المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم

محمد بن أحمد البدور

صفحة ٤ من ٨

49 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم بقيّة الأخلاق التي توصف بها النّفوس البشريّة، حيث تنتقل مع القرآن من القبح إلى الجمال، ومن السّوء إلى الحسن. ـ الأخلاق تمثّرل صورة النّرفس وكما أنّ للجسد هيئة وصورة، إمّا جميلة وإما قبيحة، فإنّ للنّفس هيئة وصورة بهذه الأخلاق، إمّا أن تكون جميلة، وإمّا أن تكون قبيحة، والمتتبّع لنصوص القرآن الكريم، يدرك الترّكيز الواضح على تكوين الصّورة الجميلة لهذه النّفس، من خلال إبراز مجموعة من الأخلاق، يذكرها القرآن على سبيل المدح، ويرتّب عليها الأجور، ويتحصّل عليها العبد عند إقباله على كتاب الله -تعالى- تلاوة، وبعد إدراكه لمعنى هذه التّلاوة، وحسن فهمه لها، وما أشارت إليه. أذكر بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر ما أرى أنه يلزم تسليط الضّوء عليها لأهمّيتها: الأوّرل: التّرواضع إنّ القارئ المتقن المتدبّر، المتأمّل لآيات الله- تعالى-، يدرك أن هذه الآيات هي خطاب الله العظيم الكبير المتعال، خاطبه بها، فيستشعر عظمة المتكلّم، ومنزِّل هذا الكتاب، فيخشع ويخضع، وينكس بين يدي العظيم -سبحانه- متذلّلا، فيورث هذا الانكسار في نفسه تواضعًا لمنزِّل هذا الكتاب، ولعظمة المنزَّل من عجيب النّظم، ومعجز الكلام، وتواضعًا لمبلِّغ

عدد الصفحات ٤٩

50 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم هذا الكتاب، وتواضعًا لعباد الله -تعالى-، بل إنه يتواضع لجميع خلق الله -تعالى- . والتّواضع خلق الأنبياء والعلماء والمصلحين، وهو يورث نورًا في الوجه، وسمتًا حسنا يعرف به صاحبه. ، ونال ۵وإنّ أولى النّاس بهذا الخلق العظيم، من انتسب إلى الخالق ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﱫشرف الاتّصاف بالربّانية ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ .]79[ ﱪﮇ ﮈ ﮉ ﮊ أولى النّاس بهذا الخلق، من تنقّل بين صفحات هذا الكتاب العظيم، قراءة وتدبرًا وعلماً، وأسوتهم في ذلك خير من قرأ هذا الكتاب، وتخلّق به، وقد ظهر هذا في حاله ومقاله، وقد تجلىّ ذلك حينما طلب من أصحابه ألا .)١(يصفوه إلا بقولهم عبد الله ورسوله من الآيات الّتي يتأمّلها صاحب القرآن، بالإضافة إلى هذه المعاني، لتقويم النّفس وإبعادها عن أسباب الكبر، والتحلّ بخلق التّواضع: ﱪﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﱫ .]٥[ .)٥٤٤) حديث رقم (١/6 انظر صحيح البخاري)١(

عدد الصفحات ٥٠

51 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم فالإنسان مهما بلغ من العلم، فإنه يَردّ العلم إلى العليم الخبير -سبحانه-، متواضعًا لتوفيقه، بأن بلغ هذه المرتبة، متأمّلا مع هذا الشّعور، ما نبّهت إليه هذه الآية، الّتي تبينّ قلة ما يتحصّله العبد من العلم مهما بلغ. .]0[ ﱪﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﱫ إنّ الإنسان مهما حاز من الرّتب في الدّنيا، ومهما حصل من الجاه والسّلطان، إنّما هو بتوفيق الله- تعالى-، وإنّما هو ابتلاء منه- سبحانه-، لينظر أيشكر أم يكفر، وإذا نَزَعت نفسه تجاه الكبر، كانت هذه الآية وشبيهاتها، منبّهة له تذكره بأصل خلقته، تدعوه للتّواضع. .]٥١[ ﱪ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﱫ إنّ المال الذي يكسبه الإنسان في الحياة الدّنيا، وكثرة العَرَض، ما هو إلا بفضل من الله، ومنّة منه- سبحانه-، فالإنسان لا طَوْلَ له على كلّ ذلك، لولا منّة الله عليه به، والآية أصل في إثبات افتقار الناس إلى الله -تعالى-، وهو افتقار غير محصور بالمال فقط، إنّما هو افتقار إلى الله -تعالى- من جميع الوجوه. والنّصوص في هذا الباب كثيرة، منها ما جاء بالتّوجيه المباشر، ومنها ما يحتاج إلى تأمّل للوقوف عليه، فبالتأمّل يستطيع المرء أن يقف على هذه المعاني، وهذه التّوجيهات، فمن تأمّل تواضعه بين يدي شيخه، لتلقّي علم التّلاوة عنه، وبصبرّه على طريقته وطبيعته في التّعليم، مزيد تأديب،

عدد الصفحات ٥١

52 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم وتهذيب لهذه النّفس، والأخذ بها إلى التّخلّق بخلق التّواضع، ثمّ بتأمّل الآيات، وفهم معانيها، بما في ذلك الآيات الّتي تتحدّث عن هذا الخلق، كالّتي مرّت معنا على سبيل المثال لا الحصر، اكتسب المقبل على القرآن هذا الخلق على أكمل وجه، وتأسّى بذلك بسلفه الصّالح، الّذين جعلوا القرآن قائدهم إلى كلّ خير، وموجّههم في جميع شؤونهم. إنّ التّواضع يعني التّعايش والتّعامل مع الآخرين، وعلى هذا فإنّ خلق التّواضع يصبّ في مصلحة تواصل المجتمع وتكافله، حيث يبعث على التّوازن، فينفي الأنانيّة، وينمّي العمل الجماعيّ، باعتبار أنّ كلّ جزء منه يكمّل الآخر، فيرتقي المجتمع بالحسّ الجماعيّ، وينمو بسبب الصحة النفسيّة، وذلك لعدم احتقار أحد، سواء أكان في شخصه، أو في مهنته، وكذلك لترك الاستكبار والتّعالي، والتّعاون مع الآخرين، فالتّواضع فيه سياسة للنّفس، والمتواضع هو القائد والسّيد في قومه، فالّذي قاد نفسه وساسها، يستطيع أن يقود ويسوس الآخرين. الثّراني: الأمانة إنّ خلق الأمانة خلق عظيم، يشرف صاحبه به، ويكفيه شرفًا أنّ فيه تشبهًا بالأنبياء وأهل الفضل، وعلى رأسهم إمام الأنبياء، وسيّد ولد آدم، محمد بن عبد الله- صلوات ربيّ وسلامه عليه- حيث اتّصف بهذا الخلق منذ صغره، وظهر عليه ذلك جليّا، عندما عامل النّاس، واتجّر بأموالهم،

عدد الصفحات ٥٢

53 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم وباع لهم وابتاع منهم، وفي هذا إشارة إلى أنّ الله- سبحانه وتعالى- يختار من عباده الأمناء لحمل رسالته، وتبليغ دعوته. إنّ القرآن يربيّ صاحبه على خلق الأمانة، ويؤصّله في نفسه، ابتداءً من تعلّمه لتلاوة هذا الكتاب وطلب إتقانه وترتيله، فالقارئ يراعي كلّ لفظ من ألفاظ القرآن العظيم، بل كلّ حرف من حروفه أن يخرج من مخرجه الصحيح، وأن يؤدّى كما أراد له منزله- سبحانه-، إنّ تلقّي هذا القرآن فيه تحقيق للأمانة، حيث يؤخذ عمّن أخذه بأمانة الله وأتقنه، روى البخاري في صحيحه عن مَسُوقٍ، قال: ذُكِر عبد اللهَّ بنُ مسعودٍ عند عبدِ اللهَِّ بنِ عَمرٍو، يقولُﷺفقال: ذاكَ رجلٌ لا أزالُ أُحبُّه، سمعتُ النَّبِيَّ أربعةٍ من عبدِ اللهَِّ بنِ مسعودٍ - فبدأَ به -، وسالمٍ موْلىَ أبيِ حذيفةَ، ومعاذ .)١(بنِ جبلٍ، وأُبيَِّ بن كعب إنّ تعلّم تلاوة القرآن بهذه الطّريقة، يربيّ المتعلّم ويؤصّل في نفسه مبدأ الأمانة العلميّة، التي بدورها تربيّ النّفس على الصّدق والأمانة، وتبعد صاحبها عن التّلّبس بلباس الزّور والبهتان، وادّعاء ما ليس له، كما تربيّ في نفسه تعظيم الميثاق، واحترام العهود الّتي يتعهّد بها، فهي تربيّ في النّفس مجموعة متكاملة من المثل والقيم، تندرج جميعها تحت عنوان الأمانة، فبالأمانة لا يدخل على هذه العلم ما ليس منه، ويراعي حامله كلّ ).3808) حديث رقم36/٥ صحيح البخاري ()١(

عدد الصفحات ٥٣

54 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم كبيرة وكلّ صغيرة فيما يتعلّق به، فمن الأمانة ألا يخفي شيئا منه، ولذلك استمرّ بذل هذا العلم وبثّه بين النّاس، منذ الجيل الأوّل الّذي حمل هذه الأمانة، وتحمّل تبليغها على وجهها، غضّة كأنهّا نزلت اليوم من السّماء، فالرّسالة أمانة، نقلها أمين الوحي من السّماء، إلى أمين الوحي في الأرض، ونقلها جيلٌ تربّى عليها وعلى مبلِّغها على هذا الخلق العظيم الأميز. فالأمانة الّتي يكتسبها المتعلّم من القرآن، تفتقر إليها المجتمعات بشكل عامّ، وميزتها شموليّتها، فهي أمانة في الأخذ، وأمانة في التحّمل، وأمانة في الأداء، فطالب هذا العلم يسلك طريقًا محدّدًا، هي طريق المعلّم المتقن، صاحب الإسناد الّذي يأخذ عن مثله، بسلسلة متصلةٍ إلى النّبع .ﷺ الصّافي، إلى نبيّ الهدى ولمّا يتذوّق صاحب القرآن لذّة التّحمّل، لا تكتمل له هذه اللذة إلا حينما يؤدّي هذا العلم، وينقل هذه الأمانة لغيره من أفراد هذه الأمّة المباركة، ويكون نقله من باب الأمانة العلميّة، فمن مقتضيات الأمانة العلميّة ألا يُكتم العلم، فكيف إذا كان العلم متعلّقا بكتاب الله -تعالى -؟. فإذا اجتمع لهذا الفهم تأمّل الآيات الّتي جاءت تحضّ على الأمانة، وحفّزت العباد للتخلّق بهذا الخلق؛ تأثّرت النّفس بهذه التّوجيهات الكريمة. مـن الآيـات الّتـي اهتمّـت بترسـيخ خلـق الأمانـة: قولـه -تعالى-:

عدد الصفحات ٥٤

55 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﱫ قال الطّبري في تفسـيره ]٢[ ﱪﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ لهـذه الآية: وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب ما قالـه الّذين قالوا: إنّه عُنِي بالأمانـة في هـذا الموضع: جميع معـاني الأمانات في الدّيـن وأمانات الناس وذلـك أنّ الله لم يخـصّ بقولـه: (عَرَضْنَا الأمَانَةَ) بعض معـاني الأمانات لما . )١(وصفنا فالآية تحتمل معنى الأمانة على إطلاقها: أمانة متعلّقة بأوامر الله -تعالى- ونواهيه، وفرائضه، وكلّ ما أرشد إليه فرغّب فيه أو حذّر منه، وأمانة متعلّقة بالبشر وحقوقهم، وأمانة متعلّقة بالنّفس بجلب الخير لها؛ وصرف الضرّّ عنها،... ولعظم شأن الأمانة ولدخولها في كلّ الطّاعات، يجعلها ربنا- سبحانه -يوم القيامة مع الرّحم على جنبتي الصرّاط، والنّاس « :ﷺيمرّون بحسب أعمالهم ... قال .)٢(جنبتي الصرّاط يمينا وشمالا ... الحديث إنّ هذا الخلق له الأثر الأكبر في أمن واستقرار المجتمع المسلم، كما أنّ له الأثر الأكبر في دعوة غير المسلمين، وقد دخل خلْق كثيرٌ هذا الدّين، لمّا لمسوا هذا الخُلُق عند المسلمين، وفي فقد هذا الخلق خطر شديدٌ على ).٢٤/0 تفسير الطّبري)١( ).٥) حديث رقم: (86/١ صحيح مسلم ()٢(

عدد الصفحات ٥٥

56 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم المجتمع، وشؤمه يمتدّ أثره على الأمّة جمعاء. انظر إلى العزيزة الكريمة بنسبها، الّتي تنتمي لقبيلة ذات جاه وشرف، لم تشفع لها هذه المنزلة وهذا النّسب، عندما زلّت وخانت الأمانة؛ فوقعت في ذنب عظيمٍ، يمثّل حدّا من حدود الله -تعالى- تلزمه، العقوبة، وذلك حفاظا على صفاء المجتمع ونقائه، وفي مقابل هذه المصلحة العظمى والأهمّ، -مصلحة الجماعة، ومصلحة المجتمع- هانت يد هذه المرأة، ذات النسب،الّتي لنسبها شرف ومكانة بين الناس، ولم يعد لها قيمة عند الله ولا .)١(رسوله ولا المؤمنين عندما خانت الأمانة التي فرضها الله تعالى . )٢(فقيل في حقها: كانت ثمينة لمّا كانت أمينة، فلماّ خانت هانت قلت: وقد يجيب هذا عن تساؤل الكثيرين عماّ حل في أمّة الإسلام، أمّة الخيريّة من بلاء وضعف وهزيمة؟ حيث إنّ هذه الأمّة كانت ثمينة عزيزة على الله، ولها التّأييد والنّصرة لمّا كانت أمينة على رسالة ربهّا، فلماّ قصرّت وخانت في حمل وأداء هذه الأمانة هانت. فبالإقبال على القرآن تعلّما وتعليما، يكتسب المرء هذا الخلق العظيم، ، انظر _صلى الله عليه وسلم _ إشارة إلى قصّة المرأة المخزوميّة الّتي سرقت في عهد النّبيّ )١( .30) حديث رقم١٥١/٥صحيح البخاري ( ابن كثير، إسماعيل بن عمر بن كثير أبو الفداء القرشي الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، دار) ٢( ).0/3هـ، تحقيق: سامي محمد سلامة،0طيبة للنشر، الطبعة الثانية

عدد الصفحات ٥٦

57 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم العزيز في هذه الأيّام، ويصبح سمتًا له، فهو يتأدّب بهذا الأدب ابتداءً بتعلّم التّلاوة، الّذي تتمثّل فيه الأمانة على الحقيقة، فهو كلام الله- تعالى-، لا يُتلى إلا كما يريد الله -تعالى- له أن يتلى، وتتأكّد الأمانة فيه بتعليمه والالتزام بالأحكام التي تضبطه، ويُتلى وفقها، ومرورا بتأمّل وتدبّر الآيات المتحدّثة عن هذا الخلق الكريم، وحسن فهمها وتأمّل ما أشارت إليه. الثّرالث: الصّردق إنّ هذا الخلق العظيم له ارتباط وثيقٌ بخلق الأمانة، وإذا ذكر أحدهما يوصف بهذين الوصفين الكريمين. ﷺذكر الآخر، وقد كان نبيّ الرّحمة أثر تعلّرم التّرلاوة في تحقّرق خلق الصّردق الصّدق صفة لازمة لمبلّغ رسالة الله- تعالى-، كما أنّ الأمانة صفة لازمة له، وأهل القرآن مبلّغون وناقلون لهذه الأمانة العظيمة، فلا يصحّ منهم إلا أن يتحلّوا بهذه الصّفة، وهم يكتسبون هذه الصّفة العظيمة بإقبالهم على كتاب الله- تعالى-، حيث إنّ تعليم كتاب الله -تعالى- يكسب المتعلّم له تصويبا للفظه، وتقويما للسانه، اللسان هذا العضو الخطير في جسم الإنسان، روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أنّه سأل رسول الله عن عمل يدخله الجنّة، ويباعده من النّار؟ أمورًا تحقّق له سؤله، ثمّ بينّ له ملاك ذلك كلّه ﷺفذكر له النّبيّ الكريم بوصيّة جامعة، فقال له

عدد الصفحات ٥٧

58 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم الله، فأخذ بلسانه، فقال لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فَقَالَ . )١(في النَّار على وجوهِهِم، أو قال: على مَنَاخِرِهِمْ، إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟ ففي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنّ هذا العضو من جسم الإنسان هو المسؤول عن الكلام، بصفة خاصّة، فاللسان مرنٌ وكثير الحركة في داخل الفم عند النّطق، وتكون حركته بما يتناسب واللفظ. ويشهد لذلك أيضا ما رواه الترمذي في سننه عَنْ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله ما النَّجاةُ؟ قال . )٢(وابْك على خطيئتِك ففي الحديثين دليلٌ على أنّ اللسان هو آلة النّطق، وتعليم التّلاوة يعُنى بهذا العضو المهمّ حيث تقع عليه وعلى الأعضاء المجاورة له أهمّ مباحث علم التّجويد، مبحث مخارج الحروف وصفاتها، حيث إنّ اللسان يشكّل العضو الرّئيس الّذي تخرج منه معظم الحروف، وله علاقة مباشرة في تطبيق صفاتٍ لازمةٍ لجميع الحروف، مثل الاستعلاء والاستفال، وغيرها، وكذلك الصّفات العارضة، كالتّفخيم والترّقيق. ) قال عنه الشّيخ شعيب: حديث صحيح. 6) حديث رقم٥٤/36مسند الإمام أحمد )١( ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 06) حديث رقم٥/٤ سنن الترّمذي ( )٢( ).890( )١٥٥/٢(

عدد الصفحات ٥٨

59 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم والقارئ حتّى يبلغ رتبة الإتقان لا بدّ له من مراقبة هذا اللسان، والتّدقيق في كلّ ما يصدر عنه من الألفاظ، وكيفيّة أداء هذه الألفاظ، هذا اللسان الذي باستقامته تستقيم باقي الجوارح، وباعوجاجه تعوجّ باقي الجوارح، روى الترّمذيّ في سننه عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، رفعه قال أصبح ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تكفِّرُ اللِّسانَ فتقولُ: اتَّقِ الله فينا فإنَّما .)١(نحنُ بكَ، فإن استقمتَ استقمنَا وإن اعوججْتَ اعْوَجَجْنَا فلأحدنا أن يتأمّل هذا الاهتمام وهذه الدّقّة، وما يترتّب على ذلك من أثرٍ في مراقبة ما يصدر عن هذا اللّسان من ألفاظ في سائر الكلام، وفي سائر الشّؤون وبشكل عام، فلسانٌ هذا حاله، يُقوَّم ويُصوَّب في لفظ كلام علام الغيوب، وينتظم ليلفظ ألفاظ القرآن وفق ما أراد الله لها أن تلفظ مرتّلة مجوّدة، لا بدّ له أن يُراقب لفظه في سائر الكلام، حيث يتربّى على صحّة اللفظ، وعلى أن يكون لفظه صوابا، ومن أهمّ ما يلزم هذا اللسان الذي تجمَّل وتزيَّن بلفظ كلام الله -تعالى- لفظا صحيحًا متقنًا، أن يتحلىّ باستقامته على الصّدق، وتجنّبه للكذب. وتمرّ بقارئ القرآن الآيات الّتي تتحدّث عن هذه الصّفة، وكيف أنهّا صفة للمؤمنين، وأنّ المؤمنين هم الّذين يصدُقون الله -تعالى- ببرّهم ) وحسنه الألباني في صحيح الجامع 07) حديث رقم ٥/٤ سنن الترّمذي ( )١( ).٢٥) (9/١(

عدد الصفحات ٥٩

60 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم وطاعتهم له، والتقرّب إليه بكلّ ما يرضيه عنهم، وبذل الغالي والنّفيس في سبيل ذلك. ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﱫل -تعالى-: قا .]3[ ﱪﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ أهل الصّدق هم رجال الحقّ، وهم الرّجال حقًّا، صدقوا العهد مع الله، فكانوا هم المؤمنين، وخالفوا المنافقين الّذين نقضوا الميثاق، وكذبوا ما عاهدوا الله عليه. والصّدق تطمئنّ إليه النّفس، ولا تتكلّف للنّطق به، على خلاف الكذب الذي تضطّرب النّفس عند النّطق به، ولا يزال الّذي يكذب يعيش القلق من أثر الكذب، روى الترّمذي في سننه من رواية أبي الحوراء السّعديّ قَالَ: قلتُ للحسنِ بن علٍّ: ما حفِظْتَ من رسول الله؟ قال: « :ﷺحفِظتُ من رسول الله .)١(طمأنينةٌ، وإنَّ الكذبَ رِيبَةٌ خلاصة: اجتمعت له صفات التّواضع والأمانة والصّدق، وأَوْلاها إنّ من اهتمامًا خاصًّا بالإضافة إلى باقي الأخلاق الحميدة ساد، وحُقّ له أن ) وحسنه الألباني في صحيح الجامع 8) حديث رقم 668/٤ سنن الترمذي، ( )١( ).3377( )637/١(

عدد الصفحات ٦٠

61 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ، الّذي نتأسّى به في سائر ﷺيسود، فقد كانت هذه صفات القائد القدوة شؤون حياتنا، وقد ساد الجيل الأوّل لمّا تحلّوا بهذه الصّفات، متأسّين بخير البريّات، عليه من الله أزكى الصّلوات. ثانيًا: أثرهما في ضبط السّرلوك إنّ القرآن يحمل من المعاني العظيمة الموجّهة لأحسن الأخلاق، وأفضل السّلوك الّذي يريده الله -تبارك تعالى- للبشر أن يسلكوه، فألفاظ القرآن تحمل من المعاني ما يحتاجه بنو البشر في كل شؤون حياتهم، وما يتزوّدون به لآخرتهم ليكون سببًا لنجاتهم، وفوزهم برضا ربهّم- سبحانه وتعالى- . بحيث تصبح هذه السلوكيّات راسخة في نفس من جعل كتاب الله -تعالى- محلّ اهتمامه، ومصدر ثقافته، فالقرآن العظيم يؤصّل في النّفس قوّة الإرادة، للتّحكم في الذّات وضبط السّلوك والتّصرفات. ـ أثر إتقان التّرلاوة و صحّرة الفهم في الإتقان 1 إنّ الذي أتقن قراءته بتخليص الحروف والحركات، وإعطاء كلّ حرف حقّه ومستحقّه من الصّفات اللازمة والصّفات العارضة، وراعى الإتقان في سائر تلاوته، ثمّ مرّ على الآيات الّتي تتحدّث عن هذه الصّفة، لا بدّ أن يتأثّر بهذا السّلوك وأن يعمل بموجبه، ومن أهمّ الآيات الّتي تشير

عدد الصفحات ٦١

62 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﱫإلى هذا السّلوك المهمّ: قوله- تعالى-: قال ابن ]88[ ﱪﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ عطيّة في تفسيره: (الإتقان): الإحسان في المعمولات وأن تكون حسانا .)١(وثيقة القوّة والقرآن يريد من قارئه أن تكون هذه صفة أصيلة مستقرّة في نفسه، لا تفارقه ولا بحال، ابتداءً بإتقان تلاوته، ومرورًا بإتقانه لحسن الفهم، وانتهاءً بإتقانه كلّ عمل. ـ أثر إتقان التّرلاوة وصحّرة الفهم في سلوك الانضباط 2 إنّ قارئ القرآن يقدّر الوقت ويضبطه بكلّ عناية، حتّى أنّه يراعي الجزء من الحركة، فقد يحتمّل تطبيق الرّوم أجزاءً من الثّانية، والمدود قد يحتمل تطبيقها ثانية وأكثر، كما يضبط المساواة بين المدود، لتظهر القراءة غاية بالانسجام والانتظام، يستسيغها السّامع، وتقع عنده موقع القبول، والتلذّذ بسماعها، والتأثّر بها، فإنّ في ذلك دعوة لانضباطه في شؤونه كلّها، ويكتمل تأثّره ويزداد اهتمامه إذا مرّت به الآيات التي تتحدّث عن الضّبط فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللهََّ قِيَامًا {والانتظام، مثل قوله-تعا ابن عطية، عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن المحاربي الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير )١( هـ، تحقيق عبد السلام عبد ٢٢٤١الكتاب العزيز، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى ).73/٤الشافي محمد، (

عدد الصفحات ٦٢

63 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم وَقُعُودًا وَعَلىَ جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ ]03[ }عَلىَ المُْؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا الصَّلاةَ كانَتْ عَلىَ المُْؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا فرضًا محدود الأوقات لا يجوز . )١(إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال ـ أثر إتقان التّرلاوة وصحّرة الفهم في تفعيل الطّراقات الكامنة 3 إنّ قارئ القرآن يفرح باكتشافه، لطاقات كامنة في نفسه، ظهرت له من خلال إقباله على هذا الكتاب المبارك، وذلك بصبره على تلقّي العلم، وزيادة ورده، والعجيب أنّ النّفس تطيب بهذا البذل، فتدفع بالقارئ إلى بذل المزيد من الجهد والوقت، فيظهر له أنّ عنده من الإمكانات والطّاقات، ما يجعله يقدّم المزيد والمزيد، فإذا تأمّل معاني الآيات الّتي ترفد هذا السّلوك ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﱫكقوله -تعالى-: فإنّ الآية تشير إلى ]٥[ ﱪﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ .)٢(ﷺأنّ العمل مطلوبٌ من جميع أتباع هذا النّبيّ الكريم وإنّ ظاهرالعمل المقصود هنا هو العبادة، إلا أنهّا العبادة بمعناها البيضاوي، عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار إحياء )١( ).٤/٢هـ، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشل، (8التراث العربي بيروت، الطبعة الأو القرطبي، محمد بن أحمد بن أبي بكر الخزرجي القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب )٢( ).٢٥٢/8هـ، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش،٤المصرية القاهرة، الطبعة الثانية

عدد الصفحات ٦٣

64 القرآن العظيم وأثره في السلوك القويم ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﱫالشّامل، الّذي يوجّه إليها القرآن العظيم: .]٢[ ﱪﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ـ تأثير إتقان التّرلاوة وصحّرة الفهم في حصول الهمّرة 4 إنّ هذا السّلوك مرتبطٌ بالّذي سبقه، حيث إنّ الّذي تتجلىّ له هذه الطّاقة الكامنة، الّتي لم يكن يدركها من قبل، أو كان مقصرًّا فيها، تنبعث في نفسه أسباب الهمّة، فيستسيغ كلّ صعب. والهمّة قد تكون موجودة أصلا في نفوس البعض، هبة من الله، إلا أنّ هذا الخُلُق، كباقي الأخلاق يُكتسب ويُنمّى. إنّ متعلّم القرآن، إذا قصرت همّته لم يبلغ مرتبة السابقين في الخيرات، ، فلذلك كان ﷺولم يحقّق صفة الربانيّة، ولم يشرف بإرث النّبيّ الكريم تالي القرآن، يستلهم هذا الخلق من تلاوته لكتاب ربّه -سبحانه وتعالى-، حيث إنّ بلوغ مرتبة الإتقان، والتّشرّف بنيل إجازة بالسّند المتّصل، للنّبيّ الكريم- صلوات ربيّ وسلامه عليه- لا يتأتّى إلا بهمّة، تدفع بصاحبها، ليكون في مصافّ المتقدّمين السّابقين، أصحاب الرّيادة والشرّف. ويكتمل له ذلك، إذا مرَّ بالآيات الّتي تبعث في النّفس الهمّة، كقوله ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﱫ-تعالى-: ففي هذه الآية استنهاضٌ للهمم، ]33[ ﱪﭛ ﭜ للمسارعة إلى مرضاة الله ومغفرته، والفوز بجنّاته، فهي مجموعة من

عدد الصفحات ٦٤