المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم

محمد بن أحمد البدور

صفحة ٥ من ٨

65 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم النّتائج، تستدعي هذه الهمّة للوصول إليها: مغفرة، يتبعها رضا الرّحمن، يتبعها الفوز بالجنان... قال الطبري في تفسيره: يعني تعالى ذكره بقوله: « عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطّيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم ، يعني: وسارعوا أيضًا إلى )١(عليها جنّة عرضها السّموات والأرض وصاحب الهمّة هو القدوة، والنّاس تتأسّى به، فهو نموذج يحُتذى، حيث إنّه ينجز المهماّت مهما صعُبت ويحقّق النّجاح والتّميّز. وصاحب القرآن أولى النّاس بهذه الميزة، فهو الذي بلَغ إتقان التلاوة بهمّته، وهو الّذي تأمّل آيات ربّه، وبحث في معناها، وجعل له وردا، ألزم نفسه به، وحمل على عاتقه بذل هذا العلم، ولم يتوان في تعليمه، ويظهر هذا جليًّا في سيرة من سبق منهم، ومن عايشناهم في زمننا الحاضر، فالهمّة ظاهرة في حياتهم؛ فأهل القرآن أصحاب همم، تعانق القمم. ـ أثر إتقان التّرلاوة وصحّرة الفهم في الدقّرة 5 إنّ قارئ القرآن يعيش مع دقّة القرآن العجيبة، فالقرآن دقيق بأدائه، والّذي يقرأ القرآن يدقّق في قراءته، فيراعي الدّقّة في تطبيق المدود ).07/7 تفسير الطّبريّ)١(

عدد الصفحات ٦٥

66 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم بمقاديرها وأزمانها، والدّقّة في لفظ الحركات والدّقّة في ضبط زمنها، والدّقّة بتطبيق الرّواية المختارة، والأوجه المتفرّعة عنها، والدّقّة في اختيار الوقف والابتداء، لا بدّ أن يؤثّر هذا الأداء في سلوكه. كما أنّ القرآن دقيقٌ في ألفاظه التي تفيد دقّة التّعبير، ودقّة التّصوير، فاللّفظة في مكانها لا تعدلها لفظة، فاختيارها يوحي بأنهّا غاية في الدّقّة، لأنهّا من لدن الحكيم الخبير، فالمتأمّل للكلمات القرآنيّة يدرك يقينا أنهّا ليست من قول البشر، لفرط دقّتها، ووضعها في موضعها المناسب لها، والأمثلة على ذلك كثيرة. إنّ المتأمّل للآيات الّتي تشير إلى هذا السّلوك، يكتمل تأثّره به ويترسّخ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﱫفي نفسه، كقوله -تعالى-: فنتأمّل دقّة التّعبير في الآية، عندما ]36[ ﱪﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ذكرت العلم، بيّنت الوسائل والحواسّ الّتي يتحصّل الإنسان من خلالها على العلم، والشيّء اللافت في ذكر هذه الحواسّ، الدّقّة في ترتيبها، حيث ورد ذكر السّمع أوّلها، فهو أوّل أداة يتلقّى الإنسان من خلالها، ويدرك الأشياء بموجبها، وهي أوّلها عملا عند الولادة، كما أنهّا تعمل أثناء النّوم. وعندما يعيش قارئ القرآن هذه المعاني مع كتاب الله- تعالى-، برسمه، ولفظه، ومعانيه، وهداياته، فإنهّا تؤثّر في سلوكه ومعاملاته. حيث إنّ إنجاز المهامّ، والتّوقيت لذلك يفتقر إلى هذا السّلوك في حياة

عدد الصفحات ٦٦

67 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم النّاس، فسلوك الدّقّة يسهم في الإنجاز والتّطوير، واستغلال الأوقات في دفع عجلة البناء، على مستوى الأفراد والجماعات، والأمّة ككل. المطلب الثّاني: اأثر اإتقان التّلاوة وح إنّ في إتقان تلاوة القرآن العظيم، والاهتمام بحسن فهمه وتعلّمه، أكبر الأثر في بناء المجتمعات، على أساس متين من المبادئ والقيم، الّتي تسمو بصاحبها، وتجعله في أرقى مستويات التّعايش الاجتماعيّ، ممّا ينظّم حياة النّاس، ويسهم في رقيّهم وتطوّرهم. وفي ما يل أسلّط الضّوء على بعض هذه الفضائل والقيم الّتي تكتسب بسبب إتقان التّلاوة وحسن الفهم لكتاب الله العظيم، مع مراعاة أنّ جميع الفضائل والقيم من شأنها أن تبني مجتمعًا قويًّا سليماً معافى، يملك كلّ أسباب النّماء والتّطوّر والازدهار، إلا أنّ ميزة المجموعة المختارة من هذه القيم الّتي أذكرها تاليا، هي في مقدور الأفراد وضمن إمكاناتهم، وفي ذلك دعوة للجميع للتّمسّك بها، والعمل على تطويرها في مجتمعاتنا المسلمة، كما أرى أنهّا من الأهمّيّة بمكان، للترّكيز عليها، والاهتمام بها، نهوضا بالمجتمعات المسلمة، وعودا بها إلى سبب عزّها ومجدها. أولا: الحبّر في الله بين أفراد المجتمع إنّ هذه الخصيصة لأمّة الإسلام، فضلا عن كونها شعيرة قيميّة،

عدد الصفحات ٦٧

68 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم فإنهّا متعلّقة بالوجدان والشّعور، حيث إنهّا تسهم في الاستقرار النّفسيّ، والشّعور بالطّمأنينة، وتبعث على السّعادة والرّضا. الحبّر في الله يتحقّرق في مجلس التّردارس ومتعلّم القرآن يجلس في مجلس القرآن، يتدارسه مع معلّمه، فيفيد منه، ويأخذ عنه أشرف العلوم، فيورث ذلك في نفسه حبّا لمعلّمه، الّذي يفيد منه، والّذي يكون سببا في إضافته إلى سلسلة أهل القرآن، هذه السّلسلة ، وكذلك ﷺالشرّيفة الخيرِّة، حتّى يصل بسنده إلى نبيّ الهدى وخير البشر فإنّ لقاءه مع زملائه الّذين يشاركونه حلقة القرآن، ومعاشرته لهم، حيث يلتقون على الخير، على الهدى والنّور، وعشرتهم تكون مصطبغة بصبغة هذا القرآن العظيم، ومن أهمّ نتاج هذه العشرة، الحبّ في الله، الّذي يورثه هذا القرآن العظيم، فهم وطيلة مكثهم في حلقات القرآن يتمتّعون بالسّكينة، وتغشاهم الرّحمة، ومجلسهم مشهود، وذكرهم مرفوع، فتهيّأت لهم مجموعة من الفضائل، ومسبّبات الودّ والمحبّة، وجامعهم كتاب الله يتلونه ويتعرّضون لرحماته وبركاته، فيحبّون بحبّه، وبحبّ منزّله -سبحانه- . الحبّر في الله توجيه قرآنيّر إنّ قارئ القرآن إذا مرّ بالآيات الّتي جاءت على ذكر هذه القيمة، يعرف قدرها، والموعود الربّانيّ المترتّب على تحقّقها، فمن الآيات الّتي تدعو ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﱫقارئها لتمثل هذه القيمة العظيمة:

عدد الصفحات ٦٨

69 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ]9[ ﱪﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ فقد وصف الأنصار على سبيل المدح، أنهّم يحبّون من هاجر إليهم، وحبّهم أورث في نفوسهم حبّ البذل لهم، بل وإيثارهم على أنفسهم، دون تردّد ولا يجدون في نفوسهم حسدا ولاغلا على إخوانهم، بسبب ما بذلوا لهم. قال ابن عطيّة في تفسيره الأنصار بأنهّم يحُِبُّونَ المهاجرين، وبأنهّم يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وبأنهّم قد وقوا شحّ أنفسهم لأنّ مقتضى قوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ الآية. أنّ هؤلاء .)١(الممدوحين قد وقوا الشحّ، والحاجة: الحسد في هذا الموضع يحبّونهم فيحبّون لهم الخير، وهذا من أسباب قوّة بناء المجتمع المسلم، حيث تورث المحبّة في الله، حبّ الخير للمحبوب، وعدم الحسد للمحبوب على ما آتاه الله من الخير. إنّ هذه الشّعيرة تحقّق الصّحّة النّفسيّة، وأهل الطّبّ اليوم عملوا دراسسات على الحبّ، فوجدوا أنّ له أثرًا عجيبا في العلاج النّفسيّ والعضويّ، من أهمّ هذه الآثار أنّه يعزّز قدرة الدّماغ على إفراز مادّة (السّيروتونين) وهي إحدى النّاقلات العصبيّة ذات التّأثير المباشر في تنظيم الحالة المزاجيّة للإنسان، وتشعره بالاطمئنان والسّكينة، حتى ).87/٥ المحرّر الوجيز ( )١(

عدد الصفحات ٦٩

70 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم أطلقوا على هذه المادة اسم: (هرمون السّعادة)، وقد أحدث اكتشاف هذه المادة والتّعرّف عليها؛ ثورة في علاج مرض الكآبة، حيث لوحظ أنّ معظم المصابين بمرض الكآبة، يمتلكون نسبة أقلّ من المستوى الطبيعيّ نين في الدّماغ، ممّا أدّى بالأطبّاء إلى اختراع جيل جديد من للسيروتو الأدوية الّتي تقوم برفع مستوى مادّة السيروتونين في الدّماغ، ويؤكّد . )١(العلماء أنّ لهذه المادّة دورٌ لا يمكن تجاهله في الشّعور بالطّمأنينة النفسيّة قلت: إذا كان الحبّ بشكل عام يورث هذه الفوائد النفسيَّة النفِيسَة، وللعلماء دراسات أيضا تفيد أنّه نافع في علاج كثيرٍ من الأمراض العضويّة، . فإنّ الحبّ في )٢(كقولهم بمساعدة هذه المادّة في علاج الجروح، وغير ذلك الله يجعل العبد يتعامل مع كلّ ما في هذا الكون على أساس الحبّ، إلا ما كان مخالفا لعقيدته، فالإيجابية منبعها الحبّ، فإذا كان الحبّ في الله مستقرٌّ في النّفس، يتمتّع صاحب هذه النّفس بالإيجابيّة، وتتكوّن لديه شخصيّة اجتماعيّة، قادرةٌ على التّفاعل مع كلّ أفراد المجتمع، والحبّ في الله من أعظم الرّوابط بين البشر، فإنهّا تفوق رابطة الدّم. ، وانظر بيكيديا www.who.int/ar// WHO,http انظر موقع منظّمة الصحّة العالمية )١( .ar.wikepedia.org/wikiالموسوعة الحرّة المصدر السّابق. )٢(

عدد الصفحات ٧٠

71 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ثانيًا: التّرعاون إنّ هذه القيمة لا يستغني عنها مجتمع، لبنائه واستقرار أبنائه، والمجتمع المسلم من أولى المجتمعات بتحقيق هذه القيمة، والعمل على إظهارها في كلّ الميادين. التّرعاون يتحقّرق في الحلقات القرآنيّرة قرآن يستشعر قيمة هذا السّلوك، فهو يحياه مع القرآن، ومتعلّم ال حيث تحقّق حلقات تعليم القرآن هذه القيمة في نفسه، فهو يتعاون مع معلّمه، ومع زملائه، فالحلقات لا تقوم إلا بالتّعاون، سواءً أكان في الترّتيب للحلقة، أو الخدمة، أو التّعاون مع زميل بإعطائه نوبته، لسببٍ ما، أو بمعاونة المعلّم في ضبط الوقت للحلقة وللمتعلّمين، أو عدد الآيات، أو بالمعاونة بتدريب وتعليم الصّغار والمستجدّين، وغير ذلك من صور التّعاون الّتي تشهدها حلقات تعليم القرآن، في المساجد ودور القرآن، والمراكز المختصّة بتعليم القرآن. من الآيات الّرتي تؤكّرد على هذه القيمة إذا مرّ متعلّم القرآن بالآيات التي تدعو لهذه الفضيلة؛ وتؤصّلها في النّفس، فتأمّلها وأحسن فهمها، تأكّدت لديه قيمة هذه الفضيلة، وبات يحرص عليها، وعلى سلوكها، حرصه على غيرها من الفضائل والقيم، من هذه الآيات:

عدد الصفحات ٧١

72 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﱫقوله -تعالى-: ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ .]٢[ ﱪﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ إنّ هذا التّوجيه الربّانيّ، وإن كان له مناسبة، إلا أنّه يعتبر من القواعد المعمول بها عند أهل الفقه، الّتي تلحق بها كلّ مايتعلّق باجتماعيّات النّاس ومعاملاتهم. التّرعاون بين أفراد المجتمع المسلم إنّ المجتمعات لا تستغني عن هذه القيمة، لقيامها واستمرارها، ولذلك روعيت هذه القيمة في شريعة الإسلام، وأولاها الشّارع أهمّيّة خاصّة، وضبطها بفضيلة العمل البارّالصّالح، بعيدًا عن رذيلة العمل الآثم ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﱫالباطل، قال -تعالى-: فالتّعاون في هذه الآية كان له قيمة ]٢[ ﱪﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ بالإيجاب: (إيجاب التّعاون على البرّ والتّقوى)، وقيمة بالسّلب: (بسلب التّعاون على الإثم والعدوان). ويكفي هذه الشّعيرة بإيجابها وسلبها فضيلةً أنهّا تحقّق التّقوى، (وَاتَّقُوا اللهََّ) كما يكفيها فضيلة أنهّا تقي من عذاب الله -تعالى- وعقابه (إِنَّ اللهََّ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

عدد الصفحات ٧٢

73 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم الوعيد على ترك شعيرة التّرعاون بين أفراد المجتمع المسلم إنّ ممّا يدلّ على أنّ التّعاون واجب بين أفراد المجتمع المسلم، أنّ الله -تبارك وتعالى- كما رتّب على التّعاون الأجور، وأمدّ المتعاونين بعونه وتوفيقه وتسديده، فإنّه-سبحانه- رتّب على من ترك هذه القيمة الإيمانيّة ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﱫالوعيد الشّّديد، قال -تعالى-: .]7ـ٤[ ﱪﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ قال الطّبريّ في تفسيره .)١(النّاس منافع ما عندهم، وأصل الماعون من كلّ شيء منفعته أي: يمنعون إعطاء الشيّء، الّذي }وَيَمْنَعُونَ المَْاعُونَ {قال السعدي لا يضرّ إعطاؤه على وجه العارية، أو الهبة، كالإناء، والدّلو، والفأس، ونحو ذلك، ممّا جرت العادة ببذلها والسماحة به، فهؤلاء -لشدّة حرصهم- .)٢(يمنعون الماعون، فكيف بما هو أكثر منه التّرعاون أساس لبناء المجتمات عند سائر المخلوقات إنّ المجتمعات من سائر المخلوقات تدرك ضرورة التّعاون وأنهّا لا ).٤/٤٢ تفسير الطبري ()١( السعدي، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي النجدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير )٢( هـ، تحقيق عبد الرحمن بن معلا 0كلام المنان، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأو ).٥اللويحق، (ص:

عدد الصفحات ٧٣

74 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم تستغني عنه، لتحقّق أسباب وجودها، ولذلك تجد أنّ كلا منها تعيش ضمن مجتمعات من بني جنسها، حتّى الحشرات، فإنهّا تعيش ضمن مجتمعات؛ قوام هذه المجتمعات تعاونها فيما بينها، كالنّحل فإنهّا تعيش ضمن مجتمعات، وفي حياتها العجب، من حيث تعاونها في بناء بيوتها ومستعمراتها، وحمايتها والدّفاع عنها، والسّعي والكدّ في كلّ الأنحاء، لطلب الرّزق، وجلب الغذاء، وإنتاج العسل الّذي تتغذّى عليه في وقت الشّتاء، والله- تعالى- أراد لهذا المجتمع أن يكون مجال دراسة الباحثين، وحياته مجال تأمّل المتأمّلين، وحُقّ له ذلك، فخصّه -سبحانه- بسورة نزلت باسم هذا المجتمع. وكذلك النّمل الّذي يعيش ضمن مجتمعات غاية في الترّتيب والدّقة، وتقسيم الأدوار والأعمال، وتتعاون على تنفيذها، بطريقة دقيقة منضبطة، يحار المرء معها، إلا حينما يستحضر أنّ الّذي خلقها هو الّذي هداها .]0[ ﱪﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖﱫ وقد ضرب القرآن مثلاً واقعيًّا لصورة من صور التّعاون وأثرها في بناء المجتمع، وقد جاءت هذه الصّورة في سورةٍ الكلّ مدعوّ لتأمّلها وتدبّرها، ، إنهّا قصّة ذي القرنين في سورة الكهف، )١(حيث يُسنّ أن تُقرأ كلّ جمعة قالﷺعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي )١( )، والبيهقي في ٢) (399/٢له من النور ما بين الجمعت ).6( )93/3 ) وغيرهما، وصححه الألباني في إرواء الغليل996/( )3/3الكبرى

عدد الصفحات ٧٤

75 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ث طلب منه قومه الّذين عانوا من أذى يأجوج ومأجوج أن يجعل بينهم حي ، ]٥[ ﱪ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﱫسدّا، فأجابهم بقوله فبالتّعاون حقّق لهم أكثر مما طلبوا حيث إنهّم طلبوا سدًّا، ولكنّه وجّههم للتّعاون فجعل بينهم رَدمًا. ثالثًا: الإنفاق والبذل إنّ لهذه الشّعيرة من الفضل في الكتاب والسّنّة، ما يجعل قيمتها في نفوس المؤمنين غاية في العظمة، فينالها من أوجه الرّعاية والعناية ما لم ينل غيرها من الشّعائر، حيث لزمها حسابات خاصّة، تلزم الواجبة منها، كما تلزم الّتي على سبيل التّنفُّل، فالواجبة احتاجت لرعاية الدّولة، ومتابعة تطبيقها بموجب السّلطة، والنّافلة منها، قامت من أجلها المؤسّسات تعالج كلّ واحدة منها جانبا من جوانب العوَز وأصحاب الحاجات، وترفِد المجتمع بأصحاب الحرف والمهن، وتدعم طلبة العلم في جميع التخصّصات، وتساعد في علاج المرضى أصحاب الحاجات...، كما قامت من أجلها مراكز للدّراسات ومكاتب استشارات، تقوم على دراسة حالة المجتمعات، للوقوف على حجم احتياجاتها، وأنواع هذه الاحتياجات، وتقدّم المشورة لأصحاب الأموال، وتبينّ لهم حاجات المجتمع الملحّة الّتي يستطيعون أن يضعوا أموالهم في علاجها ودعمها، وإنقاذ المجتمع من هذه ة الأَوْلىَ فالأَوْلىَ، إلى غير ذلك من تخصيص الميزانيّات الثّغرات، ومراعا والموظفين لإعمار بيوت الله -تعالى-، ودور القرآن، وسائر الوقفيّات.

عدد الصفحات ٧٥

76 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم أثر حلقة القرآن في الإنفاق وحبّر البذل إنّ الّذي يجلس في مجلس تدارس القرآن، يفرِّغ من وقته، ليتلقّى عن الشّيخ علم التّلاوة وأحكام التّجويد، والوقت كما هو معلوم يُستغلّ في العمل لجني المال، فيضحّي متعلّم القرآن بهذا الوقت، في سبيل تحصيل هذا العلم الشريف، وقد خبرت من طلبة هذا العلم من يملكون محالا تجاريّة، في وسط السّوق يقصده الزّبائن والعملاء في كلّ وقت، ولا معين له في محلّه، وقد يكون وقت نوبته، أو وقت مجلس القرآن في وقت الذّروة، إلا أنّه يضحّي بهذا الوقت لله -تعالى-، ورغبة في تعلّم تلاوة كتابه، فالوقت في نظر أصحاب هذه المهن هو عبارة عن مال، لكن حبّ القرآن وتلذّذهم بتحصيل هذا العلم يرغّبهم في بذل هذا الوقت، أو بذل هذا المال طيّبة به نفوسهم، وقد يعجب المرء حين يسمع من بعض هؤلاء، بأنهّم لم يجدوا فرقًا في معدّل بيعهم أثناء مداومتهم على بيعهم وعدم صرف وقت لغير ذلك، وبين تفريغهم وقتًا خاصّا بالقرآن، يتعلّمونه ويجالسون أهل الفضل والخير للأخذ عنهم والإفادة منهم، بل إنّ بعضهم يؤكّد أنّه بصرفه وبذله لهذا الوقت قد وجد بركة في بيعه وماله، وسائر شؤونه. من الآيات التي تستدعي هذه الصفة في نفس صاحب القرآن إذا تأمّل القارئ الآيات الّتي تحثّ على هذه الشّعيرة، وتبينّ فضلها وهي كثيرة في القرآن العظيم؛ اكتملت منظومة التّوجيه، واستقر في نفس

عدد الصفحات ٧٦

77 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم قارئ القرآن هذه القيمة، وحرص على العمل بموجبها، من هذه الآيات: ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﱫقوله-تعالى-: ﱪﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ .]١[ ففي هذه الآية ورد تمثيل هذا الإنفاق، بصورة حية واقعية، تجُلّ عظمة فضيلة الإنفاق، ليتأمّل قارئ القرآن هذه الصّورة، ويتمثلها ويستحضرها، كلّ ما هم بالإنفاق، لتكون دافعًا له ومحفّزًا لبذله، ففي هذه الصّورة يدرك القيمة العظيمة لهذه الشّعيرة. }لمن يشاء{هذه المضاعفة}والله يضاعف{قال السّعدي في تفسيره أي: بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه وبحسب حال النفقة وحلها أكثر من هذه }والله يضاعف{ونفعها ووقوعها موقعها، ويحتمل أن يكون . )١(فيعطيهم أجرهم بغير حساب}لمن يشاء{المضاعفة ومع أنّ الرّقم يحسب ذهنيًّا، وله مقدار تقريبي في الذهن، إلا أنّ المراد من ضرب هذا المثل، إعطاء صورة تقريبية عن حجم النّماء العجيب والقويّ والسّيع، لهذا الزّرع، فهي حركة من التّنامي والتّعاظم، واسعة النّطاق ).3 تفسير السعدي (ص)١(

عدد الصفحات ٧٧

78 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم بحجم سعة المتفضّل الكريم، الّذي يتفضّل بالعطاء المضاعف إلى أن يصل إلى أضعاف كثيرة، وذلك لسعة عطاء المعطي الكريم، الّذي يوفيّ للمعطين جزاء ما بذلوا وقدّموا ولذلك جاء تذييل الآية بقوله -سبحانه وتعالى-: ).ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ( البذل والإنفاق حسٌّ جماعيٌّ يخدم المجتمع ولا يخفى ما في هذه الخصلة من أسباب الصحة المجتمعيّة، حيث تغني النّاس عن السّؤال، وتبعدهم عن أسباب الجريمة والرّذيلة، وترفد مؤسّسات الدّولة الّتي تعنى بهذه الشّؤون، كالشّؤون الاجتماعيّة، ومؤسّسات رعاية الأيتام، وغيرها من المؤسّسات. والقرآن يؤصّل هذه الشّعيرة في نفوس المؤمنين، ويؤكّد على فضلها وقيمتها، كما أنّه يوجّه أتباعه إلى أنّ هذه الشّعيرة مسؤوليّة الجماعة، وكلّ فرد مدعوٌّ للمبادرة في فعلها، لقيمتها الإيمانيّة الشرعيّة، وللحسّ الجماعي، والشّعور بالمسؤوليّة تجاه المجتمع، الّذي هو بيت الجميع، ومسؤوليّة الجميع. ولا يتقدّم على أهل القرآن في هذا الميدان أحد، فهم يحملون راية تعليمه والدّعوة إليه، وحثّ الناس على التخلّق بأخلاقه، وهم يبذلون الأوقات، ويُسَخِّرون طاقاتهم خدمة لهذا الكتاب، ولا يفترُون عن بثّ علومه، ولذلك تجدهم من أسرع النّاس في الإنفاق، وفي مقدّمة النّاس في البذل، فمن يبذل الغالي، هان عليه بذل الرخيص.

عدد الصفحات ٧٨

79 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم رابعًا: الولاء والبراء إنّ هذه القيمة العقديّة العظيمة أساسٌ في بناء المجتمع الإسلاميّ، وتعمل على ربط أفراده رباطًًا قويًّا متينًا، والمجتمع حتّى تتحقّق فيه معاني الرقيّ والحضارة لا بدّ له أن يستند في تواصله وترابطه إلى قاعدة صلبة راسخة، وقاعدة المجتمع المسلم في سائر قيمه العقديّة والعلميّة والمجتمعيّة، وغيرها من القيم، إنّما أساسها الوحي، ممّا يجعل الإنسان مُعظِّما لهذه القيم جميعًا، وتعظيمه لها إنّما هو نابعٌ من تعظيم مصدرها، فيرتقي إحساس الإنسان بالمسؤوليّة عن سائر تصرفاته، كما أنّ ميزتها الروحيّة دافع قويّ للمبادرة بتطبيقها. فالولاء والبراء يعتبر لازمٌ من لوازم التّوحيد. اجتماع المتعلّمين على كتاب الله -تعالى- يؤصّل الموالاة بينهم. إنّ قارئ القرآن يتربّى على هذه القيمة العقديّة منذ جلوسه في حلقة القرآن، مع شيخه وبين زملائه، يجتمعون على هذا الكتاب العظيم، وعلى عقيدة التّوحيد، متحابّين متناصرين، متناصحين، متباذلين، وقد عُهِد عن هذه الحلقات أنّ المنتمين إليها، تمتاز علاقتهم بالحبّ الصّادق والوفاء، ودوام التّواصل والودّ. حيث تتأصّل هذه الشّعيرة في نفوسهم، وتترقّى معهم هذه الخصلة، ويزيد تمكّنها في نفوسهم، كلّما طال مكثهم في الحلقات القرآنيّة، فتتوطّد

عدد الصفحات ٧٩

80 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم هذه العلاقة، ويزداد ترابطهم وتزداد محبّتهم. ثمّ إذا تأمّل المتلقين الآيات الّتي تشير إلى هذه القيمة، أخذت في نفوسهم مأخذها، فيعظّمون شأنها ويحرصون عليها، ففي ولاية المؤمنين قوّة ومنعة، وفي البراء من الكافرين وأعداء الملّة والدّين إضعاف لهم وكس ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﱫلشوكتهم، من هذه الآيات: ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ .]6،٥٥[ ﱪﯾ في هذه الآية حصرت الولاية لله، وجاء الولي بالإفراد للتنبيه على أنّ الولاية بالأصل لله -تعالى-، وعطف الرّسول على لفظ الجلالة تكريماً، وولايته وولاية المؤمنين جاءت تبعا لولايته- سبحانه-. وإنّما جاء بيان الولاية وحصرها فيم تكون؛ بعد النّهي عن توليّ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﱫالكفرة، قال- تعالى-: ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ . ]٢٥، ١٥[ ﱪﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ شرف الموالاة وأثرها على المجتمع المسلم ولا يخفى على صاحب حِجى ما للموالاة بين أفراد المجتمع من قوّة ومنعةٍ، فكيف إذا كان الولاء لمن بيده مقاليد كلّ شيء -سبحانه-، فهو

عدد الصفحات ٨٠