المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

النفاق أثاره ومفاهيمه

عبدالرحمن الدوسري

صفحة ٥ من ٥

65 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه من أهل اليرة لا أحد أكتب منه، و لا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا أتخ ذ بطانة من دون المؤمنين. ور و ي أن أبا موسى الأشعري استكت ب ذ م ي ا، فكتب إليه عمر ي عن فه، وتلا عليه هذه الآية ﴿ي أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا لا ت ت خ ذ وا ب ط ان ة م ن د ون ك م ...﴾ [118] الآية، وانت هر ه لم ا حضر و قال: لا ت د نه م و قد أقصاهم الله، و لا ت كر مهم وقد أهانهم الله، و لا تأ م نهم وقد خو نهم الله. قال القرطبي : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخ اذ أهل الكتاب كت ب ة و أ م ناء، و ت سو دوا بذلك عند الجه ل ة الأغبياء من الو لا ة و الأ م راء ، روى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رض ي الله عنه - عن النبي  أنه قال: ((ما بع ث الله من نبي و لا است خل ف من خليفة إلا كانت له ب طانتان: بطانة تأم ر ه بالمعروف و تحض ه عليه، و بطانة تأم ره بالشر و تحض ه عليه، فالمعصوم م ن عص م الله - تعالى)). و روى أنس بن مالك - رض ي الله عنه - قال: قال رسول الله  :(( لاتستض يئوا بنار المشركين ، و لا تنقشوا في خ وات يمكم غريب ا)). فس ره السن بن أبي السن قال: أراد - عليه الصلاة والسلام - لا تست ش ير وا المشركين في شيء من أموركم ، و لا تنقشوا في خواتيمكم محمد ا، قال السن: و تصديق ذلك في كتاب الله: ﴿ي أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا لا ت ت خ ذ وا ب ط ان ة م ن د ون ك م لا يأ ل ون ك م خ ب الا ﴾ [ 118]. (قلت): وتفسير ابن أبي السن لنقش الخواتيم في النفس منه شيء ، ولعل ه يرى ما لم أر ه، والله أعلم. وقوله: ﴿و اللَّ بم ا ي ع م ل ون مح يط ﴾ [47] وق ر ئ: ﴿تعملون﴾ بالتاء الفوقي ة، و على القراءة الأولى يكون المراد أهل الكتاب والمنافقين الذين اتخ ذ هم المؤمنون بطانة و كذا غيرهم، فإن علم الله محيط بما يعملون من معاداتكم و الكيد لكم، و مقتضى علمه بذلك أن يج از ي هم عليها في الدنيا و الآخرة . أم ا على قراءة : ﴿تعلمون﴾ على سبيل المخاطبة، فيكون الخطاب م وج ه للمؤمنين؛ و المعنى: إن ه محيط علم ه بميع ما يصدر منكم - أي ها المؤمنون - ومن خصومكم الكف ار،

عدد الصفحات ٦٥

66 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه و مج از يكم على مخالفة إرشاده و تحذيره لكم من اتخ اذهم أولياء أو بطانة، كما أن ه سي جاز يهم على كيدهم و مكرهم . و تَدر الإشارة هنا إلى أن الإحاطة في جميع آي القرآن الكريم معناها : إحاطة العلم و القدرة ، لا الإحاطة السي ة. آيات أخرى ت سل ط الضوء على المنافقين: لقد جم ع الله - سبحانه - بين الكافرين و المنافقين في آية واحدة، فجع ل هم شيئ ا م تشابه ا بل واحد ا في عداوته للإسلام، وتأ ل يب قلوب المؤمنين عنه؛ ولهذا توع د الله المنافقين كما توع د الكافرين بالعذاب الأليم ، و فت ح أبواب جهن م لهم جميع ا لي ذ وقوا عذاب ه وغضب ه بما ج ن ت أيديهم و عقولهم، فقال - تعالى -: ﴿إ ن ال ذ ين آم ن وا ثم ك ف ر وا ثم آم ن وا ثم ك ف ر وا ثم از د اد وا ك ف ر ا لم ي ك ن اللَّ ل ي غ ف ر له م و لا ل ي ه د ي ه م س ب يلا * ب ش ر ال م ن اف ق ين بأ ن له م ع ذ ابا أ ل يم ا * ال ذ ين ي ت خ ذ ون ال ك اف ر ين أ و ل ي اء م ن د ون ال م ؤ م ن ين أ ي ب ت غ ون ع ن د ه م ال ع ز ة ف إ ن ال ع ز ة للَّ جم يع ا * و ق د ن ز ل ع ل ي ك م في ال ك ت اب أ ن إ ذ ا س ع ت م آي ت اللَّ ي ك ف ر به ا و ي س ت ه ز أ به ا ف لا ت ق ع د وا م ع ه م ح تى ي وض وا في ح د يث غ ير ه إ ن ك م إ ذ ا م ث ل ه م إ ن اللَّ ج ام ع ال م ن اف ق ين و ال ك اف ر ين في ج ه ن م جم يع ا﴾ [137 - 140]. فهذا التقلب من الإيان إلى الكفر و منه إلى الإيان ثم عودة إلى الكفر - ليس من ص فات المؤمنين، بل هو صفة من ص فات المنافقين الذين م لأ الشك قلوبهم و نفوسهم ف راح وا ينت ه زون الفرصة الم لائ مة، واض عين أنفسهم في الصف الذي يرع ى مصالهم - بزعمهم - و قد ع م ي ت بصيرتهم و ضل ت قلوبهم ؛ فتاهوا عن الص راط المستقيم صراط الذين أنع م الله عليهم و لا الضال ين، و نسوا أن المصلحة القيقي ة هي بالثبات على طريق الق ، طريق الخير و الفلاح، طريق الله الذي ي ؤم ن الهداية والنجاة و السلامة ، آث ر وا الياة الدنيا و مصالها، و انقل ب وا عن الله و المؤمنين إلا في ساعات ي رج ون فيها منفعة و رفعة ، فهؤلاء لن يجدوا رفعة ، ولن يجدوا هداية ، و لن يجدوا شفيع ا؛ إذ تحو لت الآية الكرية من وصفهم بالتد د و الن فاق إلى وصفهم بالكفر الم كاب ر الم عان د الذي يصر على التد ي بتلك الهو ة السحيقة المملوءة نار ا حامية وألم ا ساحق ا و عذابا لا ي دان يه عذاب (جز اء وفاق ا)، إن المنافقين هؤلاء لن يكون لهم سبيل إلى قلوب المؤمنين المحص نة بالث بات و العام ر ة بالإيان، و مح او لاتهم تلك لن تكون إلا و بالا عليهم بص دود هم عن كتاب الله و الاست هزاء به ، هذا الصد و ذاك الاست هزاء ي غمسهم في

عدد الصفحات ٦٦

67 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه إناء الكفر الن ج س، ثم ينكب ون منه في النار على وج و ههم مع الكف ار سواس ي ة و على قدم واحدة ، خال دين بقيودهم وأغلالهم ي شر بون الميم و الغسلين. الكافر له جهن م و ساءت مصير ا، و لكن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ؛ لأنهم اشتكوا مع أولئك بالكفر، وزادو ا عنهم خبث ا ومكر ا، و د هاء و د س ا، وإغواء و إغلاق ا لكل طريق يؤد ي إلى الخير و النجاح، فهم أبالسة تتلم ذ وا على الشر فأضم ر وه وأتق ن وه تَارة لن تربح ، ولن يجنوا منها إلا النكال و الخسران ؛ ﴿إ ن ال م ن اف ق ين في الد ر ك الأ س ف ل م ن الن ار و ل ن تَ د له م ن ص ير ا﴾ [ساء145]،وكما أن الجن ة درجات للمؤمنين المت قين كذلك النار هي الأخرى درجات ، و المنافقون هم في الدرك الأسفل منها ؛ فعن أبي هريرة - رض ي الله عن ه - قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم فت وق د من تحتهم و من فوقهم. و عن ابن مسعود - رض ي الله عنه - أن ه قال: المنافقون في ت واب يت من نار تطبق عليهم مغلقة مقفلة، ثم لا تَد لهم نصير ا ينقذهم م ا هم فيه و ي ر جهم من أليم العذاب. ﴿ال ذ ين ي ت ب ص ون ب ك م ف إ ن ك ان ل ك م ف ت ح م ن اللَّ ق ال وا أ لم ن ك ن م ع ك م و إ ن ك ان ل ل ك اف ر ين ن ص يب ق ال وا أ لم ن س ت ح و ذ ع ل ي ك م و نم ن ع ك م م ن ال م ؤ م ن ين ف اللَّ ي ك م ب ي ن ك م ي و م ال ق ي ام ة و ل ن يج ع ل اللَّ ل ل ك اف ر ين ع ل ى ال م ؤ م ن ين س ب يلا ﴾ [141]. إذا فهم يتب صون بالمؤم نين د وائر السوء، وينت ظ رون ز وال دولتهم و ظهور الكف ر ة عليهم، فإن كان للمؤمنين نصر من الله وتأييد وظفر و غنيمة تود دوا إليهم، و قالوا: أ لم نكن معكم؟ و إن كان للكافرين غل ب ة و إدالة - كما وق ع يوم أحد، و كما يق ع في كثير من مناطق العالم في وقتنا الاضر - قالوا: ألم نساعدكم في الباطن، ونذل عدو كم، و نثب ط عزائمه حتى انتصرت ؟ فهم يتود دون إلى هؤلاء وهؤلاء و ي صان عون هؤلاء و هؤلاء ليحظوا عند الجميع ويأمنوا كيدهم، و ما ذاك إلا لضعف إيانهم و قل ة إيقانهم، و لكن هم م كش وفون في الآخ رة عندما يصل الله ما في الصدور، ويكشف السرائر ، و يفض حهم أمام خلقه جميع ا، و مردودون في الدنيا عندما يف ظ عباد ه المؤمنين من كيدهم وغدرهم و د س هم؛ ﴿و ل ن يج ع ل اللَّ ل ل ك اف ر ين ع ل ى ال م ؤ م ن ين س ب يلا ﴾، فالله - سبحانه - لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبي لا في الدنيا؛ بأن ي سلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلي ة، وإن جع ل لهم ظفر ا في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمت قين في الدنيا و الآخ رة؛ كما قال - تعالى -: ﴿إ نا ل ن ن ص ر ر س ل ن ا و ال ذ ين آم ن وا في ال ي اة الد ن ي ا ﴾ [51].

عدد الصفحات ٦٧

68 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه وعليه، يكون هذا ر د ا على المنافقين فيما أم لوه و رج و ه و انتظ ر وه من ز وال دولة المؤمنين، وفيما سل ك وه من م صان عتهم الكافرين ، خوف ا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم. قد يدع المنافقون بعض ا م ن حولهم من بني الب ش ر، في ق ودو نهم إلى حفائر رسوها وخطوها و مو ه وها لي وق عوا بهم، أقول: إذا تك ن المنافقون من ذلك فهل يظن ون أنهم يد عون الله الخالق المسير المط ل ع العالم بما ت بط ن الن فوس و ما ت ظه ر؟ إن الله يصفعهم ويسو د وجوههم و يي ب آمالهم عندما يقول: ﴿إ ن ال م ن اف ق ين ي اد ع ون اللَّ و ه و خ اد ع ه م و إ ذ ا ق ام وا إ لى الص لا ة ق ام وا ك س الى ي ر اؤ ون الن اس و لا ي ذ ك ر ون اللَّ إ لا ق ل يلا * م ذ ب ذ ب ين ب ين ذ ل ك لا إ لى ه ؤ لا ء و لا إ لى ه ؤ لا ء و م ن ي ض ل ل اللَّ ف ل ن تَ د ل ه س ب يلا ﴾ [142 - 143]، لقد تقد م في سورة البقرة قول ه - تعالى -: ﴿ي اد ع ون اللَّ و ال ذ ين آم ن وا ﴾ [9]، و هنا يقول: ﴿إ ن ال م ن اف ق ين ي اد ع ون اللَّ و ه و خ اد ع ه م ﴾، م ا لا ش ك فيه أن الله لا ي اد ع، فإن ه العالم بالسرائر و الضمائر، و لكن المنافقين لجهلهم وقل ة علمهم و عقلهم يعت ق دون أن أمر هم كما راج عند الناس و ج ر ت عليهم أحكام الشريعة ظاه ر ا، فكذلك يكون حكم هم عند الله يوم القيامة، وأن أمرهم يروج عنده ، كما أخبر - تعالى - عنهم أنهم يوم القيامة يلفون له أنهم كانوا على الاست قامة و السداد، و يعت ق دون أن ذلك نافع لهم عنده؛ كما قال - تعالى -: ﴿ي و م ي ب ع ث ه م اللَّ جم يع ا ف ي ح ل ف ون ل ه ك م ا ي ل ف ون ل ك م ﴾ [18]،فقوله: ﴿و ه و خ اد ع ه م ﴾؛ أي: هو الذي يست در جهم في طغيانهم وض لالهم ويذلهم عن الق و الوصول إليه في الدنيا، و كذلك يوم القيامة، وقد ور د في الديث: ((م ن س ع س ع الله به، وم ن راي راي الله به))، و في حديث آخ ر: ((إن الله يأم ر بالعبد إلى الجن ة فيما يبدو للناس و يعدل به إلى النار))(1). وفي ا ية ا لكرية أعلاه ي بر ز الله - سبحانه وتعالى - أخطر ص فات المنافقين التي است حق وا بها الدرك الأسفل من النار ، فهم مخ اد عون، متاخون عن الصلاة رأس أركان الإسلام، مراؤ ون م داه نون، فيهم غ باوة من عدم التذك ر و الاست فادة، لا موقف لهم ي وض ح هوي تهم كع باد لله مخ ل صين له الدين، و أخير ا ترديهم بغضب الله يتقل بون بحيمه أنّ اتَ هوا، أم ا قوله - تعالى - فيهم: ﴿و إ ذ ا ق ام وا إ لى الص لا ة ق ام وا ك س الى ﴾ [142]، فهي صفة لهم في أشرف الأعمال و أفضلها، يقومون إلى الصلاة - إذا قاموا - و هم ك سالى ؛ لأنهم (1) "مختصر تفسير ابن كث " ص 450 م1.

عدد الصفحات ٦٨

69 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه لا ني ة لهم فيها، و لا إيان لهم بها و لا خشية، يتمطون إليها تط ي العاجز، و هم يعل مون ما قال ه الله و رسو له و أصحابه فيها و فيهم، لا ي ش عون فيها و لا يدرون ما يقولون، و إنما هي حركات ي ؤد ونها يرفعون بها ع ت ب ا أو ل و م ا م ن حوله م، م نس ح بين من خيرها و ثوابها؛ عن أنس بن مالك - رض ي الله عن ه - قال: قال رسول الله  :((تلك صلاة المناف ق، تلك صلاة المناف ق، تلك صلاة المناف ق؛ يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرن الشيطان قام فنقر أربع ا لا يذكر الله فيها إلا قليلا )). وقد ور د في أحاديث كثيرة أن المنافقين يتعم دون الصلاة التي ير و ن فيها و يتاخ و ن عن تلك التي تكون في الظ لمة "العشاء و الصبح"، فغرضهم الأو ل والأخير مرا ءاة الناس و تسجيل ذلك عندهم، و م واق فهم هذه كانت تهز الرسول هز ا، في قول - عليه الصلاة و السلام -: ((إن أثقل الصلاة على المناف قين صلاة العشاء و صلاة الفجر، ولو يعل م ون ما فيهما لأتوها حبو ا، و لقد همت أن آم ر بالصلاة فت قام، ثم آم ر رج لا في صل ي بالناس، ثم أنط ل ق معي برجال معهم ح ز م من ح ط ب إلى قوم لا ي شه د ون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ))(1). وفي رواية أخرى : ((والذي نفسي بيده لو ع ل م أحد هم أن ه يجد عرق ا سين ا أو مرما تين حسنتين، لش ه د الصلاة ، ولولا ما في البيوت من النساء و الذري ة لرقت عليهم بيوتهم بالنار)). ولهذا كل ه حر م الله المنافقين من أبسط ما من ح ه للمؤمنين، وهو الصلاة عليهم بعد مو تهم جزاء برمهم ، فم ن لا ي ص ل ي لا ي صل ى عليه، و م ن لا يذك ر الله مخ ل ص ا لا يستحق الد عاء له من رسول الله  والمؤمنين، وم ن يست هت بأحكام الله سر ا، على المؤمنين أن يستهتوا به جهر ا، والله - سبحانه وتعالى - عندما قال: ﴿و لا ت ص ل ع ل ى أ ح د م ن ه م م ات أ ب د ا و لا ت ق م ع ل ى ق بر ه ﴾ [84]، فإنما ي ر يد أن يوضح لع باد ه أن الصلة مقطوعة بين الإيان و المنافق، ي ر يد - سبحانه - من عباده أن يتخل وا عنه؛ لأن ه تخل ى هو عنه، وم ن تخل ى الله عنه فيا ب ؤ س العاقبة، و ي س و ء المصير، وم ن أجل ذلك قط ع الله الطريق على ش ف عائه؛ فأم ر رسوله بعدم الصلاة عليه و الوقوف على قبره للد عاء له؛ لأن ه لن ي قب ل فيه شفاعة و لا ر ج و ا. أم ا قوله - تعالى -: ﴿م ذ ب ذ ب ين ب ين ذ ل ك لا إ لى ه ؤ لا ء و لا إ لى ه ؤ لا ء ﴾ [ : 143]، ففيه يبين - سبحانه - أوض ح ص فات المنافقين؛ و هي الشك الذي ي ع يشونه، (1) "الجامع الصحيح" ص 123.

عدد الصفحات ٦٩

70 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه و التد ي في وسط الطريق قبل الوصول ، فهم ليسوا بمؤمنين مخل صين، و لا م شر كين م صر حين بالشرك ، ي ع يشون حالة من الضلال و الت يه، و الضلال نوع من أنواع الكفر ؛ فعن قتادة قال: ذ ك ر لنا أن نبي الله  كان يضر ب مثلا للمؤمن وللمنافق و للكافر كمثل رهط ثلاثة رفعوا إلى نهر فوق ع المؤمن فقطع، ثم وق ع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن ه ل م إلي فإن أخشى عليك، و ناداه المؤمن: أن هلم إلي فإن عندي و عندي - ي ص ي له ما عنده - فما زال المنافق يتد د بينهما حتى أتى عليه الماء فغرقه ، و إن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أت ى عليه الموت وهو كذلك. وقال أيض ا: كان النبي  يقول: ((مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين ر أ ت غنم ا على نشز فأت ت ها و شام تها فلم تعرف ، ثم رأت غنم ا على نشز فأت ت ها فشام تها فلم تعرف ))(1). وتأت بعد ذلك النهاية الساحقة الماحقة : ﴿و م ن ي ض ل ل اللَّ ف ل ن تَ د ل ه س ب يلا ﴾ [88]؛ حيث يتكهم - جل وعلا - في طغيانهم و ض لالهم يتخب طون كما تتخب ط البهائم؛ لأنهم رفض وا الهداية و ركبوا الطريق المعوج ، وهذه عقوبة لا ت دان يها عقوبة ؛ لأنها خزي و عذاب وألم و احتقار في الدنيا، وقهر وندم و درك أسفل في الآخ رة. و خر وج المناف قين من الصف أمر قديم و مكشوف، فقد خر ج وا عن صف الرسول  وكش ف وا ظهر ه للأعداء في ع د ة م واق ف، وهم يرجون من كل صف في وقتنا الاضر؛ ألم يرج بعضهم من الصف في ا لرب الأولى مع إ سرائيل ؟ ألم يرجوا من الصف في حرب حزيران ووقفوا موقف المتفر ج؟ ألم يتك المجن دون من بعض الف ر ق الباطني ة أسلحتهم على الأرض غنيمة للعدو و ي و ل وا الأدبار في حرب حز يران ؟ ألم يجن د بعض هم نفس ه جاسوس ا للعدو يفت ح أعينه على م واض ع الضعف والخطر؛ كره ا وحقد ا على الإسلام و المسلمين، و طمع ا في منزلة عنده؟ ألم يتخل ف عن الزحف و ينس ح ب منه كثيرون بحج ة عدم الاست عداد؟ و ما ذلك إلا لإضعاف القو ة وإعطاء العدو الفرصة الرابحة ، و القيقة أن عدم الاست عداد ذلك حج ة و تحاي ل و فرية ؛ لأنهم لو أرادوا الاست عداد للخط ة الاسة لفعلوا؛ ﴿و ل و أ ر اد وا الخ ر وج لأ ع د وا ل ه ع د ة و ل ك ن ك ر ه اللَّ ان ب ع اث ه م ف ث ب ط ه م و ق يل اق ع د وا م ع ال ق اع د ين * ل و خ ر ج وا ف يك م م ا ز اد وك م إ لا خ ب الا و لأ و ض ع وا خ لا ل ك م ي ب غ ون ك م ال ف ت ن ة و ف يك م س اع ون له م و اللَّ ع ل يم با لظ ال م ين ﴾ [46،47]، و صد ق الله العظيم ، فهذا ما فع ل وه عندما ثب طوا و تَس سوا و فر قوا (1) "مختصر ابن كث " ص 451.

عدد الصفحات ٧٠

71 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه و انسح ب وا، و كش ف وا جوانب من الجيوش، فبان ت للعدو عوراتها ، و ضرب أهدافه فيها، فكانوا بذلك قو ة للعدو في قلب جيوشنا بدلا من أن يكونوا قو ة للأرض التي ي ع يشون عليها و يتنس مون هواء ها ويأكلون من خيرها و يستظل ون بأفيائها، و لم لا وهم كف ار فج ر ة لا ي ر يدون بالإسلام وأهله و أرضه إلا عظيم السوء ؟ ﴿إ ن ت ص ب ك ح س ن ة ت س ؤ ه م و إ ن ت ص ب ك م ص يب ة ي ق ول وا ق د أ خ ذ نا أ م ر نا م ن ق ب ل و ي ت و ل و ا و ه م ف ر ح ون ﴾ [50]، و مهما حلفوا و مهما أظه ر وا و مهما وع د وا هم كاذبون م تحاي لون، فهل ي كذ بون على الله الذي هو كاش ف هم و م ط لع على س رائ رهم لا تخفى عليه م ا يدس ون خاف ي ة؟ ولو صد ق وا في إيانهم وو ع ود هم لات قوا الله وساروا ضمن منهجه و طريقه الذي ارت ض اه لعباده ، ولكن ه الكفر و الخزي العظيم ؛ ﴿ي ل ف ون با للَّ ل ك م ل ير ض وك م و اللَّ و ر س ول ه أ ح ق أ ن ي ر ض وه إ ن ك ان وا م ؤ م ن ين * أ لم ي ع ل م وا أ ن ه م ن ي اد د اللَّ و ر س ول ه ف أ ن ل ه نا ر ج ه ن م خ ال د ا ف يه ا ذ ل ك الخ ز ي ال ع ظ يم ﴾ [62 - 63] ألم ي ل فوا بأنه م سي طل قون الري ة المرضي ة لشعوبهم؟ ألم يل فوا أنهم سي حك مون بما ي رض ي الله؟ ألم يل فوا بأنهم لن ي ر و عوا م واطن ا مسلم ا؟ و لكن هم غدروا مع ح ل فائهم؛ فظل م وا واضطه د وا، وسج ن وا و قت ل وا، وهت كوا الرمات والأعراض ، و خر بو ا البيوت العام ر ة على رؤوس أصحابها؛ لأن أصحابها يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ألم يفقؤوا العيون ويذل وا النفوس المؤمنة، وييت موا الأطفال وي رم لوا الن ساء و ي ت كوا شعوبهم ت ت يه فلا تعرف طريق ا للنجاة؟ ألم ي سل طوا زبانيت هم من سقط المنافقين على أموال و أعراض المسلمين ؛ بغر ض إذلالهم و إهداء الفرحة لأعدائهم ؟! لقد تسكنوا حتى تك نوا - وهذا سبيل الن فاق - ثم ترب عوا على عروشهم، و تاب عوا ن فاقهم فرف ع وا أصواتهم بأنهم حم اة الإسلام و المسل مين، أفو اههم تبت س م زور ا و خ ناجرهم ت غ وص عميق ا في قلوب المؤمنين، ويأملون بعد ذلك أن ي سم وا م ؤم نين، خاب فألهم و شاه ت وجوه هم، فالله - سبحانه و تعالى - وض ع أمام نا م قارنة عظيمة و في موضع واحد بين المؤمنين و المنافقين؛ لي ض يء لنا ظلمة افت عل وها فنعرفهم على حقيقتهم ، و ليعرفوا هم أنفسهم خفافيش ت تاق ص في الظ لام سي به رها نور الله الكاش ف و يقتلها و عده الصادق حينما يقول الكافر: ي ليتني كنت ترابا ، فقال - تعالى - في تلك المقارنة الكاشفة : ﴿ال م ن اف ق ون و ال م ن اف ق ات ب ع ض ه م م ن ب ع ض يأ م ر ون با ل م ن ك ر و ي ن ه و ن ع ن ال م ع ر و ف و ي ق ب ض ون أ ي د ي ه م ن س وا اللَّ ف ن س ي ه م إ ن ال م ن اف ق ين ه م ال ف اس ق ون * و ع د اللَّ ال م ن اف ق ين و ال م ن اف ق ات و ال ك ف ار نا ر ج ه ن م خ ال د ين ف يه ا ه ي ح س ب ه م و ل ع ن ه م اللَّ و له م ع ذ اب م ق يم ﴾ [67 - 68].

عدد الصفحات ٧١

72 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه هذا وص ف الله للمنافقين ووعيد ه لهم ، أم ا المؤمنون فيقول فيهم - جل جلاله -: ﴿و ال م ؤ م ن ون و ال م ؤ م ن ات ب ع ض ه م أ و ل ي اء ب ع ض يأ م ر ون با ل م ع ر وف و ي ن ه و ن ع ن ال م ن ك ر و ي ق يم ون الص لا ة و ي ؤ ت ون الز ك اة و ي ط يع ون اللَّ و ر س ول ه أ ول ئ ك س ير حم ه م اللَّ إ ن اللَّ ع ز يز ح ك يم * و ع د اللَّ ال م ؤ م ن ين و ال م ؤ م ن ات ج ن ات تَ ر ي م ن تح ت ه ا الأ نه ار خ ال د ين ف يه ا و م س اك ن ط ي ب ة في ج ن ات ع د ن و ر ض و ان م ن اللَّ أ ك بر ذ ل ك ه و ال ف و ز ال ع ظ يم ﴾ [71 - 72]. هنا الاستقامة، و الانض باط، و التناص ح، و حب الخير، و الالت زام بأوامر الله و التوق ف عند حدوده، فلهؤلاء الرحمة و الس معة الطي بة الميدة في الياة الد نيا، والياة الأبدي ة الرغدة و العيش اله ني ء في الآخ رة، وهناك التلو ي والتباغ ض والمكر والغ ض ب الذي سيلف به الله أصحاب هذا المنهج، وفي الن هاية نار حام ي ة ت شو ي و ج وههم خال دين فيها وبئس المصير. اللهم نج نا من شرورهم ، واجع ل كيدهم في نورهم ، واكش ف وج وه هم ومسالكهم للمؤمنين المت قين؛ ليسيرو ا بدينك على النهج القويم المستقيم آ م نين مطمئنين، إن ك أنت السميع المجيب.

عدد الصفحات ٧٢