المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

النفاق أثاره ومفاهيمه

عبدالرحمن الدوسري

صفحة ٢ من ٥

17 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه ثم أخبر نا عنهم أنهم لا يشعرون ل م ر وج عقولهم وفساد طبائعهم بما ح ل فيها من الشبهات الناشئة من ظلمات المرض الم ت اك مة التي سب ق ذكر ها، وهم على نوع ين : نوع تَ ار ى به مرض قلبه و ش د ة عداوته للإسلام و المسلمين؛ فن ص ب نفس ه طاغوتا لتكيز جميع الشرور والإفساد والمؤامرات ، و هم اليهود و م ن انط ب ع بط بائ ع هم من المشركين الق دام ى و المشركين الج د د الذين شرك هم شرك تعطيل فظيع، و هم الذين قر نه م الله مع اليهود في عداوتنا؛ إذ قال: ﴿ل ت ج د ن أ ش د الن اس ع د او ة ل ل ذ ين آم ن وا ال ي ه ود و ال ذ ين أ ش ر ك وا ﴾ [ 82] كما أثبتت الوقائع ذلك. ونوع آخر م س وق إلى الإفساد بسوء التقليد الأعمى الذي لا ميزا ن فيه لمعرفة الصحيح من الباطل، والصلاح من الفساد، و ليعلم أن عدم شعورهم ليس ناشئ ا من تفضيلهم وسلامة صدورهم ، و لكن ه ناشئ من فساد تصو رهم لخبث عقيدتهم و ما ح ل في قلوبهم من الأمراض المعنوي ة التي أظلم ت ها حتى حجب ت ها عن كل نور ؛ و لهذا كان من أعظم أنواع إفسادهم التشكيك في الدين و تفريق كلمة المؤمنين . ثم إن إخبار الله لنا عن سوء فعالهم وخبث سرائرهم بص يغ ة السؤال و الجواب التي هي من أقوى الأسالي ب لف ه م الكلام؛ تنبيه ا للأذهان و توجيه ا لها إلى الإحاطة بالمعان ليتعم ق المسلم المؤمن في معرفة صفات المنافقين التي هي من ل واز م الن فاق إلى يوم القيامة، في ق يس الاضر من أهل زمانه على الماض ين من المنافقين و ي قار ن بين أوصافهم، ولا يغت بالأقوال و المظاهر. و هنا فرق لطيف بين الشرطين "إذا" و"إن"، وهو: أن يكون السؤال ب "إذا" عم ا كان سببه قوي من شأنه ألا ي سك ت عنه، و يكون ب "إن" إذا كان سببه ضعيف ا. (فائدة) في قوله - تعالى -: ﴿أ لا إ نه م ه م ال م ف س د ون ﴾ [12]، أت ى الله بضمير الف ص ل بعد الإشارة ل ي ف يد حصر أحوالهم في الف ساد، فمهما زع م وا خلاف ه فهم م فس دون في كل شيء، و لا يصدر عنهم إلا فساد ؛ لخبث ضمائرهم و فساد سرائرهم . و قوله - سبحانه - عن المنافقين: ﴿و إ ذ ا ق يل له م آم ن وا ك م ا آم ن الن اس ق ال وا أ ن ؤ م ن ك م ا آم ن الس ف ه اء أ لا إ نه م ه م الس ف ه اء و ل ك ن لا ي ع ل م ون ﴾ [13]، انت ق ل الله من تصوير حالهم و قبيح الأعمال إلى تصوير حالهم في جوهر الإيان ، و أن ه إذا ط ل ب منهم الإيان الصحيح كإيان الناس من الماض ين الذين ي ع ظ مونهم و ي ق د سونهم؛ كإبر اهيم و موسى وغيرها،

عدد الصفحات ١٧

18 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه أو من الاضرين الذين يزد ر ونهم؛ كمحمد  وأصحابه- أجابوا جواب الع ناد و التكبر و الغطرسة قائلين : ﴿أ ن ؤ م ن ك م ا آم ن الس ف ه اء ﴾ [13]. والسف ه في اللغة : خ ف ّ ّ ة العقل و ضعف الرأي ، ولاز م ه سوء التصر ف في الأمور الدنيو ي ة، و امتهان النفس و نسيانها و إر خاصها بلا ثمن في الأمور الأخروي ة، بل حرمانها م ن ثمنها الص ح يح الذي هو العز والس ؤدد في الد نيا، و الن عيم المقيم الخالد في ج نان الآخ رة، و شراء النار والخزي بدل ذلك ، و جعلها ثمن ا لها، فأي س ف ه أشنع من ذلك وأقبح؟ و لذا قال - سبحانه -: ﴿أ لا إ نه م ه م الس ف ه اء ﴾ [13]، م ب تدئ في جوابه ب "ألا " التي ي راد بها التنبيه والإيقاظ، و التي فيها الدلالة على اهت مام المتكل م، كما أن ه - سبحانه - أت ى بض م ير الفص ل أيض ا بقوله: ﴿إ نه م ه م الس ف ه اء ﴾ [13]؛ ليحصر جميع أحوالهم في السفاهة الشنيعة التي فيها بيع نفوسهم على أعدى أعدائهم الذي هو الشيطان، و الذي لا يج د ون عند ه ثمن ا لها إلا زج هم معه في النار، ﴿و ل ك ن لا ي ع ل م ون ﴾ [13]. إن خ ط تهم س ف ه مح ض، و إن السفه مق ص ور عليهم؛ فإنهم ليس عندهم شعور بأن خ ط تهم ركوب للهوى، و اتباع للشيطان، و مخالفة تام ا لقيقة الإنساني ة، فإن الإنساني ة القيقي ة هي الماشية على الإيان الذي يجع ل ها ساعية في الخير، م كاف حة للشر، مج اه دة لأعداء الله و أعدائها من شياطين الإنس و الجن؛ و لهذا س اهم الله ﴿الن اس﴾ بقوله: ﴿ك م ا آم ن الن اس ﴾ [13]؛ لأن غير المؤمنين لا يستحق ون اسم الإنساني ة القيقي ة، و إنما إنساني تهم ص وري ة في الش ك ل، بهيمي ة في القيقة؛ كما قال - تعالى -: ﴿إ ن ه م إ لا ك الأ ن ع ام ب ل ه م أ ض ل س ب يلا ﴾ [44]، وقال: ﴿إ ن ش ر الد و اب ع ن د اللَّ ال ذ ين ك ف ر وا ﴾ [55]، ولو لم يكن م ن سفه هم إلا أنهم ي عر فون حال الأنبياء السابقين و يقد سونهم لكفى دليلا على شناعة سف ه هم. وأم ا رمي هم للمؤمنين بالسفاهة فلا عجب فيه؛ لأن هذا م ن سن ة الكف ار قدي ا و حديث ا؛ فقوم نوح - عليه السلام - قالوا له: ﴿و م ا ن ر اك ات ب ع ك إ لا ال ذ ين ه م أ ر اذ ل ن ا با د ي الر أ ي ﴾ [27]؛ أي: ات بعوك عن سفاهة دون إعمال لرأيهم ، و هم ليسوا من علية القوم؛ بل قالوا: ﴿ق ال وا أ ن ؤ م ن ل ك و ات ب ع ك الأ ر ذ ل ون ﴾ [111]، وفي عصر النبو ة يقول المنافقون: أكف ر الكف ر ة في وص فهم للمؤمنين بأنهم السفهاء؟ و في عصرنا هذا نجد م ناف قيه ي سم ون المؤمنين بالرجعي ين والمتخل فين والمتزم تين و غير ذلك، و ي سب غون على أنفسهم ألقاب

عدد الصفحات ١٨

19 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه المد ح من المدني ة والتقد مي ة و الر ق ي ، كما هي عادة كل منافق و ضال م فس د ي سم ي إفساد ه وضلال ه بأساء حس ن ة؛ لي مو ه بها على أطفال العقول من صغير و كبير ، والله المستعان. وقوله - تعالى -: ﴿و إ ذ ا ل ق وا ال ذ ين آم ن وا ق ال وا آم ن ا و إ ذ ا خ ل و ا إ لى ش ي اط ين ه م ق ال وا إ نا م ع ك م إ نم ا ن ن م س ت ه ز ئ ون ﴾ [14]. هذه الآية الكرية أزالت ما ي لاح ظه بعض الناس من شبهة الإشكال في الآية التي قبل ها من قوله - تعالى - عنهم: ﴿أ ن ؤ م ن ك م ا آم ن الس ف ه اء ﴾ [13]، فإن بعض الناس قد يقول: إنهم رفضوا الإيان علانية بق و لهم هذا، فكيف يعد قولهم نفاق ا؟ فنقول: إن هذا التساؤ ل فيما بينهم يقول بعض المغف لين منهم للفريق الآخ ر، أو يقوله منهم م ن يتعم ق في النفاق، ثم هم ي رك سونه في جوابهم له و يعمقونه، أو يقوله منهم م ن غلبت عليه سلامة صدره ، وأعجب بالإسلام و المسلمين، في أت يه الجواب منهم م فس د ا لصدره قالب ا لفكرته ، فالاصل أن التساؤل في الآية السابقة ليس وارد ا عليهم من خارج محيط النفاق، وإنما هو فيما بينهم. ويشهد لذلك هذه الآية التي أور د ها الله بعدها بق و له: ﴿و إ ذ ا ل ق وا ال ذ ين آم ن وا ق ال وا آم ن ا﴾ [14]، فإنها ت شه د عليه م بالن فاق الواضح الش ن يع، وأن هذا دأبهم في مخ ادعتهم المؤمنين و مكرهم بهم ، يدفعونهم عن أنفسهم كل ما استقبلوهم بدع وى الإيان، وقد عبر الله عنهم بصيغة الماضي؛ ليكون أصر ح بت وب يخهم على ما بل غ وه من التهت ك في الن فاق، حتى صاروا ذوي وجه ين يتكل مون بلسانين، وهذه حالة المنافقين في كل وقت يعدمون السلطة فيه و تكون القو ة و السلطة فيه لغيرهم، بل إن منافقي هذا الزمان يستمر ون على هذه الالة ولو لم ي عت هم الخوف الذي اعت ى أولئك؛ إيغالا منهم في المخادعة حتى يفت سوا الكم في ك ش روا عن أنيابهم بكل قبيح، و كلمة ﴿إذا﴾ ت ف يد المستقبل، ولو أت ت بصيغة الماضي كما ت شه د الوقائع في كل زمان إلى يوم نا و إلى يوم القيامة. أم ا قولهم: ﴿آمن ا﴾ بل ف ظ مجم ل غير مفص ل بشيء ، فيه تورية منهم وإيهام للسامع؛ إذ يتمل أن يقصدوا به الإيان بموسى إن كانوا يهود ا، أو بأصنامهم إن كانوا من مشركي الخزرج ، دون ما سوى ذلك من الإيان الصحيح المطلوب ، وذلك من خبثهم ومهارتهم بالغش والبهت و التدليس، و يتمل أن يقصدوا به الإيان المفيد ذكره في أو ل الآيت؛ مكر ا منهم و خداع ا؛ لصيانة أنفسهم وأهليهم و أموالهم من جرين أحكام الكف ار عليهم.

عدد الصفحات ١٩

20 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه واللقاء هو مصدر من أحد عشر مصدر ا مذكورة في ك ت ب النحو و اللغة، فهم إذا لقوا المسلمين المؤمنين زع موا أنهم آم نوا كما ذكرناه ، ﴿و إ ذ ا خ ل و ا إ لى ش ي اط ين ه م ﴾ [14]؛ أي: رؤسائهم في ال كفر و الضلال، س اهم الله شياطين لسلوكهم مسلك الشيطنة ؛ من الابت عاد عن أم ر الله، وإضلالهم لع باد الله، فالمنافقون المخادعون للمسلمين بزع م هم الإيان ﴿و إ ذ ا خ ل و ا إ لى ش ي اط ين ه م ق ال وا إ نا م ع ك م ﴾ [14] على حالتنا لم ننتق ل عنها، بل نن على عقيدتكم. ثم إنه م لم يكتفوا بهذا الإخبار المطمئن للشياطين بأنهم معهم في العقيدة و الن صرة على رسول الله  وأصحابه و اط لاعهم على أسرا رهم والتب ص بهم الدوائر، و تنفيذ ما ي ر يدونه من صنوف الإيذاء السري ة و المكر الخفي، بل بي نوا سبب زع م هم الإيان إذا التقوا بالمؤمنين بأنهم يلع بون على أذقانهم، و يسخ ر ون بهم و يكرون؛ حيث قال: ﴿إ نم ا ن ن م س ت ه ز ئ ون ﴾ [ 14]، ساخرون بات باع محمد ، متهك مون عليهم، مستخف ون بهم لنسلم على أنفسنا، ون نال حقوقنا معهم، فنحن نلع ب بهم ونتب ص بهم الدوائر، و حيث إن شأن المؤمنين الصادقين عظيم عند الله، و منزلتهم لديه عالية ، تولى - سبحانه وتعالى - م قابلتهم على است هزائهم بالمؤمنين لي كش ف أحوالهم، و يفضح مخازيهم و تذبذبهم، و يتولى الانت قام منهم في الد نيا و الآخ رة؛ فقال - سبحانه -: ﴿اللَّ ي س ت ه ز ئ به م و ي د ه م في ط غ ي انه م ي ع م ه ون ﴾ [ 15]. واستهزاء الله بهم ليس كاست هزاء المخ ل وق؛ فإن ه يتعالى عن م شابهة خل قه، و لكن ه ي نز ل بالمنافقين من أنواع الفضيحة والتحقير و صنوف العذاب والسخرية بهم في ال دنيا والآخرة ما يجعلهم أضحوكة و هزو ا لكل م ط ل ع عليهم، فهو ي قاب لهم في الدنيا بإجراء الأحكام الظ اهرة التي قصدوا الن فاق لأجلها، و لكن ه يفض حهم بإخبار رسوله  في وحيه المبارك بما ي كش ف سرائرهم ؛ كما جرى في عدة س و ر من القرآن ، و يفض حهم أيض ا بم واق فهم السلبي ة حالة الشد ة والانهزامي ة، حالة الرب و ش د ة الهول، و تقاع سهم عن الإن فاق، وتكاس لهم عن الصلاة، وج بنهم عن الجهاد، وتاديهم في الكذب والخيانة والإخلاف، وان يازهم إلى الكف ار موالاة و مالأة ... إلى غير ذلك من س ات المنافقين التي يت ض ح بها أمر هم لكل مسلم مؤمن متيق ظ. و ينزل عليهم من أ نواع الع ق وبات القدري ة؛ حيث سلمهم بمكرهم من العقوبات الشرعي ة، و يجعلهم في الآخ رة أضحوكة بما يضرب لهم من الس ور الذي له باب، كما أخبر نا عنه في

عدد الصفحات ٢٠

21 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه الآية (14) من سورة الديد ، و كما ي فت ح لهم باب إلى الجنة وي قال لهم: (هلم وا)، في قب لون يسبحون في النار ، والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم ويضح كون، وكما و رد: ((النار تَمد كما تَمد الإهالة فيمشون عليها يظن ونها منجاة فتخسف بها)). ومن مكر الله و استهزائ ه بالع ص اة والكافرين والمنافقين است درا ج هم بإدرار النصر ، ودفع الن ق م الدنيو ي ة م د د ا من الزمن ؛ لي زدادو ا بها إثم ا، ثم ي ضاع ف له م الع ق وبات الشرعي ة أو العقوبات القدري ة في الدنيا، مع ما ينالونه في الآخ رة أو يد خ رها مضاعفة في الآخرة حسب ما تقت ض يه حكمته؛ كما قال - تعالى -: ﴿و لا ي س بن ال ذ ين ك ف ر وا أ نم ا نم ل ي له م خ ير لأ ن ف س ه م إ نم ا نم ل ي له م ل ي ز د اد وا إ ثم ا و له م ع ذ اب م ه ين ﴾ [178]، وكما قال : ﴿ف ل م ا ن س وا م ا ذ ك ر وا ب ه ف ت ح ن ا ع ل ي ه م أ ب و اب ك ل ش ي ء ح تى إ ذ ا ف ر ح وا بم ا أ وت وا أ خ ذ نا ه م ب غ ت ة ف إ ذ ا ه م م ب ل س ون * ف ق ط ع د اب ر ال ق و م ال ذ ين ظ ل م وا و ال م د للَّ ر ب ال ع ال م ين ﴾ [ 44 - 45]. فهذافي تأم ل البشر كأن ه است هزاء ومكر وخداع ؛ وذلك لما بين الفعل وجزائه من مشابه ة وم شاك لة في القدر، وملابسة قوي ة بين ضخامة الجزاء وش ناعة الفعل. وقال قوم : إن في ذك ر است هزاء الله بهم استعارة ؛ كقوله: ﴿و ج ز اء س ي ئ ة س ي ئ ة م ث ل ه ا﴾ [40]، و الجزاء لا يكون سي ئة، وكقوله : ﴿ف م ن اع ت د ى ع ل ي ك م ف اع ت د وا ع ل ي ه بم ث ل م ا اع ت د ى ع ل ي ك م ﴾ [194]، والقصاص لا يكون اعتداء، وقوله - تعالى -: ﴿و ي د ه م في ط غ ي انه م ي ع م ه ون ﴾ [15]؛ يعني: يزيد هم في الشر إم ا بزيدة فعله ، أو إمهالهم بالإمداد في أعمارهم ؛ لي زدادوا منه طغيانا يظل ون به في حيرة من أمرهم ، فإن الطغيان هو مج او زة الد كما أسل فنا توض يح ه، والشر يجر بعضه بعض ا حتى يطغى صاحبه؛ فيكون بعيد ا من الهداية، وهذا كما قال الله - تعالى -: ﴿ق ل م ن ك ان في الض لا ل ة ف ل ي م د د ل ه الر حم ن م د ا ﴾ [75]، وهذا من بعض عقوبات الله القدري ة - كما سيأت له مزيد إيضاح - وقد جاء تقرير عقوبة الاست هزاء بلفظ المضارع المستلز م الدوام والتكرار إلى ما شاء الله. وقوله - تعالى -: ﴿أ ول ئ ك ال ذ ين اش ت و ا الض لا ل ة با له د ى ف م ا ر بح ت تَ ار ته م و م ا ك ان وا م ه ت د ين ﴾ [16]؛ يعني: هؤ لاء المنافقين الذين ذك ر الله أوصافهم من ز ع مهم الإيان وهم الكافرون، وزع مهم الإصلاح وهم المفسدون، ور م يهم المؤ منين بالس فاهة قدي ا وبالرجعي ة

عدد الصفحات ٢١

22 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه أخير ا وهم الس ف هاء والرجعي ون الذين رج ع وا إلى كل ضلال قديم، وزعمهم الاست هزاء بالمؤمنين لانت قاصهم ل م ن آم نو ا به، حتى جع ل هم الله هم الم ست هز أ بهم، إنما فعلوا ذلك؛ لأنهم اشتوا الضلالة بالهدى؛ يعني: استبدلوا واختاروا الكفر على الإيان، وجاء ال تعبير بالشراء لأن فيه حقيقة الاست بدال، فهذا هو الذي جر أهم على خططهم الش ن يعة المخالفة للفطرة والمج انبة للد ين؛ لك و نهم اشتوا الكفر بالإيان، حتى خسرت صفقتهم ، وفقدوا الاهت داء لصراط الله المستقيم؛ فأفلسوا من الر بح، وفقدوا الهداية من الضلالة، فلم يهتدو ا إلى العلم بالله، ولا إلى المتاجرة معه كما تاج ر المؤمنون؛ لأن اختيار الضلالة يفقدهم رأ س المال فكيف يربحون؟! وفي قوله - تعالى -: ﴿و م ا ك ان وا م ه ت د ين ﴾ [16] معنى آخر، وهو: أن التاجر قد لا ي رب ح وهو سائر في تَارته على هد ى وبصيرة، ولكن أخف ق من الربح لعوارض أخرى ، فلا يستحق الذم على عدم ربحه في تلك الال، أم ا هؤلاء فخط تهم على عماية؛ ولذلك نفى الله عنهم الأمر ي ن: الربح والهد اية؛ وذلك لأنه م عط لوا عقوله م التي يتمك نون بها من النظر الصحيح المؤد ي إلى نتيجة نفسي ة، وهي معرفة الصواب من الخطأ ، واستبد لوا بها ات باع الهوى، واقتفاء آثار الآباء، وتقليد الأكاب ر الذين س اهم الله بالشياطين، فأصبحوا تار كين مدارك العلم الثلاثة : الس، والنظر، والسمع، وسالكين مسالك الق ر د ة في التقليد، فاختار وا الضلالة والشك والجهل على الهد اية واليقين والعلم ؛ فما كانوا رابحين في تَارتهم التي اختاروها، ولا كانوا مهتدين في دينهم؛ لأنهم لم يطلبوه من منهله الصحيح الذي هو الوحي، ولم يرغبوا في فه مه. وهكذا كل من تَس مت فيهم الأحداث والب د ع، وتحك مت فيهم العادات، وغلب عليهم تقديس الر ؤ ساء الر وحانيين أو السياسيين وتقليدهم ، فإنهم يعط لون مواهبهم العقلي ة وأحاسيسهم الفطري ة. في قل دون شياط ين هم الأكابر بض ر وب من التأويل والتحريف ، ي سل كون به مسلك اليهود والمناف قين، الذين ص و ر الله لنا خططهم الفاسدة، وتَارتهم الكاسدة في هذه الآيت الكرية، ولكل قوم وارث ، وم ا تقد م يرى المسل م المؤم ن عناية الله بالمؤمنين ورحمته الكاملة بهم ؛ حيث تولى المعركة التي بينهم وبين المنافقين، وجع ل هم كالمخادعين له لمخادعتهم المؤمنين، وقضى عليهم بالفساد عكس ما ي زع مو نه من الإصلاح، و قضى عليهم بالس فاهة والامت هان، وكش ف أحوالهم و هت ك أستارهم للمؤمنين ، و قض ى بالانت قام منهم على است هزائهم بهم بأن

عدد الصفحات ٢٢

23 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه يست هز ئ هو بهم في الدنيا و الآخ رة. وما أشق ى و أتع س م ن يكون الله خصم ه؛ إن ه لا يشم رائحة السعادة في أي شأن من شؤون حياته السياسي ة أو الاجتماعي ة؛ لأن الله يجع ل أمره مريج ا فاسد ا، و يجع له يتخب ط في شتى الظ ل مات التي سيصو رها لنا بعد قليل بأبدع تثيل ، إن ه يبط م ساع ي المنافقين، و يشل حرك اتهم عن ع باده المؤمنين. إن تلك الآيت السابقة ت ص و ر لنا مشهد ي ن عظيم ين : مشهد ا للمنافقين يفض ح مخازيهم ، و يتوع دهم وعيد ا م فز ع ا رهي ب ا، ليس لهم عنه م ناص ولا خلاص، و مشهد ا آخ ر للمؤمنين يدف ع الله به عنهم شر كيد المنافقين؛ لأن المؤمنين أولياء الله، فهو ي طمئ نهم على م ست قبل هم بأن له م حسن العاقبة، و لعدو هم سوء العاقبة و سوء الدار، فالكافرون و أذنابهم المناف قون لهم المصير الرهيب في الدار ين، فيحصل للمؤم نين قو ة معنوي ة و م د د روحي ، يجع لهم لا ي كت ثون أبد ا بأعدائهم من هؤلاء ولا هؤلاء، فما عليهم إلا أن ي و اص لوا سيرهم إلى الله بكل صدق وإخلاص ، م ست قب لين ما أمام هم من العق ب ات برباطة جأش وقو ة جنان، واث قين بوع د الله الذي لا يتخل ف؛ ﴿و ل ن ي ل ف اللَّ و ع د ه ﴾ [47]، وم صم مين على الق يام بنصرة دينه ، و قمع الم فت ى عليه دون مبالاة بكثرة عدو هم أو قو ة ع د ته. فهذه الآي ت ت ز يد المؤمنين إيانا ويقين ا إلى يقينهم، فيكونون دائم ا على صلة وثيقة بربهم ، هي صلة المحب ة الصادقة الخالصة، و صلة التعظيم الكامل، تلكم الص لتان الل تان تَ علان المؤمنين ي سار عون في مر ضاة الله، و ي صد قون البيعة معه على النفس و المال، في ظف روا بنصره المؤز ر. ثم إن في هذه الآيت الكاش فة الفاضحة للمنافقين تحذير ا لع باد الله المؤمنين من سلوك مسالكهم في أي شيء من شتى شؤون حياتهم، وألا ي ظه روا خ لاف ما ي بط نون، أو يقولو ا ما لا يفعلون، وألا يت خ ذوا أحد ا غير الله ولي ا ولا نصير ا، و ألا يصغوا إلى ما تبث ه شياطين الإنس من زخارف القول و الوعود المعسولة البر اقة الخلا بة التي تشرد بهم عن صراط الله ، وتخ ر جهم من ولاية الله و نصره و دفاعه وم د د ه إلى ولاية الشيطان و غروره وأمانيه الكاذبة .

عدد الصفحات ٢٣

24 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه أمثال المنافقين في القرآن: ثم ضر ب الله للمنافقين مث ل ين في غاية الروعة و أبد ع التصوير الم لائ م لأحوالهم؛ فقال: ﴿م ث ل ه م ك م ث ل ال ذ ي اس ت و ق د نا ر ا ف ل م ا أ ض اء ت م ا ح و ل ه ذ ه ب اللَّ ب ن ور ه م و ت ر ك ه م في ظ ل م ات لا ي ب ص ر ون * ص م ب ك م ع م ي ف ه م لا ي ر ج ع ون ﴾ [17 - 18]. شبه الله حال المنافقين بقوم مسافرين ضل وا عن الطريق ؛ فأوق د وا نار ا عسى أن يست ض يئوا بها و يعر فوا الطريق ، فلم ا أضاءت لهم وكادوا أن يعرفوا م عال م ه انط ف أت عنهم أنواره ا، فعادوا إلى ظلمة أشد ، وحير ة أفظع م ا قبل، بحيث انسد ت عنهم أبواب الهدى الثلاثة التي هي: الأذن، والعين، والقلب، فلم ينت ف عوا بأساعهم ولا أبصارهم و لا قلوبهم؛ فلهذا ن ز لوا منزلة الصم البكم العمي، ﴿ف ه م لا ي ر ج ع ون ﴾ لزيدة ظلماتهم بعد انط فاء النور. و في قوله - تعالى -: ﴿ذ ه ب اللَّ ب ن ور ه م ﴾ [17]، ولم يقل: "ذهب نورهم "، سر عجيب؛ وهو انق طاع تلك المعي ة الخاص ة التي للمؤمنين من الله - تعالى - لأن ه - سبحانه - مع المؤم نين و مع الصابرين ، و﴿م ع ال ذ ين ات ق و ا و ال ذ ين ه م مح س ن ون ﴾ [ 128]، فذهاب الله بنور المنافقين هو انق طاع معي ته التي خص بها أولياءه و قط ع ها عن المنافقين، فإنهم بعد ذهاب نورهم ليس لهم نصيب من الله أبد ا. و ت لاح ظ ع د ة ح ك م في ضرب المثل لهم بالنار : أحدها: أن المستضيء بالنار هو م ست ض يء من جهة غيره لا من جهة نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة ، فكأنه م لما أقر وا بألسنتهم من غير اعت قاد قلوبهم كان نورهم كالمستعار. وثانيها: أن ضياء النار يتاج في دوامه إلى ماد ة الو ق ود من حطب أو غيره، فكذلك نور الإيان ي تاج إلى ماد ة الاعت قاد الصحيح بالصدق و الإخلاص والأعمال الصالة الصاد ر ة عنهما، و لم ا كان ذلك مفقود ا عن المنافقين لم ي د م لهم نور ، فعادت ظ لمتهم. وثالثها: أن الظلمة الاد ثة بعد النور أشد على الإنسان من ظلمة لم يجدها قبل ه؛ فلهذا شبه حالهم بذلك. و رابعها: قوله: ﴿ذ ه ب اللَّ ب ن ور ه م ﴾ و لم يقل: "بنارهم "؛ لأن النار فيها إشراق و إحراق ، فذهب بإشراقها وهو النور ، و أبقى عليهم ما فيها من الإحراق والدخان .

عدد الصفحات ٢٤

25 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه وخامسها: قوله - تعالى -: ﴿ذ ه ب اللَّ ب ن ور ه م ﴾ و لم يقل: "بضوئهم"؛ لأن ه لو قال: "بضوئهم" لأوهم الذهاب بالزيدة فقط دون الأصل ، فلم ا كان النور أصل الضوء كان ذهابه ذهابا بالشيء و زيدة . سادسها: توحيد الله النور في قوله: ﴿ب ن ور ه م ﴾، و جمعه للظلمات في قوله: ﴿و ت ر ك ه م في ظ ل م ات ﴾ [17]؛ وذلك لأن الق واحد، وهو صراط الله المستقيم ، وما ع داه فهو س ب ل كثيرة كل ها ظلمات ي تار صاح ب ها، فط ر ق الباطل مت عد دة؛ ولهذا قال - تعالى -: ﴿اللَّ و لي ال ذ ين آم ن وا ي ر ج ه م م ن الظ ل م ات إ لى الن ور و ال ذ ين ك ف ر وا أ و ل ي اؤ ه م الط اغ وت ي ر ج ونه م م ن الن ور إ لى الظ ل م ات ﴾ [257]. سابعها: مناسبة هذا المث ل للمنافقين بإيقاد النار لما يوقدونه من نار الفتنة التي ي وق عونها بين المسلمين، فيكون بمنزلة قوله - تعالى -: ﴿ك ل م ا أ و ق د وا نا ر ا ل ل ح ر ب أ ط ف أ ه ا اللَّ ﴾ [64]، ويكون قوله - تعالى -: ﴿ذ ه ب اللَّ ب ن ور ه م ﴾ مطابق ا لقوله: ﴿أ ط ف أ ه ا اللَّ ﴾، وهذا قول ضعيف ي بط له مدلول السياق، و لكن ه حق في التقدير. ثامنها: هذا المثل مناسب لانت قالهم من نور المعرفة و البصيرة إلى ظ لمة الشك والكفر، فإن الم ناف ق بعدما أبصر عمي. تاسعها: مطابقة هذا المثل لما تقد مه من الآية السابقة: ﴿أ ول ئ ك ال ذ ين اش ت و ا الض لا ل ة با له د ى﴾ [16]، كيف حصلت المطابقة بين التجارة الخاسرة باخت يار الضلالة على الهدى و طرح الهداية في م قابلتها، وبين ح ص ول الظلمات التي هي الضلالة بدلا من النور الذي هو الهدى؟ فيا له من تثيل بديع! وعاشر ها: أن في هذا المثل تنبيه ا على حالهم في الآخ رة، وأنهم ي عط ون نور ا ظاهر ا، كما كان نور هم ظاه ر ا في الد نيا، ثم يطفأ ذلك أحوج ما يكونون إليه ؛ إذ لم يكن له ماد ة باق ي ة من الإيان، فيبقون في الظلمة على الجسر لا يستطيعون العبور، وقد فق د وا ن ورهم ؛ كما ورد في الديث الذي رواه الإمام مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبدالله - رض ي الله عنهما - وقد س ئ ل عن الورود فقال: ((نجيء نن يوم القيامة على تل فوق الناس، فت دع ى الأ م م بأوثانها و ما كانت تعبد ، الأو ل فالأول ، ثم يأتينا رب نا - تبارك و تعالى - فيقو ل: م ن تنت ظ رون؟ فيقولون: ننتظر رب نا، فيقول: أنا رب كم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجل ى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم فيتبعونه وي عط ى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نور ا ثم يتبعونه،

عدد الصفحات ٢٥

26 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك ، تأخ ذ م ن شاء الله - تعالى - ثم ي طف أ نور المنافقين، ثم ينجو المؤم نون فتنجو أو ل زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر ، سبعون ألف ا لا ي اس بون، ثم الذين ي ل ونهم كأضو أ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة و يشفعون... إلخ)). فتأم ل - أي ها المسلم المؤمن - حال المناف قين إذا انط فأت أنوار هم فبقو ا في الظلمة، تختطفهم كلاليب جهن م، وقد ذه ب المؤمنون في نور إيانهم يتبعون ربهم - عز وجل - كما هو منصوص الديث. قال ابن عباس وغيره من الس ل ف: مث ل هؤلاء في ن فاقهم كمث ل رجل أ و ق د نار ا في ليلة مظلمة في م فازة ، فاست ضاء و رأى ما حول ه فات قى ما ياف، ثم انط فأت ناره ، فبقي في ظلمته خائف ا م ت حير ا، و قال مج اهد: "إضاءة النار لهم إقباله م إلى المسلمين والهدى، و ذهاب نورهم إقباله م إلى المشركين و الضلالة". و قوله - تعالى -: ﴿ص م ب ك م ع م ي ﴾ [18]، الصمم أشد من الطرش؛ لأن ه انسداد م ناف ذ الأذن، والبكم عيب في اللسان أو الفؤاد ين ع من الن طق أو الوعي، فيجمع بين الف ساد في محل الفهم ومحل النطق، والعمى فق د البصر أو البصيرة، و قوله - تعالى -: ﴿ف ه م لا ي ر ج ع ون ﴾ [18]؛ أي: لا ي رج عون عن ض لالتهم، أو لا يرجعون عن الص فات التي أصاب ت هم من الصمم و البكم و العمى؛ لأنهم انص ر ف وا عن الهداية باخت يارهم ؛ لغل ب ة أهوائهم عن تصف ح الهدى بهذه الآلات الصالة للتصف ح، و التي قلبها الله عليهم لم ا أعر ض وا عن ساع الخير و النطق به، فكانوا على هذه الال. إنهم ليسوا كالكف ار الذين أعر ض وا عن الهدى أو ل وهلة، وصم وا آذانهم عن السماع ، وعيونهم عن الرؤية، و قلوبهم عن الإدراك ، قائلين: في قلوبنا أكن ة م ا تدعونا إليه و في آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب، لو كانوا كالكف ار في موقفهم الجريء لهان أمرهم ؛ لإراحة المسلمين من شر هم بالصراحة ، و لكن هؤلاء المنافقين لم يكونوا كذلك، بل أظهروا خ لاف ما ي بط نون بعدما عرفوا الق فأنكروه؛ و لذلك شب ههم الله بالمستوق د نار ا، وضرب لهم مثالين ناري و مائي ا، وأخبر أنهم لا ينت ف عون بميع آلات الإدراك ، إذا لم ي س نوا التصر ف بها كما سن وض حه - إن شاء الله. إنهم أصغ و ا بآذانهم إلى غير وحي الله ، فانش غلت عنه م ا أشغلوها به، فلا ي شف عون بأساعهم أبد ا، و قد انشغ لت ألسنتهم باللغو وبلهو الديث المتنوع ، فلا ي ك ن أن تتحر ك

عدد الصفحات ٢٦

27 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه بشيء من وحي الله وهي منش غ لة عنه بغيره، و إن أبصارهم منص ر فة إلى غير الله من محبوباتهم و شهواتهم، فلا ي ك ن أن تنظر في آيت الله و هي على هذه الالة، وإن قلوبهم مليئة بحب غير الله، و تعظيم غير الله، و التعل ق لغير الله، ليس فيها مجال لذكر الله و ما نز ل من الق، فضلا عن حب ه وتعظيمه و حب نبي ه  وتعظيمه؛ فلهذا صار وا ص م ا بكم ا عمي ا ﴿لا ي رج عون﴾؛ أي: لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، و لا يتكون الضلالة بعد أن اشتوها ، فهذه الآية متم مة للت مث يل البديع، و منبئة بأن ما أصابهم ليس مجر د انط فاء النور و بقائهم في ركام الظلمات ، بل اختل ت مشاعرهم جميع ا حتى صار وا على هذه الال، فهذا مث ل م ن لم ي ص ب ه نور الإيان، أم ا المث ل الثان الذي هو المائي بعد المث ل الناري ، فهو في قوله - تعالى -: ﴿أ و ك ص ي ب م ن الس م اء ﴾ [19]. قال الله - تعالى -: ﴿أ و ك ص ي ب م ن الس م اء ف يه ظ ل م ات و ر ع د و ب ر ق يج ع ل ون أ ص اب ع ه م في آذ انه م م ن الص و اع ق ح ذ ر ال م و ت و اللَّ مح يط با ل ك اف ر ين ﴾ [19]، بعدما شب ه الله ن ص يب المنافقين في المث ل الأو ل الناري م ا بعث الله به رسول ه  من النور والياة بنصيب م ست وق د النار التي ط ف ئت عنه أحوج ما كان إلى نور ها، فب ق ي في الظلمات حائر ا تائه ا أعق ب الله هذا المث ل الناري بمث ل مائي فيه تصوير الهول والر عب و الفزع ؛ فقال - تعالى -: ﴿أ و ك ص ي ب م ن الس م اء ﴾ [19]، والصي ب هو المطر الذي يصوب؛ أي: ينزل من علو إلى سفل، فشب ه الهدى الناز ل من السماء بهذا المطر؛ لأن القلوب تحيا بو ح ي الله حياة الأرض بالمطر، و لكن ه شب ه نصيب المنافقين من هذا الوحي بنصيب م ن لم يصل له حظ من الصي ب إلا ظلمات ورعد و صواعق وبرق ، في ليل داج ، ت راك مت سحبه وتواترت رعو دها الم زع جة، و صواعقها النازلة الهائلة الم حر قة، و بروقها الخاطفة ال ر اعبة، فكأنه م في وسطها ي زاو لون غمرات الموت لما يص ل لهم من الإفزاع و التويع. تشبيه من الله لأحوال الم ناف قين لما يم لونه من الكفر، و ما يجري عليهم من الظلمات المتاك مة، و هول الرعد و إفزاع الصواعق و البرق مثل لما يوفون به من العذاب في الدنيا و الآخرة ، أو لما هم فيه من أشكال الشبهات، وأم ا الظلمات فهي م ث ل لعمايتهم عن الق، و أم ا الرع د فهو مث ل للزجر و الو ع يد، وأم ا نور البرق فهو مث ل للح ج ج الباهرة التي ت كاد أن ت به رهم ، وأم ا الصواعق فهي مث ل لما يدعون إليه في القرآن إلى الج هاد في العاج ل و الو ع يد على التخل ف عنه ، أو هي مث ل للتكاليف الإسلامي ة التي لا يفعلونها إلا بوف ور يء، و كونهم ﴿يج ع ل ون أ ص اب ع ه م في آذ انه م م ن الص و اع ق ح ذ ر ال م و ت ﴾ [رة 19]، هو في

عدد الصفحات ٢٧

28 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه مقابلة وضعهم أصابعهم في آذانهم؛ لئلا يسمعوا القرآن . ووجه التشبيه أن الجاه ل الم ف ر ط في الجهل لا تنفذ بصيرت ه إلى القائق، فيكت ف ي بالمظاهر م غت ا بها مفتونا ، فيقت ص ر على الإحساس السطحي بما في الصي ب من ظلمات و رعد، وبرق و صواعق، و ما ينش أ عن ذلك م ن برد و توقيف سفر و تعطيل عمل، دون نفوذ بصيرته إلى المنافع الاصلة من ذلك الصي ب من حياة الأرض والمنفعة العام ة، وهكذا ضعيف البصيرة تَاو ز نظر ه الشيء المكروه في الظاهر إلى ما وراء ه من نيل كل محبوب، وهذه هي حال أكثر الخلق؛ ضعفاء البصير ة ير و ن ما في الجهاد من المشق ة والتعر ض للقتل وبطش الأعداء، و اتخ اذ الجراحات ، وملامة العذ ال و م عاداة م ن تخ ش ى عداوته ، فلا ي قد مون عليه ، بل يكرهونه و ينف رون منه؛ لأنهم لم تنفذ بصيرتهم إلى فوائده العظيمة من العز والسؤدد، وقمع الأعداء والظ هور عليهم و فرض السلطان عليهم، وكذلك كل تكليف شرعي يثقل عليهم لعدم نفوذ بصيرتهم لفوائده. فكذلك حال المنافقين مع القرآن يثقل عليهم ، و ينفرون منه؛ لما فيه من الو ع د و الوعيد، والأوامر و النواهي، والزواجر و التكاليف الشاق ة على نف وس هم؛ فلذلك حسن عليهم هذا المث ل المائي بعد المث ل الناري ، و قال الزمخشري : "لقائل أن يقول: شب ه دين الإسلام بالصي ب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، و ما يتعل ق به من تشبيه الكفر بالظلمة، و ما فيه من الو ع د و الو ع يد بالرعد و البرق، و ما يصيب الكف ر ة من الإفزاع من البلاي و الف ت من ج ه ة أهل الإسلام بالصواعق؛ و المعنى: أو كمث ل ذوي صي ب، و المراد : كمث ل قوم أخذ ته م السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا". إلى أن قال: "فإن قلت: أي المثلين أبلغ؟ قلت: الثان؛ لأن ه أدل على فرط اليرة ، وشد ة الأمر و فظاعته، و كذلك أفراده م يتدر جون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ". وبالجملة، فإن المؤمنين أدر ك وا ما في وحي الله من حياة القلوب وا رت فاع النفوس و الرؤوس مثل ما في المطر من الياة السي ة، فعلموا نفاسة ما يصل لهم من الياة الروحي ة و المعنوي ة، فلم ينعهم ما في وحي الله من رعد الو ع يد وبرق التهديد وصواعق العقوبات و الم ث لات التي حذ ر الله بها م ن خالف أمره وكذ ب رسوله ، ولا ما فيه من الأوامر و النواهي الشاق ة على النفوس المخال فة للأهواء التي هي كالظلمات، بل علموا بح سن النتيجة فلم يست وح شوا، بل استأن سوا بصدق الامت ثال لله، فنالوا منه اليات ين الطيبت ين في الدار ي ن.

عدد الصفحات ٢٨

29 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه المنافقون: وأم ا المنافقون فقد عميت قلوبهم ولم تَ او ز أبصارهم الظ لمة، و لم يروا إلا ما أخبرنا الله عن رؤيتهم له بقوله: ﴿ي ك اد ال بر ق ي ط ف أ ب ص ار ه م ك ل م ا أ ض اء له م م ش و ا ف يه و إ ذ ا أ ظ ل م ع ل ي ه م ق ام وا و ل و ش اء اللَّ ل ذ ه ب ب س م ع ه م و أ ب ص ار ه م إ ن اللَّ ع ل ى ك ل ش ي ء ق د ير ﴾ [ 20]، فهم خائنون على أنفسهم، مست وح شين من الر عد العظيم، واض عين أصاب ع هم في آذانهم؛ لئلا يسمعوا الصوت، و ليس بناف ع هم ذلك، وقد هاله م م شاه دة البرق الذي ي كاد بطف أبصارهم يت ل سها و يستل ها بسرعة من قو ة ضوئه المفاجئ؛ لأن أبصارهم أضعف من أن تثب ت أمام ه، فكل ما أضاء لهم الطريق في الظ لمة مش و ا في أث ر نوره خطوات قليلة ، و إذا أظلم - يعني: خفي البرق عليهم و است ت - وق ف وا في أماكنهم حائ رين ينت ظ رون فرصة إضاءته مر ة أخرى ، و هكذا لا م لج أ لهم من الهلاك، ولو شاء الله لذ ه ب بسمعهم و أبصارهم ؛ فهو قدير على ما هو أعظم من ذلك، و لكن لم يشأ ذلك ل ك م و مصالح هو بها عليم حكيم، فالوحشة لازمة للم ناف قين، و الر عب و الف ز ع لا ي فار قهم؛ لأن قلو بهم في وحشة من وحي الله أو لا ، و من ع باد الله القائمين به ثاني ا، فهذه الأمثال التي ضر به ا الله في القرآن ت ص و ر لنا الأ عاج يب من أحوال الم ناف قين المحوطة بالظلمات المعنوي ة الم تاك مة الممث لة في م ست وق د النار، و المشوبة بالر عب و الأهوال، و اضطراب الأحوال المتمثلة في الص يب الذي حظ صاحبه منه وحشة الظلمات وهول الرعد و القلق من البرق ، والانزعاج من الصواعق و الف ز ع و الر وع، و الت ماد ي في اليرة التي لا يست ط يع صاحبها السلوك، فما أرو ع ه من تصوير لالة المنافقين في تذبذبهم الذي ي ع يش ون فيه بين لقائهم للمؤمنين و مخادعتهم لهم واستهزائهم بهم ، و بين عو دتهم للشياطين من ر ؤ ساء الفتنة و الضلال م ؤك دين لهم أنهم معهم على الكفر، و م تأرج حين بين طل ب الهدى والنور و ما يرجعون إليه م ن هدى وضلال. فهذه أربع عشرة آية من أوائل سورة البقرة في المنافقين ، وأكثر منها و أكثر في سور: آل عمران ، و النساء، و المائدة، و الأنفال، و التوبة، و النور، والأحزاب و غيرها، فقد أكث ر الله العظيم من فضيحتهم و كشف أحوالهم و هتك أستارهم ، و بيان صفاتهم المط ر دة إلى يوم القيامة؛ لأنهم شر من الكف ار الص ر حاء، و أعظم خطر ا في كل زمان و مكان. خ ذ م ث لا في زما ننا: الشيوعي ة كفر ها صريح مفضوح ، و أهلها ص ر حاء بإنكار الإله، فكل مسلم يست وح ش منهم ، ولكن هنا أصحاب المبادئ المادي ة ونوها م ن يشتم الشيوعي ة

عدد الصفحات ٢٩

30 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه و يتبج حون بالاعتاف بالله أو الإيان بالله، و هم لا يرجون لله وقار ا، ولا يتقي دو ن بأوامره ، ولا ي ر مون ما حر مه من الخمور و الزنا حالة الرضا ، ولا ي ك مون بشريعته ، ولا ي ق يمون شيئ ا م ن حدوده، فما قيمة هذا الإله عندهم؟ إن م ن أعم ل الن ظ ر في وحي الله عر ف حكم ت ه في الإكثار من كشف أوصاف المناف قين، وقد رو ى البخاري و مسلم وأصحاب الس ن ن و المسانيد عن أبي موسى الأشعري - رض ي الله عنه - عن رسول الله  أنه قال: ((مث ل ما بعثني الله - عز وجل - به من الهدى كمث ل غيث أصاب أرض ا، فكانت منها طائفة طي بة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ و العشب الكثير، و كان منها أجادب أمس كت الماء، فن ف ع الله بها الناس؛ فشربوا منها و سقوا و رعوا ، و أصاب طائفة منها إنما هي ق يعان لا ت س ك ماء و لا ت نب ت كلأ، فذلك مثل م ن ف ق ه في دين الله، و نف ع ه الله بما بعث ني به فع ل م وعل م، ومث ل م ن لم ي رف ع بذلك رأس ا، و لم يقب ل هدى الله الذي أ رس لت به)). (فوائد): الأولى: قوله: ﴿ي ك اد ﴾، و"كاد" من أفعال المقاربة ؛ يعني: قار ب وي قار ب، و هي كلمة إذا أ ثب تت انت ف ى الفعل، وإذا ن ف يت ثب ت الفعل، و قد ألغ ز فيها بعض المتأخ رين سؤا لا فقال: أ ن و ي ه ذ ا ال ع ص ر م ا ه ي ل ف ظ ة = ج ر ت في ل س ان ج ر ه م و ثم و د إ ذ ا ن ف ي ت و الله ي ش ه د أ ث ب ت ت = و إ ن أ ث ب ت ت ق ام ت م ق ام ج ح ود وي شه د للإثبات عند النفي قوله - تعالى -: ﴿لا ي ك اد ون ي ف ق ه ون ح د يث ا﴾ [ 78]، ﴿و لا ي ك اد ي ب ين ﴾ [52]، و﴿لم ي ك د ي ر اه ا ﴾ [40]، و يشه د للنفي عند الإثبات قوله - تعالى -: ﴿ي ك اد ال بر ق ي ط ف أ ب ص ار ه م ﴾ [20]، ﴿ي ك اد س ن ا ب ر ق ه ﴾ [43]،﴿ي ك اد ز ي ت ه ا ي ض يء ﴾ [35]. الثانية: قو له - تعالى -: ﴿و اللَّ مح يط با ل ك اف ر ين ﴾ [19] الإحاطة كمال العلم و الإدراك ، و كمال القدرة على الإهلاك ، فالله محيط بهم من كل المعان؛ كقوله - تعالى -: ﴿و لا ي س بن ال ذ ين ك ف ر وا س ب ق وا إ نه م لا ي ع ج ز ون ﴾ [59]. الثالثة: اخت ل ف العلماء في الرعد والبرق ؛ فقال ابن الجوزي في "تفسيره" ما نص ه: "والثالث: أن ه نار تنق د ح من اصط كاك أجرام السحاب لسيره و ضرب بعضه لبعض ، قاله

عدد الصفحات ٣٠

31 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه شيخنا"، وهذا بعد حكايته للقول الذي يؤي ده الديث . و قال القرطبي : "وقالت الفلاسفة: الرعد صوت ا صطكاك أجرام السحاب ، و البرق ما ينقدح من اصطكاكها، وهذا مردود لا يصح به نقل، والله أعلم". "أم ا "الصواعق" فهي جمع "صاعقة"، و هي صوت شديد من صوت الرعد ، تقع معه قطعة من نار أو حديد تحرق ما ت ص يبه، والله أعلم".

عدد الصفحات ٣١

32 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه فوائد مهم ة في ماد تي الإيمان و النفاق: الفائدة الأولى: أن قبول الوعاء لما ي و ض ع فيه مشروط بتخليته و تفريغه و تنقيته من ضد ه؛ فمث لا الإناء الذي فيه ملح لا يصلح لوضع السكر حتى يفرغ من الملح و ينقى من رواسبه، و حينئذ ي صل ح لو ض ع السكر ونوه، و كذلك الو عاء الذي فيه نفط أو وساخة لا يصلح لوضع لبن أو سن حتى يفرغ من النفط والوساخة و ينقى من رواسبهما، و هذه قاعدة بديهي ة لا ج دال فيها و لا مناقشة، و كما أنها في الذوات و الأعيان، فهي أيض ا في الإرادات و الاعت قادات؛ بل في سائر الجوارح و الأحاسيس لبني آدم و أعظمها القلب؛ فهو أشرفها و أرهفها إحساس ا، فإذا كان القلب م ت ل ئ ا بص ن وف الباطل اعت قاد ا و محب ة لم يبق فيه محل لاعت قاد الق و محب ته أبد ا؛ إذ لا يجت م ع ض د ان في وعاء واحد. فلا ب د للمسلم المؤمن من تصف ي ة قلبه وتخليصه من حب فلان و فلان، و على الأخص ما يكرهه الله - سبحانه - أو ي عاد يه من الظ ل مة الب غاة أو الف س ق ة الع تاة أو الطواغيت الذين جعلوا لأنفسهم حق التشريع و التقنين راف ض ين وحي الله زاع مين قسو ة أحكامه، أو عدم صلاحيته للعصر، و ما أشبههم من أهل أي نلة، فإن انش غال القلب بمحب تهم يرمه من حب الله و رسوله قطع ا؛ إذ لا يجتمع في قلب واحد حب ان متعارضان : حب الله و حب أعدائه، هذا من المحال؛ و لذا قال الله - تعالى -: ﴿لا تَ د ق و م ا ي ؤ م ن ون با للَّ و ال ي و م الآ خ ر ي و اد ون م ن ح اد اللَّ و ر س ول ه و ل و ك ان وا آبا ء ه م أ و أ ب ن اء ه م أ و إ خ و انه م أ و ع ش ير ته م ﴾ [ 22]. وكذلك إذا انشغ ل القلب بالش بهات الباطلة من النظري ت والطرائق والم بادئ التي تقذف بها الماسوني ة اليهودي ة قدي ا وحديث ا على الناس، فإن ه لا يكون محلا لدخول الق المحمدي أو قبوله، بل يبقى - والع ياذ بالله - غلف ا ملوء ا بص ن وف الباطل، وكذلك إذا حل في القلب حب الشهوات البهيمي ة وأولع بها وانش غ ل بها، فإن ه لا يكون فيه محل قابل لب ما ي ر يده الله منه اعتقاد ا وعملا ، بل لا يكون فيه قابلي ة لب الله أصلا ، ولا لب ما يب ه الله من أي شخص أو عمل، وكذلك إذا انش غ ل بحب الغانيات، و حب لهو الديث المتنو ع من الأغان الفاتنة و الأقاصيص الماجنة، فإن ه لا يكن أن يل فيه حب وحي الله أو ذكره ، كما قال ابن القي م: ح ب الك ت اب و ح ب أ ل ان ال غ ن ا = في ق ل ب ع ب د ل ي س يج ت م ع ان

عدد الصفحات ٣٢