97 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم وهو خاضع لمراقبة الجماعة. لكن ما يميّز المجتمع المسلم، أنّه يُبنى وفق منهج ربّانيّ بالغ الحكمة، فيه من الثّوابت الّتي تجعله مجتمعا قويّا سليماً مترابطًا متراحمًا يراعي كلّ أفراده ويرعى مصالحهم، وأفراده يبذلون كلّ ما يملكون للحفاظ عليه وعلى مقدّراته. وبناء القرآن لفكرة الجماعة، وتثبيت صورتها في نفس المؤمن، يتحقّق من خلال تلاوته وتعلّمه وتدبّره لهذا الكتاب العظيم، الّذي ارتضاه خالق الكون هاديًا حقيقيًّا للبشريّة جمعاء، يرجعون إليه في سائر شؤون حياتهم، فها هو في بنائه المتمثل بحروف هذه اللغة العظيمة المختارة المصطفاة، تمتزج هذه الحروف الضّعيف مع القويّ، يشكّلان نسيجًا رائقًا قويًّا، متناغماً، كل حرف في مكانه يؤدّي دوره بإبداع وإقناع وإمتاع، وكلاهما يوصل رسالة: الضّعيف شأنه شأن القويّ، كما هو الحال مع الإنسان إذا أدّى دوره المناسب، وبحسب طاقته وإمكاناته وما يحمل من صفات أسهم بالبناء، وامتاز البناء بالقوّة والتّماسك والجمال والرّوعة والإبداع، فالضّعيف له مكانه المناسب كما هو الحال مع القويّ. إنّ القرآن في اللغة: مصدر قرأ، وقرأ تأتي بمعنى الجمع والضّم، والقرآن سمّي بهذا الاسم؛ لأنّه يجمع السور والآيات والألفاظ والحروف، والقصص والأحكام والأوامر والنّواهي، وبالإضافة إلى ذلك كلّه، فإنّه
عدد الصفحات ٩٧98 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم أنه قال ﷺيجمع القلوب ويؤلّف بينها، جاء عن نبيّنا ففي هذا الحديث إشارة )١(ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه صريحة إلى أنّ القرآن سبب في الاجتماع وتأليف القلوب، فإذا لم تتحقّق هذه النّتيجة للقرآن الكريم، ودبّ الخلاف وتنافرت القلوب فقوموا واتركوا المجلس، لأنّ القرآن لم ينزل لهذا، إنّما نزل ليحقّق الاجتماع ويؤلّف القلوب، ويجمع الكلمة ويوحّد الصّف، وتعلّم القرآن وتلقّيه لا يكون إلا . )٢(بالاجتماع، وقد جاءت النّصوص تشير إلى ذلك أهمّر مقوّرمات بناء ونجاح مؤسّرسات المجتمع من أهمّ مقوّمات بناء المجتمع الّتي يؤصّلها القرآن في النّفوس، ويبثّها ثقافة ثابتة وعقيدة راسخة في قلوب المؤمنين، ليحملوا لواء البناء والتّطوير والإبداع، ويستفاد ذلك من تلاوته وحسن فهمه: أوّرلا: العدل إنّ الأصل في العلاقات بين البشر أن تعود على أبناء المجتمع الواحد بالطّمأنينة والسّعادة، وحتّى يتحقّق لهم ذلك، لابدّ لها من ضابط يضبطها، ولا تترك لأهوائهم ورغباتهم وذوقيّاتهم، فإنّ النّفس البشريّة مجبولة على ).060) حديث رقم٤٢١/9 صحيح البخاري)١( ).699) الحديث رقم88/6 انظر صحيح مسلم)٢(
عدد الصفحات ٩٨99 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم حبّ ذاتها وشهواتها، ولذلك جاء التّشريع ليحكم تصرّفات النّاس بالعدل، فيعطي كلّ ذي حقّ حقّه، ويحاسب النّاس على ما ملكوا حقّ التّصرف فيه، وتمكّنوا منه، وأوكل إليهم، ويجازيهم بحسب ما عملوا، فقد ساوى ربّنا- سبحانه وتعالى- بين عباده بالتّكاليف، والأحكام والتّشريعات، لكنّه عدل في حكمه فيهم بأن كلّف كلّ نفس ما آتاها، وكلّف كلّ نفس وسعها، فيكون حسابه لكلّ إنسان بحسب طاقته وإمكاناته، وهذا لكمال عدله- سبحانه-، كما أنّه أعدّ الثّواب والعقاب لعباده بحسب أعمالهم، وبحسب إحسانهم وإساءتهم، ولكمال عدله -سبحانه- فقد مّيز بعضهم عن بعض في الدّرجات والدّركات كلّ بحسب عمله. تأصيل العدل في نفوس المؤمنين إنّ المتأمّل بتلاوة القرآن يجد أنها تؤصّل للعدل في نفوس المؤمنين، فقارئ القرآن يعطي كلّ حرف حقّه ومستحقّه من الصّفات اللازمة والصّفات العارضة، فيتقرّر خلق العدل مع كلّ حرف من حروف هذا الكتاب العظيم. وكذلك فإنّ الخطاب القرآنيّ اهتم اهتمامًا عظيماً بهذا المبدأ الذي به قوام المجتمع، فجاءت النصوص تأمر بهذا السّلوك وتحثّ على الالتزام به من قبل جميع المخاطبين، فالله -تبارك وتعالى- قد وضع العدل وأثبت موازين الأشياء، لتوزن جميع الأشياء بالحقّ والعدل.
عدد الصفحات ٩٩100 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﱫقال -تعالى-: .]9 - 7[ ﱪﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ وقد ذكر الميزان لزيادة العناية، والتّوكيد على تطبيق العدل، وذلك بذكره وهو آلة محسوسة به تقدّر الأشياء، فجعله حكماً على الأمور الباطنة؛ كما هو أصل في الحكم على الأمور الظّاهرة المحسوسة، وتكرار ذكر الميزان توكيد على فعل هذه الآلة من إقامة العدل بالوزن، والله- سبحانه وتعالى -قد جعل العدل في السّماء فانتظمت الحركة فيها، وكذلك فقد جعل الله العدل في الأرض بشرعه- سبحانه-، لتنتظم حياة الخلق وفق هذا الشرع المحكم، فلا يصحّ بالحكم غير هذا الشرّع المُحْكَم، ولا يحُاد عنه بحال، فالذي أحكم السماء وضبط حركتها وأقام فيها العدل؛ هو الذي شرع لعباده في الأرض ما يحكم حياتهم ويقيم العدل بينهم ويضبط حركتهم بدقّة وإحكام، والقرآن العظيم في هذه الدّنيا هو الحكم، وهو الميزان الذي توزن به جميع الأمور الظاهرة والباطنة. فالعدل قوام المجتمعات، به تقوم، وبه تقوى وتدوم، فيه إنصاف لكلّ الأفراد، بأن يأخذوا ما لهم ويؤدّوا ما عليهم، فيشعر كلّ فرد بحقيقة انتمائه لمجتمعه، ولزوم دفع عجلة تقدّمه وتطوّره ونهضته، إيمانًا بالعلاقة العميقة الوثيقة، وإحساسًا بالمسؤولية تجاه الجماعة، وثقة بأنّ الحقوق محفوظة، توزّع وفق مكيال دقيق يحفظ لكلّ فرد حقّه مهما كان مستواه
عدد الصفحات ١٠٠101 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم الاجتماعيّ، ومهما صغر أو كبر، بل ويحفظ حقوق كل من عاشوا في كنفه وإن لم يكونوا من أتباع ديانته بلا حيف، ومجتمع هذا حاله يكون مجتمعًا مميّزًا بتماسكه، يوصف بالرّقيّ، لأنّه في تطوّر مستمرّ، فأفراده ينعمون بعدله، ويتمتعون بخيراته، فتصبح علاقتهم معه علاقة الأبناء مع الأمّ، يبادلونه وفاء بوفاء وحبًّا بحبّ، فيحرص كل فرد من الأبناء على بناء مؤسّسات مجتمعهم بناءً قويًّا متقنًا، ويحرصون على تطويرها وتحسين داء فيها، فالأمّ للأبناء بالرّعاية والعطاء، وهم لها بالوفاء والبناء، وفي الأ هذه الحالة يقدّم المجتمع دعوة عمليّة سلوكيّة لهذا الدّين، فيرغّب غير المسلمين بالالتحاق بهذا النّموذج الحيّ الراقي. ثانيًا: الرّرحمة إنّ هذا الخلق أساس في بناء المجتمعات، والقرآن يؤصّل هذا الخلق في نفوس أتباعه. الرّرحمة خلق أهل القرآن ويتحقّق واقعًا مفهوم هذه الصّفة بشموليّتها، من خلال التّعامل مع كتاب الله -تعالى- بحيث يستشعر المتلقّي ابتداءً أنّ القرآن كما يطهّر النّفس من خبيث الأخلاق وسيّئها، فإنّه يؤصّل في النّفس أطيب الأخلاق وأحسنها، فمجرّد تلاوة القرآن ترقّق القلب، وتزرع فيه الرّقّة والرّحمة ولين الجانب، وتالي القرآن يفتتح كلّ سورة بذكر هذه الصّفة، وهو الذي
عدد الصفحات ١٠١102 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم يتأثر بهذه الصّفة أشدّ تأثّر فهو الربّانيّ الّذي يحرص على أن يتأدّب بالأدب الربّانيّ والرّبّ -سبحانه- يؤدّب عباده على ضرورة لزوم الرّحمة بكثرة تكرار ذكرها بالفاتحة وعند افتتاح أيّ سورة. ب مع كلام الله -تعالى- بحيث يربط جانب الرّحمة عند ويُراعى الأد ذكر الله -تعالى- أو ذكر ضمير عائد عليه، فأهل القرآن يروا ضرورة ذكر البسملة عند تلاوة الآيات التي تُستهلّ بلفظ الجلالة أو ذكر ضمير عائد ﮣ ﮤ ﮥ ﱫعليه، فقد كان الشّاطبي يأمر بالبسملة بعد الاستعاذة في قوله: ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﱪﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تخَْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ ﱫ وقوله: ]٥٥٢[ أَكْماَمِهَا وَمَا تحَْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شرَُكَائِي . )١( ونحوه]7[ ﱪقَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ حاجة المجتمعات إلى الرّرحمة وللرّحمة حقّ الابتداء والاهتمام، لأنّ الخَلْق يحتاجونها كحاجتهم إلى الماء والهواء، وخصوصًا عند اجتماعهم وتعاملهم، فالرّحمة من أهمّ ابن الجزري، محمد بن محمد بن محمد أبو الخير ابن الجزري العمري الدمشقي، النّشر في )١( ).66/١القراءات العشر، المطبعة التجارية الكبرى، تحقيق: عل محمد الضباع، (
عدد الصفحات ١٠٢103 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم المرتكزات الّتي تقوم عليها المجتمعات، فاجتماع النّاس يحتمل وجود أشخاص متفاوتون بالقوّة والضّعف، والسلطان والجاه، فلو انتزعت هذه القيمة من نفوسهم لأكل القويّ الضّعيف، ولطغى وتجبرّ صاحب السلطان. ذكر مثال من القرآن يحثّر على الرّرحمة مع ذكر أقوال المفسرين إنّ خلق الرّحمة بهذا الاهتمام المميز به، يحتاج إلى مزيد تأمّل للآيات التي أمرت به وحثّت عليه. ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﱫ .]٢١[ ﱪﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ إنّ في هذه الآية من أسباب الاستعطاف والتودّد، ما يجعل العباد يتأمّلون في حقيقة هذا الخالق العظيم الذي ملك السماوات والأرض وخضعت لجبروته وقهره، لا يتحرك فيهما متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، لكنّه يستعطف قلوب العباد الّذين أمكنهم من أنفسهم بإرادة أودعها فيهم، ولكن حثّها ووجّهها لاستقبال الحقّ منه، واتّباع رسله الذين يرسلهم برسالاته رحمة بالعباد، يرشدونهم ويهدونهم سواء السّبيل، والذي لايستقبل هذا الهدى ويعرض عنه يمهله ويترك له الفسحة ليعود إلى الحقّ ويلزم طريقه، لأنّه نجاة في الدّارين. إنّ في هذه الآية من البشارات ما تجعل المؤمن يحيا حياة البِشرْ والأمل،
عدد الصفحات ١٠٣104 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ويبتعد عن حياة القنوط والقلق، فلماّ كان هؤلاء من المؤمنين ووقع منهم ما وقع من الإساءة، في حال تلبسهم بأفعال السّفاهة كحال الجاهل بالنّتيجة والمآل، كان من الله -تعالى- الرّحيم أن طلب إلى نبيّه الكريم أن لا يعرض عنهم، بل يقرؤهم من الله السلام، وكفى بهذا باعثا على الاطمئنان، والبشارة منه- سبحانه-، إلا أنّه - تبارك وتعالى-، أضاف يذكرهم ويطمئنهم أيضًا بأنّه -سبحانه- قد أوجب على نفسه الرّحمة، وإذا كانت هذه الرّحمة مصروفة للخلق أجمعين، فإنّ المؤمنين به -سبحانه -العاملين بطاعته والحريصين على عبادته، هم أولى الخلق بهذه الرّحمة. الاجتماع على القرآن يستجلب الرّرحمة إنّ صاحب القرآن يعيش كلّ هذه المعاني مع قرآنه، فبتلاوته يلين قلبه، تسكن نفسه، يطمئنّ لكلام الخالق، تنبعث فيه كلّ معاني الرّقّة والرّحمة التي انسابت إليه من كلام ربّه -سبحانه وتعالى- الّذي يرقّق القلوب، ويبعدها عن القسوة والغلظة، ومجالس القرآن بما يسمّى: حلقات التحفيظ، أو مراكز التحفيظ، ومواطن تدارس القرآن بشكل عام، بيئة خصبة لهذه الصّفة الربّانيّة المباركة، فباجتماعهم على كتاب الله- تعالى- يتلونه ويتدارسونه ويتعلّمونه، ينغمسون فيها، فقد شكّلت عليهم غطاء يحتويهم، كما أن حضور أهل الرّحمة من الملأ العلويّ من الملائكة، يزيد في استمطار الرّعاية والرّحمة لهذا المجلس المبارك المشهود.
عدد الصفحات ١٠٤105 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم تخلُّق طلاب حلق القرآن ومجالس التّردارس بالقيم والمبادئ إنّ هذه الحلقات واجتماع الدّارسين فيها، صورة مصغّرة للمجتمع الكبير، ففيها يتربّى المتلقّي على القيم والمبادئ، ويتخلّق بأخلاق هذا القرآن العظيم التي لا يستغني عنها المجتمع الكبير بمؤسّساته وأفراده. وإنّ مؤسّسات المجتمع لا تقوم إلا بوجود هذه الصفة في مؤسّساتها، فكم من أفراد المجتمع إن لم تكن هذه الصّفة ركيزة من ركائزه ضاعوا وفسدوا، إمّا أنهّم هلكوا أو أنهّم أصبحوا عالة وقذرًا وخطرًا على مجتمعهم، فالمجتمع إن لم تكن هذه الرّكيزة وغيرها من الرّكائز المهمّة متحققةٌ فيه، فإنّه يدفع ضريبة التقصير بإيجادها والتّحل بها والعمل بموجبها، لأنّ الحكيم- سبحانه- حينما يأمر الخَلْق بخُلُق ويوجّههم لسلوك، فإنّه يأمرهم ويدلهّم على ما يعود بالنّفع عليهم في حياتهم الدّنيا قبل الآخرة. فإنّ في المجتمع أيتاما ومساكين، وأرامل، وشيوخًا، ومرضى ومعاقين وأصحاب عاهات، إلى غير ذلك ممّن لا يتمكن أن يستمر في حياته كما يجب إن لم يجد العطف والرّحمة من قبل المجتمع الذي يعيش في كنفه. إنّ أولى النّاس بهذا الخُلُق، وأكثرهم تأثّرًا به هم أهل القرآن، الذين رقّت قلوبهم وخشعت لكلامه- سبحانه وتعالى-، ويتمثل أهل القرآن هذا الخلق في حلقات القرآن، حيث تجدهم أرقّ النّاس قلوبًا، وأطيبهم نفسًا، وألينهم جنبًا، ويظهر ذلك جليًّا في تعايشهم مع بعضهم
عدد الصفحات ١٠٥106 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم بعضًا، ومع من يعاملونهم، يستمدّون ذلك من معايشتهم لكتاب الله- تعالى- . فإذا كان المؤمن يرقّ قلبه بسبب الإيمان، حيث لا اجتماع بين القسوة والإيمان، فإنّه مع القرآن أكثر رقّةً، وأبعد ما يكون من القسوة والشدّة. لذلك كانت الرّحمة أقرب ما تكون من أولئك القوم الذين اشتغلوا بالرّحمة (كتاب الله)، وخضعوا للرّحمن، وتغنّوا باسميه (الرّحمن الرّحيم)، ، بعكوفهم على كتاب الله- تعالى-، فيتربّون ﷺ واقتدوا بالرّحمة المهداة عليه، كما يبثّونه في نفوس المتعلّمين قولا وفعلا، حيث يمثلون القدوة بتطبيقه، فيرفدون المجتمع بشكل عام بالرحماء الذين يحيون هذا الخلق حياة مع كلّ الخلق: (الإنسان- كل إنسان-، والحيوان، والنّبات، والجماد)، ويرفدون مؤسّسات المجتمع بشكل خاص، بالكوادر المؤهّلة الرّحيمة العطوفة. ثالثًا: تهيئة الظّرروف للإبداع ودعم المبدعين إنّ المؤسّسات واجهة المجتمعات، وبقدر ما تتقن المؤسّسات عملها، بقدر ما تعطي صورة مشرقة عن مجتمعها، وإنّما تتمايز المجتمعات من حيث الأفضليّة، بقدر ما تؤمّنه لأتباعها من العيش الكريم، وبقدر ما تقدّمه مؤسّساتها من خدمات متميّزة لأبناء المجتمع، ولكلّ من عاش في كنفه.
عدد الصفحات ١٠٦107 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم وكلّ ما امتاز مجتمع بخدمات أكثر تحضرًّا، وفيها من الإبداع والتطوّر، كان الأفضل والأميز، وأصبح أنموذجًا يحتذى به، كما أنّه يصبح محلّ رغبة النّاس للعيش فيه. ومجتمع هذا حاله، فإنّ مؤسّساته بحاجة إلى أن تكون مميّزة بكوادر تمتاز بقدرات وطاقات ومواهب، قد تمّ إعدادها إعدادًا مميزًا، كما تمّ الاهتمام بما تحمله من مواهب، فوُجّهت التوجيه المناسب لها، كما يتمّ دعمها من قبل قيادة المجتمع. المجتمع الأنموذج الرّراقي الأفضل الذي أسّسه في المدينة، أفضل مثال ﷺولنا في مجتمع النّبيّ الكريم على هذا المقال، فقد كان المجتمع المثاليّ الذي لم ترَ الدنيا مثله، حيث تمّ تأسيسه وفق منهاج الله- تعالى-، وتمّ بناؤه بإشراف المبلغ عن الله- تعالى- مؤيَّدا بالوحي، فكان الأنموذج الفريد للمجتمع الربانيّ الّذي أراد الله له في قيادته ما جاءه من التوجيه، وما ﷺأن يكون، وقد مارس نبيّ الهدى أرشدته إليه آيات الذّكر الحكيم، التي أنزلها الباري- سبحانه- منهاجا بالقرآن، ووظّف هذا الخُلق في دعوته ﷺودستورا للعالمين، فقد تخلّق وقيادته، ومعاملاته، وسائر شؤون حياته. ، قد خُصّ بأنّ الوحي يوجّهه ويسدّده، إلا ﷺومع أنّ النّبيّ الكريم أنّه القدوة، فلذلك مارس كلّ ما يحتاج الإنسان أن يمارسه، ليكون قدوة
عدد الصفحات ١٠٧108 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم لجميع أفراد الأمّة، فقد مارس دور الزّوج والأب وابن العشيرة والرّحم والآخذ، والمقاتل والمعاهد، والبائع والشّاري والمعلّم والمتعلّم، والمعطي والرّاهن... إلى غير ذلك من الأمور، ليكون قدوة للجميع -صلوات ربيّ وسلامه عليه- . وعند الحديث عن أنّ خلقه القرآن، ذلك أنّه كان يتعلّمه ويفهم الخطاب عن ربّه، ليؤدّي دور الدّاعي إليه، ويقوم بذلك أحسن قيام، وعلى الوجه الذي يرضي الله- تبارك وتعالى-، فكلّما تلقّى عن الله- تعالى-، ازداد ﷺعلماً وازداد ثباتًا، ووجد نفسه يحيا مع هذا القرآن، يحياه بفكره وبفهمه ويتطوّر بفضل القرآن يوما بعد يوم، فكلّما جاءه توجيه من الله- تعالى- التزمه وعمل بمقتضاه، فهو في تطوّر مستمرّ. على ﷺ من أصحاب المواهب والإبــداع، ربّاهم ﷺوفي مجتمعه عينه، وما زال يوجّههم ويرعاهم، ويشجّعهم ويحفّزهم للارتقاء بمستوى الإبداع كلٌّ بحسب تخصّصه الذي أبدع فيه. فمنهم من أبدع بالرّأي والمشورة، ومنهم من أبدع بالشِّعر، ومنهم من أبدع بالدّعوة، ومنهم من أبدع بقراءة القرآن، ومنهم من أبدع بالحفظ، ومنهم من أبدع بالفهم والاستنباط، ومنهم من أبدع بالقيادة، ومنهم من أبدع بالإمامة، ومنهم من أبدع بالكتابة، ومنهم من أبدع بالإمارة، ومنهم يدرك مدى اهتمامه ﷺوهكذا، والمتتبّع لسيرته من أبدع بالتّجارة...، ورعايته للمبدعين.
عدد الصفحات ١٠٨109 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم إعداد النّربيّر ﷺ للنّرخب التي تبني المجتمع الاقتداء والتأسّ، حيث إنّ القائد الفذّ يحرص ﷺيُستفاد من سيرته على تميّز أتباعه، ومن يقومون ببناء مؤسّسات مجتمعه، فقيمته ومنزلته بين المجتمعات تعتمد على نجاح مؤسّسات بلده وتطوّرها، وقيامها بدور متميّز. فقد تلوّنت أشكال المواهب والإبداع في المجتمع الذي قاده النّبيّ الكريم المسدّد، وقد اهتمّ النّبيّ الكريم- صلوات ربيّ وسلامه عليه- في تأصيل كلّ شكل من أشكال الإبداع في نفس صاحبه، وتحفيزه لمزيد الاهتمام بهذه الموهبة، وليكون مختصّا في هذا الإبداع. ذكر نماذج من المبدعين في عهده ﷺ معاذ بن جبل -رضي الله عنه- إنّ ممّن أبدع في تلاوة كتاب الله، وتولىّ توجيه وتنمية إبداعه رسول الله الصحابيّ الحبيب الأريب المبارك: معاذ بن جبل الخزرجيّ الأنصاريّ، ﷺ هذا الصحابيّ الجليل يعدّ من رجالات الدّولة الّذين أعدّهم النّبيّ الكريم ، لحمل مشروع الأمّة، ولقيادة وتطوير مؤسّساتها. ﷺ
عدد الصفحات ١٠٩110 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم زيد بن ثابت- رضي الله عنه- أحد رجالات الدّولة، ومن أعيانها، تربّى على القرآن، ونضج معه آية آية، وقد تميّز بالضّبط والإتقان حتّى كان مبدعا من المبدعين الذين تربّوا على مائدة القرآن، ونضجوا مع آياته، وارتقوا علما وفهما وذوقا، فكان- رضي الله عنه- حافظا ضابطا، وكاتبا متقنا، وترجمانا حاذقا، بامتياز. ولا غرابة إذا أعدنا هذا الضّبط والإتقان إلى تأثّره بكتاب الله - تعالى-، وأنّه سببٌ لما اتّصف وتميّز به هذا الصّحابي المبارك، فقد بلغ من تأثّره بالكتاب الكريم مبلغا عظيما. له موقف مميّز مع قضيّة الخلافة، وموقفه ذاك لا يصدر إلا عمّن تمكّن الفقه بين جنبيه، ووعى مصلحة الجماعة، وما يعود عليها بالنفع. عبد الله بن عبّراس -رضي الله عنهما- هذا الإمام الحبر الربّانيّ القرآنيّ، الذي تربّى على القرآن وحبّه، وأبدع في العلم وحسن الفهم، وقد نال رعاية وعناية خاصّة كريمة من المعلّم الأسوة- صلوات ربيّ وسلامه عليه- ، فقد تعاهده منذ نعومة أظفاره، فما يزال يوجّهه ويحفّزه، حيث أتحفه بتوجيهات كريمة ونصائح عظيمة خصه بها- رضوان الله عليه-، كما أكرمه بدعوات خاصّة، تحفّزه للإبداع بالجانب الذي كان لديه الملكة والموهبة للتّميز فيه.
عدد الصفحات ١١٠111 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم في ﷺوقد تأثر -رضي الله عنه- منذ صغره باسلوب النّبيّ الكريم تعامله مع القرآن العظيم. اهتمام رأس الدّرولة بالمبدعين وقد اهتمّ الخلفاء الرّاشدون بهؤلاء الخيرة المبدعين، واستمرّ نفعهم وتسخير إبداعاتهم خدمة لمجتمعهم لمّا اهتمّت الدّولة بهم، فالقاضي المتقن المبدع في قضائه؛ لم يحُرم المجتمع من علمه وفقهه، والذي امتاز بالطّباعة والترّجمة استمرّ خيره، وعمّ نفعه، فكلّ رأسٍ للدّولة يوكل إليه هذه الوظيفة، وهو يزداد تألقًا وإبداعًا؛ وتميّز بمواقف جريئةٍ موفّقة خدمت الأمّة وقضاياها الهامّة، والمفسّ المتقن استمرّت رعاية الدّولة له واهتمّت بإبداعه، ودعمت مواقفه التي أسهمت في الحفاظ على مصلحة الجماعة. والجامع المشترك بين هؤلاء جميعًا: إقبالهم على كتاب الله- تعالى-، .ﷺورعايتهم من قبل رسول الله وأريدَ لهم أن يكونوا حاضرين في المواقف التي يتصدّى لها العظماء، الذين تمكّنوا ممّا يدعون إليه ويدافعون عنه. والمجتمع حتّى يحقّق الرقيّ وينهض بمسؤولياته تجاه أبنائه، لا بدّ أن يُبنى على المؤسّسات، التي تُبنى بالكوادر والكفاءات من أبناء المجتمع، فيأخذون مواقعهم في الدّوائر التّابعة لهذه المؤسّسات يخدمون مجتمعهم، يلبّون حاجته من البناء والخدمة والحماية والتطوير، فإذا كان صاحب
عدد الصفحات ١١١112 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم المسؤولية في مؤسّسته أو دائرته، يدرك أنّه صاحب أمانة، وأنّه موجود لخدمة أبناء مجتمعه، فالمراجعون للدّوائر والمؤسّسات، هم أصحاب حاجة، ويطلبون خدمة الموظفين هناك، والموظّف وُجد لخدمتهم، فإن كان هذا الموظّف قد رُبيِّ على مبادئ القرآن وتوجيهاته وهداياته، فاكتسب الإتقان، واندفع نحو الإبداع، وعرف عظم قيمة العدل، وخشي الميل عنه ونفر من الحيف والجور، ولو كان المراجع وصاحب الحاجة من ذوي القربي، وكذلك إذا تحلىّ بالرّحمة وأَلان جانبه للخلق، أدّى الخدمة المرجوّة منه، والتي أُسندت إليه مهما صغرت أوكبرت خير أداء، وقام بواجبه أحسن قيام، فتحقّق المؤسّسة بهذا النّوع المميّز من الكوادر معنى وجودها، فتسهم في خدمة المجتمع، وتشترك مع باقي المؤسسات في نهضته ورقيّه. إنّ القرآن قد سبق العلم الحديث فيما يسمّى بالتخطيط والإدارة، الذي يتغنّى النّاس به في هذه الأيّام، فالقرآن تربيته تربية عمليّة مادّيّة تعتمد على القيمة الروحيّة، لترتبط حركة الإنسان في هذه الدّنيا بالقيم الروحيّة التي ﱪﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﱫتُعد منطلقًا لكلّ التصرفات .]٢[ فالقرآن يؤصّل في نفوس أتباعه حسن التخطيط، وإدارة الذّات، وإدارة المهماّت، وصحّة المدخلات، للوصول إلى صحّة المخرجات.
عدد الصفحات ١١٢