المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم

محمد بن أحمد البدور

صفحة ٦ من ٨

81 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم القويّ العزيز، من انتسب إليه لايذلّ ولا يضعف، والعاقل من جعل ولايته للأقوى. وفي نسبة الولاية لله- تعالى -خاصّة، تعظيمٌ لشأن هذه الولاية، قال أبو السّعود في تفسيره لهذه الآية وإثباتًا لغَلَبتهم بالطّريقِ البرهانيِّ كأنّه قيلَ ومن يتولى هؤلاء فإنهّم حزبُ . )١(الله وحزبُ الله هم الغالبون ويكفي من انتسب إلى هذا الحزب شرفًا، هذه التسمية ولا يخفى ما في هذه الآية من البشارة، حيث إنّ الغلبة نتيجة لهذه الطّاعة، وتوليّ حزب الله. إنّ شعيرة الولاء تحقّق الاجتماع ووحدة الصّف في أمّة الإسلام، فهي في الله ومن أجل الله الواحد الأحد -سبحانه-، فهي اجتماع لكلمة الجماعة، فيتكاتفون ويتعاضدون، فيقوى بأسهم ويُمكَّن لهم، فالاجتماع سببٌ للقوّة والتمكين. وهو اجتماع يمتاز بأنّه الأفضل والأرقى، لاقترانه بالحبّ والتأييد والنّصرة، فيسهم باجتماع الأمّة، ونبذ الفرقة، والّذي يصبّ في مصلحة نهضتها ورقيّها، والتّمكين لها. أبو السعود، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي التركي، إرشاد العقل السّليم إلى مزايا )١( ).3/3الكتاب الكريم، دار إحياء التراث العربي بيروت،

عدد الصفحات ٨١

82 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم البراء: إنّ البراء يختصّ بأعداء الله ورسوله والمؤمنين، وإمام هؤلاء ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﱫالأعداء جميعًا هو الشّيطان، قال -تعالى-: تقرّر هذه الآية حقيقة ]60[ ﱪﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ العلاقة بين المؤمنين، وبين الشّيطان، كما تبينّ عداوته الّتي يجب أن يوصف بها، ليُحذر منه ومن كيده. تحقيق متعلّرم القرآن البراء تطبيقا عمليًّا بفضل تلاوته إنّ متعلّم القرآن يحيا هذا البراء تطبيقا، فهو يفتتح تلاوته بالاستعاذة، حيث يبدأ أوّل ما يبدأ في تلاوته بالتعوّذ من هذا العدوّ الماكر، فيلوذ بالله، ويلتجئ إليه من شرّه وكيده ومكره، كما أنّ قراءة القرآن حصنٌ من هذا العدوّ، ونجاةٌ منه، فقراءة القرآن فيها من التجليّات والبركات، وتحضرها الملائكة للاستماع وصالحوا الجنّ، فإنّ الشّيطان يخسأ مع هذا كلّه، ويضيق المكان عليه، ولا يستطيع مزاحمة جموع الخير، ودلّ على هذا وعلى صفته ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﱫفي حال الذّكر، قوله -تعالى-: ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ فهو الذي ]6- ١[ ﱪﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ يوسوس حال الغفلة، وإذا جاء الذّكر خنس، ولا يخفى ما للقرآن من فضل على سائر الذّكر، ولذلك رتّب الشّارع الحكيم عليه وعلى مجرّد تلاوته الأجور العظيمة.

عدد الصفحات ٨٢

83 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم إنّ قيمة الولاء والبراء أصلٌ في تماسك المجتمع، وترابط أبنائه، وتوحيد صفهم، ممّا يجعله مجتمعٌا قويًّا متماسكًا، يتعاضد أبناؤه، يتعاونون، يسهمون في بناء ورقيّ مجتمعهم. والّذين يستقون هذه القيم بتأثّرهم بالقرآن وبما يوجّههم إليه، يؤصّلها في نفوسهم، بحيث يجعلهم القدوة في هذه الشّعيرة، والأكثر عملا بهذه القيمة. خامسا: الحياء إنّ هذه القيمة فيها من أسباب حفظ المجتمع، ما لا يعلم حجم هذا الحفظ إلا الله. ـ الحياء يورث رقّرة في الطّربع إنّ من تحلىّ بالحياء يكتسب رقّة في طبعه ويلين بجانبه للآخرين، ويمتاز بالتّغافل، فيغضّ الطّرف عن الكثير من الإساءة والأخطاء الّتي يحُْدِثُها من يعاشرهم في حقّه. وبالمقابل فإنّه يتجنّب الغلظة والجفاء، ولا يخفى ما لهذا الخلق السيّئ من أثرٍ على تقطيع الأواصر، وانتشار البغضاء والأحقاد بين أفراد المجتمع. ـ الحياء يضفي زينةً وجمالا على صاحبه إنّ الحياء صفة جماليّة للإنسان، يضفيها على صورته الظّاهرة فضلا

عدد الصفحات ٨٣

84 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم عن صورته الباطنة، والحييّ شخص يؤنس به، لجمال خاصّ وزينة مميّزة يمتاز بها عن غيره من النّاس. فهو وإن كان جمال في ذاته، وزينة بنفسه، فإنّه يبعث على فعل الجميل، والتزيّن بالصّفات الحميدة. ـ الحياء سببٌ لفعل الصّرالحات وترك المنكرات في هذه الفضيلة حثٌّ على الطّاعة وأعمال البرّ، كما أنّه يبعث على ترك المعاصي وأعمال الشرّ، فهو قرين الإيمان، والإيمان مجمع كلّ الفضائل، ومنفّر من كلّ الرّذائل. قال ابن القيم يُؤدَّ أمانة، ولم يُقضَ لأحد حاجة، ولا تحرّى الرجل الجميل فآثره والقبيح فتجنّبه، ولا ستر له عورة، ولا امتنع من فاحشة، وكثير من الناس لولا الحياء الّذي فيه لم يؤدّ شيئا من الأمور، المفترضة عليه ولم يرْعَ لمخلوق حقًّا .)١(ولم يصل له رحمًا ولا برّ له والدًا ـ الحياء خلق مكتسب لصاحب القرآن والحياء خلق مكتسب لمتعلّم القرآن الّذي يجلس بين يدي الشيخ، فإنّ هذه الخصلة تضاف إلى منظومة الأخلاق الّتي يكتسبها متعلّم القرآن من ).78/١ مفتاح دار السعادة ()١(

عدد الصفحات ٨٤

85 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم خلال هذه المجالس، فإنّ حامل القرآن تأسره هذه القيمة، فتحجزه عن كلّ ما يشين وما لا يليق بمن يتشرّف بالانتساب إلى كتاب الله- تعالى-، حيث يتمثّل هذه القيمة عند كلّ حسنة فيبادر في فعلها، وعند كل سيّئة فيحجم وينفر منها، فلا يليق بمن أكرمه الله -تعالى- بهذا الشرّف أن يكون متواجدا إلا في مواطن البرّ، ومواقف المروءة، ويمنعه الحياء من الله- تعالى-، ومن كلامه المبارك الذي يتغنّى به ويحياه ويأنس به ويتبارك به، ومن عباده الّذين عرفوه أهلا للقرآن، أن يتواجد في مواطن المعصية والرّيبة، ومواقف الخزي والخسّة والخيبة. فإذا مرّ قارئ القرآن متأمّلا بالآيات الّتي تحضّ على هذه الفضيلة، كانت مدعاة له لأن يتخلّق بهذا الخلق، استجابة لتوجيهات هذا القرآن العظيم، من هذه الآيات: ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﱫقوله -تعالى-: .]08[ ﱪ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ في هذه الآية ذمّ لمن جعل الله- تعالى-، أقلّ النّاظرين إليه، ذلك أنّه قدّم الحياء والخوف من مذمّة النّاس أو أذاهم، على الحياء والخشية من الله ابه- سبحانه- .-تعالى-، ومن غضبه وعق ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﱫقال النّسفي في تفسيره لهذه الآية: .ﱪﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ

عدد الصفحات ٨٥

86 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم حياءً منهم وخوفاً من ضررهم }مِنَ الناس {يستترون}يَسْتَخْفُونَ { وهو عا }وَهُوَ مَعَهُمْ {ولا يستحيون منه }وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ا { بهم مطّلع عليهم لا يخفى عليه خافٍ من سرّهم وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلّة الحياء والخشية من ربهم مع علمهم أنهّم في .)١(حضرته لا سترة ولا غيبة مثالٌ على الحياء ارتبط بإتقان التّرلاوة وحسن الفهم إنّ إتقان التّلاوة، وتذوّق المعنى والفهم الصحيح، يوجّه متعلّم القرآن إلى هذه الخصلة، وقد جاء المثال في آية، ويظهر المثال جليًّا بإتقان تلاوتها و تدبّرها وحسن فهمها. فتالي القرآن المتقن، الّذي يتقن الوقف والابتداء في تلاوته، ويتذوّق معاني القرآن العظيم من خلال إتقانه لهذا المبحث، يجد في الآية التّالية وصفًا دقيقًا وجميلا لهذا الخلق وهذه القيمة المباركة، التي أرادها الله -سبحانه- زينة ﮌ ﮍ ﱫيتزيّن بها أهل الإيمان من الرّجال والنّساء، قال -تعالى-: ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ ﮜ . ]٥٢[ ﱪﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ففي هذه الآية المباركة، تكريمٌ لخلق الحياء، ورفعة لشأنه، وقد صوّرته النسفي، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي أبو البركات الأصبهاني، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، )١( ).٤/١هـ، تحقيق: يوسف عل بديوي، (9دار الكلم الطيب بيروت، الطبعة الأو

عدد الصفحات ٨٦

87 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم تصويرًا عجيبًا وجعلته صورة جمالية، كما جعلته في المرأة أخصّ، والقارئ المتقن، الّذي تمكّن من مبحث الوقف والابتداء، متأمّلا للمعنى الصّحيح المترتّب عليهما أثناء أدائه للتّلاوة، وفي تلاوته لهذه الآية على وجه الخصوص، يوضّح أنّ صفة الحياء قد شملت هذه المرأة بالكليّة، وتجلىّ ذلك بما يَظهَر من هذا الخلق، وذلك من خلال الكلام والمشي، اللذان يُظهران طبيعة ]33[ ﱪﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﱫ المرأة، .]١[ ﱪﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﱫ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﱫ فإذا وقف القارئ على قوله- تعالى-: أفادت:أنّ مشيها كان كلّه حياء، ومن روعة التّصوير في هذه ﱪﮐ الجملة القرآنيّة، أنهّا صوّرت الحياء وكأنّه مركب يحملها، فاستوعب الحياء شخصها كاملا، كما استوعبت هي الحياء كاملا. ﮏ ﱫ فإذا بدأ القارئ بقراءته، استأنف القراءة من قوله- تعالى-: ليفيد أنّ قولها ﱪﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ كان كلّه حياء، وكأنّه اعتمد على الحياء، الذي استوعبته، فركبت الحياء منذ مجيئها، وأثناء مشيها، وحال قولها، وكأنّ الحياء مطيتها، وجلبابها، تتحلىّ به، تتعفّف به، تتزيّا به. فالحياء حلّة جمال يجَُمّل صاحبه في عيون الخلق، ويُطَيّب ذكره بين النّاس، ويكون مدعاة لمحبتهم وتقديرهم، والحييّ يسهم في نشر الفضائل،

عدد الصفحات ٨٧

88 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم وسدّ الطّريق على الرّذائل، فإذا رأى ما يشين غضّ بصره عنه، وإذا رأى ما يسّ ممّا يُعدّ من الفضائل، تهلّل وأقبل عليه ونشره، وبشرّ به. والمجتمع الّذي تعظم في نفوس أفراده هذه القيمة، تنتشر فيه أسباب العفّة والطّهر، فهو يقي المجتمع من الأمراض الّتي تفتك به، وتدمّر أركانه، فيكون مجتمعا سليما من أسباب الخنا والفجور، الّتي هي من أخطر الأمراض الّتي تدمّر المجتمعات. سادسا: الصّربر إنّ فضيلة الصّبر، من الفضائل المميّزة في شريعتنا الغرّاء، وقد عظّم قيمته الشّارع الحكيم، في الكتاب والسنّة، لما رتّب عليه من الأجور العظيمة. ولا يخفى مدى حاجة المجتمع لهذه القيمة، لسلامته وعافيته، وتطوّره وتقدّمه، حيث إنّ هذه القيمة لازمة لكلّ تجمع، فطباع البشر تختلف من شخصٍ لآخر، وإمكاناتهم تتفاوت، وأفهامهم تتباين، فلا بدّ لكلّ أحد يحتكّ بغيره من النّاس أن يتحلىّ بهذا الخلق، حتّى يستطيع التّعايش معهم. أثر تعلم القرآن في حصول خلق الصّربر والصّبر من أهمّ الآداب الّتي يجب أن يتحلىّ بها طالب هذا العلم، حتّى يتمكّن من تحصيله والتمكّن منه.

عدد الصفحات ٨٨

89 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم صبرٌْ على جلوسه في حِلق القرآن، وصَبرٌْ على شيخه وطباعه، وصبرٌْ على زملائه. بتأمّل الآيات وحسن فهمها تكتمل صورة التّوجيه القرآنيّ لهذا الخلق فإذا تأمّل متعلّم القرآن الآيات الواردة في فضل هذه الخصلة تعظم ﱪ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﱫقيمتها لديه قال -تعالى-: .]3[ إنّ هذه الآية الكريمة تحمل في طيّاتها منهجا تربويّا عظيما، يحفظ المجتمع من كلّ أشكال الاحتقان الّتي تورث المشاحنات والأحقاد، وذلك بتعظيم قيمة الصّبر على أشكال الأذى الّتي يتعرّض لها الإنسان، والجميل في هذه القيمة ومثيلاتها من القيم الإيجابيّة، الّتي ورد الترّغيب بها والعمل بمقتضاها بالكتاب والسنّة، أنهّا دعوة عامّة لكلّ أفراد المجتمع المسلم، لا تخصّ فردًا دون فرد، لكن الخصوصيّة والتّمايز يحصلان لمن يبادر للعمل بموجبها، ويتمثّلها في مواطن الحاجة إليها، والّتي نبّه عليها وأرشد إليها الشارع الحكيم. قال الطبريّ في تفسيره: يقول تعالى ذكره: ولمن صبر على إساءة إليه، وغفر للمسيء إليه جرمه إليه، فلم ينتصر منه، وهو على الانتصار منه قادر يقول: إن صبره ﱪ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﱫابتغاء وجه الله وجزيل ثوابه. ذلك وغفرانه ذنب المسيء إليه، لمن عزم الأمور الّتي ندب إليها عباده،

عدد الصفحات ٨٩

90 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم . )١(وعزم عليهم العمل به ولا يخفى ما لهذه الخصلة من أثر في المجتمع، وأمنه وأمانه، ورقيه واستقراره، حين تنتشر ثقافة الصّبر على الأذى بين أبنائه، وتنحس ثقافة الانتقام، والانتصار للذّات. وقد يعطى الصّابر أجر صبره في الدّنيا قبل الآخرة، لكن الأجر العظيم، الذي لا يهتدي إليه الحساب، إنّما يكون في الآخرة، في جنّة عرضها السّماوات والأرض، فالصّبرعاقبته أحلى من العسل. وكلّ مجتمع لكي يقوم، ويستمرّ قويًّا معافى، لا بدّ له من قِيَم وفضائل، يدرك أهمّيتها أفراده، ويتعاملون ويتعايشون بموجبها، فتنتظم حياتهم بموجبها، وكلّما كانت هذه الفضائل والقيم، تصبّ في مصلحة الجماعة، وتخدم برامجهم التربويّة والتنمويّة والاقتصاديّة، واقعيّة بعيدة عن الخيال والمبالغة، كلّما تمسّك بها أفراد المجتمع، وحرصوا على العمل بمقتضاها، واعتبروا المحافظة عليها والدّفاع عنها مسؤوليّة الجميع. خلاصة إنّ تعلّم القرآن يؤصّل هذه القيم وينشر هذه الفضائل، فإذا انتشرت بين أفراد المجتمع انتظمت حياتهم وتوحّدت وجهات النّظر، وتوحّدت ).١٥٥/١٢ تفسير الطبري ()١(

عدد الصفحات ٩٠

91 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم اهتمامات الأفراد، وتوحّدت تطلّعاتهم وطموحاتهم، فتعمّ الألفة والمحبّة. وأرى أنّ تخصيص الحديث عن الفضائل والقيم الإسلاميّة، دون غيرها، الّتي يؤصّل لها الوحي، ويعظّم شأنها، ينشر ظاهرة الالتزام والتّطبيق؛ لأنّ تعظيمها والاهتمام بتطبيقها يرتبط بتعظيم مصدرها. المطلب الثّالث: اأثر اإتقان التّلاوة و إنّ إعداد الأفراد في أيّ مجتمع تعتبر مسؤوليّة عظمى، فهم الّذين يرفدون مؤسّساته ويعملون على تطويرها، وتحسين الأداء فيها، ولذلك اهتمّت الدّول بهذا الشّأن، فعملت على إنشاء دُور التّعليم بجميع مراحله، وأقامت مراكز التّأهيل والتدريب، وكلّ ما يحتاجه الفرد من بناء وإعداد ورعاية، بحيث تتشكّل لديه مجموعة من المبادئ والقِيم، تحثّه على العمل والإنتاج والتطوير، وتؤصّل في نفسه قيمة المشاركة والتعاون، والمحافظة على المجتمع ومؤسّساته، وتحفّ كلّ ذلك بسياج من الحوافز والعقوبات، لتضمن صلاحيّة هذا الفرد وبناء شخصيّته بناءً سليماً متينًا، لأنّه العنصر الأساس في بناء المؤسّسات، وكلّما كان الإعداد والبناء للأفراد قويًّا ومتينًا، كانت المؤسّسات كذلك. والمجتمع المسلم يُعدّ أفراده على أساس المبادئ والقيم الواردة في كتاب الله -تعالى-، والتي صحّت عن رسوله الكريم، وميزة هذا الإعداد، أنه

عدد الصفحات ٩١

92 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم لا يقتصر على البناء الخارجي، وربط الفرد بالعالم الخارجيّ، فينضبط وفق النّظام الخارجيّ الخاضع للقانون والأوامر والّتعليمات، إنّما يصل إلى البناء الداخلّ للإنسان، فيعمل على تكوينه النفسيّ، بحيث يكون الدافع والمحفّز للفعل أو الترك من داخل الإنسان، الذي يتحلىّ بحسّ المراقبة الدّاخليّة، والشّعور بالمسؤوليّة الذاتيّة، والقيم التي يتربّى عليها، قيم تبثّ الهمة وتبعث على التّنافس في التّطوير والإتقان، فحركته في الحياة لا ترتبط بالمادّة فقط، حيث إنّ المسلم يعمل ويعتاش من عمله، مع احتساب الأجر من الله- تعالى- في تأدية الأمانة، والوفاء بالعهد، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، والإحسان والإتقان، فالقيم للأعمال قيم روحيّة قبل أن تكون قيماً مادّيّة. ولا يزال القرآن يؤصّل هذه القيم في نفوس المؤمنين، ويدعوهم إلى كلّ خير وفضيلة، ويزجرهم عن كلّ شرّ ورذيلة، كما يؤصّل في نفوسهم الحسّ الجماعيّ، وتقديم مصلحة الجماعة على المصالح الفرديّة. ويحثّهم على العمل، ويوجّههم للإتقان والتّطوير والإبداع، كما ينبّههم إلى أنّ هذا يتيسّ بنَفَس الجماعة، وبتظافر الجهود، واستغلال الطّاقات، وحسن توزيع الأدوار. وعندما نتأمّل أثر إتقان التّلاوة وحسن الفهم في بناء مؤسّسات المجتمع، فإنّنا ندرك حجم العناية، ودقّة التّوجيه، ويظهر ذلك جليًّا من خلال التّنبيه على التّفاعل والمشاركة والخطاب الموجّه للجماعة.

عدد الصفحات ٩٢

93 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم وأبينّر تاليا ما توصّرلت إليه تحت هذا الباب بعد البحث والتأمّرل: إنّ الحرف باستقلاله يشكّل وحدة لها شأنها المميز، من حيث المخرج والصّفات، فكلّ حرف مستقلّ بصفات تخصّه، تميّزه عن غيره من الحروف وإن اتحّدت معه في نفس المخرج، فقد يتّحد الحرف مع غيره من الحروف في المخرج الواحد، لكنّه يجانبها في صفات خاصّة به تميّزه عنها، وقد تكون هذه الصّفات صفات قوّة، وقد تكون صفات ضعف، وقد تكون متوسّطة بين القوّة والضّعف، لكنّها تمتزج في اللفظة القرآنيّة، فتشكّل وحدة متماسكة. وهذه الوحدة قد تجمع حروفا متباعدة في المخارج، أو متقاربة في المخارج، أو مجانسة لها في المخرج، وقد تجمع حروفا قويّة، وحروفا ضعيفة، وحروفا متوسّطة القوة، لكنّها وضعت في موضعها المناسب لها في الآية، هذه الآية التي تشكّل وحدة متماسكة مترابطة متناسبة، ولو نزعت هذه اللفظة من مكانها في الآية ثم راح الخلق يبحثون عن لفظة تصلح أن تكون مكانها، وتؤدّي مؤدّاها لأعجزهم ذلك، لأنّ أيّ لفظة غيرها لن تحمل القوّة المؤثّّرة العجيبة الّتي تحمّلها هذه اللفظة التي أودعت مكانها بحكمة بالغة. ثمّ تجتمع هذه الآيات ضمن السّورة، هذه السّورة التي تمثّل وحدة متكاملة متعاضدة متناغمة، غاية في القوّة والتماسك والرّوعة، والتي تجتمع مع أخواتها لتشكّل هذا البناء المتين،

عدد الصفحات ٩٣

94 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم وهذا العقد النّضيد، لتشكّل بمجموعها الموصوف بالحياة، لتشكّل بمجموعها الموصوف بالنّور، لتشكّل بجموعها هذا القرآن الّذي جاء لينظّم حياة النّاس وفق منهاجه العظيم الحكيم. وانطلاقا من هذه الصّورة الجماليّة لحقيقة هذه الحروف، التي هي أساس بناء النّظم القرآنيّ، وقد جاءت منفردة مفتتحة بها بعض السّور، كإشارة إلى أنّ أساس هذا القرآن هذه الحروف بتنوّع مخارجها وتعدّد ، حيث قالﷺواختلاف صفاتها، ونبّه إلى ذلك نبيّ الهدى من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن .)١(ألف حرف ولام حرف وميم حرف فإنّ البشر حالهم كحال هذه الحروف، فهم ينحدرون من منابت شتّى، ولهم أصول متنوّعة، وهم كذلك متفاوتون متباينون بالصّفات، حتّى الّذين ينحدرون من أصل واحد، ففيهم القويّ وفيهم الضّعيف، وفيهم الرّفيع وفيهم الوضيع، وفيهم المفخّم وفيهم المرقّق...، وكلّ واحد منهم إذا أُحسن اختيار مكانه المناسب له ولقدراته، وأدّى دوره المناسب، حينها يسهم كلّ فرد منهم في التّعمير، ويؤدّي دورا عظيما في البناء كل حسب موقعه، ابتداء من الأسرة، ثمّ الحيّ، ثم البلدة، ثمّ بتظافر الجهود مع المناطق الأخرى في المجتمع الواحد تُبنى مؤسّسات هذا المجتمع، فتقوى )، قال عنه أحمد شاكر في تحقيقه: حديث صحيح.0) حديث رقم٥/٥سنن الترمذي ( )١(

عدد الصفحات ٩٤

95 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم دعائمه، وتستقرّ أحواله، وحين تلتقي هذه المجتمعات ضمن منظومة عظيمة، معتمدها القيم والمبادئ، فإنها تشكّل الأمّة صاحبة الشّأن، أمّة الوراثة، أمّة التّمكين، أمّة الخيريّة، أمّة الإسلام. وكما أنّ الحرف القويّ يفيض من قوّته ويؤثّر بصفاته على الحرف الضّعيف، ويتراصّ معه في لفظة واحدة، والحرف الضّعيف يسنده ويتمّم معه نظم الكلمة، فإنّ الإنسان القويّ يوظّف قوّته لخدمة مجتمعه بجانب أخيه الضّعيف، والضّعيف يقوم بدوره حسب طاقته وقدرته وحجم تأثيره، خلال منظومته مع أخيه القويّ، ليصل الجميع بمجتمعاتهم إلى أفضل درجات الرقيّ، وتسود مجتمعاتهم الإيجابيّة، فالكلّ له دور، ولا سلبيّة مع هذا المنهاج العظيم، فكلّ إنسان مهما قلّ حجمه وضعُفت بنيته، أو تواضعت قدراته العقليّة وإمكاناته الماديّة، فإنّه يستطيع أن يقدّم شيئا، مهما قلّ شأن هذا الشيّء إلا أنّه يحتاج إلى وقت وجهد لأدائه وإنجازه، فكلّ من حمل عبء عمل فأدّاه، كان قد أسهم في هذا البناء. الاجتماع في الإسلام وفضل الجماعة إنّ فكرة الاجتماع في المجتمع المسلم، تبنى على مبدأ الإيجابيّة، والمبادرة بخدمة المجتمع من قبل جميع أفراده الذين ينتمون إليه، وذلك بتسخير كل الإمكانات، واستغلال كل الطّاقات للبناء والتّطوير، مع استحضار القيمة الروحيّة لأيّ عمل، بحيث ترتفع قيمة العمل في نفس الفرد المسلم، ممّا

عدد الصفحات ٩٥

96 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم يحفّزه للعمل وخدمة مجتمعه، كما أنّ مراعاة الاستجابة للتّوجيه الرّبانيّ بالعمل ضمن الجماعة، تزيد في ضمان التّوفيق والمعيّة والإعانة التي وعد الله بها لمن عمل ضمن الجماعة، روى الترّمذيّ في سننه، عن ابن عبّاس .)١(قال: قال رسول ا إنّ من أخطر ما تعانيه الأمّة الإسلاميّة اليوم، غياب الروح الجماعيّة، حتى أثّر هذا الواقع على الفكر، فأصبحت من الإشكالات الفكرية، حتّى سادت آفة الفرديّة وحبّ الذات، إلى أن أصبحت مصلحة الفرد مقدّمة على المصلحة العامّة للمجتمع. ولذلك احتاج المجتمع المسلم، وعلى مرّ الدّهور إلى المؤسّسات المختلفة التي تُعنى بتنمية الفكر الجماعيّ، واعتماد العمل المؤسّسيّ، الّذي يقوم على أساس توزيع الأدوار، ومراعاة الكفاءات، تحتكم في عملها إلى شرع الله- تعالى-، وتعتمد القيم الشرعيّة في عملها، بحيث لا تتأثّر بمن تسلّم زمام الأمور فيها، فهو يقوم بتطبيق نظام منضبط بالضّوابط الشرعيّة. فها هي دولة الحضارة، رائدة التّقدم في هذا الزمان (الولايات المتحدة الأمريكية)، هي دولة مؤسّسات تعمل وفق استراتيجيّات محدّدة، من صنع الجماعة، فلا يؤبه لمن يرأسها، حيث يقوم بتطبيق هذه الاستراتيجيّات، )، وصححه الألباني في الصحيح الجامع 66) حديث رقم 66/٤ سنن الترمذي ( )١( ).8( )677/١(

عدد الصفحات ٩٦