المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

النفاق أثاره ومفاهيمه

عبدالرحمن الدوسري

صفحة ١ من ٥

www.alukah.net تابع الجديد والحصري على موقع الألوكة www.alukah.net الكتاب الأول من مجموعة الشيخ الدوسريالكتاب الأول من مجموعة الشيخ الدوسري فضيلة الشيخ عبدفضيلة الشيخ عبدالرحمن الدوسريالرحمن الدوسري النفاقالنفاق آثاره ومفاهيمهآثاره ومفاهيمه حقوق الطبع محفوظةحقوق الطبع محفوظة للشيخللشيخ إإبراهيمبراهيم عبدعبدالرحمن الدوسريالرحمن الدوسري تت: : 23185662318566 -- صص..بب..2200595595 الرياضالرياض -- المملكة العربية السعوديةالمملكة العربية السعودية الطبعة الثانيةالطبعة الثانية 1414 0044 هـهـ يطلب منيطلب من: : مكتبة الرشد للنشر والمكتبة الرشد للنشر والتوزيعتوزيع الرياض الرياض -- طريق الحجازطريق الحجاز مقابل بنك الرياض مقابل بنك الرياض -- تت45837124583712 صص..بب..1752217522

عدد الصفحات ١

2 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه بسم الله الرحمن الرحي م تقديم بقلم الأستاذ سعيد محمود بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على رسوله الكريم ، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصح به الكرام الطي بين. وبعد : المنافقون هم ش ر كاء الشياطين في الإغواء والدس والت خريب ، وما أكث ر هم في كل زمان ومكان! ع م ل وا قدي ا على الو ق وف في وجه الدعوة الإسلامي ة، وعرقلة مسيرتها ؛ تلبية ل قد في نفوسهم، وكراهية للإسلام والمسل مين، هذا القد وتلك الكراهية ناجمان عن حقد وكراهية للخير والن جاح، يعم لون بكل ما أ و ت وا من قو ة لت فر يق الصف ، وقتل و حدة المسلمين ، يست غ ل ون أبش ع الط ر ق وأرخصها للو ص ول إلى م ناف عهم الخاص ة، م تجر دين من كل م ث ل أو ق ي م. وقد أصب ح موق ف هم هذا خط ر ا على الدين والمجتمع؛ لأنهم تسل لوا إلى كل مكان دس هم أسياد هم فيه؛ حيث نفذت اليهودي ة وأعوانها من عيونهم وأنوفهم وألسنتهم التي سخ روها لها ووظ فوها شياطين ملعونة تخدش ض مائ ر المؤمنين، وت وق ع العداوة والبغضاء بينهم. عن أبي هريرة - رض ي الله عن ه - أن رسول الله  قال: ((آي ة الم ناف ق ثلاث ؛ إذا حد ث كذب، وإذا وع د أخل ف، وإذا اؤ ت ن خان))(1)، فالر سول الكريم  كشف هم ووص ف هم بما يستحق ونه من وص ف ي ك ل لهم بالذل والعار، فهم كذ اب ون ي ص ر ون على الكذب دين ا لهم وسبيلا ، وهم خد اعون م نه ز مون في داخ لهم، لا عهد لهم ولا ذم ة، وهم خو ن ة م فر طون لأن ضمائرهم منخورة مي تة، وهم أحط الخلق وأبعد هم من رحمة الله ؛ ولذلك جم ع هم الله إلى الكاف رين في نار جهن م خزي لهم وع قابا أليم ا، واستحق وا غضب الله - عز وجل - وجحيم ه، وكراهية رسوله  واحتقار المؤمنين. قال الله - تعالى - في كتابه الكريم: ﴿إ ن ال م ن اف ق ين في الد ر ك الأ س ف ل م ن الن ار و ل ن تَ د له م ن ص ير ا﴾ [145]، وقد أدر ك الشيخ عبدالرحم ن الدوسري - رحمه الله - خطورة (1) "الجامع الصحيح" 1/56.

عدد الصفحات ٢

3 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه سلوكهم هذا ، فت و س ع في الديث عنهم عند شر حه لسورة البقرة في تفسيره الكبير: "صفوة الآثار و المفاهيم"، و عند نهوض ه لشرح آيت أخرى تتعل ق بالمنافقين، جاء ت ضمن مقالات عديدة متنو عة كان ي ع ر ج من خلالها على ذك ر المنافقين كل ما دع ت ه الضرورة إلى الاست شهاد بهم وفض ح أدوارهم . ومنذ سنوات (1400 ه) جم ع ما قد مه الشيخ من شرح لآيت البقرة التي تتناو ل المنافقين، وص د ر في كتاب هو "النفاق.. آثاره ومفاهيمه "، وقد ض م الأستاذ الفاضل محمد سرور زين العابدين شيئ ا إلى الكتاب بعنوان "مساجد الضرار بين القديم والديث "، فج ز اه الله خير ا؛ لأن ه أراد م ن إضافته تلك م ز يد ا من الكشف لقيقة المنافقين، والتأك يد على فضح هم وتعريتهم . ولكن الك تاب لقي بعض المعارضة ؛ لأن ه ض م شيئ ا بداخله لغير الشيخ الدوسري ، وعندما فك رنا في طبع الكتاب مر ة ثالثة - بعد ن فاد ه - رأينا أن ن ز يل هذا الاعت اض - مح ت ف ظين للأستاذ زين العابدين بالشكر الجزيل ، داع ين الله له بالأجر والثواب - فر ف عنا ما أ ض يف للكتاب، واستفدنا م ا قد مه لسان العرب وغيره من تعريف للن فاق لغة وشرع ا - وأشر نا إلى ذلك - ثم ر حنا ننق ب في آثار الدوسري - رحمه الله - المطبوعة والمخطوطة، واستخرجنا ما ور د في أثنائها عن النفاق والمنافقين؛ لنضم ه إلى الكتاب كتعويض عم ا ذه ب منه، وقد و ف ق نا الله - سبحانه وتعالى - إلى العثور على بعض آيت من "النساء" كان الشيخ قد شر ح ها، وآيت من "التوبة" وردت في مقالات أخرى عند حديث الشيخ عن الصلاة، والمجتمع ومعاناته، وفي بعض خطبه، فنس قناها وأضفناها إلى الكتاب تحت عنوان: "آيت أخرى ت س ل ط الضوء على المنافقين". آم لين أن تكت م ل الفائدة وتت ضح الصورة ... صورة فئة قد ان ر ف ت عن الطريق المستقيم ، فضل ت وأضل ت، سائلين المولى - عز وجل - أن يجن بنا م واط ن الز ل ل، وي م ينا من غدر الغاد رين ، ويهدينا سواء السبيل. * * *

عدد الصفحات ٣

4 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه تعريف "الن فاق": 1 - "النفاق" لغة: "الن ف ق": س ر ب في الأرض م شتق إلى موضع آخر، وفي "التهذيب": له مخل ص إلى مكان آخر، و"النف قة" و"النافقاء": جحر الض ب واليربوع ، وقيل: "النفقة" و"النافقاء": مو ضع يرقة اليربوع من جحره ، فإذا أ ت من ق ب ل القاصعاء ضر ب النافقاء برأسه فخرج ، و"نفق" اليربوع و"نفق" و"انت ف ق" و"نف ق" خر ج منه. وقال ابن الأعرابي : قصعة اليربوع أن يفر حفيرة ثم يسد بابها بتابها، وي سم ى ذلك التاب "الدام اء"، ثم يفر حفر ا آخر ي قال له: "النافقاء" و"النفقة" و"النفق"، فلا ينفذها ولكن ه يفرها حتى ترق ، فإذا أخذ عليه بقاصعائه عدا إلى النافقاء فض ر بها برأسه وم رق منها ، وتراب النفقة ي قال له: الراهطاء . وقال الأصمعي في "القاصعاء": إنما قيل له ذلك؛ لأن اليربوع ي ر ج تراب الجحر ، ثم يسد به فم الآخ ر، من قولهم: "قصع الكلم بالدم" إذا امتلأ به، وق يل له: "الدام اء"؛ لأنه يرج تراب الجحر ويطلي به فم الآخ ر من قولك: "ادمم قدرك "؛ أي: اطلها بالطحال والرماد ، وي قال: "ناف ق اليربوع " إذا دخ ل في نافقائه، و"قصع" إذا خرج من القاص عاء، وتنف ق خرج . وقال أبو عبيد: س ي المنافق منافق ا للنفق وهو السرب في الأ رض، وق يل: إنما س ي منافق ا لأن ه ناف ق كاليربوع وهو دخوله نافقاء ه، ي قال: قد نفق به و نافق وله ج ح ر آخ ر ي قال له: القاصعاء. فإذا ط لب ق ص ع فخرج من القاصعاء، فهو يدخل في النافقاء ويرج من القاصعاء ، أو يدخل في القاصعاء ويرج من النا فقاء، في قال له ناف ق هكذا يفعل المنافق؛ يد خ ل في الإسلام ثم يرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه . وتحد ث أبو زيد عن الأصل اللغوي لكلمة "نفق" وم ا قاله: نفق اليربوع تنفيق ا وناف ق؛ أي: دخل في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين ، و"الن فاق" بالكسر ف ع ل المنافق، و"الن فاق": الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر، مشتق من نافقاء اليربوع ... وقد تكر ر في الديث ذكر الن فاق وما تصر ف منه اس ا وفعلا ، فهو اسم إسلامي لم تعرفه

عدد الصفحات ٤

5 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه العرب با لمعنى المخصوص به، و هو الذي ي ست كفره وي ظه ر إيانه، وإن كان أصله في اللغة معروف ا؛ ي قال: "ناف ق ي ناف ق منافقة ون فاق ا"، وهو مأخوذ من النافقاء لا من النفق، وهو السرب الذي يستت فيه لسته كفره (1). متى بدأ النفاق؟ تحد ث ابن كثير عن بداية الن فاق فقال: نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق، بل كان خلاف ه، من الناس م ن كان ي ظه ر الكفر م ست كر ه ا، وهو في الباطن مؤمن، فلم ا هاج ر الرسول  إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس و الخزرج ، وكانوا في جاهلي تهم يعبدون الأصنا م على طريقة م شر كي العرب ، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم ، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع ح ل فاء الخزرج ، وبنو النضير، وبنو قريظة ح ل فاء الأوس، فلم ا قدم رسول الله  المدينة وأسل م م ن أسل م من قبيلتي الأوس والخزرج ، وقل م ن أسلم من اليهود، إلا عبدالله بن سلام - رض ي الله عن ه - ولم يكن إذ ذاك نفاق أيض ا؛ لأن ه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخ اف، بل قد كان - عليه الصلاة والسلام - واد ع اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلم ا كانت وقعة بدر العظمى وأظه ر الله كلمته وأعز الإسلام وأهله، قال عبدالله بن أ بي بن سلول، وكان رأس ا في المدينة وهو من الخزرج ، وكان سي د الطائفتين في الجاهلي ة، وكانوا قد عزموا على أن ي ل كوه عليهم، فجاءهم الخير وأسل م وا واشت غل وا عنه، فب ق ي في نفسه من الإسلام وأهله، فلم ا كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توج ه، فأظه ر الدخول في الإسلام، ودخ ل معه طوائف م ن هو على طريقته ونلته ، وآخ رون من أهل الكتاب. فمن ثم و ج د الن فاق في أهل المدينة وم ن حولها من الأعراب ، فأم ا المهاجرون فلم يكن فيهم أحد نافق؛ لأن ه لم يكن أحد ي هاج ر م كر ه ا، بل يهاجر فيتك ماله وولده وأرضه؛ رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة (2). - وروى مسلم"صحيحه" أن النبي  ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة ف د ك ي ة، وأرد ف وراء ه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الارث بن الخزرج ، وذاك قبل وقعة بدر ، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عب د ة الأوثان واليهود، وفيهم (1) "لسان العرب"؛ لابن منظور ، مادة "نفق" 12/235. (2) "تفسير ابن كث " 1/47.

عدد الصفحات ٥

6 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه عبدالله بن أ بي - وفي المجلس عبدالله بن رواحة - فلم ا غشيت المجلس عجاجة الدابة، خ ر عبدالله بن أ بي أنف ه بردائه ، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسل م النبي  ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن ، فقال ابن أ بي : أي ها المرء ، لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حق ا، فلا ت ؤذ نا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك ، فم ن جاءك م ن ا فاقصص عليه، فقال عبدالله بن رواح ة: اغشنا في مجالسنا فإنا نب ذلك، قال: فاست ب المسلمون والمشركو ن واليهود، حتى ه وا أن ي ت واث بوا، فلم يزل النبي يفضهم ثم ركب داب ته حتى دخل على سعد بن عبادة - رض ي الله عنه - فقال: ((أي سعد، ألم تسم ع إلى ما قال أبو ح ب اب - يريد ابن أ بي - قال: كذا وكذا ))، قال: اعف عنه ي رسول الله واصفح ، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصط ل ح أهل هذه البحيرة أن ي ت و جوه فيعصبوه بالعصابة، فلم ا ر د الله ذلك بالق الذي أعطاك ه ش ر ق بذلك، فذلك فع ل به ما ر أيت، فعفا عنه النبي - صل ى الله عليه وسل م(1). نعم، لقد كان ابن أ بي كافر ا، وظل كافر ا م صر ح ا بكفره ب ع يد دخول الرسول  المدينة، وربما كان يرى في نفسه وفيم ن حول ه القو ة وألا خط ر من هذه الفئة القليلة وأنصارها خاص ة، وأنها جاءت المدينة فقيرة م ست ضع فة تريد النجاة ؛ إذ لا ق ب ل لها بتجم ع أكبر وأشد، وفات ه أنها جاء ت تريد كسر الأسوار التي ض ر بت حول الدين من ع تاة الكف ر ة، تريد مجا لا أوسع وساح ا أرحب لنشر الدين ، ودفع الرسالة إلى كل ركن من أركان المعمورة . وظل ابن أ بي غارق ا في وهه هذا وأحلامه في الملك والتاج حتى كانت معركة بدر ، عندها جحظت عيناه وأدر ك القيقة المر ة في أن الإسلام أصبح قو ة بمسلميه، لن تنال منه قو ة ي تآم ر معها طالما انهزمت أمام ه أعتى ق و ى الكفر والط غيان في أرض العرب ، فأعل ن إسلامه وراح ي ظه ر خلاف ما ي بط ن؛ في تآم ر ويدس و ي سه م في تأليب الناس وتَميع الق و ى ضد الرسول وأصحابه لعل وعسى، والرسول  يعل م ذلك ويصف ح، حتى كان ت غزوة أحد و بني المصطلق فسقط الق ناع ، و انهار ت آماله دفعة واحدة، فدخ ل المدينة ذليلا مفضوح ا كسير الجناح لينك م ش بعد ها وي نهار، ثم لتتبد د آماله وأحلامه كلها دفعة واحدة ، حينما ع ل ت سيوف المؤمنين ر ؤوس المخط طين له من يهو د بني قريظة والنضير وحلفائه من بني القينقاع . قال أبو إسحاق في قصة بني المصطلق: فبينا رسول الله  مقيم هناك اقت ت ل على الماء (1")شرح النووي على صحيح مسلم "، كتاب الجهاد والسير، 12/157.

عدد الصفحات ٦

7 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه جهجاه بن سعيد الغفاري - وكان أجير ا لعمر بن الخطاب - وسنان بن يزيد ، فقال سنان: ي معشر الأنصار، وقال الجهجاه: ي معشر المهاجرين ، و زيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبدالله بن أ بي ، فلم ا سعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلنا و جلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: س ن كلب ك يأك ل ك ، والله لئن رجعنا إلى المدينة لي خر جن الأعز منها الأذل ، ثم أقب ل على م ن عنده م ن قو مه وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم أحللت موهم بلادكم، وقاست موهم أموالكم، أم ا والله لو كففتم عنهم لتحو لوا عنكم من بلادكم إلى غيرها، فس م ع ها زيد بن أرقم - رض ي الله عن ه - فذهب بها إلى رسول الله  وهو غليم - وعنده عمر بن الخطاب - رض ي الله عن ه - فأخبر ه الخبر، فقال عمر: ي رسول الله ، م ر عباد بن بشر فليضرب عنق ه، فقال رسول الله  :((فكيف إذا تحدث الناس - ي عمر - أن محمد ا يقتل أصحابه؟ لا، ولكن ناد ي عمر: الرحيل ))، فلم ا بل غ عبدالله بن أ بي أن ذلك قد بل غ رسول الله  أتاه فاعتذ ر إليه، وحلف بالله ما قال الذي قال زي د بن أرقم ، وكان عند قوم ه بمكان ، فقالوا: ي رسول الله ، عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم ي ثبت ما قال الرجل ، وراح رسول الله  مهجرا في ساعة كان لا يروح فيها ، فلقيه أ س يد بن الضير - رض ي الله عن ه - فسل م عليه بتحي ة النبو ة، ثم قال: والله لقد رحت في ساعة مبك رة ما كنت تروح فيها ، فقال رسول الله  :((أما بلغك ما قال صاحبك ابن أ بي ؟ زع م أن ه إذا قدم المدينة سي خر ج الأعز منها الأذل ))، قال: فأنت ي رسول الله العزي ز وهو الذليل، ثم قال: ارفق به ي رسول الله ، فوالله لقد جاء الله بك، وإنا لن نظ م له الخرز لن ت و جه، فإن ه ليرى أن قد سلبت ه ملك ا، فسار رسول الله  بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نز ل بالناس ليشغلهم عم ا كان من الديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا، ونز لت سورة المنافقين (1). - وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبدالله بن عبدالله بن أ بي لم ا بل غ ه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله  فقال: ي رسول الله ، إن ه بلغ ني أن ك ت ر يد قتل عبدالله بن أ بي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فم ر ن به، فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده م ني ، إن أخشى أن تأ م ر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قات ل عبدالله بن أ بي يشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمن ا بكافر (1) "مختصر ابن كث " م2 ص504 - 505.

عدد الصفحات ٧

8 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه فأدخ ل النار؛ فقال رسول الله  :((بل نتف ق به، ون س ن صحبته ما بقي معنا))(1). وذكر عكرمة أن الناس لما قف ل وا راج عين إلى المدينة وق ف عبدالله بن عبدالله على باب المدينة واست ل سيفه، فجعل الناس ير ون عليه، فلم ا جاء أبوه عبدالله بن أ بي قال له ابنه: وراء ك، فقال: ما لك ويلك؟ فقال: والله لا تَوز من هنا حتى يأذ ن لك رسول الله  فإنه العزيز وأنت الذليل ، فلم ا جاء رسول الله  شكا إليه عبدالله ابنه، فقال ابنه عبدالله: والله ي رسول الله لا يدخلها حتى تأذ ن له، فأ ذ ن له رسول الله  فقال: أم ا إذا أذن لك رسول الله فج ز الآن(2). 2 - "النفاق" شرع ا: قال ابن جريج : المنافق ي ال ف قوله فعله ، وسره علانيته ، ومدخله مخرجه ، و مشهده مغيبه. وقال ابن كثير: "الن فاق" هو إظهار الخير وإسرار الشر ، وهو أنواع : اعتقادي: وهو الذي ي ل د صاحبه في النار، وعملي: وهو من أكبر الذنوب(3). وقد قسم ابن القي م الكفر خسة أقسام: 1 - كفر تكذيب. 2 - وكفر ا ستكبار وإباء مع التصديق. 3 - وكفر إ عراض . 4 - وكفر شك . 5 - وكفر نفاق (4). وقال ابن تيمية: الن فاق كالكفر، ولهذا كثير ا ما ي قال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا (1) "مختصر ابن كث " ص 506. (4) "تفسير ابن كث " 1/47. (3) "فتاوى ابن تيمية" 7/524، مطابع الريض. (4) "مدارج السالكين"؛ لابن القيم.

عدد الصفحات ٨

9 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر(1). وقال الكرمان : إن الن فاق علامة عدم الإيان، أو ليعلم منه أن بعض الن فاق كفر دو ن بعض، والن فاق لغة : مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والتك، وتتفاو ت مراتب ه(2). - وبعد هذا ندخل في ر حاب القر آن الكريم مبت د ئين بسورة البقر ة؛ لنرى حكم الله في المنافقين الذي ي ف وق كل حكم ورأي ؛ لأن ه المصدر الذي ب ن يت عليه كل الآراء فيهم ، والله - سبحانه وتعالى - هو الأقدر والأعلم في كشف الن فاق والمنافقين، وفضحهم أمام خلقه، ولطخ وجوههم بالعار والنار ؛ جزا ء يستحق ونه على الفساد في الأرض، والكيد لع باد الله ورسوله ودينه . (1) فتاوى ابن تيمية 7/524، مطابع الريض. (2) "فتح الباري بش رح البخاري"؛ لابن حجر ، 1/196.

عدد الصفحات ٩

10 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه المنافقون في القرآن: أكث ر الله في وح يه الم بار ك من ذك ر أوصاف المناف قين؛ لخ ط ورتهم على كل مجتمع إسلامي، فاقت ض ت حكمة الله كشف أسرارهم ، وهت ك أستارهم ، وبيان دفائن نفوسهم، وقد اشت مل ت أوائل سورة البقرة على ذك ر ر كائ ز خبثهم في اثنتي عشرة آية؛ حيث قال: ﴿و م ن الن اس م ن ي ق ول آم ن ا با للَّ و با ل ي و م الآ خ ر و م ا ه م بم ؤ م ن ين * ي اد ع ون اللَّ و ال ذ ين آم ن وا و م ا ي د ع ون إ لا أ ن ف س ه م و م ا ي ش ع ر ون ﴾ [8 - 9]. قال قتادة : "هذه الآية نعت المنافق ، ي عر ف بلسانه ، وي نك ر بقلبه ، ويصدق بلسانه ويكذب بعمله، وي صب ح على حال وي س ي على غيرها، ويتكف أ تكف ؤ السفينة كل ما هب ت ريح هب معها"، اه . إن حقيقة المنافقين - كما صو رها الله ، م ا يشهد به واق ع هم في كل عصر و مصر - هي صورة مخ ال فة لصورة المؤمن القيقي والكافر الواضح الصريح ، فإن الكف ر ة - على اخت لاف م ل ل هم ون ل هم - ك فر هم واضح صريح ، م ت سم بالشجاعة والع ناد والمكابرة ، سواء م ن كان كفر ه بشرك الوسائط والأنداد ، أو كان كفر ه بشرك التعطيل كالمقل دة للجاهلي ة الأ ولى والفراعنة ، أو كان كفر ه بالإ نكار لله كالش يوعي ين، أو بالافت اء على الله كأهل الكتاب المحر فين. فكل هؤلاء من الن و ع الثان، قد أراح وا المؤمنين بصراحت هم وظهور عداوتهم، وات ضاح وجوب منابذتهم و مخالفتهم في الد ين؛ بحيث لا يجنح إليهم أو ي وال يهم م ن في قل به إيان صحيح. لكن مصيبة المسلمين ومداخل الشر إليهم هي النوع الثالث الم رت د ي ز ي الص د يق والمتمل ق بلسانه، الذي ي ظه ر الإيان و الاعت اف بالله و تق ديس رسوله و القرآن ، وهو يم ل في قلبه من الغيظ للمسلمين ما لا يقل عن غي ظ الكف ار أو ي ز يد، فهذا كالمرض الفاتك في الجسم، وهم و إن كانوا في الغالب من ع لي ة القوم إم ا بعلمهم المادي أو بمكانتهم، إلا أنه م لا ي ل كون الشجاعة التي يج ر ؤون بها على م قاب لة الد ين بالإنكار الصريح ؛ فيضطر هم الجبن إلى إظهار خ لاف حقيقتهم، وإلى سلوك الذلقة بإيقاع الدس و التش كيك في بعض الن واح ي، و في سير و لاة المسل مين؛ لي شك كوا العام ة فيهم، و ين تقصوا الد ين بواس طتهم، وهذا شيء أجراه أسلاف هم مع رسول الله - صل ى الله عليه وسل م.

عدد الصفحات ١٠

11 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه وهم في القيقة م طاي اليهود في كل زمان و مكان، منذ ظ ه ورهم على عهد الرسول - عليه الصلاة و السلام - إلى يومنا هذا، و حتى يرث الله الأرض و م ن عليها؛ فاليهود هم شياطينهم، وهم الذين يوج هون ر ؤساء هم بأنواع الفت نة التي ت تناس ب مع أوضاع كل مجتمع مسلم في كل عصر ومصر. فلهذا فض ح هم الله لعباده المؤمنين في سور كثيرة م بت د ئ بسورة البقرة ، فكذ ب الله مزاعمهم ، و فض ح أسرارهم ، م بي نا أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، و أنهم ﴿ي اد ع ون اللَّ و ال ذ ين آم ن وا ﴾ [9] باعتافهم الكاذب، تزل ف ا إلى النبي  في وقته، و إلى م ن بعده من و لاة المسلمين ليولوهم الثقة، و لي ط مئ نوا عام ة المسلمين إليهم فلا ي رتاب ون فيهم، و بهذا ي ط ل عون على أسرار المسلمين ودخائلهم ؛ فينقلونها إلى الكف ار من اليهود وأعوانهم، و ي ست ف يدون منها لق ضاء مآربهم الدنيئة . وقد اعت بر الله مخادعتهم للمؤمنين مخادعة له و لهم، وهذا تفض ل كريم من الله - سبحانه وتعالى - نجده ي كر ر ه في وحي ه المبار ك، وهو حقيقة الصلة الكام لة بين الله وع باده المؤمنين؛ إذ يجعل ص ف هم ص ف ه دائم ا و شأنه م شأن ه؛ في عت بر الم خاد ع لهم مخ اد ع ا له، و الم عاد ي لهم م عاد ي له، و الم حار ب لهم مح ار با له؛ إعلام ا منه - سبحانه - للمؤمنين برفعة مقامهم و علو شأنهم عند ه؛ لتمت ل ئ قلوبهم بمحب ته و الطمأنينة لوع د ه، و الثقة بنص ر ه. أخرج ابن سعد عن ح ذ ي ف ة أن ه قيل له: ما النفاق؟ فقال: أن يتكل م بالإسلام و لا يعمل به، قال المحق قون من المفس رين : إن ت قد يم الخبر في هذه الآية: ﴿في ق ل وبه م م ر ض ﴾ [ 10]؛ للإشعار بأن المرض مختص بها مبالغة في تعل ق هذا الداء بتلك القلوب؛ لما كانوا عليه من شد ة الس د و فرط العداوة . (قلت): إن رؤساءهم في كل عصر و بلد يشون قلوب أتباعهم بذلك في سائر مراحل التوجيه وأنواعه ، فالريص على التزو د من ن ع م الله المعنوي ة الر وحي ة ي ر ص على حفظ جميع أوصاف الله للمنافقين في وحيه وي تد ب رها ؛ لي طب ق أحوال أهل زمانه ، فينظر هل تنط ب ق على أوصاف المؤمنين المصد قين للأقوال بالأعمال المرضية لله ، أو تنط ب ق على أوصاف المنافقين الشار دين عن م راد الله في كل شيء ، و المخالفين لسن ة نبي ه  في كل شيء، و لا سي ما م ن يتشد ق بدعوى الإصلاح، و ي ظه ر الانت قاد على غير ه، فالله أنع م علينا بنش ر أوصاف كل صنف من ع ب يده لي ظه ر لنا كل على حقيقته دون الت باس، فيجب أن نجعل هذه الن عمة

عدد الصفحات ١١

12 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه نصب أعيننا، وألا نغفل عنها أبد ا، فيستزل نا عدو ي ظه ر في ثوب ص د يق. و قوله - تعالى -: ﴿ف ز اد ه م اللَّ م ر ض ا﴾ [10] زيدة مرضهم يصل بعدة أمور: (أحدها): أن ه كما م ر ض ت قلوبهم بالشك وو ر ود الشبهات عليهم في أصل الدين، فإن المرض ي زداد كل ما طر ق هم خبر عن فروعه و أحكامه، فيشرقوا بها و يتجد د لها شبهات في قلوبهم تزيد من مرضها . (والثاني): أن زيدة المرض بزيدة ما ي نز ل الله من وحيه بف ض يحتهم وتقبيح سلوكهم . (والثالث): هو س ن ة الله في كون المر ض إذا لم ي عال ي زداد ويجلب مرض ا آخر، والمرض المعنوي مرض القلب أفظ ع زيدة في الف ت ك من المر ض السي، فإن الشبهات يجر بعضها بعض ا حتى يتعق د صاحبها، و يكون فيه مركب نقص وقلق نفسي، و حقد ملتهب فات ك به، فكما أن المؤمنين يز دادون إيانا بقو ة إخلاصهم و ي ق ينهم، فالمنافقون يز دادون ريب ا وح قد ا و غ ي ظ ا ي ز يد م ن مر ض ق ل وبه م. (والرابع): أن زيدة المر ض تحصل بتكاليف الله المتجد دة، و فعلهم لها مع كفرهم بها، و تكليف النبي  لهم ببعض الأمور، و تخل فهم عند الجالب كما يكر هونه من لومهم و زيدة فضيحتهم، فزيدة المر ض لقلوبهم ح س ي ا و معنوي ، ﴿و له م ع ذ اب أ ل يم ﴾ [10] والأليم هو العذابالمستمر الم وج ع ﴿بم ا ك ان وا ي ك ذ ب ون ﴾ [10]، فقد استحق وا ذلك الع ذاب لق ب يح أفعاله م، و ذميم أخلاقهم من إظهار دعوى الإيان مع إبطان الكفر والتكذيب، و في قوله: ﴿ي ك ذ ب ون ﴾ إخبار بالاستمرار التجد دي لكذبهم مد ى الد هر. وهذه الآية م ن أو ضح الد لائل على تك ذيب الله للزاع مين أن الله لا ي ع ذ ب من عباده إلا م ن كف ر به ع ناد ا بعد علمه بوحداني ته، و بعد تقر ر صح ة ما عان د رب ه عليه من توحيده و الإقرار ب كتبه و رسله عنده ؛ لأن الله قد أخبر عن الذين وص ف هم بالن فاق و مخادعتهم له و للمؤمنين بأنهم لا ي شع رون أنهم م بط لون فيما هم عليه من الباطل ، و أنهم ب داع هم مخ د وعون، وأن لهم عذابا أليم ا بما كانوا ي كذ بون بزعمهم الإيان و هم على الكفر م ص ر ون. وكذلك في هذه الآيت دلالة واضحة على بطلان مذهب الجهمي ة، و م ن نا نوهم من أن الإيان هو مجر د التصديق بالقول د ون سائر المعان؛ فإن الله أخبر نا عنهم أنهم قالوا بألسنتهم: ﴿آم ن ا با للَّ و با ل ي و م الآ خ ر ﴾ [8]، ثم نف ى عنهم الإيان لانتفاء معان يه في

عدد الصفحات ١٢

13 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه قلوبهم وأعمالهم؛ إذ لا ب د لصح ة الإيان من اعت قاد القلب فيما ي نط ق به اللسان، و تصديق الجوارح للسان بالا نط لاق في الأعمال الصالة بصدق وإخلاص، ولو كان الإيان مجر د التصديق لن ف ع فرعون و غيره من الطواغيت، و ها هنا فوائد: (الأولى): يتمل أن تكون مخادعة المنافقين لأنفسهم على بابها من اثنين، فهم خادعون أنفسهم حيث منوها الأباطيل، وأنفسهم خادع ت هم حيث من ت هم ذلك أيض ا، فكأنه ا محاورة بين نفس ين على معنى الخاطرين ، كقول الشاعر: ي ؤ ام ر ن ف س ي ه و في ال ع ي ش ف س ح ة = أ ي س ت ب ع الذ وبا ن أ م لا ي ط ور ه ا (الثانية): زع م بعض هم أن المخاد عة في آية المنافقين من المقلوب؛ لأن الإنسان لا يد ع نفسه، بل نفس ه هي التي تخدعه و تسو ل له وتأمره بالسوء ، و بما أن النحويين لا يج يزون القلب إلا في الشعر على الصحيح بحال الاضطرار ، فإن ه ينب غ ي تنزيه كلام الله خصوص ا ما دام معناه واضح ا. (الثالثة): مر ض القلب هنا عام في ال س ي و المعنوي ؛ ففي قلوبهم مرض الشكوك و الشبهات الم فس د لعقيدتهم و أخلاقهم، و فيها أمراض حس ي ة من الغ ل و القد الملت ه ب و الغيظ المستمر و نوه، م ا ي سر ع في هلاكهم بإحداث أمراض فاتكة ، ي شه د لها المنقول و المحسوس من تقرير الأطب اء. (الرابعة): جاء في الن صوص ذك ر بضعة و عشرين مرض ا من أمراض القلب المعنوي ة و هي: الر ين، و الز يغ، و الط بع، و الص رف، و الض يق، و الرج ، و الختم، و الإقفال، و الإشراب ، و الر عب، و الق سوة، و الإصرار ، و عدم الت طهير، و الن فور، و الاشمئزاز ، و الإنكار، و الشكوك، و الع م ى، و الإبعاد بصيغة الل ع ن، و التأبي ، و البغضاء، و الغفلة، و الغمرة ، و اللهو، والارت ياب، و الن فاق، و كل هذه تغل ب عليه و تَلب له أمراض ا حس ي ة م هل كة لصاحب ه كما أسلفنا. (الخامسة): سبب الن فاق أغراض نفسي ة تَ يش في الص د ور و ت ن ع أهل ها من قبول الق ، و تدف عهم إلى م عاد اة أهله، و الذي يبث ها و يغذ يها في كل زمان و مكان هي اليهودي ة العالمي ة الم فس دة لكاف ة المجت م عات، و أو ل منشأ للن فاق الم عاد ي للإسلام حص ل في المدينة المنو رة بعد هجرة المصط ف ى  وارت فاع شأن الد ين، ثم إعزازه في "بدر"، أظه ر أحبار يهود الض غائن للرسول  وكان عبدالله بن أ بي بن س ل ول من الخز رج م رش ح ا للزعامة ، فلم ا رأى أن هذا الد ين ي قض ي على آماله الخسيسة حم ل العداو ة ضد ه، وتالأ مع يهود، فأظه ر الإسلام مع

عدد الصفحات ١٣

14 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه ر ه ط من قومه بمشورة يهود ؛ لي سل م من مغب ة الكفر، و يت ف ي أ من الإسلام وأهله ظ لا ظليلا ، فأجراهم الله على ظوا هر هم لئلا يشاع أن نبي ه - عليه السلام - ي قت ل أصحاب ه، و لكن ه فض ح هم وهت ك سرائ ر هم؛ نعمة منه و فضلا على عباده إلى يوم ي بع ثون؛ لأن ه أوض ح أوصاف الم ناف قين الم ط ر د ة فيهم إلى يوم القيامة؛ لأن الأغراض النفسي ة و الم طام ع الد ن يئة لا يلو منها ز مان ولا مكان، و هي التي ت ور ث الن فاق. ومن طب ع المنافقين إثارة الشغب و الق لاق ل بحج ة الإصلاح و الع دالة، وهم لا ي ز يدون الطين إلا بل ة، فإي ك - أي ها المسلم المؤمن - أن تنس ى نعمة الله عليك، فتغفل عن قراءة وحي الله الذي كش ف به أوصاف المنافقين؛ فتكون فريسة لهم ي صاد ر ون عقل ك أو لا ، ثم يلع بون بمقدراتك و يت مال ؤ ون مع اليهود وأعوانهم على م ق د ساتك، و ارج ع إلى التاريخ تَد الغ زاة من عهد "التتار" إلى عهد يهود هذا الزمان لم يج وسوا خ لال الدير إلا بسبب المنافقين أصحاب الم زاع م الخد اعة. (الفائدة السادسة): أطل ق بعض المفس رين المرض الذي في قلوب المناف قين أن ه الظ لمة مستشهد ا بقول الشاعر: في ل ي ل ة م ر ض ت م ن ك ل نا ح ي ة = ف م ا ي س به ا نج م و لا ق م ر وهو قريب من الصواب؛ لأن جميع أسباب الن فاق ناشئة إم ا من ظ لمة الطبع، أو ظ لمة الهوى، أو ظ لمة الطمع، أو ظ لمة حب الرئسة ، أو ظ لمة غيرها من حاجات الن فوس، أو ظ لمة الشبهة ، أو ظ لمة الشهوة ، أو ظ لمة القد و السد و الغواية، أو غير ذلك من الظ ل مات المادي ة التي تَت م ع فتكون ظ ل مات بعضها فوق بعض، و ي شه د لهذا التفسير تثيل الله - سبحانه - لهم في ظ ل مات لا ي بص رون، صم بكم عمي، كما ذك ر ه في هذه السورة ، و كما ذك ر تثيلا فظيع ا لهم في سورة النور ؛ ولذلك إذا عرض لهم زاج ر الدين دف ع ه ما في قلوبهم الم ريضة من ظ لمة الغ واية والهوى و الشهوة، و القد و الأغراض النفسي ة بش تى أنواع الت حر يفات و التأويلات الباطلة التي ت زي نها لهم تلك الظ لمات الراس خ ة في قلوبهم. (السابعة): بما أن الله نف ى عنهم الإيان نفي ا قاط ع ا على الإطلاق م ؤكد ا بدخول الباء في خبر "ما" فقال: ﴿و م ا ه م بم ؤ م ن ين ﴾ [8]؛ أي: بداخ ل ين في جماعة المؤمنين البت ة ، فقد ي ر د هنا سؤال وهو: أن ه فيهم م ن ي ؤم ن بالله واليوم الآخر - م ن هو في أهل الكتاب أو غيرهم - م ن لم ي نك ر توحيد الربوبي ة، أو م ن نش أ في الإسلام و جر ت ه ض غائ نه و أغراضه النفسي ة

عدد الصفحات ١٤

15 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه إلى الن فاق؟ فالجواب: أن اعت قادهم التقليدي الضعيف ليس له أثر في سلوكهم ، فلو مح ص ما في قلوبهم، وع ر ف منشأ الأعمال من نفوسهم، لوجد أن ما ي ق ومون به من أعمال صالة هي ر يء و خ داع ؛ لأن أسباب الن فاق التي ذكرناها ساب ق ا م توف رة في ص د ور هم؛ لذا حص ر الله إيانه م به في مجر د اللفظ باللسان. (الثامنة): هذه الآيت و ما بعد ها مع كونها نعمة من الله على المؤمنين بإخبارهم عن أحوال المنافقين، فإن فيها أيض ا تهديد ا للمؤمنين من سلوك م سال كهم، وأن يغزو قلوبهم من الأنانيات وأغراض النفوس ما ي غمسهم فيما انغ م س فيه المنافق ون؛ في هب طو ا من أرف ع المستويت إلى أحط ها - والع ياذ بالله - ولذا كان الس ل ف الصالح من أشد الناس خوف ا من الن فاق. (التاسعة): في هذه الآيت الكرية ح ض للمؤمنين على الص دق مع الله وتصف ي ة سرائرهم لله ، و حصر إسلام وجوههم لله وعدم التعل ق فيما سو ى الله؛ حتى لا يدب إلى قلوبهم شيء من الأمراض التي تَع ل فيها ظلمات م تاك مة كما أسل فنا ذكر ها؛ فإن المؤمن إذا سع ترت ب العذاب الأليم على الكذب ابت ع د عنه وعن جميع م وج باته، والت ز م الصدق مع الله الذي لا تخ ف ى عليه خافية ؛ فت زداد مراقبته لله وي قو ى إيانه. و قوله - تعالى - في أوصاف المنافقين: ﴿و إ ذ ا ق يل له م لا ت ف س د وا في الأ ر ض ق ال وا إ نم ا ن ن م ص ل ح ون * أ لا إ نه م ه م ال م ف س د ون و ل ك ن لا ي ش ع ر ون ﴾ [11 - 12] أصح ما قيل: إن ه معطوف على قوله: ﴿و م ن الن اس م ن ي ق ول آم ن ا ﴾ [8]؛ لبيان حالهم في اد عاء الإيان وهم كاذبون أو لا ، ثم بيان حاله م في ت اد يهم بالباطل واست مرائهم له ورؤيتهم الف ساد إصلاح ا والصلاح فساد ا، ل م روج عقولهم وفساد تصو رهم ؛ لاعت مادهم على أقوال رؤسائهم من ش ياط ين الإنس، وازد رائهم لوحي الله الكيم . وهكذا شأن كل مفسد يد عي أن ه م صل ح في نفس إفساده، سواء كان إفساد ه عن علم وشعور لض راو ة عداوته للإسلام وأهله، أو كان إفساد ه عن تقليد لر ؤ سائه الر وحاني ين أو السياسي ين، فهو يد عي الإصلاح في كل تا الالتين ت غر ير ا للم نخ د عين بدعايته والمنج ذ بين لخط ته، وتبرئة لنفسه من وصمة الإفساد بالت مو يه والتلبيس والمغالطة. وقد تقد م أن كل م غر ض يس عى لهدم الإسلام وت فت يت عقيدته وتح ط يم أهله، أن ه دائم ا

عدد الصفحات ١٥

16 www.alukah.net النفاق آثاره ومفاهيمه يتدر ع بدعوى الإصلاح ، و العمل على رفع الظلم وإزالة البؤس ، ونشر الرية ؛ يقصد بها الري ة البهيمي ة لي صط اد في الماء الع ك ر، و ليلبس جلود الضأن من اللين، ويفتنهم فيما يبث ه عليهم من ز خرف القول غرور ا، فالمنافقون الأوائل ي ر و ن أفسد الفساد الذي هو الصد عن دين الله إصلاح ا، زاعمين أن هذا الد ين مخ ال ف لتاث الأجداد، و أن ه م ف ر ق للص فوف، و مقي د للنفوس، وقاض على حاجاتها الأ ص يلة فيها... إلخ. كما ي ر و ن الفساد الثان الذي هو م الأ ة الكف ار و موالاتهم من دون المؤمنين إصلاح ا لأحوالهم، و تقوية لروحهم ، ووحدة وطني ة لا يجوز لزاع م ي الد ين أن يتدخ لوا فيها - ولكل قوم وارث ، فمنافقو هذا الزمان ي ر و ن أفس د الف ساد وأكف ر الكفر الذي هو الط عن في الدين، و المناداة و العمل على إقصائه عن الكم ، واستبعاده عن جميع شؤون الياة، و حصره في المسجد فقط، ي ر و ن هذا صلاح ا وإصلاح ا للمجتمع، زاعمين من جهة أن ه طائفي ة وم د ع اة للش قاق، و من جهة أخرى أن ه لا ي صل ح للعصر، ولا ي ساي ر التطو ر، وهذا أعظم طعن ب ناب الله العظيم، وإلاد في أسائه، و تفضيل لخ ط ط هم وآرائهم على حكم الله و مراده . ففي قولهم هذا إنكار لعلمه الواسع المحيط بكل شيء، و تنديد بحكمته و رحمته ، فلم يجعلوا الله عليم ا بما ي صل ح أحوال الناس في كل عصر، ولا حكيم ا ي شر ع لهم ما ي صل ح أحوالهم في كل قطر و زمان ، بل ت اد ى ور ث ة المنافقين في هذا الز مان؛ فزع م وا أن أحكام الله في شرعه قاس ية لا ت ناس ب الإنساني ة، و هذا يقت ض ي أن الله ليس رحمانا ولا رحيم ا؛ لأن شريع ت ه مبني ة على القسوة والخمول لا على الكمة و الرحمة ، فقد ارت ك س وا في أبشع دركات الن فاق غاية الارت كاس، وهم يدر ؤ ون الشنعة عن أنفسهم بدعوى الإصلاح ، في س م ون الخلاعة و مفاسد الأخلاق وإباحة الخمور و بث ها مدنية ، واخت لاط الجنس ين والتبر ج و التهت ك و التعر ي في البلاجات الخليعة و بث د ور المراقص و المسارح ر ق ي ا و م سايرة للركب ، و إباحة الزنا حال الر ضا بتشريع الأنظمة الم عف ية لأهله من إقامة حدود الله، وبث سائر أنواع الفحشا ء و المنكر حضارة وتطو ر ا، فير و ن أنهم م صل حون بلب كل مفسدة، واست حسان كل مفسدة، وتأييد وحماية كل مفسدة؛ تس ك ا بما ي راه رؤ ساؤهم، أو تقليد ا لأساتذتهم والمطبوعين بهم من الكفر، فاق د ي العقيدة الصحيحة و الأخلاق الفاضلة، وهم في القيقة م فس دون؛ و لهذا ابت د أ الله الكلام الم ؤك د لإثبات إفسادهم بكلمة "ألا"، التي هي أداة للتنبيه والإيقاظ و توحيد الأنظار ، و اهتمام المتكلم بما ي ك يه بعد ها؛ فقال - تعالى -: ﴿أ لا إ نه م ه م ال م ف س د ون ﴾ [ 12].

عدد الصفحات ١٦