبقولهم: ﴿ل و لا أ ر س ل ت إ ل ي ن ا ر س ولا ف ن ت ب ع آي ت ك و ن ك و ن م ن ال م ؤ م ن ين ﴾ [47]. فنقض وا جميع عهود الله الفطري ة والشرعي ة بأنهم قطعوا ما أم ر الله به أن ي وص ل، وخصوص ا وصل حبلهم بحبل المؤمنين، فعكسوا الأمر ووص ل وه بحبل الكافرين ، و تادوا بعداء المؤمنين والإفساد في الأرض. فلا عجب إذا صارو ا ي ض ل ون حتى بما هو سبب من أشد أسباب الهداية تأثير ا، وهو القرآن الذي يصرف الله فيه من أنواع ال ك م والأمثال، والو ع د والو ع يد، وأنباء الغيب والس ن ن الكوني ة؛ لعل هم يذكرون، ولكن لرسوخهم في الفسق ونقضهم العهود صار وا كالم نط ب عين في الضلال، والله - سبحانه - قد وثق العهد الفطري ب ع ل العقول بعد الرشد قابلة لإدراك الس ن ن الكوني ة في الخليقة، و وثق العهد الديني بما أي د أنبياء ه ورسله من الآيت الباهرة الخارقة والتشريعات المحكمة ، وقد رب ط العهد الأو ل بالثان؛ فم ن أنك ر الر سل ور ف ض الاهت داء به دي هم ولم يت م أتباعهم، فهو ف اس ق عن س ن ن الله في تقو يم البني ة البشري ة، وإنمائها بالر وحاني ات المكملة لإنساني تها المت صلة على الملائكة، فيصبح ناقض ا لعهد الله، قاطع ا ما أمر الله به أن ي وص ل، فت نق ل ب جميع أحو اله إلى الفساد والإفساد الذي لا ي ك نه الخروج منه ؛ لفساد فطرته ومروج عقله وتصو راته . ثم إن ها هنا مسائل:
عدد الصفحات ٤٢43 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه الأولى: قوله: ﴿ي ض ل ب ه ك ث ير ا و ي ه د ي ب ه ك ث ير ا﴾ [26]، أشعرت هذه الآية الكرية بمساواة المؤمنين مع الضال ين في الكثرة، والمؤمنون قليلون بالنسبة إليهم ح س ا وشرع ا؛ كما قال - تعالى -: ﴿و ق ل يل م ن ع ب اد ي الش ك ور ﴾ [13]، إلى غير ذلك من ن ص وص الوحي ، فل م ج ع لوا في هذه الآية كالضال ين في الكث رة؟ والجواب على ما حق قه ك بار المفس رين : أن الكمة في التسو ي ة إفادة أن المؤمنين المهت د ين على قل تهم أجل فائدة وأكثر نفع ا وأحسن آثار ا من أولئك الكف ار الضال ين على كثر تهم؛ لأن المؤمنين كما قيل: "قليل إذا عدوا، كثير إذا شدوا"، وكما قيل أيض ا: و لم أ ر أ م ث ال الر ج ال ت ف او تا = ل د ى ال ف ض ل ح تى ع د أ ل ف ب و اح د ولذلك جع ل الله الواحد منهم في الق تال مقام عشرة في حال القو ة والعزية ، ومقام اثنين في حال الض ع ف، ولقد كان من آثار ذلك العدد القليل من المؤمنين الأو لين سياد ته م لجميع العالمين. والثانية: في تق ديم الإضلال على الهداية في قوله - تعالى -: ﴿ي ض ل ب ه ك ث ير ا و ي ه د ي ب ه ك ث ير ا﴾ [26] قالوا: لأن سببه ومنشأه من الكفر متقد م على بعثة محمد وبعضهم قال: متقد م على نزول القرآن ، وإنما جاءت الآيت المبني ة بالأمثال لإخراجهم م ا كانوا عليه من ظلمات الباطل إلى نور الق، ولكن ها زاد ت الفاس ق ين رجس ا إلى رجسهم ؛ لأن نور الفطرة قد ا نط ف أ من صدورهم بما جنوا عليه من الت ماد ي بالباطل، ونقض عهود الله العظيمة، وقطعهم ما أم ر الله به أن ي وص ل من التصديق بمحمد فقطعوه بالتكذيب والعصيان، ومن مخالفة أقوالهم لأعمالهم فلم ي ص لوه، ومن تكذيبهم بالأنبياء السابقين الذين أ م ر وا بالإيان بمحمد وصلته بالإعزاز والنصرة ، فقطعوه بالانت قاض والخذلان، ومن صلة الرحم والقرابة بينهم وبين المؤمنين من عشير تهم فقطعوها ببغضهم وعداوتهم على الإسلام، وم ن قطع الصلة الكبرى في الدين الذي ي وج ب الب لله والموالاة في الله فعكسوا الأمر، فهم - والعياذ بالله - يضيعون حق الخلق كما ضي عوا حق الخالق، وهذا من ضروب الإفساد في الأرض، وقال بعض المفس رين : إن في الآية لف ا و نشر ا؛ لأن ه - تعالى - ذك ر الضلال أو لا وهو للفريق الثان الفاسق ، و ذك ر الهدى آخ ر ا وهو للفريق الأول - والله أعلم. (فصل): و إذا كان النقض في اللغة العربي ة هو إفساد ما أبرم ، سواء كان الإبرام حسي ا أو معنوي ، فإن نقض عهد الله أو عهوده الفطري ة و الشرعي ة نقض لما أبرم إبرام ا معنوي و إفساد له
عدد الصفحات ٤٣44 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه علمنا أنهم بإفساد هذا المبرم إفساد ا معنوي قد تسب بوا إلى جميع أسباب الفساد و الإفساد السي و المعنوي، فإن ه بروجهم عن سن ة الله، و إفسادهم ما أبر م ه الله من العهد الفطري فس دت ع ق ولهم، وم ن فس د عقله فس دت جميع تصو ر اته، وم ن فسدت جميع تصو راته فلا عجب أن ي عب د ما ينحت، بل لا عجب أن يصو ر من التمر تثالا يعب ده، فإذا جاع أكل ه دون أي تفكير أو اعت بار، كما فعل ذلك عمر بن الخطاب حين الجاهلية لم ا كان مشرك ا، وهو عمر المشهور في الجاهلي ة بشجاعته و فراسته ، لكن فساد التصو ر جع ل ه يتد ى بعقلي ته إلى هذه الال الم ضح كة التي لم يشعر بسخافتها إلا بعد الإسلام الذي است نار ت به بصيرته - رض ي الله عن ه. ولا عجب م ن فس د ت تصو راته أن ي فق د الات كال على الله، و أن يقتل أولاده خشية أن يطعموا معه، كما أوضح القرآن ذلك ونهى عنه ، و ها نن الآن نرى الذين يتبج حون بالعلم والتنو ر و المدني ة ينادون بتحديد النسل؛ خشية من عدم كفاية الأرزاق و الأعمال في الأرض، و ي ر و جون هذه السخافة بين الناس بدون ترو ، فيا لها من سخافة أشنع من سخافة الأوائل الأمي ين! و من أفس د المبر م من عهد الله الشرعي فأ خل بالواجبات و لم يبال بانتهاك الرمات ، فما هذا إلا لفساد عقله و فساد جميع تصو راته ؛ لأن ه في الجملة لا ي نك ر الله و لا ي نك ر فضل ه فكيف ي عص يه وي ونه في عهده الشرعي ؟ و لكن فساد التصو ر يجعله مع هذا ير م ما أحل الله، و ي ب يح ما حر م الله؛ فيكون على أشنع حالة من الكفر - و العياذ بالله - ثم ينجر بذلك إلى قطع ما أم ر الله به أن ي وص ل، فيحصل الشر المست ط ير من الفرقة والش قاق وموالاة الكف ر ة و مج ان ب ة المسلمين أو م عاداتهم، فت فر ق الص فوف، وت ب د د الطاقات، و يست عل ي أعداء الإسلام على أهله بسبب المنافقين الذين قطعوا ما أم ر الله به أن ي و ص ل من الم يثاق الإسلامي الذي ي رب ط المسل مين بعضهم ببعض على اختلاف أ م هم و ش ع وبهم، فيجعلهم كالجسد الواحد يتألم بعض هم لبعض، و ي ساع د بعض هم بعض ا، ويغضب كل منهم لغضب الآخ ر، وي ث ور لكرامته ، ويرخص النفس و النفيس في سبيله؛ لأجل الب في الله و البغض في الله الذي هو ل باب الد ين و ثمرته . فما أعظم جناي ة المنافقين على المجتمع الإسلامي بضلالهم العظيم، و فس قهم المبين، الذي جر على الأم ة جميع أنواع الو بال، هذا زيدة على الإفساد في الأرض ، فما أعظم نعمة الله
عدد الصفحات ٤٤45 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه علينا في تشخيص طبائع الكافرين والمنافقين ، و تصوير نماذجهم و توضيح آثارهم الهد امة للمجتمع الإسلامي، الذي ما زال ي واج ه شر هم منذ عهد النبو ة إلى زمننا هذا الذي ت فاق م فيه شر هم، وازداد رجسهم و فسادهم، لكن باخت لاف في الأساء والمظاهر، و لا أعظ م من فسادهم في فتنة الناس عن مل ة إبراهيم - عليه السلام - و توج ههم إلى ما ي ال فها من مخط طات الماسوني ة التي تولى كبرها طواغيت اليهود والنصارى ، و التي برز بسببها م ن يدم دولة اليهود من حيث ي شع ر أو من حيث لا يشعر. ذلك أن است باحة ما حر م الله كفر صريح يرم أهله مدد الله و نصره ، ز د على ذلك أنو اع الشر والفسوق و العصيان الذي لا ي ك ن معه تحقيق جهاد، ولا ثبات في مواطن الجهاد، والله الهادي إلى سواء السبيل. قوله - تعالى -: ﴿ك ي ف ت ك ف ر ون با للَّ و ك ن ت م أ م و اتا ف أ ح ي اك م ثم ي يت ك م ثم ي ي يك م ثم إ ل ي ه ت ر ج ع و ن ﴾ [28]. هذه الآية الكرية مت ص لة بما قبلها من الآيت و مرتب ط ة بها ارت باط ا وثيق ا، و هذا التساؤل فيها موج ه إلى الفاسقين، و مبني على إيرا د ما ع د د من قبائحهم السابقة لتزايد السخط الم وج ب مشاف هتهم بالتقريع و التوبيخ لضلالهم بالأمثال التي هي من أشد أسباب الهداية تأثير ا، وبنق ضهم العهود الإلهي ة الموث قة، و قطعهم ما أم ر الله به أن ي وص ل، فيوج ه الله هذا الاستفهام الإنكاري التعج بي؛ لأن معهم من الآيت لذوي العقول ما يصرفهم عن الكفر و يدخلهم في الإيان. فهذا الاست فهام فيه است نكار لواقعهم واست بعاد لصوله؛ و لذا جاء مقتنا ببرهان نفسي ظاهر ناصع مؤيد لما قبل ه من البراهين، ومذك ر لهم حقيقة و اقعهم التي لا يكنهم إنكار ها أو إنكار أكثرها ، و لا يسوغ لهم الإقامة على ما هم عليه من الكفر الذي لا وجه لصوله سوى الع ناد و المكابرة ؛ فيقول: ﴿ك ي ف ت ك ف ر ون با لله ﴾؛ يعني: بأي صفة من صفات الكفر تأخ ذون؟ وبأي شبهة تعتمدون، و حالكم في تلك الموتت ين و الياتين تأبى عليكم ذلك، و لا تدع لك م عذر ا و لا لشكوككم مجا لا ؟ و ذلك أن كم كنتم أمو اتا ف أ ح ي اك م ؛ يعني: كنتم قبل هذه النشأة الأولى أمواتا قد انبث ت أجزاؤكم في الأرض في سائر طبقاتها الجامدة والسائلة و الغازية الهوائية، و غيرها من جميع الأنواع ، لا فرق بينها و بين أجزاء سائر النبات و اليوان في ذلك؛
عدد الصفحات ٤٥46 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه إذ لا حياة فيها و لا روح ، فخلقكم أطوار ا من سلالة من طين حتى كنتم بالطور الأخير في أحسن تقويم، و فض ل كم على غيركم بموهبة العقل . وليس معنى إماتتهم الأولى خروج أرواحهم من أجسادهم كما زع م ه بعض المؤو لين؛ لأن هذا الخ طاب ليس موج ه ا إلى أهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم ؛ لأن التوبيخ هنالك يكون توبيخ ا على ما سل ف من إجرامهم و ليس له معنى هنا؛ إذ ا التوبيخ هنا توبيخ استعتاب و استجاع ، فقوله - تعالى -: ﴿ك ي ف ت ك ف ر ون با لله و ك ن ت م أ م و اتا ف أ ح ي اك م ﴾ توبيخ مستعتب عباده، وتأنيب مستجع خلق ه من الكفر إلى الهدى، و لا إنابة في القبور بعد الممات ولا توبة فيها. وقد حك ى المفس ر الكبير أبو جعفر بن جرير الطبري روايت كثيرة عن الصحابة و التابعين، أختار منها روايتين فيهما مناسبة للمقام: أحدهما: عن ابن مسعود و ناس من الصحابة - رض ي الله عن هم - قالوا في قوله - تعالى -: ﴿ك ي ف ت ك ف ر ون با للَّ و ك ن ت م أ م و اتا ...﴾ [28]، يقول: لم تكونوا شيئ ا فخلقكم ثم ي يتكم ثم ي ي يكم يوم القيامة. وثانيهما: عن ابن عباس - رض ي الله عنهما - في قول الله عنهم: ﴿ر ب ن ا أ م ت ن ا اث ن ت ين و أ ح ي ي ت ن ا اث ن ت ين ﴾ [11] قال: كنتم ترابا قبل أن يلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم ف هذه إحياءة ، ثم ييتكم فتجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه إحياءة، فهما ميتتان و حياتان، فهو قوله - تعالى -: ﴿ك ي ف ت ك ف ر ون با للَّ و ك ن ت م أ م و اتا ف أ ح ي اك م ثم ي يت ك م ثم ي ي يك م ثم إ ل ي ه ت ر ج ع ون ﴾ [28]. وهذا هو الصحيح الذي لا ير د عليه من الإيرادات ما ي ؤب ه له أبد ا، و هنا قول آخ ر وجيه يؤي د قول م ن فس ر الميتة الأولى بالن طفة، وهو أن الموتة الأولى م فار قة نطفة الرجل جسده إلى ر ح م المرأة ، فهي ميتة من حين فراقها للج س د الذي خر ج ت منه إلى أن ي ي يها الله بنفخ الر وح فيها بر ح م المرأة ، فتخرج بشر ا س و ي ، ثم تو ت بعد است يفاء أجلها المقد ر فهذه الموتة الثانية، ثم تحيا حين النفخ في الص ور فهذه الياة الثانية، ووجه م ناس بة هذا القول تعليلهم بأن كل شيء من ابن آدم حي ما لم ي فار ق جسده الي، و كل ما فار ق جسده الي مات، فكذلك نطفته حي ة بحياته، فإذا خرجت منه ماتت حتى يييها الله ثانية في رحم المرأة وهكذا، وقوله - تعالى -: ﴿ثم ي يت ك م ﴾؛ أي: بق ب ض أرواحكم التي فيها قوام حياتكم،
عدد الصفحات ٤٦47 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه فتنحل أبدانكم بمفار قتها إي ها، وت ع ود إلى أصلها ميتة منبث ة في طبقات الأرض، حتى ينعدم وجود قاعدي (عجب الذنب ). ثم إن ه - سبحانه وتعالى - ﴿ي ي يك م ﴾ حياة ثانية كما أحياكم بعد الموتة الأولى حياة تكون أرقى وأكمل من الياة السابقة إن أنتم حق قتم طاعة الله والإيان به؛ لأن كم في الياة الثانية ﴿إ ل ي ه ت ر ج ع ون ﴾، فينب ئكم بما عملتم، وي اس بكم على ما اقتفتم. وإذا كان هذا مبدؤكم ، وذلك منتهاكم، فكيف تكف رون وت نك رون أن القر آن من عنده، و ت نك رون أن يضرب لكم أمثا لا تهت د ون بها، وتست نك رون أن يبعث فيكم رسو لا منكم، مع أن ه لو أرس ل ه من غير جنس كم لتغير موقفكم ومنطقكم. حق ا، إن الكفر بالله مع ق يام هذه الد لائل الواض ح ة في أنف س هم وفي الأكوان م ا تقد م شيء قبيح يت ن ع وجود ه من عاقل يت م نفس ه؛ إذ لا حج ة له على م قاب لة هذه الن ع م بالكفر والإعراض والمكابرة ، فمن عظيم هداية الله في وحيه المبارك أن ه ي واج ه البشر بحقائق واضحة ناصعة لا ب د لهم من التسليم بها والاعت اف بأحقي تها، وإسلام وجوههم للخالق الجب ار، الر ز اق الوه اب القه ار، لقد كانوا موتى بين أطباق الت اب فأحياهم ويس ر لهم معايشهم كما فص لناه، ثم ي يتهم أخرى موتة ي شاه دونها في آبائهم وإخوانهم وأقرا نهم لا يكنهم إنكارها ، أم ا إحياؤ هم ثانية وحشرهم إلى الله ف هو أمر حقيقي ي د ل ل الله عليه في آيته الكوني ة بما لا ي نك ره إلا الم عان دون؛ لأن ه إذا تقر ر خلق الله لهذه الخليقة ابتداء فإعادتها سهلة عليه كما ن ص على ذلك في سورة الروم: ﴿و ه و ال ذ ي ي ب د أ الخ ل ق ثم ي ع يد ه و ه و أ ه و ن ع ل ي ه و ل ه ال م ث ل الأ ع ل ى في الس م او ات و الأ ر ض و ه و ال ع ز يز ال ك يم ﴾ [27]، فكيف ي كف ر بالله م ن كان وجود ه من الله، وساك ن في ملك الله، يرت ع في فضل الله، ويتمت ع بض يافة الله؟ و ها هنا مسائل: الأولى: قوله - تعالى -: ﴿ثم ي يت ك م ثم ي ي يك م ثم إ ل ي ه ت ر ج ع ون ﴾ ما السر في ت راخ ي الإرجاع إلى الله عن الياة الثانية حياة البعث؟ الجواب: إن هذا التاخي بتعبير النص عبارة عن تأخير ال ساب والجزاء ، وطول زمن الموقف والانتظار، كما ورد في حديث الشفاعة العظمى وغيره من الأحاديث ؛ فلذا ساغ الإتيان بكلمة ﴿ثم ﴾ التي هي للتاخي والتتيب بعد ذكر الياة الثانية، والله أعلم. الثانية: لقائل أن يقول: كيف يتج عليهم بالياة الثانية قبل الإيان بالوحي الذي هو دليلها وحج تها؟ والجواب من وجهين :
عدد الصفحات ٤٧48 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه أحدهما: أن تثيل إحدى الياتين بعد الموت بالأخرى داحض لج ة م ن ي زع م عدم إمكان الثانية؛ لأن ما جاز في أحد المثلين جاز في الآخ ر. وثانيهما: أنه احتجاج على مجموع الناس بما عليه كثير منهم ولا عبرة بالشذاذ الم نك ر ين للبعث؛ لأن الاحت جاج بالياة الأولى بعد الموتة الأولى كاف للتعج ب من كفرهم بالله وإنكارهم أن يضرب الأمثال لهداية الناس ؛ زعم ا أن هذا لا ي ل يق بعظمته، ومن عادة كل م بط ل ي نك ر آيت الله أن يسلك مسلك التلبيس في زعمه تعظيم الله ؛ تقرير ا للسامعين وترويج ا لما ي ر يد من باطله، ولكن الله - سبحانه - ي د ل ل لنا في آيته إلى أن م ن أو ج د هذا الإنسان وجع ل ه في أحسن تقويم ور ك ب صورته من تلك الذر ات الصغيرة والن طفة المهينة والعلقة الدموي ة أو الدودي ة والمضغة اللحمي ة، لا يست حيي أن يضرب مث لا ما بعوضة فما فوقها، والكلام مع أن ه م س وق لإبطال شبهات م نك ري الأمثال والقرآن الذي جاء بها ، فهو أيض ا محتو على تقرير التوحيد وتفنيد جميع أنواع الكفر بالله بأ حسن عبارة ، وأفحم حج ة، وألطف منطق يدخل القلوب، كما أن ه يتوي على تقرير الإيان بالبعث و عدم استحالته بل سهولته، كما مضى الكلام عليه والتذكير بآية الروم رقم 27، تلك الآية المصر ح فيها بأن الإعادة أهون على الله من البدء؛ يعني: بد ء الخليقة. ألد الخصام: ﴿و م ن الن اس م ن ي ع ج ب ك ق و ل ه في ال ي اة الد ن ي ا و ي ش ه د اللَّ ع ل ى م ا في ق ل ب ه و ه و أ ل د الخ ص ام * و إ ذ ا ت و لى س ع ى في الأ ر ض ل ي ف س د ف يه ا و ي ه ل ك ال ر ث و الن س ل و اللَّ لا ي ب ال ف س اد * و إ ذ ا ق يل ل ه ات ق اللَّ أ خ ذ ت ه ال ع ز ة با لإ ثم ف ح س ب ه ج ه ن م و ل ب ئ س ال م ه اد ﴾ [ 204 - 206]. يبر الله عباد ه بأخط ر ص نف من أصناف البشر ي ة على الناس، ذلك الص نف الذي هو من ع تاة الم ناف قين، وخ ب ثاء الكافرين ، وأمه ر المتمل قين، ي ظه ر لك المواف قة على كل ما ت ر يده، ويغش ك بما ي عج بك من القول، وقد ي تعاو ن معك على كل عمل تقدم عليه، ولكن ه في الباطن يفر لك الز بى (1)، ويد لك الأحابيل، وي ط و قك بالأشواك الشائكة حسي ا ومعنوي ، حتى يضرب ضرب ته اللاز بة، وهذا النوع من الناس خطير وكثير جد ا، وخصوص ا في هذه الأوقات التي غل ب على أهلها حب الماد ة والشهوات يكون لهم فيها مجال خصب ي رت ع فيه (1) الزبى : حفرة تح ف ر للأسد ، س يت بذلك؛ لأنهم كانوا يفرونها في موضع عال .
عدد الصفحات ٤٨